الشرق الأوسطتقديرات

ماذا يحدث في الجنوب السوري؟ مسارات مختلفة ونتيجة واحدة


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


لا يبدو المشهد في جنوبي سوريا، وتحديداً في محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة، قابلاً للقراءة باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة التي تجمعها الجغرافيا وحدها، فالتطورات المتلاحقة خلال الفترة الأخيرة، رغم اختلاف الجهات المنخرطة فيها وتباين مصالحها، تتقاطع عند نقطة أساسية واحدة تتعلق بمستقبل الجنوب نفسه، وبطبيعة السلطة التي ستفرض قواعدها فيه خلال المرحلة المقبلة. فمن تعثر مسار إعادة دمج السويداء، واستمرار وجود مجموعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، إلى التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية في القنيطرة وريف درعا، مروراً بشبكات المخدرات والسلاح الممتدة باتجاه الحدود الأردنية، وصولاً إلى العمليات الأردنية داخل الأراضي السورية، تتراكم الوقائع بصورة توحي بأن الجنوب يدخل مرحلة إعادة تشكيل أمني وسياسي لم تتضح صورتها النهائية بعد.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود غرفة عمليات واحدة أو مخطط مشترك تتحرك وفقه كل الأطراف، إذ تختلف حسابات دمشق وعمّان وواشنطن وتل أبيب والقوى المحلية اختلافاً واضحاً، إلا أن المشكلة تكمن في أن تحركات كل طرف، حتى عندما تنطلق من اعتبارات خاصة به، يمكن أن تنتج ظروفاً تخدم مصالح طرف آخر، وأن تتحول مجموعة من الخطوات المنفصلة تدريجياً إلى واقع متكامل يصعب التراجع عنه لاحقاً. ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بمن يقف خلف كل حادثة، وإنما بما تنتجه هذه الحوادث مجتمعة على مستوى السيادة السورية وشكل السلطة في الجنوب.

في السويداء، ما زال ملف إعادة المحافظة إلى مؤسسات الدولة عالقاً بين مسار سياسي تدعمه دمشق وواشنطن وعمّان، وبين واقع أمني واجتماعي أكثر تعقيداً تفرضه الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون، وانتشار السلاح وغياب سلطة الدولة بصورة كاملة عن أجزاء من المحافظة. وفي القنيطرة وريف درعا الغربي، تحولت العمليات الإسرائيلية من تدخلات محدودة مرتبطة بخط وقف إطلاق النار إلى نشاط أكثر انتظاماً يشمل التوغلات البرية والحواجز والتفتيش والاعتقال وتجريف الأراضي، وهي تطورات دفعت الأمم المتحدة إلى التحذير من استمرار الانتهاكات والمطالبة مجدداً باحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وسيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وخلال أكتوبر/تشرين الأول وحده، شهدت مناطق من ريفي القنيطرة ودرعا سلسلة من التحركات الإسرائيلية شملت دخول قوات إلى مناطق زراعية وتجريف أراضٍ وإغلاق طرق واعتقال مدنيين، الأمر الذي يشير إلى أن النشاط الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على ضربات جوية أو عمليات عابرة بمحاذاة خط الفصل، وإنما أصبح يأخذ شكلاً أكثر حضوراً داخل الجغرافيا الجنوبية السورية. وفي موازاة ذلك، خرجت احتجاجات شعبية في درعا والقنيطرة رفضاً للانتهاكات الإسرائيلية، بعد مقتل شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة برصاص إسرائيلي، وعبّرت الاحتجاجات عن رفض التوغلات والاعتقالات والتعدي على الأراضي واستكمال خط “سوفا 53” (راجع دراسة المعهد المصري)، مع التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها.

في هذا التوقيت تحديداً جاءت العملية الأردنية الأخيرة داخل الأراضي السورية لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد، ليس فقط بسبب سقوط ضحايا مدنيين والخلاف حول وجود تنسيق مسبق مع دمشق من عدمه، وإنما لأن تنفيذ عملية عسكرية عبر الحدود في منطقة تواجه أصلاً انتهاكات إسرائيلية متكررة يفتح الباب أمام نقاش أوسع يتعلق بمستقبل مفهوم السيادة في الجنوب، وبما إذا كانت مواجهة التهديدات العابرة للحدود ستبقى محكومة بالتنسيق مع الدولة السورية، أم أن التدخل المباشر داخل أراضيها يمكن أن يتحول تدريجياً إلى خيار تتبناه دول الجوار كلما رأت أن مصالحها الأمنية تقتضي ذلك.

السويداء في قلب معادلة الجنوب

تكتسب السويداء أهمية خاصة لعدة أطراف لأنها تمثل نقطة التقاء أكثر من مسار في الوقت نفسه. فدمشق تريد إعادة بسط سلطة الدولة على المحافظة، بينما ترى عمّان أن استقرارها جزء مباشر من أمن حدودها، وتدفع واشنطن باتجاه مسار يعيد السويداء إلى مؤسسات الدولة ويمنع تحولها إلى بؤرة صراع مفتوح، في حين تنظر إسرائيل إلى المحافظة من زاوية مختلفة، ترتبط بالملف الدرزي وبالترتيبات الأمنية التي تريد فرضها على امتداد الجنوب.

ومن هنا تكتسب تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك بشأن الشيخ حكمت الهجري أهميتها، حيث أكد أن الشيخ الموجود في محافظة السويداء ‌‏(في إشارة إلى ‏الهجري)، والذي يوحي ‏للناس بأن ‏لديه دعماً من الولايات المتحدة هو مخطئ تماماً. وقال: “نحن ‌‏نقف ‌‏إلى جانب سوريا ‏والأردن وإسرائيل ‏ولبنان لضمان ‏بقاء ‏تلك الحدود ‌‏هادئة”، لافتاً إلى أن تبادل الاتهامات لا ‏يسهم في ‏حل ‏المشكلات ‌‏‌‏القائمة.‏

وأشار باراك في مقابلة مع الإعلامي ماريو نوفل نُشرت ‏في ‏حسابه ‏على منصة‎ (X‎)‎، ‌‎إلى أن الأسلحة يمكن أن ‏تنتقل عبر ‌‏الحدود، كما يمكن ‌‏‌‏للمجموعات في السويداء ‏تسليح نفسها ‏باستخدام الأموال التي تجنيها من ‌‏‌‏تجارة ‏الكبتاغون، معرباً عن ‏قلقه ‏حيال تصرفات تلك ‏المجموعات المسلحة غير المقبولة‎.‎

لا يمكن اعتبار هذه التصريحات دليلاً حاسماً على وجود خلاف أميركي–إسرائيلي بشأن السويداء. فقول باراك إن الاعتقاد بوجود دعم أميركي لأحد شيوخ المحافظة “خاطئ تماماً” يحدد، في المقام الأول، الموقف الذي تريد واشنطن إظهاره علناً تجاه الهجري، من دون أن يقدم بالضرورة صورة حقيقية كاملة عن طبيعة التفاهمات الأميركية–الإسرائيلية المتعلقة بالجنوب السوري.

ولهذا يمكن قراءة تصريح باراك أيضاً باعتباره رسالة دبلوماسية تهدف إلى نزع أي شرعية أميركية محتملة عن مشروع سياسي أو عسكري مستقل في السويداء، بالتوازي مع تمسك واشنطن رسمياً بمسار إعادة دمج المحافظة ضمن الدولة السورية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الموقف الأميركي دخل في مواجهة مع المقاربة الإسرائيلية، ولا سيما أن التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري لم تتوقف، فيما سبق أن تحدثت تقارير عن دعم إسرائيلي لفصائل درزية مسلحة داخل السويداء.

وتظهر هنا فجوة تستحق التوقف عندها بين الخطاب الدبلوماسي الأميركي والوقائع الميدانية. ففي الوقت الذي نفى فيه باراك وجود غطاء أميركي للشيخ الذي كان يشير إليه، أغلقت مجموعات الهجري الخارجة عن القانون طريق دمشق–السويداء بالكامل عند حاجز أم الزيتون في 24 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع تداول تصريحاته.

لا تتوافر معطيات تسمح بالقول إن الخطوة جاءت رداً مباشراً على باراك، لكن تزامن الحدثين يظهر على الأقل أن الرسالة الأميركية لم تنعكس فوراً في صورة تهدئة أو تراجع من جانب القوى المسيطرة على أجزاء واسعة من المحافظة.

وبذلك يصبح السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت واشنطن “مع” الهجري أو “ضده”، بل إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة ترجمة موقفها المعلن إلى وقائع على الأرض، في ظل استمرار الدور الإسرائيلي، ووجود تشكيلات محلية مسلحة تمتلك حساباتها ومصالحها الخاصة. كما يبقى من المبكر اعتبار تصريحات باراك دليلاً على تحول استراتيجي في الموقف الأميركي من إسرائيل في الجنوب السوري؛ فقد تكون تحديداً لسقف الدعم السياسي العلني الذي تقبل واشنطن أن يُنسب إليها، أكثر مما هي إعلاناً عن مواجهة مع السياسة الإسرائيلية.

إسرائيل ومحاولة إعادة تعريف قواعد الجنوب

إذا كانت إسرائيل تبرر تحركاتها في الجنوب بأنها إجراءات مرتبطة بأمن حدودها ومنع تشكل تهديدات محتملة قرب الجولان، فإن نمط هذه التحركات وحجمها المتزايد يفتحان الباب أمام سؤال أبعد من المبررات المعلنة، يتعلق بما إذا كانت تل أبيب تسعى فقط إلى معالجة تهديدات أمنية ظرفية، أم أنها تعمل بالتدريج على فرض قواعد جديدة تحكم الجنوب السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.

وقد حافظت إسرائيل على وجودها داخل المنطقة التي تقدمت إليها بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، واستمرت انطلاقاً منها في تنفيذ عمليات متكررة، في حين باتت تحركاتها تشمل الحواجز والاعتقالات والتفتيش والتجريف، إلى جانب التوغلات البرية المتكررة. ولا تكمن خطورة هذه التحركات في كل حادثة منفردة بقدر ما تكمن في تراكمها، إذ إن الحاجز المؤقت قد يتحول مع الوقت إلى نقطة انتشار، ونقطة الانتشار قد تتحول إلى مساحة نفوذ، بينما يمكن للعمليات الأمنية المتكررة أن تنتج تدريجياً قاعدة غير معلنة مفادها أن إسرائيل تحتفظ بحق التدخل داخل الأراضي السورية كلما رأت وجود تهديد محتمل.

وفي هذا السياق، لا يبدو ما يجري في القنيطرة مجرد شق طريق عسكري جديد. فمشروع «سوفا 53»، الذي بدأت إسرائيل تنفيذه منتصف عام 2022، تحول تدريجياً إلى منظومة من التحصينات تضم خنادق وسواتر ترابية وطرقاً عسكرية ونقاط مراقبة ومواقع ثابتة، وتمتد من محيط حضر شمالاً، مروراً بجباتا الخشب والحميدية والقحطانية وبئر عجم وبريقة، وصولاً إلى العشة جنوباً.

وكانت إسرائيل قد بررت المشروع في بدايته بالحاجة إلى منع هجمات محتملة من جماعات مدعومة من إيران، لكن استمرار العمل فيه واتساع نطاقه بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وخروج معظم هذه الجماعات من سوريا، يفتحان الباب أمام قراءة مختلفة؛ إذ يبدو أن المسألة لم تعد مرتبطة حصراً بمواجهة تهديد محدد، بقدر ما قد تتجه نحو إعادة تشكيل المجال الأمني في الجنوب السوري ونقل جزء من خطوط الدفاع الإسرائيلية إلى داخل الأراضي السورية.

وتزداد حساسية المشروع لكونه ينفذ داخل منطقة الفصل التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وتراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف». وفي حال استمر تثبيت هذه التحصينات وتوسيعها، فقد تتحول بمرور الوقت من إجراءات عسكرية ميدانية إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه، بما يخلق ما يشبه «حدوداً أمنية وظيفية» لا تتطابق بالضرورة مع الحدود القانونية، لكنها تمنح إسرائيل نطاقاً أوسع للتحرك والمراقبة والتدخل، ويمكن أن تتحول لاحقاً إلى ورقة في أي مفاوضات أو ترتيبات أمنية مستقبلية مع دمشق.

ولا تقتصر تداعيات «سوفا 53» على الجانب العسكري، إذ تضررت، وفق المعطيات المتاحة، نحو 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية والمراعي، وتقيّدت حركة المزارعين والرعاة، إلى جانب تأثير أعمال الحفر والتجريف في التربة والغطاء النباتي ومسارات المياه. وفي المقابل، تبقى قدرة «أندوف» محصورة عملياً في المراقبة والتوثيق ورفع التقارير، من دون امتلاك آلية تسمح لها بوقف مثل هذه الأعمال بالقوة.

وبينما تتمسك دمشق باتفاق عام 1974 وبالسيادة السورية على المنطقة، وتراهن على التوثيق القانوني والتحرك الدبلوماسي والدولي، اتسعت أيضاً دائرة الاعتراضات الإقليمية على التحركات الإسرائيلية، فيما اعتبرت تركيا استئناف العمل في المشروع مؤشراً على استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية.

ومن هذه الزاوية، يصبح استمرار الفراغ أو ضعف حضور الدولة في أجزاء من الجنوب عاملاً يخدم الرواية الأمنية الإسرائيلية، لأن كل مساحة لا تسيطر عليها المؤسسات السورية بصورة كاملة يمكن تقديمها باعتبارها مصدراً محتملاً للتهديد، وهو ما يسمح بتبرير مزيد من التحركات العسكرية. وإذا استمر هذا المسار لفترة طويلة، فإن الخطر لا يعود مقتصراً على انتهاك السيادة السورية، وإنما ينتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً يتمثل في تحول هذه الانتهاكات من أحداث استثنائية إلى جزء من بنية أمنية جديدة يتعامل معها الجميع باعتبارها أمراً واقعاً.

وهذا ربما يفسر أهمية ربط ملف القنيطرة ودرعا بالسويداء، فكلما تعثر مسار إعادة المحافظة إلى سلطة الدولة، ازدادت قدرة إسرائيل على تقديم نفسها باعتبارها طرفاً معنياً بصورة مباشرة بمستقبل المنطقة، سواء تحت عنوان حماية الدروز أو حماية حدودها. وبذلك تتحول هشاشة الداخل السوري إلى عامل يمنح التدخل الخارجي مساحة أوسع، فيما يصبح تثبيت الوقائع العسكرية على الأرض أكثر سهولة.

وعليه، فإن خطورة «سوفا 53» لا تكمن في الخنادق والسواتر والطرق العسكرية بحد ذاتها، وإنما في كونها جزءاً من مسار أوسع قد ينتهي إلى إعادة تعريف قواعد الأمن في جنوب سوريا؛ من حدود يفترض أن تضبطها اتفاقات دولية واضحة، إلى مجال أمني متحرك تحدد إسرائيل داخله بنفسها أين يبدأ التهديد وأين يحق لها التدخل. وكلما طال أمد هذه البنية وترسخت على الأرض، ارتفعت الكلفة السياسية والعسكرية لإزالتها مستقبلاً.

الأردن بين أمن الحدود وحدود استخدام القوة

يختلف الموقف الأردني عن الإسرائيلي في دوافعه وطبيعة علاقته بالدولة السورية، فالأردن أعلن مراراً دعمه لوحدة سوريا وسيادتها، وهو جزء من خارطة الطريق المتعلقة بالسويداء، كما أن مصالحه الأمنية ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الدولة السورية وقدرتها على ضبط الحدود. ومع ذلك، فإن عمّان تواجه مشكلة أمنية حقيقية تتمثل في استمرار شبكات تهريب المخدرات والسلاح، ولا سيما في البادية والمناطق الممتدة من السويداء ودرعا باتجاه الحدود الأردنية.

وقد حافظ الأردن خلال الفترة الماضية على التنسيق السياسي والأمني مع دمشق، وشارك في مناقشات مرتبطة بخارطة الطريق، مع التأكيد المتكرر على أن استقرار سوريا يمثل ركناً أساسياً في استقرار المنطقة. لكن العملية الأردنية الأخيرة، والتي جاءت، طبقًا للسلطات الأردنية، في إطار الرد على العملية الإرهابية الموجهة القديس جاورجيوس في الكرك، تضع هذا المسار أمام اختبار حساس، لأن أي عملية تنفذ داخل الأراضي السورية، إذا لم تتم بالتنسيق مع دمشق، تتجاوز ملف مكافحة التهريب إلى سؤال يتعلق بمبدأ استخدام القوة عبر الحدود.

ولا يمكن فصل توقيت العملية عن السياق العام. فالجنوب يشهد في الوقت نفسه توغلات إسرائيلية مستمرة واحتجاجات شعبية رافضة لها، وبالتالي فإن دخول طرف إقليمي آخر عسكرياً إلى الأراضي السورية، حتى عندما تكون دوافعه مختلفة تماماً عن دوافع إسرائيل، يمكن أن يساهم من حيث النتيجة في تكريس تصور مفاده أن الجنوب السوري منطقة مفتوحة أمام العمليات الوقائية التي تنفذها الدول المجاورة عندما تعتبر أن تهديداً أمنياً ينطلق منها.

ومن هنا تحمل العملية رسالتين متداخلتين. الأولى موجهة إلى الداخل الأردني، إذ تسعى الدولة إلى إظهار قدرتها على مواجهة شبكات المخدرات والتهريب ومنع انتقال الخطر إلى أراضيها، وهو ملف يتمتع بحساسية كبيرة داخل المملكة. أما الثانية فتتجاوز الداخل الأردني، لأن كل عملية عسكرية عبر الحدود تساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في بناء سابقة يمكن لأطراف أخرى الاستناد إليها، وهنا تحديداً تظهر إسرائيل بوصفها الطرف الأكثر قدرة على استثمار أي سردية أمنية تقدم الجنوب السوري باعتباره مصدراً لتهديدات عابرة للحدود.

وبذلك لا يتعلق القلق بافتراض تطابق بين السياسات الأردنية والإسرائيلية، وهو أمر لا تدعمه المعطيات، وإنما باحتمال أن تؤدي خطوة أردنية اتخذت ضمن حسابات أمنية خاصة بالمملكة إلى نتائج يمكن لإسرائيل توظيفها في تبرير سياستها داخل الجنوب. فالقول إن دولة مجاورة اضطرت إلى التدخل داخل سوريا لمواجهة تهديد أمني أو إرهابي قد يتحول في الخطاب الإسرائيلي إلى حجة إضافية تقول إن المشكلة ليست في الاحتلال أو التوغل الإسرائيلي، وإنما في عدم قدرة الدولة السورية على ضبط جنوبها.

سردية “الجنوب المهدد للجوار” والفائدة الإسرائيلية

لا توجد حتى الآن أدلة ملموسة تسمح بالحديث عن مخطط واحد يجمع التحركات الإسرائيلية والأردنية في الجنوب السوري، ولا عن تنسيق بينهما لتقاسم النفوذ أو إعادة رسم المنطقة. لكن غياب المخطط المشترك لا يلغي حقيقة أن تلاقي هذه التحركات على الأرض يقود، وإن اختلفت دوافعها، إلى نتيجة متشابهة: إضعاف قدرة الدولة السورية على احتكار القرار الأمني داخل حدودها، وتحويل الجنوب تدريجياً إلى مساحة تتعامل معها الدول المجاورة باعتبارها مجالاً أمنياً مفتوحاً أمام التدخل متى رأت أن مصالحها أو أمنها مهددان.

والعملية الأردنية الأخيرة في درعا تقدم مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية. فبعد الهجوم الدموي على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، والذي أوقع تسعة قتلى وعشرات المصابين، أعلنت السلطات الأردنية القبض على ثلاثة مشتبه بهم، هم شقيقان ونسيبهما، وقال مدير الأمن العام إنهم «لا يمثلون إلا أنفسهم»، وإن قرار مهاجمة المشاركين في الجنازة اتُّخذ بصورة لحظية ومن دون تخطيط مسبق. وفي المؤتمر الصحفي نفسه، قال وزير الداخلية إنه لم تكن هناك، في تلك المرحلة، مؤشرات تؤكد ارتباط المنفذين بخلايا أخرى أو جهات خارجية.

لكن بعد ساعات فقط، انتقلت الرواية إلى مستوى مختلف تماماً. فقد أعلن الجيش الأردني تنفيذ عملية «الردع الأردني–حمود» داخل الأراضي السورية، وقال إن منفذي هجوم الكنيسة يرتبطون بـ«تنظيمات إرهابية» في جنوب سوريا، وإن الضربات جاءت «انتقاماً» لضحايا الهجوم. ثم تطورت الرواية الرسمية لاحقاً من الحديث عن الانتقام إلى القول إن الغارات استندت إلى معلومات ميدانية لتحييد «تهديدات مؤكدة» وعمليات إرهابية وشيكة، وإنها أوقعت أكثر من عشرين قتيلاً في صفوف تنظيم داعش. ويترك هذا التسلسل سؤالاً مشروعاً حول طبيعة المعلومات التي ظهرت بين الرواية الأولى، التي تحدثت عن منفذين محليين لم يثبت ارتباطهم بخلايا أخرى، وبين القرار اللاحق بتوسيع مسرح الرد إلى داخل الأراضي السورية.

الأكثر حساسية أن الخلاف لم يقتصر على هوية المستهدفين، بل شمل أصل شرعية العملية نفسها. فالجيش الأردني أعلن بداية أن الضربات جرت بالتنسيق مع الحكومة السورية، في حين قالت دمشق صراحة إنها لم تتلقَّ تنسيقاً أو إخطاراً مسبقاً، واعتبرت ما جرى اختراقاً غير مقبول للأجواء السورية. وأعلنت السلطات السورية مقتل سبعة أشخاص في درعا، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة ورجل مسن، وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن تقر عمّان نفسها بوقوع ضحايا مدنيين وتعرب عن الأسف لذلك، ثم يتفق الطرفان لاحقاً على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في ملابسات العملية ومنع تكرار الخروقات.

ولم يبق الخلاف محصوراً في البيانات الرسمية. فقد رافقت الضربات مواجهة موازية حول رواية الضحايا أنفسهم؛ إذ ظهرت في وسائل إعلام أردنية مواد تشكك في صحة بعض الصور المتداولة من سوريا وتصف بعضها بأنها معدلة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما قدم مصدر مطلع رواية تقول إن أربعة من المدنيين الذين قتلوا كانوا والدة عنصر في داعش وثلاثة من أبناء شقيقه، وإنهم كانوا يقيمون في خيمة قرب مكان اختبائه ولم يكونوا هدفاً مباشراً للغارة. لكن هذه الرواية لم تُلغِ حقيقة سقوط المدنيين، التي أقرت بها الحكومة الأردنية نفسها لاحقاً، بقدر ما أعادت صياغة موقعهم داخل القصة الأمنية وربطهم عائلياً بالهدف المفترض للضربة.

وهنا تتجاوز المسألة حادثة القصف نفسها. فحين تستطيع دولة مجاورة أن تحدد وجود تهديد داخل الأراضي السورية، ثم تنتقل إلى استهدافه عسكرياً من دون موافقة دمشق وفق الرواية السورية، فإن السابقة التي تتشكل لا تختلف في أثرها السيادي كثيراً عن المبدأ الذي تحاول إسرائيل تكريسه في القنيطرة: أن أمن الحدود يمكن أن يمنح الدولة المجاورة حق التحرك عسكرياً داخل سوريا كلما رأت تهديداً محتملاً. تختلف طبيعة التدخل الإسرائيلي جذرياً في سياقه وأهدافه وحجمه عن الحالة الأردنية، لكن النتيجة العملية في الحالتين تضغط في الاتجاه نفسه، وهو تقليص المساحة التي تستطيع الدولة السورية داخلها أن تقول إن استخدام القوة على أراضيها قرار سيادي حصري لها.

في القنيطرة، يجري ذلك عبر توغلات إسرائيلية ونقاط عسكرية وتحركات متكررة ومشروع تحصينات طويل الأمد مثل «سوفا 53». وفي درعا، برز هذه المرة من خلال غارات أردنية عابرة للحدود تحت عنوان مكافحة الإرهاب. وفي السويداء، يفتح استمرار هشاشة العلاقة مع الدولة الباب أمام تدخلات وضغوط إضافية تحت عناوين أمنية أو طائفية أو إنسانية. ليست هذه المسارات بالضرورة أجزاء من غرفة عمليات واحدة، لكنها حين تتراكم تجعل الجنوب السوري أقل خضوعاً لمركز سياسي وأمني واحد، وأكثر عرضة لأن تحدد القوى المحيطة به قواعد الحركة داخله.

ومن هنا يمكن فهم الخطر بصورة أدق: ليس المطلوب إثبات وجود مؤامرة واحدة لـ«قضم الجنوب»، بقدر ما يجب الانتباه إلى أن تعدد الأطراف التي تمنح نفسها حق التدخل يمكن أن يقود عملياً إلى القضم نفسه، ولكن بصورة تدريجية ومتفرقة. إسرائيل توسع مجالها الأمني من جهة الجولان، والأردن أظهر أنه مستعد لاستخدام القوة داخل العمق السوري عندما يعتبر أن هناك تهديداً لأمنه، فيما تبقى هشاشة الداخل السوري هي المساحة المشتركة التي تسمح لكل طرف بتقديم تدخله باعتباره ضرورة أمنية.

وعند هذه النقطة يصبح الخطر الأكبر هو تحول الاستثناء إلى قاعدة: ضربة تُبرر بتهديد إرهابي، وتوغل يُبرر بحماية الحدود، ونقطة عسكرية تُقام لمنع تسلل محتمل، ثم تتراكم هذه الاستثناءات حتى يجد الجنوب نفسه محكوماً بشبكة من «الخطوط الأمنية» التي ترسمها الدول المحيطة أكثر مما ترسمها الدولة السورية نفسها. وهذا تحديداً ما يزيد المشهد تعقيداً، ويجعل استعادة دمشق لسيادتها الفعلية على الجنوب أصعب مع مرور الوقت، حتى من دون وجود مخطط واحد يجمع كل هذه الأطراف.

وهذا الشكل من إعادة تشكيل السيادة قد يكون أكثر خطورة من سيناريوهات التقسيم المعلنة، لأنه لا يحتاج إلى قرار سياسي أو اعتراف دولي، وإنما يتشكل تدريجياً من خلال الوقائع اليومية، وبعد أن يترسخ يصبح تغييره أكثر كلفة وتعقيداً.

ماذا يُعدّ للجنوب السوري؟

استناداً إلى التطورات الحالية، لا توجد أدلة كافية للقول إن هناك مشروعاً محسوماً لتقسيم الجنوب أو إنشاء كيان سياسي مستقل فيه، لكن المؤشرات تسمح بالقول إن المنطقة تمر بعملية إعادة تشكيل للبيئة الأمنية والسياسية. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن الجنوب قد يدخل مرحلة تتميز باستمرار  وجود إسرائيلي يتجاوز قواعد خط الفصل التقليدي، وبقاء أجزاء من السويداء خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة، وتصاعد الإجراءات الأردنية المرتبطة بأمن الحدود، إلى جانب ترسيخ صورة إقليمية للمنطقة باعتبارها مساحة هشاشة تحتاج إلى ترتيبات أمنية خاصة.

واجتماع هذه العناصر لا يعني بالضرورة تغيير الحدود الرسمية، لكنه قد يقود إلى واقع تصبح فيه السيادة السورية منقوصة عملياً، إذ تبقى الدولة موجودة قانونياً وسياسياً بينما تتعدد على الأرض الجهات القادرة على استخدام القوة أو فرض قواعد أمنية مستقلة عنها.

ولهذا فإن ما يُعدّ للجنوب، إذا جاز التعبير، قد لا يكون مشروعاً واحداً يجري تنفيذه بصورة منظمة، وإنما نتيجة تتشكل تدريجياً من مجموع الضغوط والتدخلات والفراغات القائمة. وهذه النتيجة قد تكون أخطر من مشروع معلن، لأنها لا تحتاج إلى قرار رسمي كي تتحول إلى أمر واقع.

السيناريوهات المحتملة

يبقى السيناريو الأفضل بالنسبة إلى دمشق مرتبطاً بقدرتها على استعادة المبادرة، من خلال تسريع تنفيذ خارطة الطريق المتعلقة بالسويداء والوصول إلى تفاهمات تسمح بإعادة المؤسسات وتفكيك مظاهر السلاح الموازي للدولة، بالتوازي مع التعاون الفعلي مع الأردن لضبط الحدود وشبكات المخدرات. نجاح هذا المسار سيضعف كثيراً المبررات التي تستخدمها الأطراف الخارجية للتدخل، لكنه يحتاج إلى تسوية محلية مقبولة وإلى غطاء سياسي أميركي وضغط فعلي على إسرائيل للعودة إلى ترتيبات اتفاق 1974.

مع ذلك، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار إدارة الأزمة من دون حل نهائي. أي بقاء السويداء في منطقة وسطية بين الاندماج الكامل والانفصال الفعلي، مع احتفاظ مجموعات محلية بجزء من نفوذها، ومحاولة دمشق توسيع حضورها تدريجياً، فيما تستمر التوغلات الإسرائيلية والضغوط الأمنية الأردنية من دون الوصول إلى مواجهة واسعة. هذا السيناريو لا يعني تقسيم الجنوب، لكنه يحوله إلى ملف أمني مزمن قابل للتصعيد كلما تبدلت التوازنات.

أما السيناريو الأخطر فيتمثل في تحول الوضع الحالي تدريجياً إلى حزام أمني جنوبي ذي قواعد مختلفة عن بقية الأراضي السورية، وهو احتمال يرتفع إذا فشلت عملية دمج السويداء واستمر انتشار السلاح واتسعت التوغلات الإسرائيلية وتكررت العمليات العسكرية عبر الحدود. في هذه الحالة لن يكون الجنوب منفصلاً رسمياً عن سوريا، لكنه قد يصبح منطقة ذات سيادة مجزأة، تتحكم فيها الدولة إلى جانب قوى محلية وتأثيرات إقليمية متداخلة.

التقدير النهائي

المشهد في الجنوب السوري لا يكشف حتى الآن عن مخطط مكتمل الملامح، لكنه يكشف بصورة أوضح عن سباق بين الدولة والوقائع التي تتشكل على الأرض. فإسرائيل توسع هامش حركتها العسكرية والأمنية، والأردن يسعى إلى منع انتقال المخاطر إلى حدوده، والجماعات المسلحة المحلية تحاول الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها، بينما تدفع واشنطن باتجاه إبقاء السويداء ضمن الدولة ومنع تحول الجنوب إلى ساحة صراع مفتوح، في حين تجد دمشق نفسها أمام ضرورة استعادة السيطرة السياسية والأمنية قبل أن تصبح الاستثناءات الحالية قواعد دائمة.

ولهذا فإن الخطر الأساسي لا يكمن في عملية أردنية واحدة، ولا في توغل إسرائيلي منفرد، ولا حتى في استمرار مجموعة مسلحة خارج الدولة، وإنما في تراكم كل هذه العناصر وتحولها تدريجياً إلى نظام جديد لإدارة الجنوب. فحين تصبح التوغلات متكررة، والسلاح الموازي أمراً طبيعياً، والعمليات عبر الحدود مقبولة تحت ذرائع أمنية، فإن استعادة السيادة الكاملة تصبح أكثر صعوبة مهما بقيت الحدود السياسية ثابتة على الخرائط.

من هنا، لم يعد السؤال فقط: ماذا يحدث في الجنوب السوري؟ بل أصبح يتعلق بما إذا كانت الدولة السورية ستتخذ خطوات أعمق من إدارة الأزمة إلى إعادة توحيد المجال الأمني والسياسي في درعا والقنيطرة والسويداء قبل أن تتحول التدخلات الخارجية والفراغات الداخلية إلى معادلة طويلة الأمد. فالنتيجة لم تُحسم بعد، لكن المرحلة الحالية تبدو مفصلية، لأن ما سيُفرض خلال هذه الفترة قد يحدد شكل الجنوب لسنوات، ليس عبر إعلان تقسيم جديد أو رسم حدود مختلفة، وإنما من خلال تحديد من يملك فعلياً القرار الأمني والسياسي داخل الحدود القائمة.

تزداد المخاطر بالطبع في ظل استمرار الحرب الإيرانية، واحتمالات توسعها إلى سائر المنطقة، ما قد يخلق حالة من الفوضى الشاملة. هذا التوسع قد يجعل سوريا أكثر عرضة لأن تكون ساحة للحرب الإقليمية، مع دخول أطراف أخرى على الساحة، مثل تركيا، التي تتصاعد حالة التوتر  القائمة بينها وبين إسرائيل، إضافة إلى حزب الله ووضعه المعقد في إطار الصراع، وعلاقة ذلك بسوريا.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى