MICH 2000 – كيف بنت أوكرانيا سلاحًا بعيد المدى بكلفة عشرات الآلاف من الدولارات؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كشفت أوكرانيا خلال الأيام الماضية عن واحدة من أقل منصات الضربات بعيدة المدى شهرة في ترسانتها، وهي المسيّرة MICH 2000 التي يستخدمها مركز العمليات الخاصة «ألفا» التابع لجهاز الأمن الأوكراني، في عمليات تمتد إلى عمق الأراضي الروسية. وما يلفت في المشروع ليس مدى الطائرة الذي يصل إلى ألفي كيلومتر بقدر ما تكشفه قصتها عن التحول الذي طرأ على الصناعة العسكرية الأوكرانية منذ بداية الحرب: أخذ تصميم مدني أجنبي، وإعادة هندسته، ثم بناء سلسلة إنتاج محلية قادرة على تصنيع آلاف الذخائر بعيدة المدى بكلفة محدودة نسبيًا.
ظهرت التفاصيل للمرة الأولى بصورة واسعة في 12 أغسطس/آب، عندما نشر موقع الدفاع الأوكراني «Oboronka» تحقيقًا من داخل المنشأة المصنعة، نقلت عنه وسائل إعلام أوكرانية ودولية. ووفق الرواية التي قدمها المصنع، بدأ المشروع أواخر 2023 عندما توجه فريق أوكراني إلى الصين بحثًا عن مسيّرات مدنية طويلة المدى، في الفترة نفسها التي كانت بكين قد بدأت فيها فرض قيود على تصدير بعض الطائرات المسيّرة ومكوناتها ومنع تصدير الطائرات المدنية للاستخدام العسكري. وتؤكد وزارة التجارة الصينية أن القيود التي أعلنتها في يوليو/تموز 2023 شملت طائرات ومكونات محددة، إضافة إلى حظر استخدام المسيّرات المدنية المصدرة لأغراض عسكرية.
كان النموذج الذي أثار اهتمام الفريق الأوكراني هو ZTK-150 الصيني. وتقول الرواية الأوكرانية إن محاولة شراء تكنولوجيا إنتاجه لم تكتمل، لكن الفريق عاد بثماني طائرات وبقدر كبير من المعرفة الفنية المكتسبة خلال التدريب والاطلاع على خطوط التصنيع. ومن هذه البداية ظهر لاحقًا MICH 2000. غير أن وصف الطائرة الحالية بأنها مجرد «نسخة صينية» لا يعكس التطور الذي مر به المشروع؛ فالشركة المصنعة تقول إن ما بقي من التصميم الأصلي اليوم لا يتجاوز الشكل الخارجي تقريبًا، بعدما أعيد تطوير المحرك والبدن والرأس الحربي وأنظمة الاتصال والحماية من الحرب الإلكترونية داخل أوكرانيا.
من تجربة متعثرة إلى إنتاج بالآلاف
لم تكن البداية ناجحة. بحسب رواية المصنع، تحطمت أول نسخة أوكرانية بعد نحو كيلومتر واحد من أول رحلة تجريبية في صيف 2024، فيما فقدت طائرة أخرى بسبب الحرب الإلكترونية الروسية. وعندما استخدمت MICH 2000 للمرة الأولى في القتال في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أُسقطت واحدة من ثلاث طائرات، بينما أخفقت الاثنتان الأخريان في إصابة الهدف بفارق أمتار قليلة. ورغم ذلك، قررت وحدة «ألفا» الاستمرار في المشروع ونقله إلى الإنتاج.
وبعد نحو عامين من التطوير، يقول المصنع إن الطاقة الإنتاجية وصلت إلى نحو ستة آلاف طائرة سنويًا موزعة على ثمانية نماذج، مع خطط لرفعها إلى نحو عشرة آلاف. وهذه نقطة تختلف عن الرقم المتداول الذي يقدم ستة آلاف باعتبارها القدرة المستهدفة؛ وفق المعلومات المنشورة حاليًا، الستة آلاف هي القدرة القائمة تقريبًا، بينما يمثل عشرة آلاف المستوى الذي يسعى المصنع للوصول إليه.
وتوجد نسخ بعيدة المدى وأخرى لمهام أقصر، مع خيارات مختلفة للاتصالات تشمل أنظمة تناظرية ورقمية وإمكانية استخدام Starlink في بعض التكوينات. ويمكن للطائرة حمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 25 و60 كيلوغرامًا، ويصل مداها في النسخة الأبعد إلى نحو ألفي كيلومتر.
هذه الأرقام تضع جزءًا كبيرًا من غرب روسيا ضمن المدى النظري للطائرة، بما يشمل منشآت عسكرية وصناعية وطاقة تقع بعيدًا عن خط الجبهة.
48 ألف دولار… لكن الكلفة تحتاج إلى تفصيل
السعر الأساسي المعلن للطائرة يبلغ نحو 48 ألف دولار، وهو رقم منخفض مقارنة بالصواريخ بعيدة المدى، لكنه ليس السعر النهائي لجميع النسخ.
فعندما تزود الطائرة بهوائي CRPA المقاوم للتشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، ترتفع الكلفة بنحو 20 إلى 25 ألف دولار إضافية. كما أن نسبة المكونات الأوكرانية التي يقول المصنع إنها وصلت إلى 85% من قيمة الطائرة الأساسية تنخفض إلى قرابة 55% في النسخ التي تحمل هذا النظام، بسبب ارتفاع سعر الهوائي المستورد وصعوبة إنتاجه محليًا.
وبذلك فإن رقم 48 ألف دولار يعبر عن النسخة الأساسية أكثر مما يمثل سعرًا موحدًا لكل MICH 2000.
مع ذلك تبقى المعادلة الاقتصادية لافتة. حتى إذا ارتفعت الكلفة إلى أكثر من 70 ألف دولار في بعض النسخ، فهي تظل أقل بكثير من قيمة الأهداف التي صممت لمهاجمتها: منشآت نفطية، محطات رادار، أنظمة حرب إلكترونية، قواعد جوية أو طائرات استراتيجية لا يمكن تعويض بعضها بسهولة.
وهنا يظهر أحد المبادئ التي باتت تحكم الحرب الأوكرانية: ليس مطلوبًا أن تكون الذخيرة رخيصة بصورة مطلقة، بل أن تكون رخيصة قياسًا بالهدف الذي تستطيع إصابته وبالكلفة التي تفرضها على الدفاعات التي تحاول اعتراضها.
من أوست لوغا إلى القاذفات الاستراتيجية
يقول المصنع إن وحدة «ألفا» أطلقت بالفعل آلاف الطائرات من عائلة MICH وأصابت بها مئات الأهداف داخل روسيا والمناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية. لكن هذه الأرقام صادرة عن الشركة المصنعة ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الحجم الإجمالي للاستخدام أو عدد الإصابات.
وتنسب المصادر الأوكرانية إلى الطائرة المشاركة في عمليات ضد ميناء أوست لوغا، وأهداف في موسكو وريازان، ونظام حرب إلكترونية قرب غيليندجيك، إضافة إلى عمليات ضد منشآت عسكرية تابعة لأسطول البلطيق. وفي إحدى هجمات أوست لوغا، تقول الشركة إن أكثر من عشرين MICH 2000 وصلت إلى منطقة الهدف.
لكن أبرز عملية مرتبطة بالطائرة حتى الآن هي الهجوم على قاعدة إنجلز-2 الجوية في مقاطعة ساراتوف ليلة 15–16 يوليو/تموز.
جهاز الأمن الأوكراني أعلن رسميًا في 17 يوليو أنه استخدم مسيّرات بعيدة المدى لضرب القاعدة بعد رحلة تقارب 800 كيلومتر، وأن قاذفة استراتيجية من طراز Tu-95MS أصيبت إصابة حرجة أدت إلى تدمير قسمها الخلفي. وبعد يومين، أظهرت صور أقمار صناعية للطائرة في القاعدة انفصال الجزء الخلفي منها بصورة تجعل إصلاحها غير ممكن عمليًا.
أما تحديد MICH 2000 باعتبارها الطائرة التي نفذت الضربة تحديدًا، فقد ظهر لاحقًا في تحقيق المصنع الأوكراني، وليس في البيان الأول لجهاز الأمن. ولذلك يمكن اعتبار تدمير Tu-95MS مثبتًا بدرجة عالية بالصور الفضائية، بينما نسبة الضربة إلى MICH 2000 تستند أساسًا إلى المعلومات الأوكرانية المنشورة عن برنامج الطائرة.
وتمنح هذه العملية المشروع قيمة أكبر من مجرد نجاح تكتيكي. فالـTu-95 ليست معدة يمكن لموسكو طلب بديل جديد لها من المصنع؛ إنتاج هذا النوع توقف منذ عقود، وهو ما يجعل خسارة هيكل صالح للخدمة مختلفة عن خسارة مركبة أو قطعة مدفعية يمكن إعادة إنتاجها.
استقلال عن القيود الغربية.. ولكن ليس عن الخارج بالكامل
الجانب الأهم في برنامج MICH 2000 يتعلق بالطريقة التي بنت بها كييف قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
لسنوات، ارتبط استخدام بعض الأسلحة الغربية ضد أهداف عميقة داخل روسيا بقيود سياسية فرضتها الدول الموردة. وكان أحد الحلول الأوكرانية الاستثمار في أسلحة محلية لا تخضع لشروط الاستخدام الخارجية نفسها.
MICH 2000 جزء من هذا المسار. فكلما ارتفعت نسبة تصنيع مكوناتها داخل أوكرانيا، تقل قدرة الموردين الأجانب على تحديد كيفية ومكان استخدامها، كما يقل خطر تعطل الإنتاج نتيجة حظر تصدير مكون رئيسي.
لكن الحديث عن استقلال كامل لسلسلة التوريد سيكون مبالغًا فيه. فالـCRPA مثال واضح على استمرار الاعتماد الخارجي في بعض المكونات الأكثر تطورًا، بينما لا تزال صناعة المسيّرات الأوكرانية والروسية على السواء مرتبطة بسوق عالمية للمحركات والإلكترونيات وأجهزة الملاحة والرقائق، تحتل الصين موقعًا مهمًا فيها.
ما تغير هو أن أوكرانيا لم تعد تستورد المنصة كاملة بالضرورة، بل تحاول استيراد العناصر التي يصعب تصنيعها وتوطين ما تستطيع من بقية السلسلة.
حرب الصناعة لا حرب المنصات فقط
قصة MICH 2000 تكشف أيضًا عن تحول أوسع في مفهوم السلاح بعيد المدى.
في النموذج التقليدي، كان الوصول إلى هدف على بعد ألف أو ألفي كيلومتر يتطلب صاروخ كروز متطورًا قد تبلغ كلفته مئات الآلاف أو ملايين الدولارات. أما الحرب في أوكرانيا فأوجدت طبقة جديدة بين المسيّرات التكتيكية الرخيصة والصواريخ المتقدمة: طائرات انتحارية بطيئة نسبيًا، ذات مدى استراتيجي، يمكن إنتاجها بالآلاف.
هذه الطائرات لا تمتلك سرعة الصاروخ ولا قدرته على الاختراق، لكنها تستطيع تعويض ذلك بالكلفة والعدد. فإذا كان بالإمكان إطلاق عشرات الطائرات في الهجوم الواحد، يصبح على المدافع أن يكتشف ويعترض كل واحدة منها، بينما يكفي للمهاجم أن تمر نسبة محدودة كي يحقق أثرًا اقتصاديًا أو عسكريًا كبيرًا.
وتكتسب هذه المعادلة أهميتها عندما يتحول الإنتاج من مئات إلى آلاف الوحدات سنويًا.
عند ستة آلاف طائرة، لا تعود MICH 2000 سلاحًا مخصصًا لعمليات استثنائية، بل تصبح جزءًا من قدرة صناعية مستمرة على تنفيذ حملة استنزاف في العمق. وإذا تحقق هدف رفع الإنتاج إلى عشرة آلاف سنويًا، فإن القيمة الأساسية للبرنامج لن تكون في الخصائص الفردية لكل مسيّرة، بل في قدرة أوكرانيا على تعويض ما يُسقط منها والاستمرار في إرسال دفعات جديدة.
ولهذا قد يكون الرقم الأهم في قصة MICH 2000 ليس مدى الألفي كيلومتر ولا سعر الـ48 ألف دولار، بل نسبة التوطين وحجم خط الإنتاج.
فالحرب أثبتت أن امتلاك تصميم متطور لا يكفي إذا كان لا يمكن إنتاجه بالمعدل الذي يستهلكه الميدان. وأوكرانيا، التي بدأت المشروع بمحاولة شراء طائرة صينية جاهزة، انتهت بعد أقل من ثلاثة أعوام إلى بناء عائلة محلية من الذخائر بعيدة المدى، تستخدمها اليوم في حرب تستهدف نقل جزء متزايد من الضغط العسكري من خط الجبهة إلى المصانع والموانئ والقواعد الجوية داخل روسيا.
وهذا هو التحول الذي يعطي MICH 2000 وزنها الحقيقي: لم تعد قدرة الضرب العميق مرتبطة فقط بما تحصل عليه كييف من الخارج، بل أصبحت مرتبطة بما تستطيع الصناعة الأوكرانية إنتاجه بكميات تكفي لتحويل ألفي كيلومتر من المدى إلى حملة مستمرة، لا إلى ضربة استثنائية.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




