تقديرات

الانسحاب الأميركي من العراق.. ماذا يتغير في موازين القوة؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


لم يكن خروج آخر القوات الأميركية من العراق في نهاية أيلول/سبتمبر 2026 مجرد استكمال لاتفاق عسكري بين بغداد وواشنطن. الحدث جاء بعد أكثر من عقدين من الحضور الأميركي المتفاوت منذ غزو عام 2003، وفي لحظة إقليمية مختلفة تماماً عما كان عليه العراق عند عودة القوات الأميركية لمحاربة تنظيم «داعش» في 2014. الولايات المتحدة اليوم تخوض مواجهة مفتوحة مع إيران، والفصائل العراقية المرتبطة بطهران باتت جزءاً من شبكة إقليمية تتجاوز حدود العراق، بينما تحاول بغداد في المقابل أن تمنع تحول أراضيها إلى امتداد لهذه المواجهة. ولهذا تعاملت صحف مثل Financial Times وWashington Post مع الانسحاب بوصفه تغييراً في ميزان القوى داخل العراق، أكثر من كونه مجرد نهاية لمهمة عسكرية.

من السهل النظر إلى المشهد باعتباره خروجاً أميركياً وانتصاراً إيرانياً، وهذه بالفعل كانت الطريقة التي استقبلت بها طهران وحلفاؤها الخطوة. رويترز أشارت إلى أن إيران تعتبر الانسحاب جزءاً من هدف أوسع تسعى إليه منذ سنوات، وهو إخراج القوات الأميركية من المنطقة وتقليص قدرتها على العمل عسكرياً قرب حدودها. لكن هذا لا يعني أن المساحة التي تتركها القوات الأميركية ستنتقل تلقائياً إلى إيران؛ فالعراق نفسه تغيّر، وكذلك الأدوات التي تستخدمها واشنطن للحفاظ على مصالحها فيه.

أميركا تغادر بالقوات.. لا بالنفوذ

أبرز ما تكشفه مرحلة ما بعد الانسحاب هو أن الوجود العسكري لم يكن سوى جزء من العلاقة الأميركية مع العراق. رويترز نشرت بالتزامن مع خروج القوات تقريراً يوضح أن عائدات النفط العراقية ما تزال مرتبطة بحسابات البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو النظام الذي نشأ بعد عام 2003 واستمر بأشكال مختلفة حتى اليوم. وبالنظر إلى أن النفط يشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الدولة، فإن قدرة العراق على الوصول إلى الدولار وإدارة جزء أساسي من أمواله الخارجية تُبقي واشنطن لاعباً يصعب تجاوزه حتى بعد مغادرة آخر جنودها.

هذه العلاقة لا تمنح الولايات المتحدة سيطرة مطلقة على العراق، لكنها تمنحها ورقة ضغط لا تقل أهمية عن الوجود العسكري في بعض الحالات. رويترز ذكّرت، على سبيل المثال، بأن واشنطن لوحت عام 2020 بإمكانية تقييد وصول بغداد إلى أموالها في نيويورك في ذروة المطالبات بخروج القوات الأميركية. لذلك فإن الحديث عن نهاية النفوذ الأميركي بسبب إغلاق القواعد العسكرية يتجاهل أن النفوذ نفسه أصبح منذ سنوات موزعاً بين أدوات مالية وسياسية وأمنية واقتصادية.

ويبدو هذا التحول أوضح في ملف الطاقة. ففي تموز/يوليو الماضي وقعت شركات غربية وأميركية عشرات الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع الجانب العراقي بقيمة معلنة تجاوزت 60 مليار دولار، شملت Chevron وConocoPhillips وشركات أخرى، في إطار مسعى عراقي لتطوير الإنتاج وفتح طرق جديدة لتصدير النفط. بعض المشروعات المطروحة يبحث في خطوط تصل إلى تركيا أو الساحل السوري، بما يقلل اعتماد العراق على مضيق هرمز الذي أصبح أحد أكثر نقاط الضعف حساسية خلال المواجهة الحالية مع إيران.

هذا التزامن ليس تفصيلاً ثانوياً. ففي الوقت الذي تخفف فيه واشنطن وجودها العسكري المباشر، يتوسع الحضور الأميركي والغربي في قطاع يفوق في أهميته الاقتصادية أي قاعدة عسكرية. العلاقة الأميركية العراقية تتحرك بهذا المعنى من مرحلة كانت تُقاس بعدد الجنود والقواعد إلى علاقة أصبحت فيها الطاقة والدولار والاستثمار والتسليح أدوات أكثر ديمومة وأقل كلفة سياسياً على واشنطن. وهذا يفسر لماذا تحدث مسؤولون أميركيون أثناء القمة الاقتصادية في واشنطن عن العراق باعتباره جزءاً من ترتيبات استراتيجية وأمنية جديدة، رغم أن موعد خروج القوات كان قد أصبح قريباً.

إيران ربحت خروج الخصم.. لكنها ورثت مشكلة مختلفة

لا يمكن مع ذلك التقليل من أهمية الانسحاب بالنسبة إلى طهران. وجود قوات أميركية داخل العراق كان يعني أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة عسكرية مباشرة في بلد يشكل العمق الغربي لإيران، كما كان يمثل حاجزاً سياسياً وأمنياً أمام توسع بعض الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري. ولهذا وصفت  Washington Post التحول الحالي بأنه ميزان قوة يتحرك بصورة أكبر في اتجاه إيران، خصوصاً مع استمرار وجود فصائل عراقية تمتلك ترسانة كبيرة ونفوذاً داخل المؤسسات السياسية.

لكن طهران تخسر في الوقت نفسه إحدى أكثر الذرائع فائدة لحلفائها العراقيين. فقد بنت فصائل عديدة خطابها السياسي والعسكري خلال السنوات الماضية على وجود «قوات احتلال» يجب مقاومتها. ومع مغادرة هذه القوات، تصبح الإجابة عن سبب استمرار السلاح خارج السيطرة المباشرة للحكومة أكثر صعوبة. صحيفة Le Monde نقلت عن محللين عراقيين أن الانسحاب يقوض بالفعل الخطاب الذي قدمت به بعض الفصائل نفسها على أنها قوى مقاومة نشأت أساساً لمواجهة الاحتلال الأميركي.

وهذا يضع الفصائل أمام مرحلة مختلفة. فالولايات المتحدة خرجت، لكن جزءاً من هذه القوى يرفض التخلي عن السلاح ويطالب بأكثر من مجرد نهاية الوجود العسكري؛ كتائب وفصائل مرتبطة بإيران تتحدث الآن عن ضرورة إنهاء النفوذ السياسي والاقتصادي الأميركي أيضاً. وفي تحقيق لرويترز مطلع أيلول/سبتمبر، ظهر بوضوح أن الخلاف لم يعد حول خروج الجنود فقط، بل حول ما إذا كانت هذه الفصائل ستقبل أصلاً بأن يصبح قرار استخدام القوة محصوراً بالدولة العراقية.

العقدة ليست في عدد المسلحين بل في موقعهم داخل الدولة

لهذا تبدو مسألة الفصائل أهم من السؤال التقليدي حول الفراغ الأمني الذي قد يتركه الأميركيون. فهذه الجماعات ليست ميليشيات موجودة خارج النظام السياسي فحسب، وإنما يمتلك بعضها تمثيلاً برلمانياً، ونفوذاً داخل مؤسسات الدولة، ومصالح اقتصادية، وفي الوقت نفسه يحافظ بدرجات مختلفة على بنية عسكرية وارتباطات خارجية. وهذا ما يجعل أي حديث عن «نزع السلاح» أبعد بكثير من أن يكون عملية أمنية.

ريناد منصور، الباحث في Chatham House، يشير إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن بعض الفصائل أصبح لديه الكثير ليخسره إذا دخل في مواجهة مع الدولة. سنوات الاستقرار النسبي منحت قادة هذه الجماعات مقاعد برلمانية ومناصب ومصالح اقتصادية، ولذلك أصبح جزء منهم أكثر استعداداً للاندماج داخل النظام. في المقابل، تبدو الجماعات الأكثر ارتباطاً بالمشروع الإقليمي الإيراني أقل استعداداً للتنازل، لأنها تنظر إلى دورها من خلال مواجهة أوسع لا تنتهي عند الحدود العراقية.

من هنا لا يمكن التعامل مع حصر السلاح باعتباره إجراءً إدارياً يأتي بعد انسحاب الأميركيين. المسألة في جوهرها تتعلق بمركز القرار. فإذا كانت الحكومة العراقية قادرة على منع أي فصيل من مهاجمة دولة أخرى أو الدخول في حرب إقليمية من دون موافقتها، يصبح خروج القوات الأميركية عاملاً يمكن أن يقوي الدولة. أما إذا استمر قرار الحرب موزعاً بين بغداد وتشكيلات مسلحة لها حساباتها الخاصة، فإن الانسحاب يكون قد أزال قوة أجنبية من العراق من دون أن يحل مشكلة السيادة التي استخدمت لتبريره.

العراق أصبح أكثر أهمية في الصراع مع إيران لا أقل

وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب تغير موقع العراق في الحسابات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة. طهران كانت حريصة لفترة طويلة على تجنيب الساحة العراقية انفجاراً واسعاً، لأن العراق يوفر لها عمقاً اقتصادياً وسياسياً مهماً في ظل العقوبات، ولأن الحفاظ على الاستقرار كان يخدم مصالح حلفائها الذين توسع نفوذهم داخل مؤسسات الدولة. إلا أن مركز Chatham House يرى أن تصاعد المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران غيّر جزءاً من هذه الحسابات، وجعل العراق أكثر أهمية كمساحة يمكن من خلالها ممارسة الضغط ورفع كلفة الحرب على خصوم طهران.

وهذا هو الخطر الذي لا يحله الانسحاب تلقائياً. خروج القوات الأميركية يزيل هدفاً كان يمكن للفصائل مهاجمته داخل العراق، لكنه لا يلغي قدرتها على المشاركة في مواجهات خارج الحدود أو استهداف مصالح أميركية وخليجية في المنطقة. وفي الأشهر الماضية أصبحت الهجمات المنطلقة من العراق جزءاً من المواجهة الإقليمية الأوسع، وهو ما ضيّق هامش الحركة أمام بغداد وأظهر أن المشكلة لم تعد مرتبطة بوجود قاعدة أميركية، بل بقدرة الحكومة على التحكم في استخدام أراضيها.

ماذا خسر إقليم كردستان؟

في بغداد حمل الانسحاب معنى سيادياً واضحاً، أما في أربيل فكانت القراءة مختلفة. آخر القوات الأميركية خرجت من إقليم كردستان، وهو ما أنهى مظلة عسكرية شكلت طوال سنوات عنصراً مهماً في حسابات أربيل الأمنية وعلاقاتها مع بغداد وطهران. صحيفة Washington Post أشارت إلى أن القلق الكردي من الانسحاب يرتبط بدرجة كبيرة بتحول ميزان القوى الإقليمي وبوجود جماعات مدعومة من إيران قادرة على العمل بالقرب من الإقليم.

مع ذلك، لا يعني انتهاء الانتشار العسكري انهيار العلاقة الأميركية مع كردستان. صحيفة Le Monde لفتت إلى أن الولايات المتحدة تحافظ على حضور دبلوماسي كبير في أربيل، وأن الإقليم سيبقى بوابة مهمة للعلاقة الغربية مع العراق. ولذلك فإن التحول هنا يشبه ما يحدث على المستوى العراقي عموماً: تراجع العنصر العسكري مقابل الإبقاء على أدوات النفوذ السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.

الانسحاب العراقي ضمن تراجع أوسع للمظلة الأميركية

لا يجري ما يحدث في العراق بمعزل عن التحولات الأوسع في المنطقة. رويترز طرحت بعد خروج القوات مباشرة سؤالاً أوسع حول مستقبل «المظلة الأمنية الأميركية» في الخليج، في وقت بدأت فيه دول المنطقة تبحث عن ترتيبات أكثر تنوعاً ولا تعتمد بالدرجة نفسها على الوجود العسكري الأميركي. الحرب مع إيران والهجمات على منشآت الطاقة والملاحة، إلى جانب تقليص بعض أشكال الانتشار الأميركي، دفعت السعودية ودول الخليج إلى التفكير بصورة أوسع في علاقاتها مع تركيا وباكستان وفي صيغ أمنية إقليمية جديدة.

العراق جزء من هذا التحول لكنه حالة خاصة. واشنطن لا تستطيع التعامل معه كدولة يمكن الانسحاب منها ببساطة؛ فهي بنت منذ 2003 شبكة من العلاقات المالية والأمنية والمؤسساتية تجعل فك الارتباط الكامل مكلفاً للطرفين. وفي الوقت نفسه لم يعد لدى الولايات المتحدة استعداد واضح لتحمل تكلفة انتشار عسكري دائم في بلد تستطيع فيه تحقيق جزء كبير من مصالحها بوسائل أخرى. خروج القوات لذلك ينسجم مع محاولة تخفيف الكلفة العسكرية الأميركية من دون ترك المجال العراقي نهائياً.

وماذا بقي من ملف «داعش»؟

تنظيم «داعش» يبقى جزءاً من الحساب الأمني، لكنه لا يفسر بمفرده معنى الانسحاب ولا تبعاته. وجود القوات الأميركية منذ 2014 تأسس أساساً على مهمة محاربة التنظيم، ومع انتهاء المهمة أعلنت واشنطن أن العلاقة الأمنية ستنتقل إلى شكل جديد يقوم على الدعم والتعاون بدلاً من الانتشار المباشر. ولهذا فإن احتمال نشاط خلايا التنظيم يبقى تهديداً يجب التعامل معه، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الأثقل التي ظهرت بعد خروج القوات: ماذا سيحدث لتوازن بغداد مع طهران؟ ومن يملك قرار استخدام السلاح؟ وكيف ستحافظ واشنطن على نفوذها من خارج القواعد العسكرية؟

الخلاصة

بعد أكثر من عشرين عاماً، تخرج الولايات المتحدة من العراق عسكرياً في وقت لا تزال آثار تدخلها الأول حاضرة في بنية النظام السياسي وموازين القوى. حتى بعض الأصوات الأميركية التي دافعت عن الحرب عام 2003 باتت تقر بأن النتيجة الاستراتيجية لم تكن كما أرادتها واشنطن، وأن إسقاط النظام السابق وما تلاه من فوضى فتح المجال أمام توسع النفوذ الإيراني بصورة لم تكن ممكنة قبل الغزو. صحيفة Washington Post عادت إلى هذه النتيجة بعد أيام من اكتمال الانسحاب، معتبرة أن الولايات المتحدة أنهت حرباً باهظة من دون أن تحصل على المكاسب الاستراتيجية التي تصورتها في بدايتها.

لكن اعتبار خروج القوات نهاية للصراع الأميركي-الإيراني على العراق سيكون مبكراً. واشنطن تخفف حضورها العسكري لكنها تبقى حاضرة في النظام المالي والطاقة والاستثمار والتسليح والعلاقات الدبلوماسية. إيران، من جهتها، تخرج من مرحلة كان خصمها الأميركي موجوداً فيها عسكرياً على حدودها، لكنها تدخل مرحلة سيكون عليها فيها الدفاع عن استمرار نفوذ حلفائها من دون ذريعة القوات الأجنبية التي استندوا إليها طويلاً.

أما بغداد، فهي الطرف الذي سيحدد في النهاية معنى الانسحاب. إذا تمكنت الدولة من استخدام نهاية الوجود الأميركي لاستعادة قرارها الأمني ومنع أراضيها من الدخول في الحروب الإقليمية، فقد يتحول الخروج الأميركي إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة. أما إذا استمر السلاح المستقل واستمرت القرارات العسكرية التي تتجاوز الحكومة، فلن تكون المشكلة قد انتهت بخروج الأميركيين؛ سيكون العراق قد استعاد سيادته على الورق فيما بقيت القدرة على ممارستها موزعة بين أكثر من مركز قوة. وهذا بالضبط هو الامتحان الذي تبدأ به مرحلة ما بعد 30 أيلول/سبتمبر، لا الامتحان الذي انتهى في ذلك اليوم.

(انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى