«الشعبوية النفطية».. كيف تتقاطع المصالح الإماراتية مع صعود اليمين البريطاني؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
فتحت منظمة «فيرسكوير» (FairSquare) البريطانية ملف العلاقات المتنامية بين دولة الإمارات وحزب الإصلاح البريطاني «Reform UK»، في تقرير بحثي جديد يتناول تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية بين أبوظبي وشخصيات بارزة في الحزب، ويضع هذه العلاقات ضمن سياق أوسع للسياسة الخارجية الإماراتية تجاه الحركات والأحزاب المناهضة للإسلام السياسي.
ويذهب التقرير، الذي أعده الباحث أليكس كارلن وصدر في 23 سبتمبر/أيلول 2026، إلى أن العلاقات الإماراتية مع الحزب تتجاوز التواصل الدبلوماسي التقليدي، لتشمل شبكة من المصالح التجارية والشراكات الإعلامية والتوافقات السياسية. ويطالب المنظمة بفتح تحقيق رسمي في طبيعة هذه العلاقات، وإدراج الإمارات ضمن المستوى المعزز في نظام تسجيل النفوذ الأجنبي البريطاني.
أولاً: شبكة العلاقات بين أبوظبي وقيادة حزب الإصلاح
يركز التقرير على مجموعة من الشخصيات البارزة داخل الحزب، في مقدمتها زعيمه نايجل فاراج، ونائبه ريتشارد تايس، وأمين صندوقه نيك كاندي، إلى جانب ناظم الزهاوي، الذي انتقل من حزب المحافظين إلى الإصلاح.
وبحسب فيرسكوير، ترتبط هذه الشخصيات بعلاقات متفاوتة مع النخب السياسية والاقتصادية الإماراتية، وتُظهر مواقفها العلنية تقارباً مع بعض توجهات أبوظبي، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالإسلام السياسي والعلاقات الثنائية بين البلدين.
ويولي التقرير اهتماماً خاصاً بالعلاقات التي نسجها فاراج مع المسؤولين الإماراتيين، مشيراً إلى لقائه وزير الخارجية الإماراتي خلال زيارة الأخير للمملكة المتحدة.
ولا يقدم التقرير دليلاً على وجود تمويل إماراتي مباشر لحزب الإصلاح، لكنه يعتبر أن شبكة العلاقات القائمة توفر قنوات يمكن من خلالها التأثير في الخطاب السياسي البريطاني.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن النفوذ الخارجي لا يقتصر، من الناحية النظرية، على التمويل المباشر للأحزاب. فقد يتخذ أشكالاً أخرى، مثل بناء العلاقات مع القيادات، أو تقديم فرص استثمارية، أو تعزيز سرديات سياسية عبر وسائل إعلام ذات توجهات متقاربة.
ومع ذلك، فإن تشابه المواقف السياسية أو وجود علاقات تجارية لا يثبت بمفرده وجود تنسيق سري أو توجيه من حكومة أجنبية، وهو تمييز ضروري لتقييم استنتاجات التقرير.
ثانياً: الإخوان المسلمون بوصفهم نقطة التقاء سياسي
يحدد تقرير فيرسكوير الموقف من جماعة الإخوان المسلمين باعتباره أحد أبرز مجالات التقارب بين أبوظبي وحزب الإصلاح.
فالإمارات تتعامل مع الجماعة باعتبارها تحدياً سياسياً وأمنياً، بينما تعهد الحزب البريطاني بحظرها في حال وصوله إلى السلطة.
ويرى معدّ التقرير أن هذا التوافق ينسجم مع توجه إماراتي أوسع نحو بناء علاقات مع قوى سياسية خارجية تتبنى مواقف متشددة تجاه الإسلام السياسي.
ويطرح هذا التقاطع سؤالاً حول طبيعة العلاقة بين المصالح الإقليمية الإماراتية والتحولات الحزبية داخل بريطانيا.
فبالنسبة إلى أبوظبي، يرتبط ملف الإخوان المسلمين بسياستها الداخلية وتحالفاتها الإقليمية. أما بالنسبة إلى حزب الإصلاح، فيندرج موقفه ضمن برنامجه المتعلق بالأمن والهجرة والتطرف.
وبالتالي، فإن التشابه بين الجانبين لا يعني بالضرورة تطابق الدوافع. لكنه يوفر أرضية مشتركة يمكن أن تسهم في توسيع العلاقات السياسية بينهما.
ثالثاً: الإعلام والاستثمارات بوصفهما قنوات محتملة للنفوذ
لا يتوقف التقرير عند العلاقات السياسية المباشرة، بل ينتقل إلى البيئة الإعلامية والاقتصادية المحيطة بها.
وتبرز في هذا السياق قناة GB News البريطانية، التي يرى التقرير أن علاقات بعض المستثمرين المرتبطين بها بالإمارات تستدعي تدقيقاً في التداخل بين المصالح التجارية والمواقف الإعلامية.
كما يستعرض التقرير الحضور الاستثماري الإماراتي في بريطانيا، ولا سيما في القطاعات الرياضية والعقارية، مع التركيز على نادي مانشستر سيتي وعلاقاته بمدينة مانشستر ومؤسساتها المحلية.
وقد تناولت منظمة هيومن رايتس ووتش وفيرسكوير هذه العلاقات في بيان مشترك صدر في يوليو/تموز 2026، أشار إلى الاستثمارات الإماراتية الكبيرة في مانشستر، ودعا المسؤولين المحليين إلى مراعاة الاعتبارات الحقوقية في تعاملاتهم مع الجهات المرتبطة بأبوظبي.
ومن منظور تحليلي، يعكس هذا الملف تداخلاً بين ثلاثة مستويات من العلاقات: الاستثمار الاقتصادي، والتواصل السياسي، والحضور الإعلامي.
لكن وجود هذه المستويات داخل شبكة مصالح واحدة لا يكفي لإثبات أنها تعمل وفق توجيه مركزي موحد. ويظل إثبات مثل هذا التنسيق مرتبطاً بالوثائق المالية والمراسلات والاتفاقات القابلة للتحقق.
رابعاً: البعد الخارجي.. من السودان إلى أوروبا
يربط تقرير «الشعبوية النفطية» بين العلاقات الإماراتية في بريطانيا وبين نمط أوسع يراه في السياسة الخارجية لأبوظبي.
ويستعرض تدخلات الإمارات في السودان ومصر وليبيا وتونس، معتبراً أن مواجهة حركات الإسلام السياسي كانت عاملاً مؤثراً في بناء تحالفاتها الإقليمية.
كما يشير إلى علاقات مع شخصيات وتيارات يمينية في فرنسا والولايات المتحدة والمجر، وإلى دور بعض المؤثرين في إعادة تداول رسائل تتقاطع مع المواقف الإماراتية.
وفي الحالة السودانية، ينسب التقرير إلى التدخل الإماراتي دوراً في تعميق الصراع والأزمة الإنسانية.
ويتيح هذا الامتداد الجغرافي فهم الفرضية المركزية التي يبني عليها الباحث تحليله: أن العلاقات مع قوى سياسية مختلفة أيديولوجياً قد تنشأ من تقاطع مصالح محدد، من دون أن تستلزم تبنّي جميع مواقف تلك القوى.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة العلاقات الإماراتية مع حزب الإصلاح ضمن سياق سياسة خارجية تسعى إلى بناء شراكات متعددة تخدم أولوياتها الإقليمية والدولية، وهي قراءة تحتاج إلى التمييز بين المصالح المعلنة والتنسيق السياسي الذي تثبته الأدلة.
خامساً: اتهامات بانتهاك السيادة البريطانية
يستند التقرير أيضاً إلى حوادث منفصلة تتعلق بمواطنين ومقيمين بريطانيين، ويستخدمها لإثارة تساؤلات حول طبيعة العلاقات الأمنية بين لندن وأبوظبي.
ومن أبرز الحالات التي يستعرضها قضية الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز، الذي اعتُقل في الإمارات عام 2018 واتُّهم بالتجسس، قبل الإفراج عنه بعد ضغوط دبلوماسية. وقد تحدث هيدجز عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة خلال احتجازه.
ويستشهد التقرير كذلك بتحقيق نشرته شبكة ITV News في أغسطس/آب 2026، كشف تفاصيل عملية مراقبة سرية استهدفت الأكاديمي والناشط البريطاني أنس التكريتي داخل لندن عام 2016.
واستند التحقيق إلى مراسلات وشهادات وسجلات مالية، وقال إن متعاقداً أمنياً تلقى تمويلاً إماراتياً لتنفيذ عملية مراقبة شملت جمع معلومات عن تحركات التكريتي ومقر عمله، مع وجود مؤشرات في الوثائق التي فحصتها الشبكة إلى بحث احتمال قتله.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية لأنها تنقل النقاش من العلاقات السياسية والإعلامية إلى مسألة ممارسة أنشطة أمنية أجنبية داخل الأراضي البريطانية.
وهي أيضاً توضح سبب تركيز المنظمة على أدوات الشفافية والمساءلة القانونية، بدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بإعادة تقييم العلاقات الدبلوماسية.
سادساً: لماذا تطالب فيرسكوير بإخضاع الإمارات لرقابة معززة؟
تتمثل التوصية الأساسية للتقرير في إدراج الإمارات ضمن المستوى المعزز من نظام تسجيل النفوذ الأجنبي البريطاني، المعروف اختصاراً باسم FIRS.
ويفرض هذا النظام متطلبات تسجيل على ترتيبات وأنشطة معينة تُنفذ بتوجيه من قوى أجنبية. ويتيح المستوى المعزز تدقيقاً أوسع في الأنشطة المرتبطة بالدول والجهات التي تحددها الحكومة البريطانية وفق المعايير القانونية.
وكانت الحكومة البريطانية قد أكدت في يوليو/تموز 2026 أن روسيا وإيران هما الدولتان المدرجتان في هذا المستوى آنذاك.
وتطالب فيرسكوير أيضاً بتكليف فريق حماية الديمقراطية البريطاني بإجراء تحقيق شامل في العلاقات الإماراتية مع حزب الإصلاح.
وتأتي هذه المطالب في سياق نقاش رسمي أوسع حول التدخل المالي الخارجي في السياسة البريطانية.
ففي مارس/آذار 2026، نشرت الحكومة مراجعة مستقلة أعدها فيليب رايكروفت بشأن النفوذ والتدخل المالي الأجنبي، تضمنت 17 توصية تتعلق بحماية النظام السياسي والانتخابي، وتعزيز الشفافية والرقابة على التمويل.
ومن المهم التمييز هنا بين مراجعة رايكروفت، التي تناولت التدخل الخارجي عموماً، وتقرير فيرسكوير، الذي يركز تحديداً على العلاقات الإماراتية مع حزب الإصلاح. فالأولى لا تمثل حكماً رسمياً بصحة جميع الاستنتاجات الواردة في الثاني.
الخلاصة: العلاقات السياسية في ظل تحولات النفوذ الخارجي
يقدم تقرير فيرسكوير نموذجاً لدراسة النفوذ الخارجي من خلال شبكة مترابطة من العلاقات السياسية والتجارية والإعلامية، بدلاً من حصر البحث في التمويل الحزبي المباشر.
وتشير المعطيات التي يعرضها إلى وجود علاقات بين شخصيات مؤثرة في حزب الإصلاح ونخب سياسية واقتصادية إماراتية، إلى جانب تقارب معلن في بعض القضايا، ولا سيما الموقف من جماعة الإخوان المسلمين.
غير أن السؤال البحثي الذي يظل مفتوحاً يتعلق بمدى انتقال هذه العلاقات من مستوى التقارب والمصلحة المتبادلة إلى مستوى التأثير المنظم على السياسات البريطانية.
وتحتاج الإجابة عن ذلك إلى معلومات إضافية تتعلق بطبيعة الاتفاقات، ومصادر التمويل، وأدوار الوسطاء، والاتصالات الرسمية وغير الرسمية.
أما على مستوى العلاقات الثنائية، فيعكس الجدل التوازن الذي تسعى بريطانيا إلى إدارته بين مصالحها الاقتصادية والأمنية مع الإمارات، ومتطلبات الشفافية في التعاملات السياسية والأنشطة المرتبطة بالدول الأجنبية.
وبذلك تتجاوز أهمية التقرير حالة حزب الإصلاح وحدها، لتطرح نقاشاً أوسع بشأن الكيفية التي تتعامل بها الأنظمة الديمقراطية مع نفوذ الدول الشريكة اقتصادياً حين تتداخل المصالح الاستثمارية مع العلاقات الحزبية والإعلامية. (انظر أيضا) (انظر أيضا)
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




