فاطمة المنصوري على رأس الحكومة المغربية… تغيير في الواجهة أم بداية مرحلة سياسية جديدة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية مجرد انتقال للسلطة من حزب إلى آخر، ولا يمكن اختزاله أيضاً في كونه سابقة مرتبطة بوصول امرأة للمرة الأولى إلى أعلى منصب حكومي في المملكة. فالقرار يأتي في لحظة سياسية واجتماعية مختلفة، بعد انتخابات أعادت توزيع القوة بين الأحزاب، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن أزمة أعمق تتعلق بثقة المغاربة، وخصوصاً الشباب، في السياسة وقدرة المؤسسات المنتخبة على تحسين ظروفهم المعيشية.
المنصوري وصلت إلى رئاسة الحكومة بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 سبتمبر/أيلول بحصوله على 97 مقعداً، لكنه بقي بعيداً عن الأغلبية المطلقة المطلوبة في مجلس النواب، والبالغة 198 مقعداً. وبهذا تبدأ ولايتها من معادلة مزدوجة: انتصار انتخابي يمنحها شرعية تشكيل الحكومة، لكنه لا يمنحها حرية كاملة في إدارتها، إذ ستظل محتاجة إلى شركاء ائتلافيين وإلى التوفيق بين برامج ومصالح قوى سياسية مختلفة.
من رمزية المرأة إلى اختبار السلطة
يحمل وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة قيمة رمزية واضحة. فالمغرب عرف خلال العقود الماضية توسعاً تدريجياً في حضور النساء داخل البرلمان والحكومة والمؤسسات المحلية، لكن الانتقال إلى رئاسة السلطة التنفيذية ينقل هذا الحضور من دائرة المشاركة إلى دائرة القيادة.
غير أن أهمية هذه السابقة ستتراجع سريعاً إذا بقيت محصورة في بعدها الرمزي. فالاختبار الحقيقي لن يكون في كون رئيس الحكومة امرأة، وإنما في قدرتها على تحويل هذا التغيير في الصورة إلى اختلاف في الأداء السياسي. ولذلك ستكون الفترة الأولى من ولايتها حاسمة في تحديد ما إذا كان تعيينها سيُقرأ لاحقاً باعتباره تحولاً مؤسساتياً حقيقياً، أم مجرد حدث تاريخي لم يؤد إلى تغيير ملموس في علاقة المواطن بالحكومة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المنصوري تدخل السلطة وهي تحمل عبئاً إضافياً لا يواجهه عادة رؤساء الحكومات: نجاحها أو فشلها لن يُقاس فقط بأداء حزبها وحكومتها، بل سيُستخدم على الأرجح في النقاش الداخلي حول قدرة المرأة على إدارة أعلى موقع حكومي في البلاد.
انتصار الأصالة والمعاصرة… لكنه ليس تفويضاً مطلقاً
رغم تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، فإن الأرقام تحمل رسالة أكثر تعقيداً من مجرد فوز الحزب. فقد حصل التجمع الوطني للأحرار على 66 مقعداً، والاستقلال على 65، بينما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان بـ54 مقعداً بعدما كان قد حصل على 13 فقط في انتخابات 2021.
وهذا يعني أن المشهد الجديد ليس انتقالاً كاملاً للسلطة بقدر ما هو إعادة ترتيب داخل المنظومة الحزبية. فاللافت أن الأحزاب الثلاثة التي شكلت الائتلاف الحكومي السابق (الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والإستقلال) ما تزال تملك مجتمعة 228 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة. ولذلك يبقى سيناريو إعادة إنتاج الائتلاف نفسه، ولكن بقيادة المنصوري من الأصالة والمعاصرة بدلاً من عزيز أخنوش من التجمع الوطني، خياراً سياسياً قابلاً للتطبيق.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: الانتخابات عبّرت عن رغبة في التغيير، لكن التغيير قد يتم داخل التحالف نفسه الذي حكم المغرب خلال السنوات الماضية. وهذا سيضع المنصوري أمام ضرورة إثبات أن انتقال رئاسة الحكومة من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة ليس مجرد تبديل للأدوار داخل الأغلبية السابقة.
أزمة المشاركة… الرقم الأخطر في الانتخابات
قد يكون الرقم الأكثر دلالة في الانتخابات المغربية ليس 97 مقعداً التي حصل عليها حزب المنصوري، وإنما نسبة المشاركة التي لم تتجاوز نحو 38%.
فالمشاركة انخفضت من أكثر من 50% عام 2021 إلى نحو 38% عام 2026، كما تراجع عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بنحو 1.7 مليون شخص، وانخفض العدد الفعلي للمصوتين من قرابة 8.8 ملايين إلى نحو ستة ملايين.
هذه الأرقام تجعل الحديث عن أزمة ثقة أكثر أهمية من الحديث عن الفائز والخاسر.
فرئيسة الحكومة الجديدة لا تحتاج فقط إلى إدارة أغلبية برلمانية، بل إلى التعامل مع كتلة اجتماعية كبيرة اختارت أساساً عدم المشاركة. وهنا تكمن إحدى أصعب مهامها: إعادة السياسة إلى حياة الشباب الذين بات قسم منهم يرى أن الانتخابات لا تغير كثيراً في فرص العمل أو السكن أو التعليم أو الخدمات العامة.
ولهذا فإن وعد حزبها باستحداث مليون فرصة عمل وتحقيق نمو سنوي يبلغ 5% لن يبقى مجرد بند انتخابي؛ بل سيصبح معياراً رئيسياً لقياس قدرة الحكومة على استعادة جزء من الثقة المفقودة.
الشباب… الملف الذي قد يحسم نجاح الحكومة
المنصوري نفسها وضعت الشباب في مقدمة خطابها بعد التكليف، وهذا ليس اختياراً خطابياً فقط. فالمغرب عاش خلال الفترة السابقة احتجاجات اجتماعية شبابية، كما شكلت محاولات الهجرة غير النظامية باتجاه سبتة مؤشراً قاسياً على شعور قطاعات من الشباب بانسداد الأفق.
ومن هنا فإن الحكومة الجديدة تواجه مشكلة تتجاوز البطالة بوصفها رقماً اقتصادياً. القضية تتعلق بإحساس شريحة من الجيل الجديد بأن النمو الاقتصادي والاستثمارات الكبرى لا تنعكس بالسرعة نفسها على حياتهم اليومية.
هذا التناقض سيزداد وضوحاً مع اقتراب كأس العالم 2030. فالمغرب ينفذ استثمارات ضخمة في الملاعب والنقل والبنية التحتية استعداداً للمونديال، وتتحدث رويترز عن برنامج تحضيرات يقدر بنحو 20 مليار دولار.
هذه الاستثمارات يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية كبرى، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطرة سياسية: إذا رأى المواطن أن الأموال تتجه إلى الملاعب والمشروعات الضخمة بينما تبقى المستشفيات والمدارس وفرص العمل دون المستوى المتوقع، فإن كأس العالم قد يتحول من مشروع لتعزيز المكانة الدولية للمغرب إلى مادة للانتقاد الداخلي.
ومن هنا سيكون التحدي أمام المنصوري هو الربط بين مشروع 2030 والسياسة الاجتماعية، بحيث تتحول البنية التحتية إلى وظائف وتنمية محلية واستثمارات مستدامة، وليس فقط إلى منشآت مرتبطة بحدث رياضي ينتهي خلال أسابيع.
العلاقة مع المؤسسة الملكية… حدود السلطة ومساحة الحركة
لا يمكن قراءة موقع رئيس الحكومة في المغرب بالطريقة نفسها التي تُقرأ بها رئاسة الحكومة في النظم البرلمانية الأوروبية. فالملك محمد السادس يحتفظ بصلاحيات واسعة، خصوصاً في المجالات الاستراتيجية المرتبطة بالدفاع والسياسة الخارجية وبعض الملفات الكبرى للدولة.
ولذلك فإن قوة المنصوري السياسية لن تُقاس بمدى استقلالها عن المؤسسة الملكية بقدر ما ستقاس بقدرتها على إدارة المساحة التنفيذية المتاحة لها بكفاءة، وتحويل التوجهات العامة للدولة إلى سياسات اجتماعية واقتصادية قابلة للقياس.
وهنا قد يكون قرب حزب الأصالة والمعاصرة تاريخياً من دوائر الدولة عاملاً يساعد على الاستقرار وسرعة اتخاذ القرار، لكنه يمثل في الوقت ذاته تحدياً سياسياً للحزب، لأن المعارضة ستستخدم هذه العلاقة للطعن في استقلالية الحكومة.
ولذلك ستحتاج المنصوري إلى بناء شرعية خاصة بها، أساسها الأداء والنتائج، وليس فقط موقع حزبها داخل النظام السياسي.
عودة العدالة والتنمية تعيد الصراع السياسي
من التطورات المهمة أيضاً عودة حزب العدالة والتنمية إلى المعارضة بقوة أكبر. الحزب رفع عدد مقاعده من 13 مقعداً في 2021 إلى 54 في انتخابات 2026، وقرر رسمياً البقاء في المعارضة.
وهذا يعني أن الحكومة الجديدة لن تواجه معارضة مشتتة أو هامشية، وإنما قوة سياسية تمتلك تجربة طويلة في الحكومة والمعارضة، وقاعدة شعبية وتنظيمية واضحة.
وقد يمنح ذلك الحياة السياسية المغربية قدراً أكبر من الاستقطاب بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، خصوصاً في الملفات الاجتماعية والقيمية وقضايا الإصلاح السياسي. كما يمكن أن يستعيد الحزب الإسلامي جزءاً من دوره بوصفه قناة للاحتجاج على الحكومة، بعد التراجع الكبير الذي تعرض له في انتخابات 2021.
من المهم الإشارة إلى الخلاف التاريخي لحزب العدالة والتنمية مع حزب الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه في العام 2008، حيث أن أدبيات العدالة والتنمية كانت تعتبره دائما حزب السلطة وتصفه بأنه حزب مفبرك أُنشئ خصوصا لمواجهة واحتواء اكتساح حزب العدالة والتنمية للمشهد السياسي، وهو الصراع الذي استمر وتعمق مع مختلف قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، ومنهم فاطمة الزهراء المنصوري، أحد مؤسسي الحزب.
وماذا عن الجدل المرتبط بإسرائيل؟
الحديث الذي ظهر في بعض وسائل الإعلام الجزائرية التي تصف المنصوري بأنها مقربة من لوبي أندريه أزولاي، السياسي المغربي يهودي الديانة من أصول أمازيغية، ويعمل مستشارًا خاصًا للملك محمد السادس، أو في تصريحات سياسية لعبد الإله بن كيران رئيس حزب العدالة والتنمية تصف المنصوري بأنها “مرشحة إسرائيل” يحتاج إلى التعامل معه بحذر.
لا توجد أي مصادر تقدم أدلة موثوقة تثبت أن وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة جاء بدعم إسرائيلي أو أن قرار تعيينها مرتبط مباشرة بإسرائيل. ما يمكن قوله هو أن السياسة المغربية تجاه إسرائيل ستظل ملفاً يستخدم داخلياً في المنافسة السياسية، ولا سيما مع حساسية الرأي العام تجاه التطبيع.
والأهم أن السياسة الخارجية المغربية، وخصوصاً القضايا الاستراتيجية مثل العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة وملف الصحراء الغربية، لا تُصنع حصراً داخل رئاسة الحكومة، بل تلعب المؤسسة الملكية فيها الدور الأبرز. ولذلك فإن توقع تغيير جذري في السياسة الخارجية نتيجة تغيير رئيس الحكومة قد يكون مبالغاً فيه. يدعم هذا الرأي أن اتفاق التطبيع الذي وقعته المغرب مع إسرائيل منذ سنوات جاء في فترة رئاسة حزب العدالة والتنمية نفسه للحكومة، وهو ما لم يمنع هذا التوجه.
الخلاصة
تكليف فاطمة الزهراء المنصوري يحمل بالفعل دلالة تاريخية، لكن التحدي الذي ينتظرها أكبر بكثير من رمزية أن تكون أول امرأة تقود الحكومة المغربية.
فالانتخابات أعطتها المركز الأول، لكنها لم تمنحها تفويضاً شعبياً واسعاً؛ ونسبة المشاركة المتدنية تقول إن المشكلة الأساسية ليست فقط من يحكم، وإنما مدى اقتناع المغاربة بأن السياسة قادرة على تغيير حياتهم.
لذلك يمكن النظر إلى حكومة المنصوري باعتبارها أمام ثلاثة اختبارات متزامنة: اختبار اجتماعي يتعلق بالشباب والبطالة والقدرة الشرائية والخدمات، واختبار سياسي يتعلق بإعادة بناء الثقة بالمؤسسات وإدارة ائتلاف متعدد الأطراف ومعارضة أكثر قوة، واختبار تنموي يتعلق بكيفية تحويل الاستثمارات الضخمة المرتبطة بكأس العالم 2030 إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية يشعر بها المواطن.
إذا نجحت في هذه الملفات، فقد يصبح وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة جزءاً من تحول أوسع في النظام السياسي المغربي. أما إذا استمرت المشكلات الاجتماعية نفسها، فستصبح السابقة النسائية مجرد عنوان بارز لمرحلة تغير فيها اسم رئيس الحكومة أكثر مما تغيرت قواعد اللعبة نفسها.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


