دراسات

الفراغ الأمني في الإقليم – تمرد التحسس ونهاية الأمن المستعار

من طوفان الأقصى إلى الرباعية: هل يملأ الإقليم فراغه الأمني بنفسه — ولماذا غابت مصر؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


الملخص التنفيذي

تشكّلت خلال النصف الأول من 2026 مجموعة عمل رباعية تضم تركيا وباكستان ومصر والسعودية، أعلن وزير الخارجية التركي أنها تستهدف بناء “نظام إقليمي جديد قائم على السلام” بترتيبات أمنية تضمن سيادة أطراف المنطقة جميعاً. وتقرأ هذه الورقة المبادرة عبر مفهومين ناظمين: “تمرد التحسس” – النمط الحاكم لسلوك القوى كافة في لحظة ما بين نظامين، حيث يُختبر الفراغ بخرق قواعده – و”الأمن المستعار” – الحالة التي ورثها الإقليم منذ لقاء “كوينسي” بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود (14 فبراير/شباط 1945)، وما تبعه من خطاب الرئيس هاري ترومان (1950): حماية تُستأجر من الخارج بتعهدات رئاسية لا معاهدات، فتُغني عن بناء الثقة الذاتية وتبقي القرار مرتهناً.

تحاجّ هذه الورقة بأن الرباعية ليست ردة فعل ظرفية على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بل قد تكون فرصةً لبناء منظومة ردعٍ إقليمية من داخل الإقليم، إن هي استفادت من الدروس التاريخية التي طرحتها هذه الورقة، وُلدت من انكشافٍ رباعيٍّ فجّر طوفانُ الأقصى ثلاثةً من أضلاعه: أولاً، انكشافُ المشروع الإسرائيلي التوسّعي — وهو مشروعٌ سابقٌ على الطوفان كشفه ولم يُنشئه — بوصفه تهديداً للإقليم كلّه لا لفلسطين وحدها؛ وثانياً، انكشافُ اهتزاز موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية وانكفاءِ واشنطن المنصوص عليه في عقيدتها الدفاعية، التي أجهضت كل محاولة سابقة، إذ لم تَعُد رخيصةً ولا مضمونةً ولا معروضةً بشروطٍ ثابتة — بل باتت عبئاً ومصدرَ انكشافٍ لا حمايةً، إذ حوّلت قواعدُها في الخليج مستظلّيها إلى أهدافٍ مشروعةٍ للردّ الإيراني، وضربةُ الدوحة شاهدُها؛ وثالثاً، انكشافُ عجز النظام الإقليمي العربي القائم عن توفير أمنٍ ذاتيٍّ بديلٍ يملأ الفراغ. ثم أضافت حربُ إيران ضلعاً رابعاً لا يقلّ خطورة: إيران ذاتها، بعد أن أظهرت في هذه الحرب الأخيرة قدرة ردع تقف نداً للقوة الأمريكية وتقصف قواعدها ومصالح حلفائها في الإقليم بشكل موجع – وهو ما يعني، من زاوية الخشية العربية السنية، انكشافاً أمام احتمال هيمنة إقليمية فارسية شيعية، بقدر ما يعني من زاوية أخرى نموذجاً للردع المستقل الذي تفتقده دول الرباعية ذاتها.

وينبغي التحفّظ هنا: فالرباعية قد تبدو للوهلة الأولى محاولةً وليدةَ ظرفٍ تاريخي استثنائي يحتاج أطرافُها نجاحَها وتحتاجه المنطقة معها؛ فتلك قراءةٌ صحيحةٌ لكنها تظلّ مرهونةً بسؤالٍ معلّقٍ لا يحسمه إلا الفعل: هل ينجح أطرافُ الرباعية في التعلّم من دروس الماضي الموثّقة في هذه الورقة، فيؤسّسون لمنظومةٍ دفاعية-أمنية جديدة تنجو من العلل الثلاث التي أجهضت المحاولات قبلهم: التصميمِ الخارجي، والشكلانيةِ، والارتهانِ للبديل الأمريكي؟ إنها — بلغة هذه الورقة — تمرّدُ تحسّسٍ إقليمي: تلمّسٌ حذرٌ للفراغ لملئه بالذات لا باستدعاء غيرٍ يملؤه، ومصيرُه رهنُ الإرادة لا التصريحات.

وبعد تشريح سجل المحاولات الفاشلة منذ 1950، وتفكيك بنية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة الذي جسّد تلك المظلة، وتحليل قدرات الأعضاء الأربعة وشبكة علاقاتهم الثنائية بما يكمن في خلفيتها من توترات – وفي مقدمتها الظل الإماراتي المتحالف مع إسرائيل – تخلص الورقة إلى أن مصير المجموعة سيتقرر في ثلاثة اختبارات: المأسسة، والأزمة الأولى، والعمق الاقتصادي؛ وأن السيناريو الأرجح في ضوء الموازين الراهنة هو محاولة تفريغها بالاحتواء لا مواجهتها، ما لم يُحسم الاختبار الاقتصادي لصالحها. وتختم بتوصيات مستخلصة من دروس الإخفاقات السابقة، وبالسؤال المعلق الذي سيجيب عنه العقد القادم: هل توحّد الأطرافَ الأزمةُ أم تكبّلها الأجندات؟

يبقى التنويه إلى أن هذه الدراسة كان قد تم إعدادها والإنتهاء منها قبل إعلان اتفاقية الدفاع المشترك مؤخرًا بين السعودية وتركيا وباكستان. ولأخذ هذا التطور المهم في الإعتبار، ونظرًا لعلاقته المباشرة بموضوع الدراسة، فقد تم إضافة استدراك حول هذا الموضوع في نهاية هذه النسخة حتى تتكامل الصورة في ضوء أخر المتغيرات.

الاستنتاجات الرئيسية

  • من الثابت أن الرباعية وليدة تحول بنيوي لا ظرف عابر: فمحرّكاتها الأربعة — انكشافُ المشروع الإسرائيلي التوسّعي، واهتزازُ موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية وانكفاءُ واشنطن المنصوص عليه في عقيدتها الدفاعية، وعجزُ النظام الإقليمي العربي عن أمنٍ ذاتيٍّ بديل، وبروزُ إيران قوةَ ردعٍ وتهديدٍ مزدوج — قائمةٌ ومستمرة بمعزل عن مآلات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
  • تشير كل القرائن إلى أن طوفان الأقصى كان كاشفاً لمشروع إقليمي معدّ سلفاً لا منشئاً له؛ فجاهزية الجبهات الخمس المتتابعة والتصريحات التوسعية المعلنة قرينتان يصعب ردّهما.
  • من المرجح جداً أن يظل الغموض التأسيسي – لا اسم، لا ميثاق، لا التزام دفاع معلن – سمةَ الرباعية — إن هي استمرّت — في المدى المنظور، لأنه شرط بقاء توازناتها الداخلية وارتباطات أعضائها العميقة بواشنطن.
  • من المحتمل أن تنتقل المجموعة إلى إطار مؤسسي أوّلي – أمانة تنسيق، اجتماعات وزراء دفاع – خلال 2026-2027 استجابةً للدعوة المصرية، دون معاهدة دفاع ملزمة.
  • من المحتمل أن تلعب الإمارات – الغائب الحاضر في المشهد – دور المعطّل غير المباشر للمسار عبر أدوات النفوذ الاقتصادي، مدفوعةً بتحالفها مع إسرائيل من جهة وتنافسها مع السعودية على قيادة الملف الخليجي من جهة أخرى؛ وقد ظهرت بواكير ذلك في ملف الودائع الباكستانية.
  • من المستبعد نشوء “ناتو إسلامي” بمعاهدة دفاع جماعي معلنة في المدى القريب؛ فبنية المصالح الراهنة تكافئ الشبكية الغامضة وتعاقب الوضوح الملزم.
  • السيناريو الأرجح بين مسارات المستقبل الثلاثة هو التفريغ بالاحتواء بوزن تقديري نحو 40%، لأنّ تفكيك البنية من الداخل أقلُّ كلفةً من مواجهتها من الخارج، عبر إغراء أضعفِ الأعضاء بصفقاتٍ ثنائية أو تثبيطهم بأدوات الارتهان القائمة (سقف رأس الحكمة والغاز على مصر، والودائع على باكستان، وفاتورة التريليون على الرياض)، أو باشتراط أن يجري أيُّ تنسيقٍ إقليمي «تحت سقفٍ» أمريكيٍّ أوسع يُفقده استقلاليةَ القرار، يليه التبلور التدريجي بنحو 35%، ثم التبخر بنحو 25%؛ والاختبار الاقتصادي هو العامل الحاسم بينها.

مقدمة منهجية

أطروحة هذه الورقة أن ما يتشكل اليوم ليس تحالفاً جديداً يُضاف إلى أرشيف الإعلانات، بل أول اختبار حقيقي لقدرة الإقليم على ملء فراغه الأمني بنفسه بعد اهتزاز الشروط التي جعلت ذلك متعذراً طوال سبعة عقود. وتغطي الورقة ما يلي:

  • السجل التاريخي الكامل لمحاولات الأمن الجماعي الإقليمي وأسباب موتها
  • وبنية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بوصفه التجسيد المادي للمظلة التي نافست كل بديل ذاتي
  • والمستجدات التي استدعت الحديث عن التعاون الرباعي
  • واللحظة التأسيسية الحقيقية للمحاولة الراهنة
  • وتشريح قدرات أطرافها وشبكة علاقاتهم الثنائية بتوتراتها الراقدة في الخلفية
  • وتقييماً جامعاً بمنهج تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات
  • وموقع المبادرة من التحول العالمي الجاري
  • وسيناريوهات مآلها مرجّحةً
  • وتوصيات مستخلصة من دروس الماضي

ولا تغطي الورقة مسار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران العسكري بتفاصيله اليومية ولا تفاصيل الملف النووي ولا الشأن الداخلي لأي من الدول الأربع إلا بقدر اتصاله المباشر بالبنية الناشئة – أي البنية الأمنية الرباعية التي لا تزال في طور التشكل ولم تتخذ بعد شكلاً مؤسسياً نهائياً.

أما زاوية القراءة فمزدوجة: التحليل بالمصالح والقدرات لا بالنوايا والتصريحات، وقراءة ما لم يُقل – فالمجموعة التي بلا اسم ولا ميثاق يُستدل عليها من أفعالها وصمتها أكثر مما يُستدل من بياناتها.

وتتكئ الورقةُ منهجياً على ثلاث أدواتٍ متكاملة: القراءةُ المقارِنة بالسوابق التاريخية لمحاولات الأمن الجماعي الإقليمي منذ 1950 بوصفها المسطرةَ الواقعية الوحيدة التي تُقاس بها المحاولةُ الراهنة؛ وتحليلُ نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات (SWOT) لتقييم المبادرة ككيانٍ جامع لا كأعضاءٍ فرادى؛ والاستشرافُ بالسيناريوهات المرجَّحة بأوزانٍ تقديرية. وتستند في مادتها إلى المصادر الأولية من وثائقَ وبياناتٍ رسمية وتصريحات، وإلى التغطيات الصحفية الموثّقة والدراسات المتخصصة — مع ترجيحٍ دائمٍ للتحليل بالمصالح والقدرات على التحليل بالنوايا. وبالترتيب المعروض في تغطية الورقة أعلاه تنتظم أقسامُها: من تشريح السوابق وبنية المظلة الأمنية، إلى المستجدّات واللحظة التأسيسية وتشريح القدرات والعلاقات، فالتقييم الجامع والسيناريوهات والتوصيات.

في العاشر من يوليو/تموز 2026، وبعد يومين فقط من انفضاض قمة الناتو في أنقرة، أدلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتصريح يستحق أن يُقرأ بتمعن: تركيا وباكستان ومصر والسعودية شكّلت مجموعة عمل لبناء “نظام جديد في منطقتنا قائم على السلام”، عبر ترتيبات أمنية جديدة تضمن “سلامة وأمن وسيادة ووحدة أراضي كل طرف في المنطقة”، مضيفاً أن “الوقت قد حان لكي تتحمل المنطقة مشاكلها بنفسها وتُظهر ملكيتها لها”[1].

والسؤال الاستراتيجي الذي يفرضه هذا التصريح ليس: ماذا قال فيدان؟ بل: هل نشهد لحظة عابرة فرضتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وستذوب بذوبانها، أم بداية بنية أمنية إقليمية جديدة تولد لأول مرة من داخل الإقليم لا من عواصم القوى الكبرى؟ وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من المرور بمحطات متتابعة: تشريح المحاولات السابقة جميعها لفهم لماذا ماتت، ثم تفكيك بنية المظلة الأمنية الأمريكية التي زاحمت كل بديل، ثم تحديد ما استجدّ فغيّر المعادلة – وهو أسبق من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بكثير.

من المهم التنويه إلى أن النسخةُ الأولية من هذه الدراسة قد أُنجِزت وفُرِغ من إعدادها في 30 يوليو/تموز 2026، ثم دخلت مرحلةَ مراجعةٍ نقدية تداولتُها مع عددٍ من الأصدقاء الخبراء والباحثين المتخصّصين في مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية بوصفها مراجعةَ أقران قبل النشر الرسمي، فوردت خلالها ملاحظاتٌ قيّمة أفدتُ منها. وتزامنت هذه المرحلة مع تطوّرٍ ميداني كبير — تمثل في الإعلانُ في مكة المكرمة عن «اتفاقية الدفاع المشترك» الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026 — آثرتُ ألّا أُعيد صياغةَ المتن المؤرّخ على أساسه، حفاظاً على تماسكه وعلى قيمة سبْقِه التحليلي للحدث، وأفردتُ له بدلاً من ذلك «استدراكاً ما بعد النسخة الأولية» في خاتمة الدراسة يقرأ الحدث في ضوء إطارها التحليلي.

لماذا ماتت كل المحاولات السابقة؟ سجل مقبرة التحالفات الإقليمية

فكرة الإطار الأمني الجماعي في منطقتنا قديمة قِدم الدولة الوطنية الحديثة فيها، وقد جُرّبت خمس مرات على الأقل خلال سبعة عقود، إلى جانب حالة كاشفة تقف خارج العداد، وانتهت كل تجربة إلى الإخفاق. وقبل الدخول في هذا السجل، يلزم تنبيه منهجي يضبط إطار المقارنة: المحاولات التي سنحللها كانت في معظمها عربية الطابع والعضوية، أو غربية التصميم بمشاركة إقليمية – أي أنها لم تقم على التركيبة التي تقوم عليها المحاولة الراهنة (باستثناء واحد شكلي سنقف عنده في موضعه): شراكة أمنية تجمع قوى عربية مركزية مع قوى إسلامية غير عربية كتركيا وباكستان على قدم الندّية ومن داخل الإقليم. وهذا الفارق في التركيب حقيقي ومؤثر، وسنعود إليه؛ غير أن هذا السجل يبقى المسطرة الوحيدة الواقعية والمبنية على تجارب فعلية التي يمكن أن تُقاس بها المحاولة الحالية، لأن أسباب موت تلك التجارب – كما سيتبين – لم تكن في هوية الأعضاء بقدر ما كانت في بنية الإرادة والثقة والقدرة، وهي أسئلة تواجه أي تركيبة كائنة ما كانت هويتها. فقراءة هذا السجل بتفاصيله – تواريخه وأماكنه ورجاله وملابساته – هي المسطرة التي تُقاس بها المحاولة الحالية.

الأصل القانوني النائم: معاهدة الدفاع العربي المشترك (1950)

وقبل الدخول في التجارب، لا بد من الوقوف عند حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش: الإطار القانوني للأمن العربي الجماعي موجود منذ ثلاثة أرباع قرن. ففي 17 يونيو/حزيران 1950، وفي أعقاب نكبة فلسطين مباشرة وتحت وطأة صدمتها، وقّعت في القاهرة سبع دول – مصر وسوريا والعراق والسعودية والأردن ولبنان واليمن – “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية”، وانضمت إليها بقية الدول العربية تباعاً على مدى العقود التالية حتى شملت أعضاء الجامعة كافة[2]. والمعاهدة في نصوصها متقدمة إلى حد لافت: مادتها الثانية تنص على أن “كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها، يعتبر اعتداءً عليها جميعاً” وتلزم الأطراف بأن “تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور، منفردة ومجتمعة، جميع التدابير… بما في ذلك استخدام القوة المسلحة” – وهي مادة تكافئ في جوهرها الإلزامي المادة الخامسة من معاهدة الناتو الدفاعية، وقد وُلدت قبل أن يكمل الحلف الأطلسي نفسه عامه الأول، وبصياغة لا تقل عنها إلزاماً[3]. بل ذهبت المعاهدة أبعد من النصوص إلى المؤسسات: أنشأت مجلس دفاع مشترك من وزراء الخارجية والدفاع، ولجنة عسكرية دائمة من ممثلي أركان الجيوش لتنسيق الخطط وتوحيد التدريب والتسليح، وربطت – بحس سابق لعصره – بين الأمن والاقتصاد في معاهدة واحدة، منشئةً مجلساً اقتصادياً صار لاحقاً نواة العمل الاقتصادي العربي المشترك.

ومع ذلك، لم تُفعَّل المادة الثانية تفعيلاً جماعياً حقيقياً ولا مرة واحدة في خمسة وسبعين عاماً – لا في 1956 حين اجتاح العدوان الثلاثي مصر، ولا في 1967، ولا حين اجتاحت إسرائيل لبنان في 1982، ولا حين اجتاح العراق الكويت في 1990 (فكان التحرير بتحالف دولي بقيادة أمريكية لا بالمعاهدة العربية). وقد خلصت الدراسات العربية المتخصصة التي راجعت المعاهدة نقدياً – وفي مقدمتها أعمال مركز دراسات الوحدة العربية – إلى أنها “لم تأخذ طريقها إلى التطبيق الفعلي على الرغم من كل المخاطر والتهديدات التي تعرض لها الوطن العربي منذ ذلك الحين”، وأن إحياءها يظل مشروطاً بإرادة سياسية تتعامل به مع القوى الأخرى “على أساس من الندّية والمصالح المتبادلة”[4]. وهذه الحقيقة تقلب سؤال التحليل رأساً على عقب – فيصبح السؤال الحقيقي: لماذا لا نفعّل ما وقّعناه بالفعل؟ هل هي أزمة ثقة؟ أم أزمة إرادة؟ أم كلاهما معاً؟ والجواب الذي ترجحه هذه الورقة، وستفصّله في خلاصتها المنهجية أدناه، أن الإرادة والثقة وجهان لعملة واحدة لا ينفصلان: فغياب الإرادة السياسية في أعمق تجلياته هو أثر لانعدام الثقة بين الأطراف، وانعدام الثقة بدوره يتعذّر تجاوزه بلا إرادة سياسية تدفع ثمنه. فالمشكلة لم تكن يوماً غياب النصوص ولا ضعف الصياغات – النصوص من أحكم ما كُتب في بابها – بل غياب الإرادة والثقة اللتين تنفخان في النصوص الحياة. وكل التجارب الخمس التالية إنما هي، في جوهرها، محاولات للالتفاف على هذا العجز المزدوج أو التعويض عنه: تارة باستيراد إطار خارجي جاهز، وتارة ببناء هياكل جديدة فوق الأرض الرخوة ذاتها – بدل مواجهة السؤال الأصلي مباشرة.

حلف بغداد (1955-1979): التحالف الذي صُمم في لندن ووُقّع في بغداد

في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 1955، وقّع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد مع رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس في بغداد “ميثاق التعاون المتبادل”، ثم انضمت بريطانيا في أبريل/نيسان، فباكستان في سبتمبر/أيلول، فإيران الشاهنشاهية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، فيما اكتفت واشنطن بمقعد المراقب الداعم دون عضوية رسمية [5]. كان الحلف حلقة في سلسلة أحلاف “الاحتواء” التي نسجها وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس حول الاتحاد السوفييتي، من الناتو غرباً إلى “سياتو” شرقاً – أي أن علة وجوده كانت أولوية أمريكية-بريطانية، لا حاجة نابعة من أمن المنطقة ذاتها.

وهنا كمنت علة موته. فقد رأى فيه جمال عبد الناصر أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الغربية بثوب جديد وشق الصف العربي، فأطلقت القاهرة عبر “صوت العرب” حملة عاتية ضده، وحين حاولت بريطانيا ضم الأردن إليه أواخر 1955 (مهمة الجنرال تمبلر) اندلعت في عمّان اضطرابات شعبية عارمة أسقطت حكومتين وأجبرت الملك حسين على التراجع [6]. ولم يصمد الحلف أمام أول زلزال داخلي: ففي 14 يوليو/تموز 1958 أطاحت ثورة العراق بالنظام الملكي وقُتل نوري السعيد نفسه، وانسحبت بغداد رسمياً في مارس/آذار 1959 من الحلف الذي كان يحمل اسم عاصمتها، فنُقل مقره إلى أنقرة تحت اسم جديد هو “الحلف المركزي” (سينتو)، وظل هيكلاً بلا روح عشرين عاماً أخرى حتى قضت عليه الثورة الإيرانية عام 1979 بانسحاب طهران ثم باكستان [5].

 الدرس الأول: التحالف الذي يُبنى لخدمة أولويات قوة خارجية يسقط مع أول تغيّر في موازين الداخل، لأن جذوره ليست مغروسة في تربة المنطقة.

القيادة العربية الموحدة (1964-1967): جيوش على الورق

في القمة العربية الأولى التي دعا إليها عبد الناصر بالقاهرة (13-17 يناير/كانون الثاني 1964) لمواجهة تحويل إسرائيل مياه نهر الأردن، تقرر إنشاء قيادة عسكرية عربية موحدة تتولى تنسيق جيوش الدول الأعضاء والإعداد للمواجهة المقبلة، وأُسندت قيادتها إلى الفريق أول المصري عبد الحكيم عامر [7]. غير أن البناء ظل حبراً على ورق: رفضت الأردن ولبنان دخول قوات عربية إلى أراضيهما خشية استفزاز إسرائيل من جهة، وخشية أن تتحول تلك القوات إلى أداة نفوذ ناصري في الداخل من جهة أخرى – وهذا الخوف الثاني وثيق الصلة بما سنراه لاحقاً في إعلان دمشق 1991، إذ يكشف أن أزمة الثقة العربية-العربية حيال الوجود العسكري المتبادل ليست ظاهرة طارئة، بل نمط متكرر عبر عقود [8]؛ وتلكأت دول في دفع حصصها المالية؛ وظل الانقسام بين محور “ثوري” بقيادة القاهرة ومحور “محافظ” بقيادة الرياض وعمّان يفرغ كل اجتماع من مضمونه. فلما وقعت الواقعة في يونيو/حزيران 1967، قاتل كل جيش وحده، ودخلت مصر والأردن الحرب باتفاقية دفاع مشترك وُقعت في القاهرة قبل الحرب بأيام (30 مايو/أيار 1967، بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين) لا عبر القيادة الموحدة التي وُجدت نظرياً منذ ثلاث سنوات، وكانت الهزيمة شهادة وفاتها قبل أن تولد عملياً [9].

 الدرس الثاني: التنسيق الشكلي بلا اندماج حقيقي في العقيدة والقيادة والتخطيط لا يصمد أمام أي مواجهة حقيقية، ولا أمام أول اختبار بالذخيرة الحية.

قوات درع الجزيرة (1982 – حتى الآن): البنية التي غابت ساعة الحاجة

بعد عام واحد من تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست (أبو ظبي، 25 مايو/أيار 1981)، وفي ذروة الحرب العراقية-الإيرانية التي كانت دافعاً رئيسياً لقيام المجلس نفسه، قررت الدول الست إنشاء قوة عسكرية مشتركة سُميت “درع الجزيرة”، اتخذت مقرها في مدينة حفر الباطن بالسعودية قرب الحدود العراقية-الكويتية، تحت قيادة سعودية، وبقوام لم يتجاوز في أحسن أحواله بضعة آلاف من المقاتلين [10]. وعلى مدى عقد كامل ظلت هذه القوة رمزاً أكثر منها ردعاً: فحين اجتاح صدام حسين الكويت فجر الثاني من أغسطس/آب 1990 – وهو حرفياً السيناريو الذي أُنشئت الدرع لمواجهته، ومن موقعها الرابض قرب مسرح العمليات – لم تُطلق القوة رصاصة واحدة لمنع الاجتياح، ولم تجد دول المجلس بداً من الاستنجاد بتحالف دولي قوامه أكثر من ستمائة ألف جندي بقيادة أمريكية لتحرير الكويت. وحتى وثائق وزارة الخارجية اليابانية الرسمية عن تلك الفترة سجّلت ببرود دبلوماسي أن “الدفاع بواسطة درع الجزيرة وحدها لم يعمل فعلياً” أمام الاجتياح [11]. ولم تظهر الدرع في عملية بارزة إلا بعد ذلك بعقدين، حين عبرت جسر الملك فهد إلى البحرين في 14 مارس/آذار 2011 لحماية النظام هناك إبان الاضطرابات الداخلية – أي أن أول استخدام فعلي لها كان في مهمة أمن داخلي لا في ردع عدوان خارجي.

 الدرس الثالث: البنية العسكرية المشتركة التي لا تُبنى لها قدرات ردع ذاتية حقيقية تتحول عند الأزمة الكبرى إلى واجهة، ويبقى الأمن الفعلي مستعاراً من الخارج.

إعلان دمشق (1991): حين رُفض الأخ القريب واستُبقي الحليف البعيد

في الخامس والسادس من مارس/آذار 1991، وبعد أسبوع واحد من تحرير الكويت، اجتمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الست مع نظيريهما المصري والسوري في دمشق ووقعوا “إعلان دمشق للتنسيق والتعاون بين الدول العربية”، في صيغة عُرفت بـ “6+2”: قوات مصرية وسورية – وقد شارك البلدان في حرب التحرير بنحو 38 ألف جندي مصري وعشرات الآلاف من السوريين [12] – تشكل نواة “قوة سلام عربية” تتمركز في الكويت والسعودية لحماية الخليج، مقابل ترتيبات اقتصادية وتنموية خليجية تجاه البلدين [13]. بدا الإعلان لوهلة لحظة ميلاد نظام أمني عربي خالص بقدرات عربية صرفة. لكنه انهار في أسابيع: تقلصت الخطط من قوة كان يُتحدث عن وصولها إلى مئة ألف جندي إلى “قوة رمزية” من ثلاثة إلى خمسة آلاف فقط، ثم فاجأ الرئيس المصري حسني مبارك الجميع في 8 مايو/أيار 1991 بإعلان سحب قواته كاملة، وغادر آخر جندي مصري وسوري الخليج قبل نهاية صيف العام نفسه [14].

ولماذا انهار؟ التفسير الشائع – أن دول الخليج فضّلت الحماية الأمريكية “الأكفأ” – لا يصمد وحده أمام التدقيق، فالمسألة لم تكن مفاضلة عسكرية أو مالية صرفه. الوثائق والشهادات المعاصرة تكشف طبقة أعمق: انعدام الثقة العربية-العربية. فقد خشيت العواصم الخليجية من أن يتحول وجود عسكري مصري-سوري دائم وكثيف على أراضيها إلى ورقة نفوذ سياسي دائمة في يد القاهرة ودمشق – رقيب عربي قريب له مطالب وامتدادات وحسابات في الشأن الخليجي الداخلي، على نمط الخشية ذاتها التي أجهضت القيادة العربية الموحدة عام 1964، بخلاف الحليف الأمريكي البعيد الذي يبيع الحماية دون أن ينازع أحداً مكانته أو يزاحمه في قراره الإقليمي. وسجّلت الصحافة الأمريكية آنذاك من القاهرة مرارة مصرية عميقة مما اعتُبر “غدراً” خليجياً – وكويتياً خصوصاً – بعد عشرة أسابيع فقط من التوقيع، إذ تُركت أسئلة حجم القوات وأماكن تمركزها معلقة عمداً، وقال علي الدين هلال دسوقي، مدير مركز الدراسات السياسية بجامعة القاهرة حينها، إن الكويتيين “في كل تقاريرهم وتصريحاتهم يقللون من شأن الدور المصري”[15]. وحسمت الكويت المحرَّرة الأمر بعبارة نقلتها التقارير: “لا بديل عن القوة الغربية”، ثم ترجمت ذلك عملياً بتوقيع اتفاقية دفاع عشرية مع واشنطن في سبتمبر/أيلول 1991، تبعتها البحرين في أكتوبر/تشرين الأول وقطر في يونيو/حزيران 1992 – فصار أمن الخليج شبكة اتفاقيات ثنائية مع أمريكا، لا منظومة عربية جماعية [14]. وأكد باحثو مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي لاحقاً الخلاصة ذاتها من زاوية أخرى: ترتيبات الأمن الجماعي الإقليمية لا تعيش إذا لم تحظَ برضا القوة العظمى أو ذهبت ضد تفضيلاتها [16].

وبإعادة النظر في دقة توصيف هذا الدرس على ضوء المصادر والاستنتاجات السابقة في هذا المقطع تحديداً، يتضح أن القول بأن “المظلة الأمنية الأمريكية كانت المخرج المريح” يحتاج تدقيقاً: فالكلمة الأدق ليست “الراحة” بل غياب المزاحمة – فالحليف البعيد لا يطمع في دورك السياسي، بينما الشقيق القريب قد يطمع فيه، وهذا هو جوهر الحساب الذي رجّح كفة واشنطن، لا رخص الكلفة المالية ولا الراحة بمعناها السطحي.

 الدرس الرابع: حين تكون المظلة الأمنية الأمريكية متاحة، تُقدَّم على أي ترتيب إقليمي ذاتي – ليس لرخص كلفتها المالية، بل لأن الحامي البعيد الذي لا يطمع في دورك أهون عند أصحاب القرار من الشقيق القريب الذي يخشون رقابته، ونفوذه، وتدخلاته، وطموحه. فعجز الثقة البينية – أو بتعبير أدق: غياب الإرادة السياسية الحقيقية لبناء تلك الثقة – كان القاتل الصامت، والمظلة الأمنية الأمريكية كانت المخرج الذي يعفي الأطراف من كلفة مواجهة هذا العجز.

حالة كاشفة خارج السجل: التحالف الإسلامي العسكري (2015)

لا يدخل هذا التحالف في عداد محاولات الأمن الجماعي التي تعنيها هذه الورقة، إذ لم يتضمن التزام دفاع متبادل ولا قوة مشتركة ولا تخطيطاً عسكرياً موحداً؛ لكنه يستحق وقفة قصيرة لسببين: أنه التجربة الوحيدة قبل اليوم التي جمعت الدول الأربع – السعودية ومصر وتركيا وباكستان – في إطار “أمني” واحد، وأنه النموذج الأنقى لكيف يولد الإطار ميتاً حين يكون إعلاناً بلا مضمون.

فقد أُعلن التحالف من الرياض في منتصف ليل 15 ديسمبر/كانون الأول 2015، على لسان الأمير محمد بن سلمان (وكان حينها ولياً لولي العهد ووزيراً للدفاع)، بعضوية 34 دولة توسعت لاحقاً إلى 41 – وفوجئت دول أُدرجت أسماؤها بعضويتها من نشرات الأخبار، وفي مقدمتها باكستان نفسها [17]. ووُلد بلا تعريف لعدوّه: لم تحدد وثيقة تأسيسية ما هو “الإرهاب” المستهدف، واستُبعدت إيران والعراق وسوريا من العضوية، فكتب بروس ريدل، الباحث في معهد بروكنغز وضابط الاستخبارات الأمريكية السابق، بلا مواربة: “يُفترض أنه تحالف لمكافحة الإرهاب، لكن غرضه الحقيقي هو مواجهة إيران”[18]. واقتصر نشاطه الفعلي على أربعة مجالات عامة (الفكر، والإعلام، وتجفيف التمويل، وبناء القدرات) [19]، ولم يكتسب ملامح تشغيلية إلا بتعيين الجنرال الباكستاني المتقاعد راحيل شريف قائداً له في 2017 وسط اعتراض داخلي باكستاني واسع [20].

ودلالته للرباعية مزدوجة وثمينة: فهو يجيب مسبقاً عن السؤال الذي سيطرحه كل قارئ نبيه – “ما الذي يمنع أن تكون الرباعية نسخة ثانية من ذلك الإعلان؟” – بتحديد الفارق الفاصل بدقة: التركيبة ذاتها جُرّبت قبل عقد وبقيت حبراً، لا لعيب في هوية أعضائها، بل لأنها بُنيت إعلاناً فوقياً ضخماً بلا تشاور ولا التزام ولا مضمون. فالعبرة ليست بمن يجتمع، بل بما يلتزم به المجتمعون – وهذا هو المعيار الذي تُقاس عليه الرباعية في كل سطر من هذه الورقة.

تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي “ميسا” (2017-2019): حلف بغداد يعود بعد ستين عاماً

آخر المحاولات كانت أمريكية الهوية بامتياز: طرحت إدارة ترامب الأولى، بالتنسيق مع الرياض، مشروع “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي” الذي سمّاه الإعلام “الناتو العربي”، ليضم دول الخليج الست ومصر والأردن في بنية دفاعية-اقتصادية موجهة صراحة ضد إيران[21]. لكنه انهار قبل أن يولد: انسحبت مصر منه في أبريل/نيسان 2019 – وأبلغت واشنطن والرياض قرارها قبيل قمة كانت مقررة – لشكوكها في جدية المشروع ومصيره إذا تغيرت الإدارة الأمريكية، ورفضاً للانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع طهران ليست من أولوياتها؛ وقوّضته القطيعة الخليجية-القطرية التي كانت في أوجها منذ حصار قطر (5 يونيو/حزيران 2017)، إذ يستحيل بناء تحالف واحد من أطراف يقاطع بعضها بعضاً [21]. والمفارقة أن أسباب موته كانت النسخة المحدثة حرفياً من أسباب موت حلف بغداد قبل ستين عاماً: مشروع تصممه واشنطن لخدمة أولوياتها ثم تطلب من المنطقة تشغيله وتمويله.

 الدرس الخامس: التاريخ في هذا الباب يعيد نفسه بدقة تبعث على التأمل – فما صُمم في الخارج مات في الداخل، في 1955 كما في 2019.

الخلاصة المنهجية: ثلاثة قتلة وسؤال واحد

إذا وضعنا التجارب الخمس – ومعها الحالة الكاشفة – تحت مجهر واحد، ظهر أن قاتل كل واحدة منها واحد أو أكثر من ثلاثة:

الأول: التصميم الخارجي – أن يُبنى التحالف لخدمة أولويات قوة من خارج الإقليم، فيسقط حين تتغير حسابات الداخل أو تنصرف القوة الراعية (بغداد 1955، ميسا 2019).

الثاني: الشكلانية – أن يقوم الكيان بلا قدرات ردع ذاتية ولا التزامات ملزمة ولا اندماج حقيقي في القيادة والتخطيط، فينهار عند أول اختبار بالذخيرة الحية (القيادة الموحدة 1967، درع الجزيرة 1990) أو يبقى إطاراً رمزياً بلا فاعلية (كما جسّدت الحالة الكاشفة لعام 2015).

الثالث: البديل الأمريكي – وهو أعقدها، لأنه مركّب من طبقتين: مظلة متاحة تُغني عن كلفة البناء الذاتي، وتحتها طبقة أعمق هي عجز الثقة العربية-العربية الذي يجعل الحامي البعيد أهون من الشقيق القريب (إعلان دمشق 1991).

وقد يُطرح سؤال منهجي هنا: أليس عجز الثقة وغياب الإرادة سبباً رابعاً مستقلاً، لا عاملاً فرعياً تحت “البديل الأمريكي”؟ الإجابة التي ترجحها هذه الورقة: الأصوب إبقاؤه حيث هو – عاملاً عميقاً تحت المظلة الأمنية الأمريكية، لا قاتلاً رابعاً منفصلاً – وذلك لسبب منهجي دقيق: فعجز الثقة وحده، دون وجود مخرج يعفي الأطراف من كلفة مواجهته، قد يظل عجزاً كامناً لا يُختبر عملياً؛ أما حين يتوفر البديل الأمريكي فعلاً على الأرض، فإنه يتحول من احتمال نظري إلى واقع مادي يمتص الطاقة التي كانت ستُوجَّه لبناء الثقة الذاتية. بعبارة أخرى: عجز الثقة هو المرض، والمظلة الأمنية الأمريكية هي المسكّن الذي يمنع الشعور بالحاجة إلى العلاج. والتدقيق في هذه القتلة الثلاثة يكشف أنها ليست متكافئة الرتبة، بل متسلسلة السببية: فعجز الثقة البينية هو الأصل، والبديل الأمريكي هو المخرج المريح من مواجهته، والتصميم الخارجي والشكلانية هما الشكلان اللذان يتخذهما أي “بناء” يقوم فوق هذا الأصل المعطوب – إذ حين لا تثق الأطراف ببعضها، فإما أن تستورد الإطار من الخارج فيملكه غيرها، وإما أن تبنيه شكلاً بلا التزام لأن الالتزام الحقيقي يتطلب الثقة التي لا تملكها.

وعليه، فالسؤال الفاصل في تقييم الرباعية الحالية ليس “هل اجتمعوا؟” بل: هل تغيّر ما يكفي في هذه الأسباب الثلاثة – وفي أصلها الأول تحديداً، أي عجز الثقة والإرادة معاً؟ وهذا يعني تحديداً: هل توفرت اليوم الإرادة السياسية الكافية لتجاوز ميراث انعدام الثقة الذي وثّقناه منذ 1964؟ وهل ستجيب هذه الورقة عن هذا السؤال بشكل قاطع؟ الجواب الأمين: لا يمكن لورقة تحليلية أن تحسم سؤال الإرادات مسبقاً – فالإرادة تُختبر بالفعل لا بالتحليل – لكن الورقة ستقدم في أقسامها اللاحقة (خصوصاً في تشريح القدرات والعلاقات الثنائية والاختبارات الثلاثة) أدلة تسمح بتقدير مرجّح، لا يقيني، لاتجاه هذه الإرادة.

ولفهم وزن السبب الثالث بالذات – البديل الأمريكي – لا بد أولاً من الوقوف على حجمه المادي الفعلي؛ فالمظلة التي نتحدث عنها ليست استعارة بلاغية، بل بنية عسكرية ضخمة لها تاريخ وقواعد وأطر قانونية. فبدل أن نفصل بين السجل التاريخي للمحاولات الذاتية وبين تشريح المظلة الأمنية الأمريكية بوصفهما موضوعين منفصلين، فإن المنطق التحليلي يقتضي عدم الفصل بينهما لخطورة هذا الأخير تحديداً – فالمظلة الأمنية الأمريكية ليست مجرد أحد أسباب فشل المحاولات الذاتية، بل هي البديل الفعلي القائم على الأرض الذي أُنيطت به تلك المهمة فعلاً طوال العقود التي عجزت فيها المحاولات الذاتية عن الاستمرار. وعليه، فمن الواجب أن نستجليها ونفهمها بعمق، ونتبيّن: هل نجحت هذه المظلة في مهمتها؟ أم لم تنجح؟ أم تحولت هي ذاتها، بمرور الوقت، إلى عبءٍ جديد على الأمن الإقليمي بدل أن تبقى ضامناً له؟ هذا ما يفصّله القسم التالي.

المظلة مجسّدة: كيف بدأ الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وإلامَ انتهى؟

بدأت القصة في 14 فبراير/شباط 1945، على ظهر الطراد “كوينسي” في البحيرات المرة بقناة السويس، حيث عقد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز آل سعود اللقاء الذي تؤرَّخ به المعادلة الحاكمة للمنطقة بعده: النفط مقابل الأمن. والدقة التوثيقية تقتضي التنبيه إلى أن هذه الصيغة لم تَرِد نصاً في محضر اللقاء – فالمحضر الرسمي المحفوظ يُظهر أن فلسطين كانت موضوعه الأول – لكنه اللقاء الذي أسّس للمعادلة عملياً، ثم جاء توثيقها الكتابي الصريح بعد خمس سنوات في رسالة الرئيس هاري ترومان إلى الملك عبد العزيز (31 أكتوبر/تشرين الأول 1950)، التي تعهدت بأن الولايات المتحدة “مهتمة بصون استقلال المملكة العربية السعودية وسلامة أراضيها” وأن “لا يمكن أن يقع أي تهديد لمملكتكم دون أن يكون ذلك على الفور محل اهتمام الولايات المتحدة” [22]. ولم يكن هذا التعهد كرماً استراتيجياً مجرداً؛ فمرساته الاقتصادية كانت قد اكتملت: شركة أرامكو – الامتياز الأمريكي الخالص منذ 1933 – كانت قد تحولت إلى أضخم أصل نفطي أمريكي خارج الولايات المتحدة، والرسالة جاءت والطرفان يطبخان إعادة هندسة العلاقة النفطية بأكملها عبر اتفاق “مناصفة الأرباح” الذي وُقّع بعدها بستين يوماً فقط (30 ديسمبر/كانون الأول 1950) [23]. فالتسلسل ناطق بذاته: الضمانة الأمنية أولاً، ثم تثبيت الامتياز – حماية المملكة كانت، في جوهرها المادي، حمايةً للامتياز.

وفي 1949 أنشأت واشنطن “قوة الشرق الأوسط” البحرية الصغيرة، متخذة من ميناء الجفير في البحرين – المستأجَر يومها من البريطانيين – مرسى لها؛ فلما انسحبت بريطانيا من “شرق السويس” – المعلن رسمياً بقرار حكومة هارولد ويلسون في يناير/كانون الثاني 1968 والمنفذ فعلياً بحلول 1971 – ورثت واشنطن الموقع بموجب اتفاقية مع البحرين المستقلة حديثاً وقّعت في 23 ديسمبر/كانون الأول 1971 [24]. غير أن الوجود ظل محدوداً حتى منعطفين كبيرين: أولهما “مبدأ كارتر” المعلن في خطاب حالة الاتحاد في يناير/كانون الثاني 1980 عقب الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان، الذي نص صراحة على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على الخليج “ستُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة ويُرد عليها بكل الوسائل بما فيها القوة العسكرية”، وتُرجم بإنشاء قوة الانتشار السريع التي صارت في 1983 “القيادة المركزية الأمريكية” (سنتكوم) [25]. وثانيهما – وهو الأكبر – حرب تحرير الكويت 1990-1991، التي نقلت الوجود الأمريكي من أسطول صغير وتسهيلات إلى انتشار دائم راسخ: ففي أعقابها مباشرة وُقّعت سلسلة اتفاقيات التعاون الدفاعي الثنائية – الكويت (سبتمبر/أيلول 1991)، والبحرين (أكتوبر/تشرين الأول 1991)، وقطر (يونيو/حزيران 1992)، والإمارات (يوليو/تموز 1994) [26] – وأعيد تفعيل الأسطول الخامس في 1995 بمقر دائم في المنامة، وبنت قطر قاعدة العديد عام 1996 بموجب اتفاقيتها الدفاعية لتستضيف لاحقاً المقر المتقدم للقيادة المركزية بعد خروج القوات الأمريكية من السعودية عام 2003 [27].

أما الشكل الذي استقر عليه هذا البناء اليوم فشبكة تمتد على ثماني دول على الأقل: البحرين تستضيف مقر الأسطول الخامس ونحو تسعة آلاف عسكري؛ وقطر تحتضن قاعدة العديد – أكبر منشأة أمريكية في المنطقة بطاقة تصل إلى عشرة آلاف فرد والمقر الجوي المتقدم لسنتكوم؛ والكويت صاحبة أكبر عدد من القواعد (عريفجان وبويرينغ وعلي السالم وأحمد الجابر) بنحو 13,500 عسكري؛ والإمارات تستضيف قاعدة الظفرة الجوية؛ والسعودية عادت لاستضافة قوات أمريكية في قاعدة الأمير سلطان الجوية منذ 2019 بعد ستة عشر عاماً من الخروج؛ وعُمان تقدم نموذجاً مختلفاً قائماً على “اتفاقية تسهيلات” وُقعت أصلاً في 4 يونيو/حزيران 1980 – أول اتفاق من نوعه مع دولة خليجية – تتيح استخدام قواعدها وموانئها (ثمريت والدقم) دون قواعد دائمة؛ إضافة إلى الانتشار في الأردن والعراق وسوريا. وقد بلغ مجموع القوات الأمريكية في المنطقة نحو أربعين ألفاً في الأحوال الاعتيادية، وتجاوز خمسين ألفاً بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران [28].

وأما الإطار الدبلوماسي والقانوني لهذا الوجود فطبقات متراكبة تستحق التوقف، لأنها تكشف طبيعة العلاقة من الجانبين. فمن الجانب الأمريكي: اتفاقيات تعاون دفاعي ثنائية تحدد صلاحيات العمليات، واتفاقيات وضع القوات (SOFA) تمنح الأفراد الأمريكيين حصانات وامتيازات قضائية، وتصنيفات “الحليف الرئيسي من خارج الناتو” التي مُنحت تدريجياً – البحرين (2002)، والكويت (2004)، وقطر (2022)، وصولاً إلى السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – وهي صفة ترفع مستوى التعاون العسكري والتسليحي دون أن تنشئ أي التزام دفاع ملزم. ثم تطورت الأطر مؤخراً نحو صيغ أعمق: وقّعت واشنطن مع المنامة في سبتمبر/أيلول 2023 “اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشاملة” (C-SIPA) كأرفع إطار أمني ثنائي في الخليج، وأصدر الرئيس ترامب في أكتوبر/تشرين الأول 2025 – بعد أسابيع من الضربة الإسرائيلية على الدوحة – أمراً تنفيذياً يتعهد بضمان أمن قطر، في صيغة تحاكي لغة الدفاع المشترك دون أن تحمل قوة المعاهدة الملزمة التي تتطلب مصادقة الكونغرس [29]. وهذه النقطة الأخيرة هي مربط الفرس من الجانب العربي: فكل هذا البناء الهائل – قواعد واتفاقيات وتصنيفات – لا يتضمن التزاماً قانونياً أمريكياً واحداً بالدفاع عن أي دولة خليجية على غرار المادة الخامسة الأطلسية؛ إنه وجود يمنح واشنطن أقصى الانتفاع (تموضع استراتيجي، ونفوذ، وعوائد تسليح) بأدنى الالتزام، ويمنح المستضيفين ردعاً بالإيحاء لا ضماناً بالنص. والمتأمل يجد أن هذه الصيغة ليست طارئة على الملف، بل هي شيفرته الوراثية منذ وثيقته الأولى: فرسالة ترومان (1950) كانت تعهداً رئاسياً كتابياً لا معاهدة مصادقاً عليها من الكونغرس، والتزاماً بـ “الاهتمام” لا بالدفاع – وأمر ترامب التنفيذي لقطر (2025) هو النسخة الأحدث من الجنس ذاته. خمسة وسبعون عاماً بين الوثيقتين، والصيغة واحدة لم تتبدل: ضمانات تنفيذية شخصية، قابلة للتفعيل والتنصل معاً، تموت نظرياً بموت موقّعها أو بتبدل مزاجه – وما بينهما لم تحصل عاصمة خليجية واحدة على معاهدة دفاع ملزمة رغم كل ما دفعت. وقد ظل هذا الترتيب مقبولاً من الطرفين عقوداً لأن الإيحاء كان كافياً؛ فما الذي كسر الكفاية؟ هذا هو موضوع القسم التالي.

ما الذي استجدّ فاستدعى هذا الحديث عن الرباعية؟

إذا كانت البنية الأمريكية بهذا الرسوخ، والمحاولات الذاتية بهذا السجل من الإخفاق، فما الذي تغيّر حتى عاد الحديث عن إطار أمني إقليمي ذاتي – وهذه المرة بجدية تتابع الاجتماعات والمناورات لا ببلاغة البيانات؟ الجواب في ثلاث مستجدات تراكمت في أقل من ثلاث سنوات، ينقض كل منها ركناً من أركان المعادلة القديمة:

الأول: انكشاف مشروع إقليمي توسعي معلن لم يعد التهديد معه تقديراً استخبارياً، بل تصريحاً علنياً – وهو ما فجّره طوفان الأقصى وما تلاه، ونفصّله في القسم التالي بوصفه اللحظة التأسيسية الحقيقية.

الثاني: سقوط حجية الإيحاء الأمريكي بالحماية، وقد بلغ ذروته حين ضُربت الدوحة في 9 سبتمبر/أيلول 2025 — باستهداف إسرائيل قيادات حماس المفاوِضة في قلب العاصمة القطرية أثناء انعقاد مفاوضات التهدئة — وهي عاصمة الدولة المستضيفة لأكبر قاعدة أمريكية في المنطقة والحاملة لتصنيف الحليف الرئيسي – دون أن تتحرك واشنطن [40]؛ فاتضح أن أربعين ألف جندي وثماني دول مستضيفة لا تساوي التزاماً واحداً ملزماً ساعة الحاجة.

الثالث: انكفاء أمريكي معلن بنص العقيدة، لم يعد استنتاجاً من السلوك، بل توجهاً رسمياً مكتوباً: تركيز القوة الأمريكية على آسيا ونصف الكرة الغربي، وإعادة تسعير الحماية في كل الأقاليم – وقد رأينا فصوله الأوروبية في قمة الناتو بأنقرة، وفصوله الخليجية في اشتراط الصفقات والاستثمارات ثمناً للمظلة.

وحين تجتمع المستجدات الثلاثة، تنقلب المعادلة التي حكمت سبعة عقود: فالتهديد صار أقرب وأصرح، والحماية صارت أبعد وأغلى وأقل يقيناً – وهذا بالضبط المزيج الذي يجعل البديل الذاتي، لأول مرة منذ 1950، ضرورة لا ترفاً.

انقلاب الأدوار: حين صار الحامي محتمياً والمظلة مصدراً للخطر

ويستحق المستجد الثاني – سقوط حجية الحماية الأمريكية – إفراداً وتعميقاً، لأن ما جرى خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تجاوز مجرد “اهتزاز الثقة” إلى انقلاب كامل في الأدوار يشرح، أكثر من أي عامل آخر منفرد، لماذا صارت الرباعية ضرورة الآن تحديداً.

فالوقائع الميدانية الموثقة في هذه الحرب كشفت أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج – التي ظلت سبعة عقود رمزَ الحماية وعنوانها – عجزت في أحيان كثيرة عن الدفاع عن نفسها هي ذاتها، فعلي سبيل المثال لا الحصر: أصابتها المسيّرات والصواريخ الإيرانية إصابات عسكرية مباشرة وموجعة، من مستودعات الذخيرة في قاعدة العديري ومقرات القيادة في علي السالم بالكويت، إلى مستودعات الصواريخ وخزانات الوقود في قاعدة الأمير حسن بالأردن حيث قُتل جنديان أمريكيان، وتعرضت أصول الأسطول الأمريكي ذاته للاستهداف والتعطيل في مياه الخليج ومضيق هرمز [30]. أي أن البنية التي بُني عليها منطق “الأمن المستعار” كله أثبتت أنها ذاتها مكشوفة.

والأخطر من الانكشاف ذاته دلالته المزدوجة على الدول المستضيفة، فقد تحولت المظلة إلى عبء من جهتين متعاكستين في آن واحد.

 من الجهة الأولى: صارت القواعد الأمريكية هي التي تستجلب الضربات على أراضي الدول المضيفة بدل أن تدرأها عنها – فالكويت والبحرين والأردن لم تُستهدف بوصفها أطرافاً في الحرب، بل بوصفها مستضيفة للأصول الأمريكية حصراً؛ حتى إن الاستهداف الإيراني طال بنى تحتية مدنية في تلك الدول، من منشآت تحلية المياه في الكويت إلى أنظمة الملاحة الجوية المدنية في البحرين [30] – أي أن شراكة الحماية ذاتها صارت مصدر الخطر الأول على شعوب الدول الشريكة.

ومن الجهة الثانية، وهي الأشد مفارقةً: انعكس اتجاه الحماية ذاته – فبدل أن يحمي الحامي حلفاءه، صارت دفاعات الدول المضيفة الجوية هي التي تتصدى للضربات الموجهة أصلاً إلى الأصول الأمريكية على أراضيها، كما وثّقت بيانات قوة دفاع البحرين واعتراضات الدفاعات الأردنية المتكررة؛ بل سعت واشنطن نفسها إلى تجنيد حلفائها الدوليين في تحالف لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بدل أن تؤمّنه بقوتها الذاتية المتمركزة في المنطقة أصلاً لهذا الغرض بالذات [30].

وهكذا اكتملت دائرة الانقلاب: الحامي المفترض صار محتمياً بدفاعات من كان يفترض أن يحميهم، والمظلة التي استُؤجرت لدرء الخطر صارت هي نقطة استجلابه. وليس في تاريخ “الأمن المستعار” الممتد منذ رسالة ترومان لحظة أبلغ من هذه في نقض جدواه من أساسه: فالسؤال الذي تطرحه عواصم الإقليم اليوم لم يعد “هل تفي واشنطن بتعهداتها ساعة الحاجة؟” – وهو سؤال ضربة الدوحة – بل صار أعمق وأقسى: “هل تستطيع واشنطن أصلاً أن تفي، حتى لو أرادت؟”. وحين يسقط عن المظلة شرطا الإرادة والقدرة معاً، لا يبقى من منطق استئجارها شيء – وهذا، أكثر من أي تحليل نظري، ما يجعل مشروع الأمن الذاتي الرباعي ينتقل من خانة الطموح المؤجل إلى خانة الضرورة العاجلة.

المشروع التوسعي الإسرائيلي والسؤال الإيراني: الكاشف لا المنشئ

فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نفّذت حركة المقاومة الفلسطينية في غزة أوسع عملية عسكرية في تاريخ الصراع منذ حرب 1973، أطلقت عليها اسم “طوفان الأقصى”: اقتحم بضعة آلاف من مقاتليها السياج الفاصل من عشرات الثغرات في وقت واحد، وأسقطوا “غلاف غزة” العسكري بأكمله خلال ساعات، فاجتاحوا المواقع والقواعد العسكرية المحيطة بالقطاع – وفي مقدمتها مقر قيادة فرقة غزة في “رعيم” – وأوقعوا في قوات الاحتلال خسائر لم تعرف مثلها في يوم واحد، وأسروا نحو 250 أسيراً بين عسكري ومستوطن. وكان لهذه العملية معنى يتجاوز مفاجأتها التكتيكية: فقد جاءت كسراً لحصار تجويعٍ وخنقٍ فُرض على أكثر من مليوني إنسان سبعة عشر عاماً متصلة، حوّل القطاع إلى ما وصفه المفكر الأمريكي نورمان فنكلستين – وهو من أبرز الباحثين في المسألة الفلسطينية وابن ناجيَين من المحرقة النازية – بأنه “معسكر اعتقال في الهواء الطلق” (open-air concentration camp) [31]. ومهما اختلفت التقييمات حول العملية وتداعياتها، فإن أثرها الزلزالي على بنية الإقليم كلها لم يعد محل خلاف.

غير أن القراءة الاستراتيجية الدقيقة لما تلاها تقود إلى استنتاج مغاير للسائد: الطوفان لم يُنشئ التحولات التي نراها اليوم بقدر ما كشف مشروعاً كان قائماً ومخططاً قبله، ومزّق الستار عنه قبل اكتماله.

أولاً: المشروع التوسعي الإسرائيلي – من التصريح إلى الجبهات الخمس. الخطاب الإسرائيلي حول إعادة صياغة الإقليم ليس وليد ما بعد الطوفان؛ فقبل اندلاع الحرب على غزة بأسابيع، وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (22 سبتمبر/أيلول 2023) رافعاً خريطة “الشرق الأوسط الجديد”: فلسطين التاريخية كلها بلون إسرائيل الواحد بلا أثر للضفة الغربية ولا لقطاع غزة، ومحور أخضر يضم مصر والسودان والإمارات والسعودية والبحرين والأردن بوصفه “جسراً برياً يربط آسيا بأوروبا” تقوده إسرائيل[32]. وقبل ذلك بأسبوعين، في قمة العشرين بنيودلهي (9 سبتمبر/أيلول 2023)، أُعلن “الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” (IMEC) مصمماً ليعبر من الإمارات والسعودية إلى موانئ إسرائيل فأوروبا، متجاوزاً مصر وقناتها وتركيا معاً – هندسة اقتصادية للإقليم محورها إسرائيل، رُسمت وأُشهرت قبل أن تُطلق رصاصة واحدة [33]. وقبلهما بسنوات، نشر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش “خطة الحسم” (2017) برنامجاً مكتوباً معلناً لإنهاء المسألة الفلسطينية بالحسم لا بالتسوية، وكرر لاحقاً – في خطاب علني بباريس مارس/آذار 2023 وأمامه خريطة تضم الأردن إلى “أرض إسرائيل” – أن حدود إسرائيل “يجب أن تمتد لتشمل دمشق”، ثم قال إن “قدر القدس أن تمتد إلى دمشق”[34]. فالخريطة رُفعت، والممر رُسم، والوثيقة نُشرت – كل ذلك قبل السابع من أكتوبر؛ وإنما جاء الطوفان فمزّق الغلاف عمّا كان معروضاً على الملأ ولا يُرى.

وبعد الطوفان، لم يعد الخطاب يتخفى بل تحول إلى فعل ميداني متتابع عبر خمس جبهات: غزة أولاً بحرب إبادة وتهجير موثقة دولياً؛ فلبنان حيث استهدفت إسرائيل قيادات حزب الله واغتالت أمينه العام، ووسّعت نطاق ضرباتها إلى ما وراء خطوط الاشتباك التقليدية؛ فسوريا حيث استغلت سقوط النظام أواخر 2024 لتوسيع نطاق سيطرتها العسكرية جنوب دمشق وضرب منشآت عسكرية سورية بشكل ممنهج؛ فاليمن حيث توسع نطاق الضربات ليشمل مطار صنعاء والموانئ الحوثية؛ ثم إيران، الجبهة الأخطر، حيث لم تكتفِ إسرائيل بالضربة بل عملت – بشهادة اللقطات الوثائقية التي كشفتها “وول ستريت جورنال” لاحقاً – على توريط الولايات المتحدة نفسها في الحرب بإيقاع محسوب: فقد ظهر السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام (المتوفى في 11 يوليو/تموز 2026) في تلك اللقطات وهو يخطط في مارس/آذار 2026 للسفر إلى فلوريدا لإقناع ترامب بضم أمريكا إلى قصف حزب الله في لبنان، فيثنيه عن ذلك نتنياهو نفسه في اتصال هاتفي بحجة أن تلك الخطوة “تجاوز للحدود وأسرع من اللازم”[35]. والدلالة هنا ثمينة: حين يكون رئيس حكومة إسرائيل هو من يضبط إيقاع توريط أمريكا – متى تُستدرج ومتى تُكبح – فذلك شاهد من الداخل على أن التصعيد مُدار بخطة محسوبة المراحل، لا انفعالات متلاحقة. وقد وثّق هذا السيناتور ذاته، في مايو/أيار 2026 وفي ذروة مفاوضات إنهاء الحرب، مساراً موازياً: نشر على منصة إكس مطالبته السعودية وقطر وباكستان – ثلاث من دول الرباعية ومدارها بالاسم – بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام، ملوّحاً صراحة بـ”تداعيات خطيرة” على علاقاتها المستقبلية بواشنطن إن رفضت [36]. أي أن آلية “الإلحاق التطبيعي تحت التهديد” التي يحذّر منها سيناريو الاحتواء في هذه الورقة ليست فرضية، بل سياسة معلنة مارسها أعلى أنصارها صوتاً قبل وفاته – ووفاته تُسكت الصوت لا السياسة.

ولم يقتصر الخطاب التوسعي على غزة ولبنان وسوريا؛ فقد امتد إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين تربط “تهديد” تركيا ومصر بالسياق ذاته بعد إيران – إذ رأت تقييمات إسرائيلية رسمية وشبه رسمية، كما فصّلنا لاحقاً في قسم ولادة الرباعية، أن التقارب العسكري المصري-التركي قد يكون “أشد خطراً من المحور الإيراني ذاته” [37] – وهو تأطير يكشف أن دائرة “التهديد” في الذهنية الإسرائيلية التوسعية لا تقف عند إيران، بل تمتد إلى كل قوة إقليمية تملك قدرة ردع مستقلة، عربية كانت أو غير عربية.

ثانياً: التوريط المتبادل وتوسع رقعة الحرب — بروز التهديد الإيراني للإقليم كردّ فعلٍ على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية. لم تبق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران محصورة بين طرفيها؛ فبعد الضربات الأمريكية المتكررة على الأراضي الإيرانية، ردّ الحرس الثوري الإيراني بضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت القواعد الأمريكية في الخليج والأردن مباشرة: قاعدة العديري وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، وقاعدة الأمير حسن الجوية في الأردن (حيث قُتل جنديان أمريكيان)، وأصولاً أمريكية في البحرين وعُمان، في موجات متعاقبة امتدت من يونيو/حزيران إلى يوليو/تموز 2026 [30]. وردّت القيادة المركزية الأمريكية بفرض حصار بحري كامل على الموانئ الإيرانية وتصعيد الضربات على قدرات إيران البحرية والصاروخية، فيما لم تسلم دول الخليج المستضيفة للقواعد الأمريكية – ولا حتى الأردن غير المستضيف لقواعد ضخمة – من الاستهداف الإيراني المباشر بوصفها حليفة لواشنطن. وامتد أثر الحرب إلى ما هو أبعد من الخليج: ففي 29 يوليو/تموز 2026 – أي قبل يوم واحد فقط من إقفال هذه الورقة – استُهدفت بطائرة مسيّرة منشأة أمريكية عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط المصري، في حادثة اعتبرتها شركات الأمن البحري مؤشراً على اتساع رقعة الاستهداف لتشمل المصالح الأمريكية في عمق الأراضي المصرية نفسها، بعيداً عن أي جبهة قتال مباشرة [38]. هذا التوسع في دائرة الاستهداف المتبادل – من طرفي الصراع الأصليين إلى حلفاء كل منهما في طول الإقليم وعرضه – هو بذاته أحد أهم القرائن على أن أحداً في المنطقة لم يعد بمنأى عن الحرب، مهما بعدت جغرافيته عن ساحاتها المعلنة.

ثالثاً: الرأيان في ميزان واحد – أيهما الخطر الأكبر؟ بعد عرض هذا التوسع المزدوج في التهديدين، يفرض السؤال الجوهري نفسه: أيهما يمثل الخطر الأكبر على أمن الإقليم – المشروع التوسعي الإسرائيلي أم القوة الإيرانية الصاعدة؟ والرصانة التحليلية تقتضي عرض الرأيين بأمانة قبل الترجيح.

فمن يرى في إيران الخطر الأكبر يستند إلى حجج لا يجوز تجاهلها: فطهران تدعم شبكة من الأذرع المسلحة غير الحكومية عبر الإقليم – من حزب الله إلى الحوثيين إلى فصائل عراقية – بما يمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها الوطنية ويهدد بنى الدول المضيفة لتلك الأذرع؛ وقد أظهرت هذه الحرب تحديداً قدرة إيرانية على الردع لم تكن متوقعة بهذا المستوى، إذ لم تكتفِ طهران بامتصاص الضربات كما اعتادت لعقود، بل ردّت مباشرة من أراضيها وضربت قواعد أمريكية في الخليج والأردن بشكل موجع ومتكرر – وهو تحول عقدي يفصّله هذا التحليل لاحقاً بوصفه انتقالاً من “الصبر الاستراتيجي” إلى “الردع الشديد”. ولم يقف ردعُ طهران عند القواعد الأمريكية؛ فقد امتدّ استهدافُها والتلويحُ به إلى منشآت النفط والغاز والطاقة والبنى التحتية المرتبطة بها في دول الخليج — ردًّا على قصف بنيتها التحتية النفطية والنووية من جانب واشنطن وتل أبيب — بما حوّل أمنَ الطاقة الخليجي نفسَه إلى ورقةٍ في معادلة الردع الإيرانية [30]. وبهذا باتت إيرانُ، إن خرجت من هذه الحرب منتصرةً أو قادرةً على الأقل على ردع أعدائها، خطرًا إقليميًا صاعدًا يصعب تجاهله. وهذه القدرة، من منظور دول الخليج العربية السنية تحديداً، تحمل دلالة مقلقة تتجاوز حسابات القوة العسكرية المجردة: فهي تعني أن الفراغ الأمني الذي يخلّفه الانكفاء الأمريكي قد لا تملأه بالضرورة قوى عربية-إسلامية متعاونة، بل قد تملؤه هيمنة إقليمية ذات طابع فارسي شيعي تتفوق عسكرياً وتكنولوجياً على جيرانها العرب المباشرين – وهو ما يفسر، جزئياً، لماذا ظلت “احتواء التهديد الإيراني” أحد الهدفين المعلنين لتشكل الرباعية ذاتها، لا هدفاً وهمياً اختُلق للتغطية على هدف آخر.

ومع ذلك، ترى هذه الورقة – بعد عرض الحجة السابقة بإنصاف – أن المشروع التوسعي الإسرائيلي يمثل الخطر الأكبر والأشمل على أمن الإقليم في هذه المرحلة تحديداً، للأسباب التالية مجتمعة: أولاً، الفارق النوعي لا الكمي بين التهديدين – فإيران، رغم كل تدخلاتها وأذرعها وطموح نفوذها الذي أقلق جيرانها وبرر الحاجة إلى توازن رادع أمامها، ليست لها سوابق ضم استعماري مباشر لأراضي دول المنطقة، ولا مشروع توسعي معلن بخرائط ونصوص وتصويتات برلمانية على النسق الإسرائيلي الذي وثّقناه أعلاه (خريطة نتنياهو، خطة سموتريتش، تصويت الكنيست 2025 على دعم ضم الضفة الغربية). أما إسرائيل فمشروعها التوسعي موثق بالخريطة والقانون والفعل معاً، وقد طال بالفعل أراضي خمس دول عربية بالفعل العسكري المباشر لا بالتهديد النظري فحسب. ثانياً، الشمول الجغرافي: فحيث تعمل إيران عبر أذرع ووكلاء في مساحات محددة، فتحت إسرائيل خمس جبهات مباشرة بقواتها هي، وضربت أهدافاً في ستة بلدان على الأقل خلال ثلاث سنوات. ثالثاً، وهو الأهم: البعد المؤسسي والدولي للحماية – فإسرائيل تعمل بغطاء أمريكي مباشر يكاد يكون بلا سقف، بينما تعمل إيران في عزلة دولية شبه تامة وتحت عقوبات خانقة، ما يجعل قدرتها على تحويل نفوذها إلى هيمنة إقليمية شاملة أضعف بكثير من قدرة إسرائيل المدعومة بأقوى جيش في العالم. رابعاً: أن التقييمات الإسرائيلية ذاتها – كما رأينا في تصنيف التقارب المصري-التركي بأنه “أشد خطراً من المحور الإيراني” – تكشف أن صنّاع القرار في تل أبيب أنفسهم يرون في أي تكتل عربي-إسلامي مستقل، لا في إيران وحدها، مصدر التهديد الأعمق لمشروعهم – وهذا اعتراف من الخصم بحجم طموحه لا مجرد تقدير من خارجه.

وخلاصة هذا التوازن الدقيق: كلا التهديدين حقيقي، ولا رصانة تحليلية في إنكار أي منهما أو تضخيمه على حساب الآخر؛ لكن الفارق بينهما فارق درجة تصل حد الفارق النوعي – إيران تهديد يُدار ويُتفاوض معه ويُحتوى ضمن توازنات إقليمية تقليدية، أما المشروع الإسرائيلي فتوسع يُواجَه ويُردَع لأنه لا يعترف أصلاً بمنطق التوازن الذي يحكم علاقات الدول. وهذا بالضبط ما يفسر الازدواجية التي بنت عليها الرباعية هويتها التأسيسية، والتي نفصّلها الآن.

فقبل الطوفان، كان الإقليم يُساق نحو هذا المشروع بأداة ناعمة اسمها “اتفاقات أبراهام”: بنية يُسوَّق لها بلغة السلام والازدهار، بينما وظيفتها البنيوية – كما كشفتها الأحداث لاحقاً – إلحاق القوى العربية المركزية بالمشروع من موقع التابع الذي يشتري أمنه بالتنازل عن دوره، على النموذج الذي جسّدته الإمارات. وسواء أكانت هذه الوظيفة مقصودة بالتصميم منذ البدء أم محصلة موضوعية لبنية الاتفاقات واختلال موازينها، فالنتيجة العملية واحدة لا تتبدل – وخريطة نيويورك التي وضعت المطبّعين “جسراً” في مشروع تقوده إسرائيل أصدق شاهد على الوظيفة أياً كانت النية. وكانت السعودية الجائزة الكبرى المستهدفة، وقد اقتربت المفاوضات من خواتيمها في الأسابيع السابقة للطوفان مباشرة – حتى صرّح ولي العهد السعودي لشبكة فوكس نيوز في سبتمبر/أيلول 2023 بأن الاتفاق يقترب “كل يوم”[39]. فجاء السابع من أكتوبر ليكشف حقيقة المعروض قبل إتمام الصفقة: أظهرت السنوات التالية أن “السلام” المعروض غطاء لتوسع لا يعترف بحدود، وأن التطبيع لا يشتري حصانة – والدليل القاطع جاء حين ضربت إسرائيل الدوحة نفسها لملاحقة قادة حماس، دون أن تحرك واشنطن ساكناً [40]. تلك الضربة – بشهادة محللين غربيين – كانت اللحظة التي أدركت فيها عواصم الخليج أنها “قد تكون التالية”، وهي التي قرّبت الرياض وأنقرة بعد سنوات من الجفاء [41].

وهكذا انقلبت خريطة التهديد التي نُظّم عليها أمن المنطقة عقوداً. كانت المعادلة القديمة: إيران هي التهديد، وإسرائيل وأمريكا هما الغطاء. أما الإدراك الجديد الذي فرضه الكشف فمزدوج وغير مسبوق – ويحتفظ لكل من التهديدين بوزنه الخاص كما وثّقنا أعلاه: إيران تبقى مصدر قلق حقيقي، لكن إسرائيل المنفلتة من كل قيد صارت مصدر تهديد موازياً أو أكبر. ولهذا تقوم الرباعية على هدفين متلازمين لا هدف واحد: احتواء التهديد الإيراني وردع التمدد العسكري الإسرائيلي معاً [42] – وهي ازدواجية كانت مستحيلة التصور قبل السابع من أكتوبر، ومستحيلة الإعلان قبل ضربة الدوحة.

بهذا المعنى، لم يهدم الطوفان النظام الإقليمي القديم؛ بل هدم ثلاثة أوهام كانت تسنده: وهم أن التطبيع يشتري الأمن، ووهم أن المظلة الأمنية الأمريكية كافية وغير مشروطة، ووهم أن إسرائيل قوة “ضمن النظام” لا فوقه. والرباعية تنبت في أرض هذا الهدم الثلاثي.

ولادة الرباعية: مسار متسارع لا اجتماع عابر

ولعلّ ما قد يميّز هذه المجموعة بعضَ الشيء عن إعلاناتٍ كثيرة سبقتها أنها لم تولد ببيانٍ صحفي، بل بمسارٍ متراكمٍ يمكن تتبّعه بالتواريخ. وبدايته الفعلية أسبق من أول اجتماع رباعي: ففي 12 مارس/آذار 2026، ومع اشتعال التصعيد في الخليج وامتداد الهجمات إلى قطر وميناء صلالة العُماني، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي سلسلة اتصالات مع نظرائه في قطر والإمارات والبحرين وعُمان أكد فيها “أولوية تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتشكيل قوة عربية مشتركة” للحفاظ على أمن الدول العربية وسيادتها، مشدداً على ضرورة “بلورة رؤية شاملة وجديدة للأمن الإقليمي” – مع تأكيد مصري صريح على رفض “فرض أية ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية” من خارجها[43]. أي أن القاهرة استدعت، في لحظة الخطر، الأصل القانوني النائم منذ 1950 الذي فصّلناه في مطلع هذا التحليل.

ثم جاء الاجتماع الرباعي الأول بعد أسبوع واحد فقط: في 19 مارس/آذار 2026 بالرياض، على هامش قمة إسلامية انعقدت لإدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، حيث ناقش وزراء خارجية الدول الأربع “إمكانية دمج قدراتهم ضمن إطار أمني مشترك”[44]. وهذا التتابع الزمني – دعوة مصرية لإحياء الإطار العربي في 12 مارس، فاجتماع رباعي يتجاوزه في 19 مارس – قد يشير إلى أنّ الرباعية لم تكن فكرة تركية أو سعودية لحقت بها مصر، بل نقطة التقاء مسارين؛ مسار مصري سعى أولاً إلى الصيغة العربية الخالصة عبر تفعيل معاهدة 1950، فاصطدم بحدودها المعروفة – تعذر إجماع الجامعة العربية، وتحفظ دول التطبيع، وثقل الميراث الذي عطّل المعاهدة خمسة وسبعين عاماً – ومسار إقليمي أوسع وجد الحل في تجاوز الإطار العربي الصرف إلى عمق إسلامي يضم تركيا وباكستان. فكأن الرباعية هي الصيغة الواقعية التي وُلدت حين ضاقت الصيغة المثالية: إطار أضلاعه من يريد ويقدر، لا كل من ينتسب.

ثم توالت الاجتماعات بإيقاع لافت: الجلسة الثانية في إسلام آباد بعد عشرة أيام فقط (29 مارس/آذار)، حيث أُقرّت الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران – وهو الدور الذي ظهر جلياً لاحقاً حين تولت باكستان فعلياً مهمة الوساطة الميدانية بين الطرفين خلال ذروة التصعيد، على النحو الذي نفصّله في قسم الموقف الميداني أدناه. ثم الجلسة الثالثة في أنطاليا (أبريل/نيسان) على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي. ثم الرابعة في القاهرة (21 يونيو/حزيران)، حيث استقبل الرئيس المصري الوزراء الأربعة ودعا صراحة إلى تحويل “الآلية التشاورية” إلى “إطار مؤسسي أكثر هيكلة” [45]. أربعة اجتماعات وزارية في ثلاثة أشهر، مع انضمام قطر عملياً إلى مدار المجموعة الناشئة دون عضوية في نواتها الرباعية [46].

خريطة العلاقات الثنائية: ست ثنائيات وذاكرة مثقلة وظل إماراتي

لا يكتمل تقييم أي بنية جماعية دون تشريح الوصلات الثنائية التي تتكون منها؛ فالتحالفات لا تنهار عادة من مركزها، بل من أضعف وصلاتها. والرباعية تقوم على ست ثنائيات، يحمل معظمها ذاكرة توتر قريبة العهد تتراجع اليوم لكنها لم تُمحَ، ويحوم فوقها جميعاً طرف خامس غائب حاضر هو الإمارات. وهذا التشريح ليس استطراداً، بل هو الاختبار التطبيقي للقاتل الأول الذي شخّصناه في الخلاصة المنهجية: عجز الثقة والإرادة معاً.

السعودية × تركيا: من خاشقجي إلى الملف السوري. هذه الثنائية حملت أثقل ذاكرة توتر في المجموعة. فمنذ الربيع العربي اصطف البلدان في محورين متقابلين: أنقرة (مع الدوحة) داعمة لموجة التغيير وقواه، والرياض (مع أبو ظبي) رأس المحور المضاد لها. ثم جاء حصار قطر (5 يونيو/حزيران 2017 – مصالحة العلا 5 يناير/كانون الثاني 2021)، حين حاول الرباعي السعودي-الإماراتي-البحريني-المصري عزل الدوحة وخنقها اقتصادياً ودبلوماسياً؛ فتصدت تركيا للحصار عملياً بالتصديق البرلماني العاجل على تسريع نشر القوات في قاعدتها بقطر (7 يونيو/حزيران 2017)، وبفتح جسر جوي وبحري للإمدادات كسر أثر الحصار في أسابيعه الأولى [47]. ثم بلغ التوتر ذروته بجريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول (2 أكتوبر/تشرين الأول 2018)، التي أدارتها أنقرة تصعيداً محسوباً كشف تفاصيلها للعالم – عبر تسريبات استخباراتية تدريجية وتسجيلات صوتية – وحوّلها إلى أثقل أزمة دولية واجهها ولي العهد السعودي، بحسب تقرير مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية المرفوع للكونغرس في فبراير/شباط 2021[48]. ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة قلبت الصفحة عملياً: مصالحة العلا (2021) أنهت حصار قطر، وتبادل الزيارات أعاد الدفء، ثم جاء الملف السوري بعد سقوط النظام أواخر 2024 ليحوّل البلدين من متنافسين إلى شريكين فعليين – إذ تنسق أنقرة والرياض دعمهما للحكومة السورية الجديدة سياسياً وإعمارياً، وتحركتا معاً لرفع العقوبات عنها [49]. الدلالة المزدوجة: القابلية للانقلاب من الخصومة إلى الشراكة مثبتة عملياً، لكن الذاكرة التي انقلبت مرة تستطيع الانقلاب ثانية.

مصر × تركيا: أطول قطيعة وأسرع مصالحة. كانت هذه الثنائية الأشد جفاء: قطيعة كاملة منذ 2013 على خلفية الانقلاب العسكري في مصر – الذي قاده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو/تموز 2013 وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي – وموقف أنقرة الرافض له علناً وبشدة، صحبتها حرب إعلامية ضارية، وتنافس مسلح بالوكالة في ليبيا وصل حد التلويح بالصدام المباشر (2020)، وتنازع على ترسيم شرق المتوسط. طُويت أحد عشر عاماً من العداء بالمسار الذي فصّلناه: زيارة أردوغان الأولى (2024) فالثانية (2026) فصفقة “تولغا” والتصنيع المشترك فالمناورات فزيارة وزير الدفاع. غير أن التحليل الرصين يسجل أن هذه المصالحة براغماتية الجذور: لم تُحل الخلافات الفكرية والسياسية التي فجّرت القطيعة، بل جرى تجاوزها تحت ضغط المصالح – وهو أساس متين ما دامت المصالح متقاربة، وهش إذا تعارضت.

السعودية × مصر: شراكة الضرورة وتوتر الاستقلال. بين أكبر ممول خليجي لمصر بعد 2013 وأكبر جيش عربي، تراكمت في السنوات الأخيرة رواسب غير معلنة: توقف الدعم الخليجي غير المشروط وإعلان الرياض صراحة (دافوس، يناير/كانون الثاني 2023، على لسان وزير المالية محمد الجدعان) تحول المملكة من “المساعدات المباشرة والودائع غير المشروطة” إلى دعم مشروط بالإصلاحات [50]؛ وحساسيات مصرية من شروط الاستثمار السعودي ومن ملف جزيرتي تيران وصنافير الذي ترك جرحاً في الرأي العام؛ وحملات إعلامية متبادلة عكست توتراً تحت السطح. ويضاف إلى هذا كله بُعد لا يُعلن صراحة في الخطاب الرسمي، لكنه حاضر في تقديرات المراقبين: عدم اطمئنان سعودي غير معلن حيال عمق العلاقة الوثيقة بين نظام السيسي في مصر ومحمد بن زايد في الإمارات – إذ ترى الرياض في هذا التقارب المصري-الإماراتي المتنامي منافساً محتملاً لموقعها القيادي في الملف الخليجي والعربي، لا سيما أن أبو ظبي باتت الممول الأكبر والأكثر نفوذاً في القرار الاقتصادي المصري، على النحو الذي نفصّله في قسم الظل الإماراتي أدناه. ومع ذلك تدفع حسابات الأمن الإقليمي البلدين اليوم إلى الصف ذاته – لكن هذه الثنائية تظل الأقل حرارة بين أضلاع الرباعية، والأكثر حساسية لأي استقطاب مالي خارجي.

السعودية × باكستان: أعمق الثنائيات وأقلها التباساً. علاقة تمتد سبعة عقود من التمويل السعودي والعمق البشري والعسكري الباكستاني (قوات باكستانية تدربت ورابطت في المملكة منذ الستينيات، وشاركت في تأمين الحرم المكي وحماية الأسرة الحاكمة)، توّجتها الاتفاقية الدفاعية الموقعة في سبتمبر/أيلول 2025 التي جعلت الردع الباكستاني – النووي ضمناً – جزءاً من معادلة أمن المملكة [51]. وأحدث فصولها يكشف وظيفتها المالية-الاستراتيجية: حين طالبت أبو ظبي إسلام آباد فجأة، في ربيع 2026، بردّ ودائعها البالغة 3.45 مليار دولار (المودعة أصلاً منذ 2018) – في خطوة ربطتها تقارير بخلافات جيوسياسية حول التطورات الإقليمية – تدخلت الرياض فوراً بوديعة موازية بثلاثة مليارات دولار (شريحة أولى ملياران في 15 أبريل/نيسان، وثانية مليار) مكّنت باكستان من السداد الكامل في 24 أبريل/نيسان 2026 دون أزمة [52]. وهذه الواقعة وثيقة من الطراز الأول: فهي تُظهر السعودية ضامناً مالياً فعلياً لركيزة الردع في المجموعة، وتُظهر في الوقت ذاته استعداد الإمارات لاستخدام أدواتها الاقتصادية ضغطاً على أعضاء الرباعية.

تركيا × باكستان: الثنائية الوحيدة بلا ذاكرة توتر. شراكة تاريخية راسخة شعبياً ورسمياً، وتعاون دفاعي-صناعي متنامٍ (المسيّرات، الفرقاطات من فئة “ميلغم”، التحديث المشترك)، وتماثل مواقف في القضايا الكبرى – وهو ما ظهر جلياً في دور الوساطة الباكستانية بين الأمريكي والإيراني، حيث وفرت القناة التركية غطاءً دبلوماسياً موازياً للجهد الباكستاني. هذه الثنائية هي الأساس الصلب الوحيد في المجموعة الذي لا يحتاج ترميماً.

مصر × باكستان: الفتور التاريخي يذوب. علاقة لم تعرف عداء لكنها لم تعرف عمقاً؛ ظلت منذ افتراق الخمسينيات (مصر الناصرية في عدم الانحياز وباكستان في الأحلاف الغربية) ودية باردة. واللقاء البحري في الإسكندرية، بمعناه الملاحي الذي فصّلناه، هو أول مؤشر جدي على تحويل هذه الوصلة الرخوة إلى ضلع عامل في الشبكة.

الظل الإماراتي: الغائب الأكثر حضوراً. فوق هذه الثنائيات الست يخيّم طرف خامس يستحق تحليلاً خاصاً، لأن غيابه عن الرباعية أبلغ من حضور كثيرين فيها. فالإمارات هي النموذج المكتمل لمسار الإلحاق الذي كشفه الطوفان – الحليف العربي الأبرز والمتحالف صراحة مع إسرائيل، والملتزم بمسار التطبيع حتى بعد كل ما جرى، والمنخرط في تحالفات أمنية واقتصادية عميقة مع واشنطن تجعل استقلالية قرارها الإقليمي محدودة – وهي في الوقت نفسه في تنافس متصاعد مع الرياض: خروجها من أوبك، والتزاحم على الاستثمارات والمقار الإقليمية، والافتراق في اليمن، وفي السودان حيث تدعم القاهرة والرياض الجيشَ السوداني بينما تتهمها تقارير دولية متعددة – نفتها أبوظبي مراراً – بدعم قوات الدعم السريع المتمردة عليه بالمال والسلاح عبر ممرات لوجستية من تشاد وليبيا [53]. والأخطر لمستقبل الرباعية أن أبوظبي تمسك بأدوات نفوذ مباشرة داخل عضوين من أعضائها: فمع باكستان جرّبت ورقة الودائع كما رأينا؛ ومع مصر تمسك بالورقة الأثقل – فالقاهرة، الغارقة في أزمة ديون خانقة، تلقت من الإمارات في فبراير/شباط 2024 أضخم صفقة استثمار في تاريخها: 35 مليار دولار مقابل تطوير رأس الحكمة وحدها، ضمن إجمالي استثمارات إماراتية متراكمة في مصر تتجاوز 65 مليار دولار عبر قطاعات الاتصالات والعقارات والموانئ والبنوك [54] – وهي استثمارات وُصفت في تحليلات اقتصادية متعددة بأنها عملياً عملية “إنقاذ مالي” (bail out) للنظام المصري أكثر منها استثمارات تجارية عادية، إذ جاءت في اللحظات الأكثر حرجاً لتجنيب الاقتصاد المصري الانهيار الكامل، وربطت معها ديون متصاعدة لصالح أبوظبي بلغت أكثر من 22 مليار دولار بحلول 2023 [55].

أضف إلى ذلك التشابك المصري المباشر مع إسرائيل ذاتها على مستويين: الأول اقتصادي، إذ تعتمد مصر على الغاز الإسرائيلي لسد عجز طاقتها، وقد وسّعت الاعتماد لا قلّصته بعد الطوفان – بتعديل أغسطس/آب 2025 الذي رفع الكميات التعاقدية من حقل ليفياثان بـ130 مليار متر مكعب في صفقة بنحو 35 مليار دولار تمتد حتى 2040، وصفها نتنياهو بأنها “أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل”، ثم بمذكرة تفاهم جديدة في يوليو/تموز 2026 لاستيراد غاز إضافي من حقل تمار بنحو 20 مليار دولار – وشريك الحقل الثاني فيها شركة “مبادلة للطاقة” المملوكة لحكومة أبوظبي، ما يكشف تقاطعاً ثلاثياً بين الاعتماد المصري والاستثمار الإماراتي والمصلحة الإسرائيلية في ملف واحد [56]. والثاني سياسي-أمني أعمق أثراً: فالتنسيق الأمني المؤسسي بين القاهرة وتل أبيب – القائم أصلاً منذ كامب ديفيد وملف سيناء وغزة – تعزز بموقف إسرائيلي داعم صراحة لانقلاب 2013؛ إذ رحبت تقييمات أمنية إسرائيلية رسمية وشبه رسمية بإزاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي، ورأت في نجاح الانقلاب ما يريح البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية من احتمال وصول تيار سياسي داعم لحركة المقاومة في غزة إلى سدة الحكم في أكبر دولة عربية مجاورة، وقد رصدت تحليلات عبرية أن فشل الانقلاب كان سيفرض على الجيش الإسرائيلي “تغييرات بنيوية” احترازية واسعة، بينما احتفت الصحافة والسياسة الإسرائيليتان علناً بنجاحه [57]. وهذا الموقف التاريخي المنسجم مع إسرائيل سياسياً ترك أثراً ممتداً حتى اليوم في حذر الموقف المصري الرسمي من الحرب على غزة، وفي إبقاء التنسيق الأمني قائماً دون انقطاع طوال سنوات الحرب – وهو ما يضع، مجتمعاً مع الاعتماد الاقتصادي على الإمارات والغاز الإسرائيلي معاً، سقفاً غير معلن على هامش الحركة السياسية المصرية.

فالمحصلة أن أحد أضلاع الرباعية الأربعة مرتهن اقتصادياً لأقرب حلفاء إسرائيل، ومتشابك في أمن طاقته مع إسرائيل نفسها، ومحمّل بإرث سياسي ينسجم تاريخياً مع الموقف الإسرائيلي أكثر مما يتقاطع معه – وهذا لا يعني أن مسار القاهرة داخل الرباعية غير جاد (فمناوراتها وصفقاتها الدفاعية أفعال لا أقوال)، لكنه يعني أن هامش حركتها مقيّد بسقف مالي وسياسي في يد غيرها، وأن باب الاحتواء الذي سيرد في السيناريوهات يمر من القاهرة قبل غيرها.

خلاصة هذه الخريطة: خمس من الثنائيات الست إما رُمّمت حديثاً وإما لا تزال باردة، وواحدة فقط صلبة تاريخياً؛ والذاكرة المثقلة تراجعت لكنها لم تُدفن؛ وطرف خارجي قادر وراغب في العزف على أوتارها. هذا لا يقضي على المشروع، لكنه يحدد بدقة أين تُختبر متانته.

من المصالحة إلى القواعد: المسار العسكري المتسارع

ويجري تحت المسار الدبلوماسي مسار عسكري أعمق دلالة، عنوانه الأبرز التحول المصري-التركي. فبعد قطيعة دامت أكثر من عقد، زار الرئيس رجب طيب أردوغان القاهرة في فبراير/شباط 2024 في أول زيارة له لمصر منذ اثني عشر عاماً، واستُقبل استقبالاً رسمياً كاملاً طوى صفحة الخصومة [58]. ثم جاءت زيارته الثانية في 4 فبراير/شباط 2026 لتنقل العلاقة من المصالحة إلى الشراكة: انعقد في القاهرة الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، واتفق الرئيسان على رفع التبادل التجاري من 9 إلى 15 مليار دولار، والأهم أن الزيارة شهدت توقيع صفقة دفاعية قُدّرت بنحو 350 مليون دولار، تضمنت توريد منظومة “تولغا” التركية للدفاع الجوي قصير المدى، وإنشاء مصانع داخل مصر لإنتاج ذخائر المدفعية عيار 155 ملم وذخائر الأسلحة الخفيفة – أي أول خطوة فعلية لتوطين صناعة دفاعية مشتركة، لا مجرد شراء سلاح [59].

 ثم انتقلت المصالحة من القصور إلى القواعد: في يونيو/حزيران 2026 شاركت القوات الجوية المصرية في تدريب “نسر الأناضول 2026” الذي استضافته تركيا بمشاركة أذربيجان وطائرة إنذار مبكر تابعة للناتو، متضمناً عمليات هجومية ودفاعية وتزوداً بالوقود جواً واعتراضاً للمسيّرات؛ وفي الثامن من يوليو/تموز 2026 انطلقت في مصر مناورات “العقاب الذهبي” بمشاركة قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية – وهي التمارين المشتركة الأولى من نوعها منذ نحو عقدين – واختُتمت في السابع عشر من الشهر نفسه بتمرينات اقتحام وتحرير رهائن و”قفزة صداقة” مظلية بعلمي البلدين [60]. واللافت أن التقارير الإسرائيلية لم تخطئ قراءة المشهد، بل بلغ تحذيرها سقفاً غير مسبوق: فقد كتبت مجلة “إيبوك” العبرية، بقلم يوني بن مناحم (المدير العام الأسبق لهيئة البث الإسرائيلية)، أن التحالف العسكري المصري-التركي الناشئ قد يكون أشد خطراً على إسرائيل من “المحور الإيراني” ذاته، وأن مجموع القدرات التي ظهرت في المناورة “تتميز بها الجيوش التي تستعد لتهديدات المستقبل، لا حروب الماضي”. وكتب محرر الشؤون الدولية في “معاريف” أن أنقرة والقاهرة “تعيدان رسم خريطة الشرق الأوسط”، وأن ما بدأ “كمصافحة مترددة على هامش كأس العالم 2022” تطور إلى تحالف استراتيجي في الصناعات العسكرية “يثير قلقاً بالغاً في أثينا وتل أبيب” – راصداً ضمن ذلك استئناف مناورات “بحر الصداقة” البحرية بين البلدين في 2025 بعد توقف ثلاثة عشر عاماً [61].

ثم جاء التتويج في 12-13 يوليو/تموز 2026: زيارة وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري إلى أنقرة – الأولى لوزير دفاع مصري إلى تركيا منذ ثلاثة عشر عاماً – حيث وقّع مع نظيره التركي يشار غولر خطاب نوايا للتعاون الدفاعي والصناعات العسكرية، شمل التطوير المشترك للقدرات وتبادل الخبرات، وكان شرق المتوسط وأمن حقول الغاز حاضرين بقوة في المباحثات [62].

 حين يتصافح أكبر جيش عربي مع أنضج صناعة دفاعية في المنطقة بعد عقد من العداء، فالمنطقة لا تشهد مصالحة ثنائية فحسب، بل إعادة رسم لعمودها الفقري العسكري.

ولا يقتصر هذا التشابك العسكري على الضلع المصري-التركي. ففي يوليو/تموز 2026 أيضاً استقبلت قيادة القوات البحرية المصرية بالإسكندرية رئيس هيئة الأركان البحرية الباكستانية الفريق أول بحري نفيد أشرف في زيارة رسمية، عقد خلالها مع قائد القوات البحرية المصرية الفريق محمود عادل فوزي جلسة مباحثات حول تنسيق الجهود لتعزيز القدرات البحرية للبلدين وتبادل الخبرات بينهما [63]. وقد يبدو الخبر للوهلة الأولى لقاءً بروتوكولياً عابراً، لكن قراءته في سياقه تكشف دلالتين تمسّان جوهر ما يجري. الأولى دلالة الجغرافيا البحرية: فمصر هي الدولة المتحكمة في قناة السويس والمطلة على البحر الأحمر ومدخله الجنوبي عند باب المندب، وباكستان هي الدولة المطلة على بحر العرب الذي يشكل البوابة الخارجية لمضيق هرمز – أي أن بحريتَي هاتين الدولتين تحديداً تمسكان، مجتمعتين، بأطراف الممرات الثلاثة التي يمر عبرها شريان الطاقة والتجارة العالمي في الإقليم. والدلالة الثانية بنيوية، وتخص طريقة نمو الرباعية ذاتها: فالمتأمل في خريطة التحركات العسكرية داخل المجموعة يلحظ أنها لا تمر عبر مركز واحد يقود الجميع، بل تُنسج ثنائياتٍ متقاطعة يشد بعضها بعضاً – وهذا النمط من البناء أمتن بنيوياً من أي هيكل هرمي مركزي، والطريف أن التقييمات الإسرائيلية ذاتها باتت تقرأ المشهد بالمنطق نفسه، إذ ربط تقرير “إيبوك” المشار إليه بين المناورات المصرية-التركية والاجتماعات التشغيلية المصرية مع البحرية الباكستانية في نسق واحد، خالصاً إلى أن القاهرة “توسع دوائر تعاونها العسكري لتشمل جنوب آسيا أيضاً” [61].

ماذا يضع كل طرف على الطاولة؟ تشريح القدرات ونقاط الضعف

القيمة الاستراتيجية للرباعية في التكامل النادر بين مقدرات أعضائها – وفي نقاط ضعفهم المرآتية أيضاً. وتضع هذه الورقة الأدوار الأربعة جنباً إلى جنب بمساحة متوازنة، لأن كل دولة تملك من القدرات ما لا يقل أهمية عن الأخرى وإن اختلف طابعه:

باكستان: القدرة النووية والوساطة. تضع على الطاولة الأصل الذي لا يملكه أحد غيرها في العالم الإسلامي: السلاح النووي، الذي يشكل – ضمن الإطار الدفاعي السعودي-الباكستاني الموقع في سبتمبر/أيلول 2025 – قاعدة الردع غير المعلنة للمجموعة كلها. كما تلعب دور الوسيط الأنشط بين واشنطن وطهران، وهو دور تجسد فعلياً في مساعيها المتكررة لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض خلال ذروة الحرب. ويضاف إلى ذلك بُعد كثيراً ما يُغفل: علاقتها الراسخة بالمؤسسة العسكرية الأمريكية ذاتها – فالجيش الباكستاني شريك تاريخي للبنتاغون والقيادة المركزية منذ عقود الحرب الباردة وحرب أفغانستان، وقد شهد عام 2025 دفئاً لافتاً في هذه القناة بلغ حد استقبال الرئيس الأمريكي لقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في البيت الأبيض (يونيو/حزيران 2025) في سابقة بروتوكولية، وإشادة قادة سنتكوم العلنية بالشراكة الباكستانية في مكافحة الإرهاب[64] – وهي قناة تمنح المجموعة خط اتصال عسكرياً مباشراً مع واشنطن، لكنها في الآن ذاته قيد على استقلالية القرار الباكستاني إذا تعارضت المسارات. ومقابل ذلك كله: اقتصاد هش لا يسند طموحاً استراتيجياً طويل النفس – وقد رأينا ارتهانه لورقة الودائع – وجبهات مفتوحة مع الهند وعلى الحدود الإيرانية.

تركيا: الصناعة الدفاعية والقناة الدبلوماسية والثقل التاريخي وعضوية الناتو. تضع تركيا على الطاولة أربعة أصول متمايزة يستحق كل منها إفراداً. الأول عسكري-صناعي: الصناعة الدفاعية الأنضج في المجموعة، من المسيّرات “بيرقدار” إلى الفرقاطات وأنظمة الدفاع الجوي، بقدرة تصنيع وتصدير تفوق أي عضو آخر في الرباعية. والثاني دبلوماسي: القناة الوحيدة المفتوحة مع جميع أطراف الصراع الإقليمي والدولي بلا استثناء – وتحديداً مع طهران التي تحافظ أنقرة على قنوات تجارية ودبلوماسية مفتوحة معها رغم توترات الملف النووي، ومع واشنطن الحليف الأطلسي، ومع موسكو التي تجمعها بتركيا مصالح طاقة وتوازنات في سوريا وأوكرانيا معاً – وقد وصفها محللون غربيون بأنها “الفاعل الوحيد القادر على الحوار مع كل الأطراف المتحاربة في آن”[65]. والثالث مؤسسي بامتياز ويستحق إفراداً مستقلاً: عضوية تركيا في حلف الناتو منذ 1952 تجعلها حليفاً أطلسياً وأمريكياً رسمياً بمعزل عن أي ترتيب إقليمي آخر تنخرط فيه – وهي عضوية استثمرتها أنقرة مؤخراً بامتياز حين استضافت قمة الناتو في أنقرة (يوليو/تموز 2026)، القمة الثانية التي تستضيفها تركيا بعد قمة إسطنبول التاريخية عام 2004، في مؤشر على تحول موقعها من “دولة حدودية تحمي الجناح الجنوبي” إلى فاعل ينتج الأمن ويشارك في إدارة الأزمات من البلقان إلى الخليج [66] – أي أن تركيا تجمع، بخلاف بقية أعضاء الرباعية، بين عضوية مؤسسية غربية راسخة وانخراط إقليمي مستقل في آن واحد، وهو ما يمنحها مرونة تفاوضية فريدة. والرابع تاريخي-حضاري: فأنقرة لم تكن يوماً عاصمة عادية، بل كانت مقر الخلافة العثمانية التي حكمت جزءاً واسعاً من العالم الإسلامي والعربي لقرون حتى سقوطها في أعقاب الحربين العالميتين، وهذا الثقل التاريخي والسياسي – وإن خفت أثره المباشر عبر عقود من العلمنة والانكفاء الداخلي التركي – ما زال يُستحضر ويُستدعى، سلباً أو إيجاباً، في التعامل العربي والإسلامي مع أنقرة حتى اليوم، ويمنحها رصيداً رمزياً لا تملكه أي عاصمة أخرى في المجموعة. ومقابل هذا كله: إرث ريبة عربية تاريخية تجاه الدور التركي – ممتد من الذاكرة العثمانية ذاتها إلى سياسات أنقرة في العقد الأخير – لم تمحه سنوات المصالحة بعد.

السعودية: الثقل المالي والقيادة الإقليمية والدور العسكري المباشر. تضع السعودية على الطاولة مزيجاً من الثقل المالي والاقتصادي والدبلوماسي وجيوسياسي معاً. مالياً واقتصادياً: الثقل الاستثماري الأكبر في المجموعة، وقد أثبتت في واقعة الودائع الباكستانية أنها الضامن المالي الفعلي لتماسك الرباعية. ودبلوماسياً ورمزياً: الشرعية الدينية بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، وموقع القيادة التقليدي في العالم الإسلامي، ومبادرة استضافة قمة إقليمية موسعة مع إيران. أما وجيوسياسياً فدورها يتجاوز حدودها المباشرة إلى الإقليم كله: فهي منخرطة في إدارة ملف اليمن منذ 2015 بوصفها الطرف العربي الأكبر تدخلاً هناك؛ وتدعم، إلى جانب مصر، الجيش السوداني في مواجهته مع قوات الدعم السريع المتمردة المتهمة بتلقي دعم إماراتي، في ما يعكس تنافساً إقليمياً مباشراً مع أبوظبي على الساحة السودانية؛ وتسعى – بوصفها أكبر دولة خليجية اقتصاداً وسكاناً وجغرافيا، إذ لا يُتصور “خليج عربي” بلا حضور سعودي مركزي – إلى قيادة الملف الخليجي والعربي عموماً، أو على الأقل ضمان ألا يُدار هذا الملف من دونها[67]. ومقابل ذلك كله: انكشاف أمني ذاتي أثبتته الهجمات المتكررة، وارتباط بالولايات المتحدة يتجاوز الحماية إلى نسيج المصالح ذاته – فالعلاقة التي بدأت على ظهر “كوينسي” بمعادلة النفط مقابل الأمن بلغت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ذروة مؤسسية جديدة: اتفاقية دفاع استراتيجي موقعة في البيت الأبيض، وتصنيف حليف رئيسي من خارج الناتو، وموافقة على مقاتلات F-35، وتعهد سعودي برفع الاستثمارات في الاقتصاد الأمريكي من 600 مليار إلى نحو تريليون دولار يقودها صندوق الاستثمارات العامة، وشراكة نووية مدنية تجعل الشركات الأمريكية “الشريك المفضل”[68]. أي أن الرياض تبني الرباعية بيد، وتعمّق اندماجها المالي والدفاعي مع واشنطن باليد الأخرى – وهذه الازدواجية قد تكون تحوطاً ذكياً يبقي كل الخيارات مفتوحة، وقد تكون السقف الذي لن تسمح واشنطن للرباعية بتجاوزه.

مصر: الثقل البشري والجغرافي والخبرة القتالية. تضع مصر على الطاولة أكبر جيش عربي (نحو 450 ألف مقاتل في الخدمة) وقناة السويس – البديل البحري الأهم عالمياً عن مضيق هرمز – وقد أعلن رئيسها أن أمن الخليج “امتداد للأمن القومي المصري” [69]. لكن ثقلها العسكري لا يقف عند العدد والجغرافيا؛ فمصر هي الدولة العربية الوحيدة التي خاضت حرباً مفتوحة مباشرة ضد إسرائيل وحققت فيها انتصارات عسكرية مشهودة: ففي حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف المحصّن الذي كان يُعد حتى حينها حصناً منيعاً، في عملية أعادت للجيش المصري – وللعرب عموماً – اعتباراً عسكرياً بعد نكسة 1967، وحطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر [70]. وهذه الخبرة القتالية التاريخية، مضافاً إليها كون مصر الدولة العربية الوحيدة التي تملك خط تماس حدودي مباشر وطويل مع إسرائيل عبر سيناء، يمنحانها ثقلاً جيوسياسياً وعسكرياً فريداً داخل المجموعة يوازي الثقل المالي السعودي والصناعي التركي كل بطريقته. لكن مقابل ذلك: الارتهان الاقتصادي المركّب الذي فصّلناه في خريطة العلاقات – ديون خانقة، وطوق نجاة إماراتي بشروطه، واعتماد طاقة على الغاز الإسرائيلي، وإرث سياسي منسجم تاريخياً مع الموقف الإسرائيلي منذ 2013 – وهو ما يجعل أثقل أعضاء المجموعة عسكرياً وتاريخياً أضيقهم هامشاً سياسياً راهناً.

هذا التكامل – نووي باكستاني، صناعي-دبلوماسي-تاريخي-أطلسي تركي، مالي-دبلوماسي-عسكري سعودي، بشري-عسكري-جيوسياسي-تاريخي مصري – هو ما يجعل الرباعية مختلفة نوعياً عن كل المحاولات السابقة التي كانت إما متجانسة القدرات فقيرة التكامل، وإما واسعة العضوية فارغة المضمون. غير أن الصورة المكتملة تقتضي وضع هذه القدرات والقيود معاً في إطار تقييمي واحد – وهو ما ننتقل إليه.

المبادرة الرباعية في ميزان واحد: التحليل الرباعي لنقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات

يجمع الجدول التالي حصيلة التحليل السابق كله في مصفوفة تقييم واحدة، تنظر إلى المبادرة ككيان جامع لا إلى أعضائها فرادى، عبر أداة التحليل الاستراتيجي الرباعي المعروفة (فحص نقاط القوة والضعف الداخلية، والفرص والتهديدات الخارجية):

نقاط القوة (داخلية)نقاط الضعف (داخلية)
تكاملُ قدراتٍ نادر: ردعٌ نووي ووساطةٌ باكستانية؛ صناعةٌ دفاعية وقناةٌ دبلوماسية وثقلٌ تاريخي وعضويةٌ أطلسية تركية؛ ثقلٌ مالي وقيادةٌ إقليمية ودورٌ عسكري مباشر سعودي؛ ثقلٌ بشري وجغرافي وخبرةٌ قتالية مصريةذاكرة توترات ثنائية قريبة (خاشقجي، قطيعة 2013، حساسية سعودية-مصرية حيال التقارب المصري-الإماراتي) رُمّمت ولم تُمحَ
بنية شبكية متقاطعة لا هرمية – أمتن أمام خروج أي طرفارتهانات اقتصادية خارجية عميقة (مصر للإمارات المتحالفة مع إسرائيل وللغاز الإسرائيلي مباشرة، باكستان لورقة الودائع) تقيد استقلال القرار وتمس صميم الثقة والاستقلال الاقتصادي لبعض الأعضاء
تصميم داخلي نابع من الإقليم لأول مرة – ينجو من قاتل “التصميم الخارجي”غموض تأسيسي بلا ميثاق ولا التزام دفاع معلن – يمنع الردع المعلن ويؤجل المصداقية
تموضّعٌ جماعي على مداخل الممرات الثلاثة (السويس، وباب المندب، وبوابة هرمز)تباين عمق الارتباط بواشنطن: اتفاقية دفاع سعودية-أمريكية وقناة بنتاغون باكستانية وعضوية تركيا الأطلسية مقابل مسافة مصرية مقيّدة بارتهانها الاقتصادي
مسار متسارع مثبت بالأفعال: أربعة اجتماعات وصفقات ومناورات في أشهرغياب قاعدة اقتصادية مشتركة تسند البناء الأمني حتى الآن
الفرص (خارجية)التهديدات (خارجية)
الفراغ الناشئ عن الانكفاء الأمريكي المعلن – المساحة التاريخية للبديل الذاتيالاحتواء الأمريكي: صفقات ثنائية انتقائية تعيد إنتاج الإلحاق وتفرّغ الإطار المعلن
اهتزاز حجية المظلة الأمنية الأمريكية يدفع مترددين (قطر وربما غيرها) نحو المجموعةالتعطيل الإماراتي غير المباشر عبر أدوات النفوذ الاقتصادي، مدفوعاً بتحالف أبو ظبي مع إسرائيل وتنافسها مع الرياض على قيادة الملف الخليجي – وقد ظهرت بواكيره في ملف الودائع الباكستانية وفي الرافعة المالية على مصر
سوق دفاعي إقليمي ضخم يتيح تصنيعاً مشتركاً يحوّل الأمن إلى مصالح راسخةاستهداف إسرائيلي مباشر للمسار وقد صنّفته تقييماتها خطراً يفوق “المحور الإيراني”
صعود الجنوب العالمي وتعدد الأقطاب يوفران غطاءً دولياً أوسع من المحور الغربي وحدهتسوية إيرانية-أمريكية ترفع الضغط الجامع فتوقظ الخلافات النائمة (سيناريو التبخر)
حاجة عالمية لأمن الممرات تمنح المجموعة ورقة تفاوض دوليةانفجار أزمة ثنائية كامنة (هندية-باكستانية مثلاً) يستنزف ركيزة الردع

وقراءة المصفوفة تختصر في معادلة واحدة: نقاط القوة بنيوية والفرص تاريخية، لكن نقاط الضعف كلها من جنس واحد – الثقة والاستقلال الاقتصادي – والتهديدات كلها تستهدف هذا الجنس بعينه. ولنعمّق هذه الملاحظة: فالثقة هنا ليست مفهوماً مجرداً، بل قابلة للقياس بمؤشر ملموس هو درجة استقلالية القرار المالي لكل عضو – فحيث يملك العضو احتياطاً أو بديلاً تمويلياً ذاتياً (كما فعلت السعودية في واقعة الودائع)، تتعزز قدرته على مقاومة الاختراق؛ وحيث يفتقر إليه (كما هو حال مصر أمام الاعتماد الإماراتي والإسرائيلي المزدوج)، يصبح عرضة للاستدراج بصرف النظر عن صدق نواياه السياسية. أي أن معركة الرباعية الحقيقية ليست عسكرية على الإطلاق؛ إنها معركة تحصين الداخل من أدوات الاختراق الاقتصادي والسياسي، وفي القلب منها إشكالية الاختراق الإماراتي الكامن – المتحالف مع إسرائيل والقادر على توظيف نفوذه المالي في أكثر من عاصمة من عواصم المجموعة في آن واحد.

الغموض البنيوي: شرط البقاء وعقبة التحول

اللافت أن المجموعة حتى الآن بلا اسم رسمي، وبلا ميثاق، وبلا التزام دفاع مشترك معلن – حتى إن التسميات المتداولة كلها من خارجها: “الرباعية”، “R-4″، أو “الناتو الإسلامي” في التقارير الإسرائيلية [71]. وهذا الغموض ليس قصوراً بل تصميم مقصود — وهو في العمق تعبيرٌ آخر عن «تمرّد التحسّس»: إبقاءُ القدمِ على حافة الفراغ دون التزامٍ يُقيّد الحركة قبل أن تتّضح قواعدُ النظام القادم — تمليه المصالح التي فصّلتها خريطة العلاقات أعلاه: فتركيا لا تستطيع الانضمام إلى إطار تقرأه طهران كتحالف معادٍ صريح دون أن تخسر قناتها معها؛ وباكستان تجمع بين أدوار لا تجتمع إلا في الظل – الشريك العسكري الأوثق للرياض، والوسيط الأنشط لطهران، والحليف القديم للبنتاغون؛ ومصر والسعودية لا تريدان استفزاز واشنطن التي تتشابكان معها إلى الحد الذي وثّقناه – اتفاقية دفاع وتريليون دولار استثمارات سعودية من جهة، ومظلة مساعدات وتصنيف حليف رئيسي من خارج الناتو منذ 1987 لمصر من جهة[72]. المفارقة التحليلية الجوهرية هنا: الغموض شرط بقاء المجموعة اليوم، وقد يكون جانبٌ من هذا الغموض ناشئاً عن عواملَ بنيويةٍ أعمق، كضعف رصيد الثقة بين بعض الأطراف، لا عن تصميمٍ تكتيكيٍّ وحده، وهو ذاته العقبة أمام تحولها إلى بنية ملزمة غداً – وأي مأسسة على طريقة ما دعا إليه الرئيس المصري في القاهرة ستضطر الأعضاء للإجابة عن أسئلة يتعمدون اليوم تركها معلقة.

خطوط الصدع: لماذا تقوم الرباعية أصلاً بين إسرائيل وإيران؟

تبقى نقطة يجب حسمها بصراحة، لأنها مربط المنطق التأسيسي كله. فالأعضاء متباينون في تكتيك التعامل مع إسرائيل: بين من يُبقي باب التطبيع موارباً ومن يستعد لمواجهة تمددها، ومتباينون في درجة الاستعداد لتحدي واشنطن [73]. غير أن هذا التباين التكتيكي لا ينفي الإجماع الضمني على التشخيص – وإلا فلماذا تقوم الرباعية أصلاً؟ إن قراءة بنية المجموعة ووظيفتها لا تحتمل إلا جواباً مركّباً من شقين غير متكافئين، على النحو الذي فصّلناه بالتوازن المطلوب في قسم “المشروع التوسعي الإسرائيلي والسؤال الإيراني” أعلاه: الحماية من المشروع الإسرائيلي المعلن أولاً – وقد وثّقنا سبقه الزمني وشموله الجغرافي وغطاءه الأمريكي غير المسقوف – وإقامة توازن رادع أمام القوة الإيرانية الصاعدة ثانياً، وهي قوة أثبتت في هذه الحرب تحديداً قدرة على ردع القوة الأمريكية نفسها بضربات موجعة لقواعدها ومصالح حلفائها، بما يثير – كما فصّلنا – خشية عربية سنية مشروعة من انكشاف أمام هيمنة إقليمية بديلة. ولهذا تتعامل الرباعية مع الملفين بأداتين مختلفتين تماماً: مع إيران بالاحتواء والتوازن مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة (وساطة باكستان، قناة تركيا، مبادرة القمة السعودية)، ومع المشروع الإسرائيلي بالردع وبناء القدرة – وهو ما التقطته التقييمات الإسرائيلية نفسها حين صنّفت المسار خطراً يفوق “المحور الإيراني”. وفوق هذا كله يبقى الميراث الذي حلّلناه في إعلان دمشق: عجز الثقة والإرادة معاً الذي أجهض أنضج محاولة سابقة. الرباعية لم تثبت بعد أنها تجاوزته – غاية ما هنالك أن الظروف التي كانت تسمح بترف عدم الثقة قد تغيرت، وأن المخرج المريح منه لم يعد قائماً.

الإقليم في مرآة العالم: لماذا الآن تحديداً؟

لا تُفهم الرباعية بمعزل عن التحول العالمي الجاري. ففي نافذة أسابيع قليلة، تتابعت ثلاثة مشاهد يجمعها خيط واحد: بكين تطرح ورقتها البيضاء لـ “حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً” معلنةً رؤيتها لنظام دولي بديل تقوده منظومة مبادرات متكاملة وتستند إلى حشد الجنوب العالمي[74]؛ وقمة الناتو في أنقرة تكشف تصدعاً غير مسبوق في المنظومة الأطلسية – سحب قوات أمريكية فعلي من أوروبا، وربط الحماية بالمقابل المالي والسياسي، وانكفاء معلن نحو آسيا ونصف الكرة الغربي بنص العقيدة الدفاعية الأمريكية ذاتها — وفي خلفية هذا التصدّع الأطلسي حربٌ روسية على أوكرانيا دخلت عامها الرابع، أعادت تعريف الأمن الأوروبي من جذوره ودفعت القارة إلى إعادة تسلّحٍ واسعة وإلى البحث عن استقلالٍ دفاعي وهي بعدُ تحت مظلةٍ أمريكية آخذةٍ في الانحسار[75]؛ ثم الرباعية تعلن عن نفسها من المدينة ذاتها بعد يومين. وليست هذه المشاهد الثلاثة كل صورة التحول العالمي – فإلى جوارها توسع بريكس، وإعادة اصطفاف آسيا، وسباق المعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي – لكنها أوضح تجلياته المتزامنة في لحظة واحدة، والخيط الجامع بينها: الضمانة الأمريكية التي نظّمت أمن العالم منذ 1945 تُعاد تسعيرتها وتقليصها في كل الأقاليم دفعة واحدة – في أوروبا كما في الخليج.

والمشهد الأعم الذي تنتظم فيه هذه التجليات كلها يشبه لحظة ما بين نظامين: النظام القديم لم يسقط بعد، والجديد لم تتضح ملامحه، والعالم يعيش ما يمكن تسميته تمردات التحسس – كل قوة، دولية كانت أو إقليمية، تختبر بيدها حدود المسموح في الفراغ الناشئ، وتتحسس موضع قدمها في الخريطة التي لم تُرسم بعد. الصين تتحسس بالمبادرات والأوراق البيضاء لا بالصدام؛ وأوروبا تتحسس استقلالها الدفاعي وهي بعدُ تحت المظلة التي تتآكل؛ وروسيا اختبرت الحدود بالحديد والنار في أوكرانيا؛ وإيران تتحسس على طريقتها الخاصة، وقد بدّلت عقيدتها ذاتها في الأثناء: فبعد عقود من “الصبر الاستراتيجي” – امتصاص الضربات والاغتيالات، والرد المحسوب المتأخر عبر الأذرع، وتجنب المواجهة المباشرة مهما اشتد الاستفزاز – انتقلت إلى عقيدة الردع الشديد: الرد المباشر من أراضيها، واستهداف القواعد في الخليج والأردن، ثم تفعيل ورقة الجغرافيا القصوى بإغلاق هرمز فعلاً بعد أن ظل إغلاقه أربعين عاماً تهديداً يُلوَّح به ولا يُنفَّذ. وفي هذا الانقلاب العقدي ذاته قراءة للفراغ: فقد جرّبت طهران الصبر فرأت أنه في النظام المتآكل يُقرأ ضعفاً ويُغري بمزيد من الضربات، فاختبرت النقيض – معلنةً بذلك أن من يمسك صمام ثلث نفط العالم لن يُكتب أي نظام إقليمي جديد بإقصائه، وأن حضورها في الإقليم حقيقة تُفاوَض لا تُمحى مهما اشتدت الضربات؛ والهند تناور بين المحاور جميعاً دون ارتباط؛ وإسرائيل تمردت على كل قواعد الاشتباك القديمة ظناً منها أن الفراغ فرصتها لإعادة صياغة الإقليم بالقوة العارية؛ ودول الخليج تعيد التموضع بين واشنطن وبكين وتشتري الوقت بالاستثمار في الجميع. هذه كلها أعراض حالة واحدة: الجميع أدرك أن قواعد ما بعد 1945 لم تعد تحكم، ولا أحد يعرف بعدُ ما القواعد التي ستحكم – فصار السلوك الدولي كله اختباراً متبادلاً للحدود، ومحاولات فهمٍ وتحسسٍ لنظام يتخلّق ولم يولد.

والرباعية، في هذا المشهد، هي تمرد التحسس الخاص بإقليمنا – لكن بفارق نوعي يستحق التسجيل: فهي المرة الأولى منذ قرن التي تتحسس فيها قوى الإقليم المركزية الفراغَ لتملأه بنفسها، لا لتستدعي من يملؤه نيابة عنها. ودلالة ذلك على تقييمها مباشرة: القاتل الثالث في خلاصتنا المنهجية – البديل الأمريكي – يتفكك أمام أعيننا لأول مرة منذ 1991. فالمظلة لم تعد رخيصة (ثمنها اليوم صفقات وتنازلات وولاء معلن – وقد رأينا فاتورتها السعودية بالتريليون)، ولا مضمونة (ضربة الدوحة والصمت الأمريكي رغم أربعين ألف جندي وثماني دول مستضيفة)، ولا حتى معروضة بشروط ثابتة (منطق المقايضة الترامبي، وأوامر تنفيذية تحاكي الضمانات دون قوة المعاهدات). بل انقلبت المظلّةُ في هذه الحرب إلى مصدرِ تهديدٍ مباشر: فحين اندفعت واشنطن — منجرّةً خلف إسرائيل — إلى العدوان على إيران، انطلقت ضرباتُها من قواعدها في الخليج وبتسهيلٍ من الدول المضيفة، فغدت تلك القواعدُ — والدولُ الحاضنةُ لها — هدفاً مشروعاً في منطق الردّ الإيراني، إذ جاء الردُّ على الحلفاء في الخليج بقدر ما جاء على واشنطن؛ فحوّلت المظلّةُ مستظلّيها أنفسَهم إلى أهداف، وانقلبت الحمايةُ الموعودة تعريضاً. وحين يسقط المخرج المريح من أزمة الثقة البينية، تجد دول الإقليم نفسها أمام الخيار الذي تهربت منه ثلاثة عقود: إما بناء الثقة فيما بينها ودفع كلفته، وإما البقاء مكشوفة في عالم لم يعد فيه حامٍ يُستأجر. الرباعية، في جوهرها، هي محاولةٌ تبدو للوهلة الأولى جادّةً لاختيار الشقّ الأول، إن تعلّم الفاعلون من دروس فشل المبادرات السابقة – ولذا فإن نجاحها أو فشلها لن يقرر مصير مبادرة دبلوماسية فحسب، بل سيقرر ما إذا كان لإقليمنا مقعد على طاولة النظام القادم حين تتضح ملامحه، أم أنه سيجد القواعد الجديدة – كسابقتها – مكتوبة عنه لا به.

اختبارات المستقبل الثلاثة

الأول: اختبار المأسسة. هل تنتقل المجموعة من آلية تشاور وزارية إلى إطار له أمانة دائمة وخطط دفاعية وقيادة تنسيقية، كما دعت القاهرة؟ المؤشر العملي الذي يجب مراقبته: هل يُعقد اجتماع على مستوى وزراء الدفاع ورؤساء الأركان لا وزراء الخارجية فقط؟ وهل تتحول خطابات النوايا الثنائية (كالمصري-التركي) إلى اتفاقيات متعددة الأطراف؟ فالفارق بين المنصة والبنية يُقاس بهذه التفاصيل لا بالبيانات. ويضاف إليه مؤشر أدق كشفه هذا التحليل الرباعي: هل تبدأ المجموعة في بناء آلية تضامن مالي داخلي – على غرار ما فعلته الرياض تلقائياً في ملف الودائع الباكستانية – تُحصّن الأعضاء من الابتزاز الاقتصادي الخارجي الذي هو باب الاختراق الأول؟

الثاني: اختبار الأزمة الأولى. كل التحالفات تُختبر مرة واحدة: حين يُعتدى على عضو. ماذا لو تكررت ضربة على غرار الدوحة ضد عاصمة عضو في المجموعة؟ الرد الجماعي – ولو كان دبلوماسياً واقتصادياً منسقاً في بدايته – يؤسس المصداقية لعقود، والصمت الجماعي يقتلها إلى الأبد؛ فهذا ما قتل القيادة العربية الموحدة في يونيو/حزيران 1967 ودرع الجزيرة في أغسطس/آب 1990: كلتاهما وُجدت على الورق ساعة الاعتداء، وغابت في الميدان.

الثالث: اختبار العمق الاقتصادي. لا بنية أمنية تدوم بلا قاعدة اقتصادية تسندها – وقد رأينا كيف ظل هذا القاتل الصامت يعمل في كل التجارب: إعلان دمشق ربط الأمن بترتيبات اقتصادية لم تر النور، والحالة الكاشفة لعام 2015 لم تمتلك يوماً موازنة تشغيلية حقيقية. المؤشرات الواجب مراقبتها هنا: التصنيع الدفاعي المشترك (وصفقة “تولغا” ومصانع الذخيرة في مصر أول غيث فعلي)، وربط الممرات (السويس وهرمز وطرق التجارة البديلة)، وصناديق تمويل مشتركة للقدرات. فالتقارب السياسي بلا شبكة مصالح اقتصادية يبقى قابلاً للفك عند أول عاصفة – وقد رأينا في خريطة العلاقات أن الأدوات الاقتصادية هي بالضبط ما يستخدمه الخصوم والمنافسون للفك.

السؤال الجوهري: طفرة ظرفية أم تحول بنيوي؟

قبل الاستشراف، لا بد من حسم الإطار الحاكم للتقييم: هل الرباعية طفرة أفرزها ضغط الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وتزول بزوالها، أم تعبير عن تحول بنيوي أعمق؟ الأدلة المعروضة في هذه الورقة تُرجّح أنّ للرباعية جذوراً بنيويةً أعمق من الظرف، غير أنّ الحسم يبقى معلّقاً على سؤالٍ حذر: أتستفيد هذه البنية من دروس الماضي التي طرحتها هذه الورقة أم تُعيد إنتاجها: فمحركات المجموعة الثلاثة ليست مرتبطة بالحرب الجارية – انكشاف المشروع الإسرائيلي سابق عليها (منذ الطوفان وتصريحات “إسرائيل الكبرى” وضربة الدوحة)، واهتزاز الضمانة الأمريكية أعمق منها (وهو مرصود في أوروبا كما في الخليج، وبنص العقيدة الأمريكية ذاتها)، وعجز الثقة والإرادة البينية أقدم منهما معاً لكنه فقد للتوّ المخرجَ المريح الذي كان يعفيه من المواجهة. غير أن بنيوية الأسباب لا تضمن نجاح البناء؛ فالحاجة إلى الجسر لا تبنيه. ولهذا تظل السيناريوهات الثلاثة التالية مفتوحة، ويُحسم بينها بالاختبارات الثلاثة المعروضة أعلاه.

قراءة ختامية: ثلاثة سيناريوهات ومعيار واحد

السيناريو الأول: التبلور التدريجي (الاحتمال التقديري: نحو 35%). أن تجتاز المجموعة الاختبارات الثلاثة تدريجياً: مأسسة حذرة تحافظ على مرونة الغموض (أمانة تنسيق دائمة دون معاهدة دفاع معلنة في المرحلة الأولى)، وتنسيق دفاعي متصاعد تحت السطح (مناورات دورية، تصنيع مشترك، تكامل استخباراتي)، وشبكة مصالح اقتصادية تشد البنية وترفع كلفة الانفكاك عنها على كل عضو – مع آلية تضامن مالي تسدّ باب الابتزاز الاقتصادي. في هذا المسار، تتوسع المجموعة بحذر (قطر أولاً، ثم ربما إندونيسيا وماليزيا وأذربيجان لاحقاً) دون أن تفقد تماسك نواتها. عندها نكون أمام أول نظام أمني إقليمي في التاريخ الحديث يولد من داخل المنطقة ويعيش – والأثر التراكمي لذلك على موقع الأمة في النظام الدولي الجديد يتجاوز أي مكسب ظرفي.

السيناريو الثاني: التبخر (الاحتمال التقديري: نحو 25%). أن تنتهي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بتسوية ترفع الضغط الذي جمع الأطراف، فتستيقظ الخلافات البينية النائمة التي رسمنا خريطتها: يعود التنافس السعودي-التركي على الزعامة، وتُغري واشنطن الرياض بصفقة أمنية-تطبيعية محسّنة تعيد إنتاج مسار ما قبل الطوفان – والبنية التحتية لهذا الإغراء قائمة أصلاً في اتفاقية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – وتنكفئ مصر إلى همومها الاقتصادية تحت سقفها الإماراتي، فتذوي المجموعة كما ذوى إعلان دمشق – الذي يظل السابقة الأكثر شبهاً بها والأكثر إنذاراً لها: فهو أيضاً وُلد من صدمة كبرى، وضم قدرات حقيقية، ومات في أشهر حين عرض الأمريكي بديله ولم تصمد الثقة البينية. مؤشرات هذا المسار: تباعد مواعيد الاجتماعات، وعودة لغة المحاور القديمة إلى الإعلام الموجه، وصفقات ثنائية منفردة مع واشنطن تلتف على الإطار الجماعي.

السيناريو الثالث: التفريغ بالاحتواء (الاحتمال التقديري: نحو 40% – الأرجح). أن تدرك واشنطن – أو إسرائيل، أو أبوظبي، فمصالح الثلاثة تلتقي هنا وإن اختلفت الأدوات – خطورة البنية الناشئة فتعمل على تفكيكها من الداخل لا مواجهتها من الخارج: بإغراء بعض الأعضاء أو تثبيطهم أو الضغط عليهم بصفقات ثنائية (أمنية أو اقتصادية أو تطبيعية) تعيد إنتاج منطق الإلحاق الذي كشفه الطوفان، أو بتوظيف أدوات الارتهان القائمة – سقف رأس الحكمة والغاز الإسرائيلي والإرث السياسي على مصر، وورقة الودائع على باكستان، وفاتورة التريليون على الرياض – أو باشتراط أن يجري أي تنسيق إقليمي “تحت سقف” ترتيبات أمريكية أوسع تُفقده استقلالية القرار التي هي علة وجوده أصلاً. النتيجة: مجموعة تبقى قائمة بالاسم، تجتمع وتصدر بيانات، لكنها مفرّغة من وظيفتها – على النحو الذي انتهى إليه إعلانُ 2015 الكاشف تماماً. وهذا السيناريو هو الأرجح إذا نجح أعضاء المجموعة في كل شيء إلا في الاختبار الاقتصادي؛ فالحاجة المالية هي الباب الذي يدخل منه الاحتواء عادة – وقد أظهر هذا التحليل أن كل التهديدات الخارجية تقريباً تستهدف هذا الباب بعينه.

السيناريوالوزن التقديريالمحرك الحاسمالمؤشرات المبكرةالسابقة التاريخية الأقرب
التبلور التدريجينحو 35%اجتياز اختباري المأسسة والاقتصاداجتماعات وزراء دفاع؛ اتفاقيات متعددة الأطراف؛ تصنيع مشترك؛ آلية تضامن ماليلا سابقة – مسار غير مجرَّب
التبخرنحو 25%تسوية ترفع الضغط وتوقظ الخلافاتتباعد الاجتماعات؛ صفقات ثنائية منفردة مع واشنطنإعلان دمشق 1991
التفريغ بالاحتواء (الأرجح)نحو 40%الحاجة المالية كمدخل لإعادة الإلحاقاشتراط “السقف الأمريكي” لأي تنسيق؛ توظيف أدوات الارتهان الإماراتية؛ إغراءات تطبيعية انتقائيةإعلان 2015 (الحالة الكاشفة)

والمعيار الذي سيحسم بين السيناريوهات جميعاً ليس عدد الاجتماعات ولا حرارة البيانات، بل سؤال واحد سيجيب عنه العقد القادم: هل تنتقل الأمة من “ساحة” تُدار عليها توازنات الآخرين – وهو موقعها منذ قرن كامل – إلى “فاعل” يدير توازناته بنفسه؟

دروس الماضي وشروط النجاح: توصيات للأطراف

إذا كان لسجل الإخفاقات الممتد من 1950 أن ينفع بشيء، فهو أن يتحول من مقبرة إلى معلّم. وهذه خمس توصيات تستخرج شروط النجاح مباشرة من أسباب الموت الموثقة في هذه الورقة:

أولاً: حصّنوا الباب الاقتصادي قبل أي باب آخر. كل التهديدات المرصودة في التحليل الرباعي تدخل من ثغرة واحدة: الارتهان المالي. والعلاج المستخلص من واقعة الودائع الباكستانية جاهز نموذجاً: آلية تضامن مالي داخلية – صندوق استقرار مشترك أو ترتيبات ودائع متبادلة – تجعل ابتزاز أي عضو اقتصادياً عديم الجدوى، لأن المجموعة تسدّ الثغرة قبل أن يتسع الطلب. فالذي حمى باكستان في أبريل/نيسان 2026 يجب أن يتحول من مبادرة سعودية ظرفية إلى قاعدة مؤسسية دائمة.

ثانياً: ابنوا المصالح قبل المواثيق. درس إعلان دمشق أن الميثاق الذي لا تسنده مصالح راسخة يتبخر في أسابيع، ودرس معاهدة 1950 أن أحكم النصوص تنام 75 عاماً بلا إرادة. فليكن التصنيع الدفاعي المشترك – على نسق مصانع الذخيرة المصرية-التركية – والربط الاقتصادي للممرات هو جسد التحالف، وتأتي النصوص لاحقاً لتوثيق ما قام فعلاً، لا لتعويض ما لم يقم.

ثالثاً: درّجوا المأسسة ولا تستعجلوا الإشهار. درس الإعلان الكاشف لعام 2015 أن الإعلان الفوقي الضخم بلا مضمون يولد ميتاً، ودرس الغموض الراهن أنه يحمي التوازنات. فالمسار الأمثل: اجتماع وزراء دفاع ورؤساء أركان أولاً، فأمانة تنسيق دائمة، فبروتوكولات قطاعية (بحرية، دفاع جوي، صناعات) – وتأجيل سؤال “معاهدة الدفاع المشترك” إلى أن تفرضه الوقائع لا البيانات.

رابعاً: أداروا خلافاتكم الثنائية بآلية دائمة لا بالمجاملة. خريطة العلاقات أظهرت أن خمس ثنائيات من ست تحمل ذاكرة توتر قابلة للإيقاظ، وأن خصوم المسار سيعزفون عليها. المطلوب آلية تشاور ثنائية-جماعية دورية تُدار فيها الملفات الحساسة (شرق المتوسط، سوريا، أنماط العلاقة مع واشنطن وأبوظبي وتل أبيب) قبل أن تتحول إلى أزمات – فالتحالفات لا تقتلها الخلافات، بل تقتلها الخلافات التي تُترك بلا إدارة.

خامساً: جهّزوا جواب الأزمة الأولى قبل وقوعها. درس 1967 و1990 أن الغياب ساعة الاعتداء يقتل المصداقية إلى الأبد. لا يلزم إعلان التزام دفاع مشترك اليوم؛ يلزم التوافق سراً على سلّم رد جماعي متدرج – دبلوماسي فاقتصادي فأمني – يُفعَّل تلقائياً إذا ضُربت عاصمة عضو، بحيث لا تجد المجموعة نفسها، حين يقع المحظور، تبحث عن موقف تحت النار.

الموقف الميداني حتى الإنتهاء من الورقة (30 يوليو/تموز 2026)

لأن الأحداث تتسارع، يلزم تثبيت الموقف الميداني الذي كُتبت هذه الورقة في ظله. فمذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية الموقعة في يونيو/حزيران انهارت عملياً خلال يوليو/تموز: بدأ الانهيار بالضربات الأمريكية فجر 8 يوليو/تموز أثناء قمة الناتو، ثم أخطر الرئيس ترامب الكونغرس في 13 يوليو/تموز باستئناف العمل العسكري “المحدود” ضد إيران، وأعادت القيادة المركزية فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية فقفزت أسعار النفط أكثر من 9%؛ وردّت طهران باستهداف حلفاء واشنطن الإقليميين مباشرة – قاعدة العديري وعلي السالم في الكويت، وقاعدة الأمير حسن في الأردن (بمقتل جنديين أمريكيين)، وأصول أمريكية في البحرين وعُمان – في موجات متعاقبة امتدت حتى نهاية يوليو/تموز؛ وتجدد التبادل السعودي-الحوثي منهياً هدنة الأمر الواقع في اليمن. وفي قلب هذا كله دُفن المرشد علي خامنئي في مشهد (10 يوليو/تموز) بعد مقتله في الضربات الافتتاحية للحرب (28 فبراير/شباط 2026)، وخلفه ابنه مجتبى الذي لم يظهر علناً بعد – أي أن إيران تخوض هذه الجولة بقيادة انتقالية لم تتشكل صورتها بعد. وفي 29 يوليو/تموز – أي عشية إقفال هذه الورقة مباشرة – اتسعت رقعة الاستهداف إلى عمق الأراضي المصرية بضربة مسيّرة استهدفت منشأة أمريكية لتخزين الغاز في ميناء دمياط، في مؤشر على أن أحداً في الإقليم لم يعد بمنأى عن تداعيات الحرب مهما بعدت جغرافيته عن ساحاتها المباشرة. واللافت للرباعية تحديداً: أن الوساطة الجارية خلف الكواليس لإعادة واشنطن وطهران إلى الطاولة تقودها باكستان – العضو في المجموعة – إلى جانب قطر التي ليست عضواً فيها لكنها الأقرب دوراناً في مدارها؛ وهو ما يعني أن الوظيفة الوسيطة التي حللناها في بنية الرباعية لم تعد إمكاناً نظرياً، بل ممارسة ميدانية جارية. وهذا الموقف المتقلب لا يغيّر أحكام الورقة، بل يشدّدها: فاستمرار الحرب يُبقي الضغط الجامع للرباعية قائماً (لصالح التبلور)، وأي تسوية مقبلة ستفتح فوراً باب الإغراءات الثنائية (لصالح التبخر أو الاحتواء) – أي أن السيناريوهات الثلاثة معلقة اليوم على مسار المفاوضات ذاته الذي تتوسط فيه باكستان.

التساؤل الأخير: هل توحّدهم الأزمة أم تكبّلهم الأجندات؟

يبقى بعد ذلك كله سؤال معلق لا تملك هذه الورقة – ولا غيرها – حسمه اليوم، لأنه سؤال إرادات لا معطيات: هل يستطيع الأربعة إكمال ما بدؤوه رغم الاختلافات الجذرية التي وثّقناها – في العلاقة مع واشنطن، وفي سؤال إسرائيل، وفي درجة الاستقلال المالي، وفي الذاكرة الثنائية المثقلة؟ التاريخ القريب يقدم الجوابين معاً: فالأزمة الوجودية توحّد أحياناً (كما وحّدت أوروبا الممزقة بعد 1945)، والالتزامات المتقاطعة تكبّل أحياناً (كما كبّلت كل محاولات هذا الإقليم من قبل). والذي سيرجّح إحدى الكفتين ليس صدق النوايا – فالنوايا في لحظات الخطر صادقة عادة – بل قدرة الأطراف على فك الارتباط التدريجي بالأجندات التي تسحبها في اتجاهات متعاكسة: أجندة واشنطن التي تريدهم زبائن حماية لا شركاء نظام، وأجندة أبو ظبي المتحالفة مع إسرائيل والتي تريد مساراً إقليمياً لا يمر إلا من بوابتها، وأجندة تل أبيب التي صنّفت مشروعهم خطراً وجودياً وستعمل بمقتضى هذا التصنيف. فإن استطاعوا تحويل ضغط الأزمة إلى مؤسسات ومصالح قبل أن ترتخي الأزمة، نجوا من مصير أسلافهم؛ وإن راهنوا على بقاء الضغط وحده جامعاً، فقد راهن قبلهم إعلان دمشق على الرهان ذاته وخسر.

والوعي الاستراتيجي الحقيقي هو الذي يقرأ الانكشافات الثلاثة التي وثّقتها هذه الورقة – انكشاف المشروع الإسرائيلي، وانكشاف هشاشة المظلات المستعارة، وانكشاف قدوم الفراغ الأمريكي لا محالة – كفرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً، وأيضاً كمسؤولية لا تحتمل الارتجال، فالفرص التي تولد من الأزمات تموت بالتردد أو بالاستعجال على السواء.

استدراكٌ ما بعد النسخة الأولية — اتفاقية مكة: ولماذا غابت مصر؟

بعد الفراغ من النسخة الأولية لهذه الدراسة (30 يوليو/تموز 2026) وأثناء تداولها في مرحلة المراجعة، شهد الإقليم تطوّراً كبيراً يستدعي الاستدراك. ففي 7 أغسطس/آب 2026 أُعلن في مكة المكرمة (قصر الصفا) عن «اتفاقية الدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، وقّعها وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف. وبندُها الجوهري صريح: «أيّ هجوم مسلّح على واحدةٍ من الدول الثلاث يُعدّ هجوماً عليها جميعاً» — صيغةٌ تكافئ في جوهرها المادة الخامسة الأطلسية. وبحسب تغطية «فايننشال تايمز» والجزيرة وبلومبرغ، فالاتفاقية امتدادٌ لاتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني (سبتمبر 2025) الذي نُشرت بموجبه مقاتلاتٌ باكستانية ومنظومةُ دفاعٍ جوي صينية (HQ-9) في قاعدةٍ سعودية، وقد سرّعها التصعيد السعودي-الحوثي، ووُصفت رسمياً بأنها «دفاعية بحتة» و«مفتوحة لانضمام دولٍ أخرى»، ضمن تأطيرٍ معلن مفادُه أن «الردع الأمريكي تراجع» وأن «واشنطن لا تستطيع القيام بالمهمة وحدها»[76].

وأوّل ما يلفت النظر أن هذا الإعلان يؤكد على الأطروحة المركزية لهذه الدراسة نصّاً يكاد يكون حرفياً: بنيةٌ أمنية «جديدة» تُبنى من داخل الإقليم، بلغة «الردع الجماعي» و«الاعتماد على الذات»، على أنقاض «الأمن المستعار» الذي فصّلناه. بل إن تكامل القدرات الذي وصفناه — المالُ السعودي، والصناعةُ الدفاعية والخبرة التركية والباكستانية، والردعُ النووي الباكستاني — هو بعينه ما تقوم عليه الاتفاقية؛ حتى إن ما رصدناه من مقدّماتٍ ثنائية (اتفاق سبتمبر 2025، ونشر منظومة الدفاع الجوي، ومباحثات أنقرة حول «هندسة أمنية إقليمية جديدة») ظهر أثرُه في هذا الإعلان[77].

غير أن الدلالة الأعمق تكمن في غياب مصر عن هذه الاتفاقية الملزمة. فالمجموعة التي حلّلناها رباعيةً (بمصر) وُلد التزامُها الدفاعي المعلن ثلاثياً (بلا مصر) — وهو أوضحُ تأكيدٍ ممكن لأخطرِ ما رجّحته هذه الدراسة: أنّ مصر، أثقلَ الأعضاء عسكرياً وأضيقَهم هامشاً سياسياً بحكم ارتهانها الاقتصادي المركّب (الرافعة الإماراتية، والغاز الإسرائيلي، والديون)، هي المدخلُ الذي يمرّ منه الاحتواء. ومن هنا يفرض بندُ تقييم المستجدّات سؤالَه: هل نحن أمام نواةٍ ستتوسّع فتنضمّ إليها أطرافٌ أخرى — بما فيهم مصر لاحقاً — في مسار «التبلور التدريجي»؟ أم أمام بدايةِ تفريغٍ للمبادرة الرباعية الأوسع عبر إخراج مصر وتحييد ثقلها، بما يُبقي التكتّل في حدودٍ لا تبلغ الكتلةَ التي كانت ستُقلق خصومَه — وهو جوهرُ سيناريو «التفريغ بالاحتواء» الذي رجّحته الورقة؟

وترجّح هذه القراءة الاحتمالَ الثاني في المدى المنظور، لأسبابٍ مبثوثةٍ في متن الدراسة: أوّلاً، أدواتُ الارتهان المصري التي وثّقناها لم تتغيّر، بل ما زالت الرافعةُ الإماراتية-الإسرائيلية قائمةً على القرار المصري؛ ثانياً، الظلّ الإماراتي — الغائبُ الحاضر — يجد في إبقاء مصر خارج أيّ التزامٍ ملزم تحقيقاً مباشراً لمصلحته في ألّا يتشكّل تكتّلٌ عربي-إسلامي وازنٌ خارج بوّابته؛ ثالثاً، بقاءُ الاتفاقية «مفتوحةً» و«غير موجَّهة ضد أحد» يتيح احتواءها ضمن السقف الأمريكي الأوسع الذي يفضّل أن تتحمّل دولُ المنطقة عبء أمنها دون أن تتجاوزه. على أن الأمانة التحليلية تقتضي التنبيه إلى أن هذا الترجيح ليس حتماً: فاتساعُ الاتفاقية لعضوٍ عربي مركزي، أو تحوّلُها إلى مأسسةٍ دائمة باجتماعات دفاعٍ وتصنيعٍ مشترك، ينقلها من التفريغ إلى التبلور.

وهذا لا يُنكر إيجاباتٍ ممكنةً للتحالف الثلاثي: فهو خطوةٌ جادّة وإن كانت غير كافية نحو الاعتماد الذاتي، ويجمع قدراتٍ حقيقية متكاملة، ويرفع كلفةَ العدوان على أعضائه بصيغة ردعٍ معلن. لكنّه — بمعيار هذه الدراسة — لا يُنشئ بعدُ منظومةً أمنية للإقليم بمعناها الكامل، ما دام الثقلان العربيان الأكبر خارجه: مصرُ بجيشها وجغرافيتها، والإماراتُ بثقلها المالي وشبكة نفوذها. والأخطر أن هذين الغائبَين ليسا محايدَين ولا منفصلَين: فبين القاهرة وأبو ظبي علاقةٌ عضوية متشابكة (استثماراتٌ ضخمة، ورافعةُ إنقاذٍ مالي، ومواقفُ متقاربة)، والإماراتُ بدورها ملتصقةٌ ببنية المصالح الإسرائيلية التصاقاً معلناً؛ فيصبح بقاؤهما خارج الإطار — مجتمعَين — عاملَ تعطيلٍ بنيوي لا مجرّد نقصٍ في العضوية، إذ يظلّ أثقلُ جيشٍ عربي مقيّداً بسقفٍ تُمسك بأطرافه تل أبيب. وحتى تُفكّ هذه العقدة، يبقى التحالف الثلاثي نواةً تنتظر الاختبار: أتتحوّل مثل سابقاتها فتُصيبها الشكلانية، أم تتطوّر وتصمد؟ لكنها في كلّ الأحوال ليست منظومةً إقليمية جامعة.

ويبقى استدراكٌ على الدراسة نفسها تقتضيه النزاهة: فقد قدّرت في متنها (30 يوليو) أن «الغموض البنيوي» — بلا ميثاقٍ ولا التزام دفاعٍ معلن — سمةٌ باقية في المدى المنظور، وأن نشوء التزامٍ جماعي معلن «مستبعدٌ في المدى القريب». وقد أثبت إعلانُ مكة أنّ هذا الالتزام المعلن أمكن أن يولد أسرعَ مما رُجّح — لكن على المسار الثلاثي الضيق لا الرباعي، ومع إبقاء بابٍ من الغموض المقصود («مفتوحة للانضمام»، «غير موجَّهة ضد أحد»). أي أن الغموض انكسر جزئياً على ثلاثة أضلاع، وبقي قائماً على الضلع الرابع (مصر) الذي هو مربطُ التقييم. وبهذا يبقى جوهرُ أطروحة الدراسة قائماً، ويتأكّد سؤالُها المعلّق بصيغةٍ أحدّ: أهو تأسيسٌ ينجو من دروس الماضي، أم تفريغٌ يعيد إنتاجها؟ والاختبارُ الأول — كما رجّحت تقديراتٌ دولية — سيكون في مدى إسهام هذا التكتّل في بلوغ نتيجةٍ مستقرة للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وبناءً على تحليل هذا المستجدّ، فإنّ المبادرة تبدو أنها تسير — حتى لحظة إقفال هذا الاستدراك — في مسار «التفريغ بالاحتواء»، وهو المسارُ ذاته الذي رجّحته الورقة قبل هذه الأحداث المستجدّة.

الهوامش والمصادر

[1] مقابلة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع صحيفة The National الإماراتية، برنامج “On the Record”، 10 يوليو 2026، عقب قمة الناتو في أنقرة؛ ونقلتها أيضاً وكالة سانا، 10 يوليو 2026.

[2] نص “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية”، الموقعة بالقاهرة في 17 يونيو 1950 بين مصر وسوريا والعراق والسعودية والأردن ولبنان واليمن؛ الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

[3] المادة الثانية: الدفاع الجماعي واستخدام القوة المسلحة؛ والمواد المنشئة لمجلس الدفاع المشترك واللجنة العسكرية الدائمة والمجلس الاقتصادي؛ ومقارنة نصية بالمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي (4 أبريل 1949).

[4] مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت)، “نحو تفعيل وتطوير اتفاقية الدفاع العربي المشترك ومشروع تأسيس قوة عربية مشتركة”، مجلة المستقبل العربي؛ واللواء د. طلعت أحمد مسلم، “معاهدة الدفاع العربي المشترك: مراجعة تاريخية نقدية وتقييم لعناصر القوة والضعف ومقترحات التفعيل”، مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.

[5] نص “ميثاق التعاون المتبادل” (حلف بغداد)، بغداد، 24 فبراير 1955، بين العراق وتركيا، وانضمام بريطانيا (أبريل) وباكستان (سبتمبر) وإيران (نوفمبر) 1955؛ أرشيف مشروع أفالون، كلية الحقوق بجامعة ييل؛ ووثائق مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية حول الحلف المركزي (CENTO) وانسحاب العراق في مارس 1959 وحل الحلف عام 1979.

[6] وثائق الأرشيف البريطاني حول مهمة الجنرال السير جيرالد تمبلر إلى الأردن، ديسمبر 1955، ومحاولة ضم الأردن إلى حلف بغداد وسقوط حكومتي سعيد المفتي وإبراهيم هاشم إثر الاضطرابات الشعبية؛ صحيفة التايمز البريطانية، ديسمبر 1955.

[7] قرارات مؤتمر القمة العربي الأول، القاهرة، 13-17 يناير 1964، جامعة الدول العربية – إنشاء القيادة العربية الموحدة برئاسة الفريق أول علي علي عامر؛ ووثائق الجامعة حول تعثر تمركز قوات القيادة في دول الطوق وتمويلها.

[8] تحليل مقارن لأنماط الخشية من “النفوذ العربي الداخلي” في القيادة العربية الموحدة 1964 وإعلان دمشق 1991؛ مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، “Today’s Middle East: Lessons Learned from Past Attempts at Collective Security”، مارس 2025.

[9] “اتفاقية الدفاع المشترك” بين مصر والأردن، القاهرة، 30 مايو 1967، بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين بن طلال؛ وثائق جامعة الدول العربية وتغطية وكالة الأنباء المصرية لتوقيعها؛ Britannica، “Six-Day War”؛ و History.com، “Six-Day War ends”.

[10] وثائق مجلس التعاون لدول الخليج العربية حول إنشاء قوات درع الجزيرة المشتركة، 1982، الأمانة العامة لمجلس التعاون، الرياض؛ ومقرها في حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية.

[11] الكتاب الأزرق الدبلوماسي لوزارة الخارجية اليابانية، 1991، القسم السادس (الشرق الأوسط): “الدفاع بواسطة قوات درع الجزيرة وحدها لم يعمل فعلياً” أمام الاجتياح العراقي المباغت.

[12] Paul Iddon، “Regional Powers Cannot Substitute U.S. For Gulf’s Defense Against Iran”، مجلة فوربس، 23 مايو 2026: مشاركة نحو 38 ألف جندي مصري وعشرات الآلاف من الجنود السوريين في حرب تحرير الكويت.

[13] نص “إعلان دمشق للتنسيق والتعاون بين الدول العربية”، دمشق، 5-6 مارس 1991؛ الوثيقة الأممية A/46/251 المحالة من المندوب الدائم لسوريا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، 20 مارس 1991، المكتبة الرقمية للأمم المتحدة.

[14] Paul Iddon، المرجع السابق: تقليص القوة المخططة من نحو 100 ألف إلى 3-5 آلاف “رمزية”؛ مغادرة القوات المصرية والسورية بحلول صيف 1991؛ وتوقيع اتفاقيات الدفاع الثنائية مع واشنطن (الكويت سبتمبر 1991، البحرين أكتوبر 1991، قطر يونيو 1992).

[15] كريستيان ساينس مونيتور، “Egyptians Exert Leverage on Gulf Security Issues”، القاهرة، 24 مايو 1991: إعلان مبارك سحب القوات المصرية البالغة 38 ألف جندي، والاستياء المصري من “الغدر” الخليجي، وتصريح د. علي الدين هلال دسوقي.

[16] مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، “Today’s Middle East: Lessons Learned from Past Attempts at Collective Security”، مارس 2025: فشل إعلان دمشق بوصفه تعبيراً مباشراً عن أن ترتيبات الأمن الجماعي الإقليمية لا تنجح إذا رفضتها القوة العظمى أو لم تحظَ بتفضيلها.

[17] بيان وكالة الأنباء السعودية (واس) حول إعلان التحالف الإسلامي العسكري، الرياض، 15 ديسمبر 2015؛ وتغطيات وكالات الأنباء الدولية لمفاجأة دول أُدرجت في القائمة (باكستان، إندونيسيا، ماليزيا، لبنان)؛ ومناقشات مجلس الشيوخ الباكستاني الموثقة في تغطية صوت أمريكا (VOA)، 25 نوفمبر 2017.

[18] بروس ريدل، “A Pakistani general steps into the middle of the Iran-Saudi firestorm”، معهد بروكنغز، 2017: “يُفترض أنه تحالف لمكافحة الإرهاب، لكن غرضه الحقيقي هو مواجهة إيران”.

[19] مركز الجزيرة للدراسات، “Pakistan and the Saudi-led anti-terror coalition”، 17 مايو 2017: المجالات الأربعة للتحالف (الفكر، الإعلام، تمويل الإرهاب، بناء القدرات) وغياب التفاصيل العملياتية منذ التأسيس.

[20] صوت أمريكا (VOA)، “Former Pakistan Army Chief Set to Take Command of ‘Muslim NATO'”، 28 مارس 2017، وتغطية تنصيب الجنرال راحيل شريف قائداً أول للتحالف، نوفمبر 2017.

[21] رويترز، “Egypt withdraws from U.S.-led anti-Iran security initiative”، أبريل 2019؛ وتغطيات واشنطن بوست لمشروع تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي (MESA) 2017-2019؛ وتغطية حصار قطر (5 يونيو 2017 – مصالحة العلا 5 يناير 2021)، رويترز والجزيرة.

[22] لقاء “كوينسي”: مذكرة المحادثة الرسمية بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز، 14 فبراير 1945، في: Foreign Relations of the United States (FRUS), 1945, Vol. VIII: The Near East and Africa، مكتب المؤرخ، وزارة الخارجية الأمريكية (متاح كاملاً بنص قابل للبحث على history.state.gov/historicaldocuments)؛ وشهادة المترجم العقيد وليام إيدي، FDR Meets Ibn Saud (نيويورك، 1954) (متاح كاملاً على أرشيف الإنترنت archive.org). ورسالة الرئيس هاري ترومان إلى الملك عبد العزيز آل سعود، 31 أكتوبر 1950، FRUS 1950, Vol. V: The Near East, South Asia, and Africa – نص التعهد بصون استقلال المملكة وسلامة أراضيها (متاح على history.state.gov).

[23] اتفاق “مناصفة الأرباح” (50/50) بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو، الموقع في 30 ديسمبر 1950، وإعادة هيكلته للعلاقة المالية للامتياز الممنوح منذ 1933؛ وثائق FRUS 1950, Vol. V (متاحة على history.state.gov)، والمراسلات المصاحبة بين وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين حول الترتيب الضريبي المواكب؛ وأدبيات تاريخ أرامكو القياسية.

[24] قوة الشرق الأوسط (MIDEASTFOR) 1949 وتمركزها في منشأة الجفير: سجلات قيادة التاريخ والتراث البحري الأمريكية (history.navy.mil)؛ والاتفاقية التنفيذية الأمريكية-البحرينية لاستخدام منشآت الجفير، 23 ديسمبر 1971 (سلسلة المعاهدات والاتفاقات الدولية الأمريكية TIAS)، وجلسات استماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ حولها، 1972 (منشورة رقمياً على HathiTrust)؛ وإعلان رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون أمام مجلس العموم الانسحاب من “شرق السويس”، 16 يناير 1968 (سجل هانسارد الرقمي hansard.parliament.uk).

[25] مبدأ كارتر: خطاب حالة الاتحاد، 23 يناير 1980، الأوراق العامة لرؤساء الولايات المتحدة (Public Papers of the Presidents)، مكتبة كارتر الرئاسية (النص الحرفي الكامل على presidency.ucsb.edu وjimmycarterlibrary.gov). وتحول قوة الانتشار السريع المشتركة (RDJTF، مارس 1980) إلى القيادة المركزية الأمريكية، 1 يناير 1983: التاريخ الرسمي المنشور للقيادة المركزية (centcom.mil).

[26] اتفاقيات التعاون الدفاعي الثنائية بعد تحرير الكويت: الأمريكية-الكويتية (19 سبتمبر 1991)، والأمريكية-البحرينية (أكتوبر 1991)، والأمريكية-القطرية (23 يونيو 1992)، والأمريكية-الإماراتية (25 يوليو 1994) – موثقة تواريخها ووجودها رسمياً في تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) القطرية (متاحة للتنزيل مباشرة عبر الإنترنت على crsreports.congress.gov وأرشيفها على everycrsreport.com)، وأبرزها سلسلة تقارير كينيث كاتزمان عن الكويت والبحرين وقطر والإمارات، مع التنبيه إلى أن نصوص بعضها ظلت غير منشورة بطلب الأطراف.

[27] إعادة تفعيل الأسطول الخامس بمقر المنامة، 1 يوليو 1995: السجلات الرسمية للبحرية الأمريكية وقيادة القوات البحرية للقيادة المركزية (navy.mil وcusnc.navy.mil). وبناء قاعدة العديد اعتباراً من 1996 بتمويل قطري بموجب اتفاقية 1992، ونقل مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) إليها من قاعدة الأمير سلطان مع سحب القوات الأمريكية من السعودية: إعلانات وزارة الدفاع الأمريكية، أبريل-أغسطس 2003، وتقارير CRS عن قطر.

[28] أرقام الانتشار الراهن: Middle East Eye، “What military assets does the US have in the Middle East?”، فبراير 2026 (البحرين 9,000، العديد نحو 10,000)؛ وResponsible Statecraft، أبريل 2026 (الكويت نحو 13,500 وأكبر عدد قواعد)؛ وLegalClarity، “US Middle East Bases”، يونيو 2026 (تجاوز الإجمالي 50 ألفاً بعد اندلاع الحرب)؛ واتفاقية التسهيلات العُمانية-الأمريكية، 4 يونيو 1980، وقاعدتا ثمريت والدقم.

[29] تصنيفات “الحليف الرئيسي من خارج الناتو”: البحرين (2002)، الكويت (2004)، قطر (2022)، السعودية (نوفمبر 2025)؛ و”اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشاملة” الأمريكية-البحرينية (C-SIPA)، 13 سبتمبر 2023؛ والأمر التنفيذي الرئاسي الأمريكي بضمان أمن قطر، أكتوبر 2025، عقب الضربة الإسرائيلية على الدوحة؛ وثائق وزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض.

[30] CNN، “US resumes strikes while Iran says it struck two tankers in Strait of Hormuz”، 13 يوليو 2026؛ وCNN، “لماذا تُكثّف إيران هجماتها ضد الكويت والبحرين والأردن؟”، 20 يوليو 2026: استهداف قاعدة العديري وعلي السالم الكويتيتين وقاعدة الأمير حسن الجوية بالأردن (مقتل جنديين أمريكيين)، وأصول في البحرين وعُمان؛ ووكالة شينخوا، 13 و21 يوليو 2026: تفاصيل الضربات الانتقامية الإيرانية المتعاقبة؛ وبيان القيادة العامة لقوة دفاع البحرين حول التصدي للهجمات وإعلان وزارة الداخلية البحرينية إطلاق صافرات الإنذار (الجزيرة نت، 13 يوليو 2026)؛ واعتراض الدفاعات الجوية الأردنية صواريخ إيرانية (وكالة بترا، 13-14 يوليو 2026)؛ وCNN، 20 يوليو 2026: استهداف بنى تحتية مدنية بينها منشآت تحلية المياه في الكويت وأنظمة الملاحة الجوية في البحرين؛ وبوليتيكو حول اشتراط بريطانيا وقف إطلاق النار للمشاركة في التحالف الأمريكي المقترح لتأمين مضيق هرمز، يوليو 2026.

[31] نورمان فنكلستين، الذي وصف قطاع غزة المحاصر بأنه “معسكر اعتقال في الهواء الطلق” (open-air concentration camp)؛ انظر مؤلفه Gaza: An Inquest into Its Martyrdom (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2018) ومحاضراته وحواراته المتلفزة المنشورة قبل أكتوبر 2023 وبعده.

[32] خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية أمام الدورة 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، نيويورك، 22 سبتمبر 2023، وعرضه خريطة “الشرق الأوسط الجديد” الخالية من الضفة الغربية وقطاع غزة والشاملة لمحور أخضر يضم مصر والسودان والإمارات والسعودية والبحرين والأردن بوصفه “جسراً برياً يربط آسيا بأوروبا”؛ سجل الأمم المتحدة الرسمي للخطاب (UN Web TV)؛ وتغطيات المدن (“نتنياهو يعرض خريطة شرق أوسط جديد أمام الأمم المتحدة”، 23 سبتمبر 2023) والشرق الأوسط وعربي21.

[33] مذكرة التفاهم الخاصة بـ”الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” (IMEC)، الموقعة على هامش قمة مجموعة العشرين، نيودلهي، 9 سبتمبر 2023، بين الهند والإمارات والسعودية والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة – بمسار يعبر إلى موانئ إسرائيل (حيفا) متجاوزاً قناة السويس وتركيا؛ البيان الرسمي للبيت الأبيض، 9 سبتمبر 2023.

[34] تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش: مقابلة 2016 حول امتداد حدود إسرائيل “لتشمل دمشق” وأراضي ست دول عربية؛ وخطاب باريس 19 مارس 2023 أمام خريطة تضم الأردن إلى “أرض إسرائيل”؛ وتصريحه اللاحق بأن “قدر القدس أن تمتد إلى دمشق”؛ الجزيرة نت، “خريطة تهدد أراضي 8 دول عربية.. مشروع توراتي”، 14-15 أغسطس 2025؛ وتصويت الكنيست يوليو 2025 على قرار دعم ضم الضفة الغربية؛ وبتسلئيل سموتريتش، “خطة الحسم” (تكنيت هَهَخرَعة)، مجلة هشيلوَح العبرية، 2017 – البرنامج المكتوب المعلن قبل الطوفان بست سنوات.

[35] لقطات وثائقية غير منشورة حصلت عليها صحيفة وول ستريت جورنال ونُشرت تقاريرها في 26-27 يوليو 2026، عقب وفاة السيناتور ليندسي غراهام (11 يوليو 2026): تخطيطه للسفر إلى فلوريدا في مارس لإقناع ترامب بضرب حزب الله، واتصال نتنياهو الذي أثناه بوصف الخطوة “تجاوزاً للحدود وأسرع من اللازم”؛ نقلاً عن الأصل لدى الجزيرة نت (“وثائقي يكشف هوس ليندسي غراهام بإسقاط النظام الإيراني”، 26 يوليو 2026) والترا صوت والقدس.

[36] منشور السيناتور ليندسي غراهام على منصة إكس، مايو 2026: مطالبة السعودية وقطر وباكستان بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام والتلويح بـ”تداعيات خطيرة” على العلاقات المستقبلية إن رفضت؛ المنشور الأصلي على حسابه الرسمي، والتغطيات العربية له، مايو 2026.

[37] مجلة “إيبوك” العبرية، تقرير يوني بن مناحم (المدير العام الأسبق لهيئة البث الإسرائيلية) حول خطورة التحالف المصري-التركي مقارنة بـ”المحور الإيراني”، المصدر الأصلي بالعبرية، نقلاً عنه لدى RT عربي والنيلين، يوليو 2026.

[38] فرانس 24 عربي، “مصر: طائرة مسيّرة تستهدف وحدة تخزين غاز في دمياط”، 29 يوليو 2026؛ وRT عربي نقلاً عن رويترز وشركة أمبري للأمن البحري، 29 يوليو 2026: استهداف منشأة عائمة أمريكية لتخزين الغاز الطبيعي المسال (ترفع علم جزر مارشال) بطائرة مسيّرة، واندلاع حريق دون إصابات مؤكدة.

[39] مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع شبكة فوكس نيوز، سبتمبر 2023: الاقتراب “كل يوم” من اتفاق التطبيع؛ وتغطيات المفاوضات السعودية-الأمريكية-الإسرائيلية قبيل 7 أكتوبر 2023.

[40] الضربة الإسرائيلية على الدوحة لاستهداف قيادات حماس المفاوِضة، 9 سبتمبر/أيلول 2025، أثناء انعقاد مفاوضات التهدئة ورغم استضافة قطر لأكبر قاعدة أمريكية في المنطقة (العديد) وحملها تصنيف «الحليف الرئيسي من خارج الناتو»؛ CNN, “Israel strikes Hamas leadership in Qatar in unprecedented attack”, 9–10 سبتمبر 2025؛ وThe Times of Israel، 9 سبتمبر 2025؛ ووزارة الخارجية الفرنسية، بيان 10 سبتمبر 2025.

[41] Foreign Policy، “The Middle East Has a New Saudi-Led Axis With Qatar, Turkey, Pakistan, and Egypt—but Not the UAE”، 1 يوليو 2026: ضربة الدوحة بوصفها الحدث الذي جعل دول الخليج تدرك أنها “قد تكون التالية” وقرّب الرياض وأنقرة.

[42] المرجع السابق: توصيف الهدفين المتلازمين للمجموعة – احتواء التهديد الإيراني وكبح “المغامرة العسكرية” الإسرائيلية.

[43] بيان وزارة الخارجية المصرية حول اتصالات الوزير بدر عبد العاطي مع نظرائه في قطر والإمارات والبحرين وسلطنة عُمان، 12 مارس 2026، كما نقلتها وكالة الأناضول وTRT عربي والجزيرة نت والشرق الأوسط وMiddle East Online – بما في ذلك التأكيد على رفض مصر “فرض أية ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية” من خارجها.

[44] تحليل مركز الجزيرة للدراسات حول الاجتماع الرباعي الأول في الرياض، 19 مارس 2026، ومناقشة “دمج القدرات ضمن إطار أمني مشترك”؛ كما وثّقته دراسة تحليلية موسعة لمسار الاجتماعات الأربعة (الرياض، إسلام آباد، أنطاليا، القاهرة).

[45] The Middle East Observer، “Egypt, Saudi Arabia, Turkey & Pakistan Signal Push for New Regional Security Framework”، 22 يونيو 2026 – استقبال الرئيس المصري للوزراء الأربعة ودعوته لتحويل الآلية التشاورية إلى إطار مؤسسي.

[46] Foreign Policy، المرجع السابق – انضمام قطر إلى مدار المجموعة الناشئة والتنسيق معها دون عضوية في نواتها الرباعية.

[47] حصار قطر (5 يونيو 2017 – مصالحة العلا 5 يناير 2021) والدور التركي في كسره: التصديق البرلماني التركي العاجل على نشر القوات في القاعدة التركية بقطر (7 يونيو 2017)، والجسر الجوي والبحري التركي للإمدادات؛ تغطيات رويترز والجزيرة، يونيو 2017.

[48] جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، 2 أكتوبر 2018، وإدارة أنقرة للكشف التدريجي عن تفاصيلها؛ وتقرير مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية المرفوع للكونغرس، فبراير 2021.

[49] التنسيق السعودي-التركي في الملف السوري بعد ديسمبر 2024: الدعم المشترك للحكومة السورية الجديدة، والتحرك المشترك لرفع العقوبات، والتكامل في ملفات الإعمار والطاقة؛ تشاتام هاوس، “As Iran war reshapes the Middle East, Turkey’s regional role looks set to expand”، 5 يونيو 2026؛ وتغطيات رويترز 2025.

[50] تصريح وزير المالية السعودي محمد الجدعان في منتدى دافوس، يناير 2023: تحول المملكة من “المساعدات المباشرة والودائع غير المشروطة” إلى دعم مشروط بالإصلاحات؛ تغطية رويترز والعربية، 18 يناير 2023.

[51] الاتفاقية الدفاعية السعودية-الباكستانية الموقعة في سبتمبر 2025؛ وتحليل Foreign Policy حول السلاح النووي الباكستاني كركيزة ردع للتجمع الجديد.

[52] ملف الودائع: مطالبة الإمارات باكستان بردّ ودائع 3.45 مليار دولار (المودعة منذ 2018) في أبريل 2026 وربط تقارير الطلب بـ”خلافات جيوسياسية حول تطورات إقليمية”؛ والوديعة السعودية الموازية بثلاثة مليارات دولار (شريحة أولى ملياران في 15 أبريل، وثانية مليار) التي مكّنت السداد الكامل في 24 أبريل 2026؛ الجزيرة نت، “باكستان تسدد آخر دفعة من وديعة إماراتية بـ3.45 مليار دولار”، 24 أبريل 2026؛ ويورونيوز عربي، 15 أبريل 2026؛ والشرق الأوسط، أبريل 2026؛ والبيانات الأصلية لبنك الدولة الباكستاني ووزارة المالية الباكستانية حول جدول السداد.

[53] موقف الإمارات الرسمي (النافي لدعم قوات الدعم السريع) مقابل تقارير التحقيقات الدولية: فرانس 24، تحقيق حول شحنات أسلحة عبر مطارات إماراتية إلى تشاد ونقلها إلى دارفور؛ ومنصة دراسات الأمن والسلام، “الدور الإماراتي في السودان: الأهداف-الوسائل-المستقبل”، ديسمبر 2025؛ ودعم مصر والسعودية للجيش السوداني في مواجهته مع قوات الدعم السريع.

[54] المعهد المصري للدراسات، “الدور الإماراتي في مصر: قراءة شاملة”، أبريل 2026: صفقة رأس الحكمة 35 مليار دولار (فبراير 2024)، وإجمالي الاستثمارات الإماراتية المتراكمة في مصر يتجاوز 65 مليار دولار (جريدة الدستور، تقرير خرائط الاستثمارات، 2026)؛ متاح للاطلاع عبر الإنترنت على: https://eipss-eg.org/الدور-الإماراتي-في-مصر-قراءة-شاملة-ب/

[55] عربي بوست، “خريطة الاستثمارات الإماراتية في مصر ومن يقودها”، مارس 2024، نقلاً عن بيانات البنك المركزي المصري: وصول ديون مصر للإمارات إلى 22.2 مليار دولار في 2023، والتوصيف الاقتصادي لصفقات الاستثمار بوصفها عملية إنقاذ مالي (bail out) للنظام في لحظات حرجة من أزمة الديون.

[56] اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي: تعديل اتفاقية التصدير من حقل ليفياثان، أغسطس 2025 – زيادة 130 مليار متر مكعب بإيرادات نحو 35 مليار دولار حتى 2040 (CNN بالعربية، 9-10 أغسطس 2025)؛ وموافقة الحكومة الإسرائيلية الرسمية ووصف نتنياهو لها بأنها “أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل” (العربية، 20 ديسمبر 2025)؛ ومذكرة التفاهم لاستيراد ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من حقل تمار بنحو 20 مليار دولار بمشاركة “مبادلة للطاقة” الإماراتية (11% من الحقل)، يوليو 2026 (نشرة MEES وتغطيات مصرية).

[57] عربي21، “انقلاب مصر.. ماذا قدّم لإسرائيل”، ديسمبر 2013: تقييمات إسرائيلية حول تخفيف الضغط الأمني وتجنب “تغييرات بنيوية” احترازية في حال فشل الانقلاب؛ والمعهد المصري للدراسات، “التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل بعد الانقلاب”؛ وموسوعة الجزيرة نت، “الانقلاب العسكري في مصر ضد مرسي”، وتوثيقها لموقف الإمارات المبارك للانقلاب في 3 يوليو 2013؛ متاح للاطلاع عبر الإنترنت على: https://eipss-eg.org/التنسيق-الأمني-بين-مصر-وإسرائيل-بعد-ال/

[58] تغطيات وكالات الأنباء لزيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، 14 فبراير 2024، الأولى منذ اثني عشر عاماً، وتبادل الزيارات الرئاسية بعدها.

[59] تغطية CNN بالعربية والهيئة العامة للاستعلامات المصرية لزيارة الرئيس أردوغان الثانية للقاهرة، 4 فبراير 2026: الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى وهدف رفع التبادل التجاري من 9 إلى 15 مليار دولار؛ وموقع الدفاع العربي، “التقارب الدفاعي بين مصر وتركيا.. هل يولد محوراً إقليمياً جديداً؟”، 16 يوليو 2026: الصفقة الدفاعية بقيمة نحو 350 مليون دولار (منظومة “تولغا” للدفاع الجوي ومصانع ذخائر المدفعية 155 ملم والأسلحة الخفيفة داخل مصر).

[60] Defense Arabia، “من العقاب الذهبي إلى نسر الأناضول.. مسار التقارب العسكري المصري التركي يتسارع”، يوليو 2026؛ وبيان المتحدث العسكري المصري باختتام تدريب “نسر الأناضول 2026” (بمشاركة مصر وتركيا وأذربيجان وطائرة إنذار مبكر تابعة للناتو) كما نقلته وكالة الأناضول والصحافة المصرية؛ وبيان اختتام تدريب “العقاب الذهبي” (17 يوليو 2026) المتضمن عمليات الاقتحام وتحرير الرهائن وقفزة الصداقة، وكالة الأناضول وRT عربي وفيتو.

[61] مجلة “إيبوك” العبرية، تقرير يوني بن مناحم (المدير العام الأسبق لهيئة البث الإسرائيلية) حول خطورة التحالف المصري-التركي مقارنة بـ”المحور الإيراني” و”جيوش المستقبل” ورصد الاجتماعات التشغيلية المصرية-الباكستانية، المصدر الأصلي بالعبرية، نقلاً عنه لدى RT عربي والنيلين، يوليو 2026؛ وصحيفة معاريف، إيلي ليئون، “تركيا ومصر تعيدان رسم خريطة الشرق الأوسط”، المصدر الأصلي بالعبرية، نقلاً عنه لدى عربي21، يوليو 2026 (بما فيها استئناف مناورات “بحر الصداقة” البحرية 2025 بعد توقف 13 عاماً).

[62] الشرق الأوسط، “مصر وتركيا توقّعان خطاب نوايا للتعاون العسكري”، 13 يوليو 2026؛ والجزيرة نت، “من القطيعة إلى الشراكة العسكرية.. أبعاد زيارة وزير الدفاع المصري إلى تركيا”، 16 يوليو 2026: أول زيارة لوزير دفاع مصري إلى تركيا منذ ثلاثة عشر عاماً، وتوقيع خطاب النوايا مع الوزير التركي يشار غولر، وحضور ملف شرق المتوسط وحقول الغاز في المباحثات.

[63] العربية مصر، تغطية زيارة رئيس هيئة الأركان البحرية الباكستانية الفريق أول بحري نفيد أشرف لقيادة القوات البحرية المصرية بالإسكندرية ولقائه قائد القوات البحرية الفريق محمود عادل فوزي، يوليو 2026.

[64] العلاقة الباكستانية بالمؤسسة العسكرية الأمريكية: استقبال الرئيس ترامب لقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في البيت الأبيض (يونيو 2025) في سابقة بروتوكولية، وإشادات قيادة سنتكوم العلنية بالشراكة الباكستانية في مكافحة الإرهاب؛ تغطيات رويترز وأسوشيتد برس، 2025.

[65] تقييم ماثيو برايزا (برنامج تركيا، المجلس الأطلسي) لتركيا بوصفها “الفاعل الوحيد القادر على إدامة الحوار مع كل الأطراف المتحاربة في آن واحد”، 2026.

[66] تغطيات وكالات الأنباء لعضوية تركيا في حلف الناتو منذ 1952، واستضافتها قمة إسطنبول 2004 ثم قمة أنقرة يوليو 2026؛ سيدار نيوز، “تركيا والناتو: شراكة استراتيجية اختبرتها الأزمات منذ عام 1952″؛ وسي إن إن بالعربية، “بين قمتي إسطنبول 2004 وأنقرة 2026.. كيف تحولت تركيا إلى ضرورة داخل الناتو؟”؛ والمعهد المصري للدراسات، “قمة الناتو في أنقرة 2026: تحولات الحلف وصعود الدور التركي”.

[67] الدور السعودي الإقليمي الموسع: التدخل في اليمن منذ 2015 بقيادة التحالف العربي؛ ودعم الجيش السوداني بالتوازي مع مصر في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً بحسب تقارير متعددة؛ ومكانة السعودية كأكبر دول مجلس التعاون الخليجي اقتصاداً وسكاناً وجغرافيا.

[68] زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، 18-19 نوفمبر 2025: توقيع “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي” السعودية-الأمريكية؛ وإعلان تصنيف المملكة “حليفاً رئيسياً من خارج الناتو”؛ والموافقة على بيع مقاتلات F-35؛ وإعلان رفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة من 600 مليار إلى نحو تريليون دولار بقيادة صندوق الاستثمارات العامة؛ واتفاق التعاون النووي المدني؛ الشرق للأخبار، 19-20 نوفمبر 2025؛ ومجلة المجلة، “السعودية وأميركا: تجديد الشراكة”، 30 نوفمبر 2025؛ ووكالة واس.

[69] مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة)، “?Is a New Strategic Bloc Emerging in the Middle East”، 28 أبريل 2026 – قدرات الأعضاء ونقاط ضعفهم، وتصريح الرئيس المصري حول أمن الخليج كامتداد للأمن القومي المصري.

[70] القاهرة الإخبارية، “نصر أكتوبر 1973.. حرب أحدثت زلزالاً في إسرائيل”؛ والمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، “نصر أكتوبر 1973.. حكاية شعب”: عبور القوات المصرية قناة السويس واقتحام خط بارليف في 6 أكتوبر 1973، وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر.

[71] المرجعان [41] و[69]: التسميات المتداولة للمجموعة بين “R-4″ و”التحالف السني” و”الناتو الإسلامي” في التقارير الإسرائيلية والغربية.

[72] تشاتام هاوس، “As Iran war reshapes the Middle East, Turkey’s regional role looks set to expand”، 5 يونيو 2026 – توصيف المجموعة بأنها “منصة لا حلف”، وحرص أنقرة على إبقائها مفتوحة العضوية؛ وتصنيف مصر “حليفاً رئيسياً من خارج الناتو” منذ 1987.

[73] مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، المرجع السابق – تفاوت استعداد الأعضاء لتحدي واشنطن، وكون الرياض والقاهرة الأقل استعداداً لذلك.

[74] رؤية الصين لنظامٍ عالمي جديد وحوكمةٍ عالمية بديلة، وقراءةٌ استراتيجية للتحول العالمي الجاري: المعهد المصري للدراسات (EIPSS)، «رؤية الصين لنظام عالمي جديد: نحو حوكمة عالمية»، https://eipss-eg.org/رؤية-الصين-لنظام-عالمي-جديد-حوكمة-عالم/؛ و«بيان قصير لعالمٍ مضطرب: قراءة استراتيجية»، https://eipss-eg.org/بيان-قصير-لعالم-مضطرب-قراءة-استراتيجي/.

[75] على أثر الحرب الروسية-الأوكرانية في إعادة تعريف الأمن الأوروبي، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وموجة إعادة التسلّح الأوروبية: GLOBSEC, «US NATO Force Cuts: Implications for European Security», 2026؛ وMiddle East Eye, «Why Europe Risks Another Bleak Year in 2026», 2026؛ و«2020s European Rearmament» (توثيق عام).

[76] على تفاصيل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الثلاثية (السعودية-تركيا-باكستان)، مكة المكرمة، 7 أغسطس/آب 2026: الجزيرة نت، «السعودية وباكستان وتركيا توقّع اتفاق دفاع مشترك»، 7 أغسطس 2026؛ وBloomberg، «Turkey, Saudi Arabia and Pakistan Sign Joint Defense Agreement»، 7 أغسطس 2026؛ وتغطيتا 5Pillars وRTÉ، 7 أغسطس 2026.

[77] على خلفية الاتفاقية وامتدادها لاتفاق السعودية-باكستان (سبتمبر 2025)، ونشر منظومة الدفاع الجوي HQ-9، ودور التصعيد الحوثي، وتقديرات المحلّلين (علي الشهابي؛ وبورجو أوزجيليك من المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI؛ وياسمين فاروق من مجموعة الأزمات الدولية): Financial Times، 7 أغسطس 2026، كما تناقلتها تقاريرُ ومنصّاتٌ متعددة.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


د. حاتم عزام

نائب برلماني مصري سابق - عضو الجمعية التأسيسية للدستور - مستشار وخبير القيادة والإستراتيجية والتغيير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى