المرصد العسكري مايو 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
افتتاحية العدد
شهد شهر مايو من عام 2026 عدداً من التفاعلات المهمة على المستويين المصري والإقليمي. فعلى المستوى المصري، يتضمن هذا العدد ملف تواجد المفرزة الجوية المصرية في دولة الإمارات وكواليس ما جرى قبل ذهاب القوات المصرية إلى الإمارات، كما يتضمن تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية قبيل حركة تنقلات يونيو 2026، التي ستتم خلال أيام بعد تصديق السيسي عليها، عقب اجتماع منفرد سيجمعه بوزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم، إلى جانب تناول استراتيجية السيسي المتبعة داخل الجيش بخصوص بقاء القادة في مناصبهم، إلى جانب عدد من الملفات المرتبطة بالشأن المصري.
أما على المستوى الإقليمي، فيقدّم العدد قراءات عسكرية متعددة لتطورات الأوضاع بين الولايات المتحدة وإيران في ظل حالة الحصار المفروضة على طهران، فضلاً عن تحليل مستجدات المشهد في جبهة الجنوب اللبناني، والحرب الروسية الأوكرانية، وتطورات الصراع والحرب الأهلية في السودان.
كما يتناول التقرير عدداً من الملفات العسكرية المرتبطة بالتسليح والتدريبات واستراتيجيات المقاومة، وملفات أخرى متعددة.
وأتناول التقرير على النحو التالي:
أولاً: تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي.. واستراتيجية السيسي في حركات التنقلات
هذا تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي ، والذي سيتم تغيير بعض قياداته في نشرة التنقلات القادمة التي ستجرى بعد أيام من الآن (حركة تنقلات يونيو 2026):
1-عبد الفتاح السيسي – القائد الأعلى للقوات المسلحة.
2-الفريق أشرف سالم زاهر – وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.
3-الفريق أحمد فتحي خليفة – رئيس أركان حرب القوات المسلحة.
4-الفريق محمود عادل فوزي– قائد القوات البحرية.
5-الفريق طيار عمرو عبد الرحمن صقر – قائد القوات الجوية.
6-الفريق ياسر الطودي – قائد قوات الدفاع الجوي.
7-اللواء أ.ح شريف فكري – رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية.
8-اللواء أ.ح محمد ربيع – رئيس هيئة العمليات.
9-اللواء أ.ح عبد المعطي عبد العزيز علام – قائد المنطقة المركزية العسكرية.
10-اللواء أ.ح أسامة سمير – قائد المنطقة الجنوبية العسكرية.
11-اللواء أ.ح ياسر الخطيب – قائد المنطقة الشمالية العسكرية.
12-اللواء أ.ح حاتم زهران – قائد المنطقة الغربية العسكرية.
13-اللواء أ.ح أحمد مهدي – قائد الجيش الثالث الميداني.
14-اللواء أ.ح محمد يوسف عساف – قائد الجيش الثاني الميداني.
15-اللواء أ.ح محمد صبحي – رئيس هيئة التنظيم والإدارة.
16-اللواء أ.ح أسامة داوود – قائد قوات حرس الحدود.
17-اللواء أ.ح محمد عدلي – رئيس هيئة التسليح.
18-اللواء أ.ح شريف العرايشي – رئيس هيئة التدريب.
19-اللواء أ.ح أحمد رضا فرغلي – رئيس هيئة شؤون الضباط.
20-اللواءأ.ح محمد عز الدين جحوش -قائد القيادة الاستراتيجية.
21-اللواء أ.ح حاتم الجزار – مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية.
22-اللواء سيد قناوي – رئيس هيئة القضاء العسكري.
23-اللواء أ.ح خالد عبد الله – رئيس هيئة الشؤون المالية.
24-اللواء أ.ح محمد كمال الدين السعيد – رئيس هيئة الإمداد والتموين.
25-اللواء أ.ح هشام شندي – قائد قوات شرق القناة.
26-اللواء أ.ح محمد رجب – مدير إدارة الشؤون المعنوية.
27- اللواء أ.ح مهندس وليد عارف رئيس الهيئة الهندسية.
28- اللواء أ.ح أيمن وفائي أمين عام وزارة الدفاع.
جدير بالذكر هنا أن وزير الدفاع في الجيش المصري يُفترض أن تكون رتبته أعلى من جميع القيادات العاملة. وتساوي وزير الدفاع أشرف سالم في الرتبة مع رئيس الأركان أحمد فتحي خليفة وقادة الأفرع الرئيسية أمر استثنائي حتى الآن؛ ولذلك أرى أنه في القريب العاجل سيقوم السيسي بترقية سالم إلى رتبة فريق أول.
ربما تشمل الحركة الفريق ياسر الطودي، قائد قوات الدفاع الجوي، الذي مكث في منصبه لمدة عامين، وهي المدة التي نُصّ عليها بعد تعديل القانون العسكري المعُدل بتقليص بقاء قادة الأفرع في مناصبهم إلى عامين بدلاً من أربع سنوات. وفي حال عدم تمديد السيسي للطودي، قد يتولى المنصب بدلاً منه اللواء أ.ح محمد علي سيد أحمد، رئيس أركان الدفاع الجوي الحالي.
منذ تولّيه الحكم، ينتهج عبد الفتاح السيسي في تعامله مع قيادات الجيش سياسات مختلفة عن نهج حسني مبارك؛ بشكل عام استراتيجية السيسي تعتمد بالأساس سياسة التدوير المتسارع لقيادات المؤسسة العسكرية، بهدف تفادي تشكّل مراكز قوى مستقلة داخل الجيش قد تشكّل تهديداً له مستقبلاً. وقد أصبح هذا النهج مقنناً بموجب تعديلات تشريعية صُدّق عليها في يونيو 2021، قلّصت مدة بقاء قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المسلحة من أربع سنوات إلى عامين فقط (يُمد للقائد فقط بقرار من السيسي). مع العمل في الوقت ذاته على منح القيادات امتيازات كبرى بعد التخارج لإرضائهم، كما نصّ قانون معاملة كبار القادة.
على العكس، كانت سياسة مبارك تقوم على كسب ولاء القادة عبر إبقائهم فترات طويلة في مناصبهم؛ ولذلك نرى أن المشير طنطاوي مكث وزيراً للدفاع من عام 1991 حتى نهاية حكم مبارك، وهي أطول مدة لبقاء وزير دفاع في منصبه منذ يوليو ١٩٥٢.
أما السيسي، فمنذ تولّيه الحكم عام 2014 وحتى الآن، فقد عيّن أربعة وزراء للدفاع بفترات متفاوتة (صدقي صبحي، محمد زكي، عبد المجيد صقر ثم أشرف سالم). وفي رئاسة الأركان عين السيسي أربع قيادات أيضاً بفترات متفاوتة ، بداية بالفريق محمود حجازي ثم الفريق محمد فريد حجازي ثم الفريق أسامة عسكر ثم الفريق أحمد فتحي خليفة المستمر حتى الآن . وكذلك في مختلف الأفرع والهيئات والمناطق والجيوش، جرى تعيين عدد كبير من القيادات لفترات زمنية قصيرة.
يختلف نهج السيسي في هذا السياق؛ إذ يدرك أن بقاء القائد في منصبه مدة أطول يُفضي إلى تشكّل مراكز قوى تمثل تهديداً مباشراً له ولنظامه، لذلك عمل على تقنين وتسريع وتيرة تدوير القيادات، مع منحهم في الوقت نفسه امتيازات كبرى لكسب ولائهم بعد التخارج.
فترة الرئيس مبارك بالفعل كانت هناك مؤسسة عسكرية يتحكم فيها المشير محمد حسين طنطاوي بشكل فعلي، ومؤسسة للرئاسة يتحكم فيها مبارك ونجله، وعند الاختلاف بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية (حول مشروع التوريث) حسمت القوات المسلحة المالكة للقوة موضوع إخراج مبارك استغلالا لحراك يناير 2011 ، ولولا وجود قائد للجيش يسيطر فعلياً على المؤسسة العسكرية لما كان أن يستطيع ان يأخذ قرار مخالف لمؤسسة الرئاسة التي كانت ترغب في استمرار مبارك في الحكم. والسيسي، آخر مدير مخابرات حربية في عهد الرئيس الراحل مبارك، يعلم هذا جيداً، ويسد تلك الثغرات حفاظاً على حكمه، حتى لا يكون مصيره مصير حسني مبارك.
ثانياً: قراءة عسكرية: وزير الدفاع بين النموذج الروسي والنموذج الغربي: قراءة في الحالة المصرية:
يُعدّ موقع وزير الدفاع في البُنى العسكرية ذات الطابع الشرقي – المتأثرة تاريخياً بالنموذج السوفيتي ثم الروسي – موقعاً محورياً يتجاوز الطابع الإداري أو السياسي البحت، ليصبح مركز الثقل الحقيقي داخل المؤسسة العسكرية. ففي هذا النموذج، لا يُنظر إلى وزير الدفاع بوصفه مجرد ممثل مدني يُشرف على القوات المسلحة، بل باعتباره القائد الفعلي الأول داخل هرم القيادة العسكرية، حيث يكون رئيس هيئة الأركان تحت قيادته، ويأتمر بأوامره وينفذ تعليماته.
النموذج الروسي، كما تبلور منذ الحقبة السوفيتية واستمر بصيغ مختلفة في عهد فلاديمير بوتين، يقوم على مركزية صارمة في القيادة، حيث تتكامل السلطتان السياسية والعسكرية في بنية واحدة متداخلة. وزارة الدفاع في هذا السياق ليست وزارة خدمات أو إدارة لوجستية فحسب، بل مؤسسة قيادة وتشغيل، تتولى رسم السياسات الدفاعية، والإشراف على العقيدة القتالية، وضبط التوازن بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة. أما رئيس هيئة الأركان، فعلى الرغم من أهميته العملياتية، فإنه يظل ضمن السلسلة التنفيذية الخاضعة لوزير الدفاع، وليس نداً له في توزيع الصلاحيات.
مصر، التي تأثرت بنيتها العسكرية بالتقاليد الشرقية منذ خمسينيات القرن الماضي، تبنّت هذا التصور الهرمي. فوزير الدفاع المصري يمثل قمة الهرم العسكري التنفيذي، ويُسمّى القائد العام للقوات المسلحة، ويأتمر بأوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس الجمهورية. أما رئيس هيئة الأركان في الحالة المصرية، فيضطلع بالجانب العملياتي والتنسيقي بين الأفرع، وينفذ تعليمات وزير الدفاع، لكنه لا يشكل سلطة موازية له، بل يعمل في نطاق التفويض الصادر عنه.
على النقيض من ذلك، يقوم النموذج الغربي – خصوصاً في الديمقراطيات الليبرالية – على فصل واضح بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، يشغل وزير الدفاع منصباً سياسياً يُعيَّن أحياناً من خارج المؤسسة العسكرية، ويخضع لمساءلة برلمانية صارمة أمام الكونغرس. وتتوزع القيادة العملياتية الفعلية بين هيئة الأركان المشتركة والقيادات القتالية، في إطار منظومة رقابة مدنية تهدف إلى منع تركز السلطة العسكرية في يد شخصية واحدة. يؤدي وزير الدفاع هنا دوراً سياسياً إشرافياً، بينما يظل التخطيط العملياتي التفصيلي من اختصاص العسكريين المحترفين.
هذا التباين البنيوي ينعكس مباشرة على فهم طبيعة السلطة داخل الجيوش. ففي النموذج الشرقي، يمثل وزير الدفاع حلقة الوصل الأعلى بين رأس الدولة والمؤسسة العسكرية، ويصبح المنصب جزءاً من معادلة توازن داخلي بين الأفرع والقادة، بل وأداة لإعادة تشكيل الخريطة الداخلية للنفوذ. أما في النموذج الغربي، فإن المنصب يظل محكوماً بإطار مدني مؤسسي يحدّ من احتمالات تحوله إلى مركز قوة عسكري مستقل.
إن إدراك هذا الفارق ضروري لفهم طبيعة القرار العسكري في مصر. فحين يُعيَّن وزير دفاع جديد، لا يكون الأمر مجرد تغيير إداري أو تدوير مناصب، بل إعادة تموضع داخل قمة الهرم العسكري ذاته. ومن ثم، فإن قراءة أي تغيير في هذا الموقع يجب أن تنطلق من فهم طبيعة النموذج البنيوي الذي يحكم العلاقة بين السياسة والجيش، لا من إسقاطات مستمدة من تجارب ديمقراطية تختلف جذرياً في فلسفتها التنظيمية.
بهذا المعنى، فإن منصب وزير الدفاع في مصر ليس تكليفاً سياسياً عابراً، بل هو موقع قيادة عليا داخل المؤسسة العسكرية، يتقاطع فيه البعد المهني مع البعد السياسي، وتتشكل عبره ملامح توازن القوة داخل الدولة نفسها.
بالذكر جدير أن تعيين وزير الدفاع طبفاً للمادة 234 في الدستور المصري (المعدلة) يحتاج فقط لموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، ولا يحتاج اعتماد مجلس النواب مثل باقي المناصب الوزارية.
بالذكر جدير أيضاً أن رئيس هيئة الأركان وقيادات الأفرع الرئيسية (الجوية-البحرية-الدفاع الجوي) وقادة الجيوش والمناطق والهيئات يتم تعينهم بعد الموافقة المباشرة من القائد الأعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية) وحركة التنقلات التي تجرى مرتين كل عام والتي تشمل كافة التعيينات والترقيات في كافة المستويات بالجيش المصري تتم بعد موافقة القائد الأعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية).
ثالثاً: ما وراء تواجد المفرزة المصرية الجوية في الإمارات
أعلنت الإمارات، الخميس 07 مايو 2026 ، للمرة الأولى تمركز مقاتلات مصرية بأراضيها، وذلك تزامنا مع زيارة أجراها السيسي لأبوظبي التقى خلالها بمحمد بن زايد رئيس دولة الإمارات.
المقصود بـ “مفرزة المقاتلات المصرية ” هو وجود مجموعة أو تشكيل من الطائرات المقاتلة التابعة للقوات الجوية المصرية، مع أطقمها الفنية والعسكرية، داخل دولة الإمارات؛ ما يعني أن السيسي قام بإرسال قوات مصرية إلى دولة الإمارات على إثر الحرب المندلعة. وعادةً ما يتراوح حجم مفرزة المقاتلات، وفق الأعراف العسكرية، بين 4 و8 طائرات مقاتلة، وقد يزيد العدد إلى أكثر من 12 طائرة (سرب) أو ينخفض، بحسب طبيعة المهمة وحجم الانتشار والمهام العملياتية المطلوبة.
الإعلان الإماراتي عن وجود المفرزة المصرية بأراضيها، والذي تضمن صوراً رسمية لتفقد السيسي لها، لم يُقابله أي إشارة مصرية رسمية حتى الآن، سواء في متن بيان المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية عن زيارة السيسي للإمارات، أو من قِبل المتحدث العسكري للقوات المُسلحة، أو مجلس الوزراء.

الصور التي نشرتها وزارة الدفاع الإماراتية أظهرت أن عدد الطيارين المصريين يبلغ 13 مقاتل، والمقاتلات من نوع “رافال”، داخل قاعدة الظفرة الجوية التي تقع في إمارة أبو ظبي كما قالت تقارير. عدد المقاتلين في الصورة أعلاه قد يفهم منه أن عدد الطائرات يبلغ 6 طائرات من نوع رافال، النسخ الثنائية التي يمتلكها الجيش المصري.
أظهرت الصور التي التقطت داخل حظيرة طائرات عسكرية – ضمن قاعدة الظفر ة العسكرية في أبوظبي 13 طياراً مصرياً يرتدون بدلات قتالية وخوذات طيران نفاث، بالإضافة إلى أربعة ضباط من سلاح الطيران، ثلاثة منهم بالزي المُموه، أحدهم كُتب على زيه عقيد طيار أركان حرب، واسمه ولقبه، وآخر عقيد، والآخران لم تتضح رتبهما العسكرية.
تجدر الإشارة إلى أن المقاتلات الجوية (الرافال) التي أرسلتها مصر إلى دولة الإمارات لا تُستخدم، في إطار المهام الدفاعية، لاعتراض الصواريخ الباليستية أو الفرط صوتية بصورة أساسية، فهذه المهمة تُعد من اختصاص منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي المصممة للتعامل مع الأهداف ذات السرعات العالية والمسارات المعقدة. فالصاروخ الباليستي، على سبيل المثال، يتحرك بسرعات كبيرة وعلى ارتفاعات عالية، بينما تتمتع الصواريخ الفرط صوتية، فضلاً عن سرعتها الفائقة، بقدرات مناورة كبيرة تجعل اعتراضها أكثر تعقيداً، وهو ما يتطلب أنظمة رادارية وصاروخية متخصصة قادرة على الرصد والتتبع والاعتراض خلال ثوانٍ معدودة.
ولهذا تعتمد الدول على منظومات مثل THAAD وPatriot missile systems وArrow 3 للتعامل مع هذا النوع من التهديدات، حيث صُممت تلك الأنظمة للعمل ضمن شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، تبدأ من الرصد المبكر وصولاً إلى الاعتراض في مراحل مختلفة من مسار الصاروخ.
أما المقاتلات الجوية، بما في ذلك المقاتلات رافال، التي تنتجها شركة داسو للطيران Dassault Aviation الفرنسية، والتي أرسلتها مصر بأطقمها من الطيارين إلى دولة الإمارات، تُعد من المقاتلات متعددة المهام، إذ تستطيع تنفيذ مهام التفوق الجوي والاعتراض والهجوم الأرضي والضربات الإستراتيجية والاستهداف البحري. وتحمل الرافال مجموعة متنوعة من الصواريخ والذخائر بحسب طبيعة المهمة، أبرزها صواريخ MICA بنسختيه الحرارية والرادارية للاشتباك الجوي، وصواريخ Meteor بعيدة المدى للتفوق الجوي، إضافة إلى صواريخ كروز SCALP EG المخصصة لضرب الأهداف الإستراتيجية داخل عمق الخصم، وذخائر AASM Hammer الذكية للهجمات الدقيقة، فضلاً عن صواريخ AM39 Exocet المضادة للسفن، ما يجعل الرافال منصة قتالية قادرة على تنفيذ طيف واسع من العمليات الجوية الهجومية والدفاعية.
وبالتالي فإن الوظيفة الرئيسية للمقاتلات الجوية تختلف جذرياً عن وظيفة الدفاعات الصاروخية؛ فالمقاتلات تُستخدم في العادة لتنفيذ العمليات الجوية الهجومية، وفرض السيادة الجوية، وتدمير الأهداف الإستراتيجية، وقمع الدفاعات الجوية المعادية. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تقوم بتنفيذ مهام الاعتراض الجوي ضد الطائرات المعادية والطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز. لهذا فإن وجود مفرزة مقاتلات من هذا النوع يُشير إلى استعداد لتنفيذ عمليات هجومية أو مهام ردع وسيطرة جوية، فهي في هكذا مسرح عمليات لن يكون لها بالتأكيد مهام دفاعية تتعلق باعتراض الصواريخ الباليستية أو الفرط الصوتية، لأن هذا النوع من التهديدات تتعامل معه عادةً منظومات الدفاع الجوي المتخصصة،
وفي ضوء ذلك، فإن أي حديث عن نشر مقاتلات جوية في منطقة تشهد تهديداً بالصواريخ الباليستية أو الفرط صوتية يجب أن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بطبيعة المهام العملياتية المحتملة. فالمقاتلات قد تُستخدم لتأمين المجال الجوي، أو توجيه ضربات استباقية، أو حماية الأصول الإستراتيجية، أو دعم عمليات مشتركة، لكنها ليست الوسيلة الأساسية للتعامل المباشر دفاعياً مع الصواريخ الباليستية.
كما أن التطور الحديث في الحروب الجوية يقوم على التكامل بين سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، بحيث تعمل المقاتلات والرادارات والأنظمة الصاروخية ضمن شبكة واحدة لتبادل البيانات والإنذار المبكر. ومع ذلك، يبقى لكل منظومة دورها المحدد؛ فالدفاعات الجوية تتولى اعتراض التهديدات الصاروخية، بينما تتولى المقاتلات إدارة المعركة الجوية وتنفيذ العمليات الهجومية والتكتيكية داخل عمق الخصم، فضلاً عن اعتراض المسيرات والصواريخ الكروز.
تنص المادة152من الدستور المصري على التالي:
“رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء.
كما تنص المادة على “أنه إذا كان مجلس النواب غير قائم، فيجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة وموافقة كلٍّ من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني”.
وبذلك فإن أي قرار يتخذ بإرسال قوات مصرية في مهام قتالية في الخارج دون مراعاة تلك الإجراءات يُعدّ مخالفةً مباشرةً للدستور المصري من قِبل المسؤول عن إدارة الدولة.
وبالشكل الذي جرى، لا يوجد أي شيء معلن عن اتخاذ تلك الخطوات التي سبقت خطوة إرسال قوات مصرية إلى دولة الإمارات وإلى دول أخرى، بمخالفة صريحة للدستور المصري.
ونقل موقع الجزيرة عن مصدر سمته بسياسي مصري مقرب من دوائر صنع القرار لم تذكر اسمه ولا وصفته، بأن الإمارات ليست الدولة الخليجية الوحيدة التي توجد بها قوات ومعدات مصرية في تخصصات تخدم أمنها في الفترة الراهنة، مؤكداً أن “هناك 4 دول خليجية توجد بها قوات مصرية في الوقت الراهن ضمن سياسة القاهرة الراسخة لدعم الخليج”. وقال المصدر نفسه للجزيرة أن تلك القوات موجودة منذ الأسبوع الأول للحرب، وإن القاهرة هي التي بادرت بعرض دعمها لدول الخليج دون انتظار أن يُطلب منها شيء. وأوضح أن مصر كانت تلتزم الصمت بدل الإعلان عن تلك الخطوة نظرا لاعتبارات وتوازنات إقليمية، وكذلك في ظل قيامها بدور دبلوماسي موازٍ، ولعب أدوار الوساطة عبر نقل الرسائل بين الأطراف المختلفة في محاولة لخفض التصعيد والتوصل إلى حل ينهي الحرب، على ضوء ما تتمتع به من علاقات طيبة وثقة من كافة الأطراف.
الموقع الفرنسي الاستخباراتي أفريقيا إنتليجنس، كشف في تقرير حديث له بعنوان (الدعم العسكري المغربي-المصري لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية) أن مصر والمغرب قد نشرت قوات ومعدات لها في دول الخليج أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذكر الموقع أن مصر، طوّرت تعاوناً عسكرياً مع السعودية والكويت، إضافة إلى الإمارات. وتم نقل أنظمة دفاع جوي مصرية متطورة إلى الدول الخليجية الثلاث بأوامر مباشرة من السيسي.
وتعتمد هذه الأنظمة التي صُممت أساساً في الولايات المتحدة على وحدات حارس السماء أمون (Skyguard Amoun) التي حصلت عليها مصر في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها خضعت لعمليات تحديث كبيرة عززت قدرتها على اعتراض الصواريخ الإيرانية، حيث باتت قادرة على إطلاق ستة صواريخ في وقت واحد.
على الجانب الأخر، فإن الرد الفعلي الإيراني، الذي جاء بعد الكشف الإماراتي عن تواجد المقاتلات المصرية في الإمارات، فهو ما قاله وعلّق به المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على نشر مصر مقاتلات في الإمارات، حيث قال: “علاقتنا مع مصر تقوم على الاحترام المتبادل، وأي تدخل من شأنه الإضرار بأمن المنطقة مرفوض من وجهة نظرنا بغضّ النظر عن الجهة التي تقف وراءه”، مضيفاً أن “الأمن القائم على وجود قوات أجنبية في المنطقة لن يؤدي إلا إلى زيادة انعدام الأمن وتفاقمه”. اللافت في تصريح بقائي، فضلاً عن الرفض الصريح لتواجد القوات، هو وصف القوات المصرية “بالقوات الأجنبية”، كما تصف إيران القوات والقواعد الأمريكية في دول الخليج، مما يشير إلى أن إيران، في أي تصعيد مقبل، ستتعامل مع القوات المصرية باعتبارها قوات أجنبية متواجدة في دول الخليج يحق لها استهدافها، وهو أمر بالغ الخطورة، وقد يتعداه إلى تهديد مصالح مصرية أخرى إذا اتسع وطال أمد الحرب.
ماذا وراء قرار إرسال المفرزة؟
جاء قرار السيسي بنشر مقاتلات جوية مصرية في الإمارات، بناءً على ما نقله البعض، جاء بعد توقف العمليات وبدء الهدنة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. تشير المعلومات المتوافرة، طبقاً لما تنقله مصادر، أن القرار جاء بعد تقدير موقف رُفع إلى السيسي من الأجهزة الأمنية، مفاده أن استئناف الحرب مجدداً أمر مستبعد في الوقت القريب، وأن انتشار القوات المصرية لن تترتب عليه خسائر بشرية أو استهدافات مباشرة.
طبقاً لهذا التقدير، فإن المناوشات بين إيران والإمارات ستكون قيد الاحتواء لا التصعيد خلال المرحلة المقبلة، وأن الموقف العملياتي المصري سيكون دفاعياً للقوات المصرية بجانب القوات الإماراتية، التي ستصدّ من حين إلى آخر بعض العمليات الجوية الإيرانية على بعض النقاط داخل دولة الإمارات، وأن الحرب لن تصل إلى ما هو أبعد من ذلك، ولذلك قرر السيسي إرسال القوات بعد تهدئة الأوضاع.
قد يكون ذلك هو ما حدث بالفعل، ولكن التحليلات التي تُبنى عليها فرضية أن الحرب لن تُستأنف مجدداً غير دقيقة، فالمرحلة الحالية، أقرب إلى التصعيد ، في ظل بقاء الفجوة بين الموقفين الإيراني والأمريكي شديدة الاتساع بما لا يسمح بالتوصل لاتفاق بين الطرفين لإنهاء الحرب، كما قال الرئيس ترامب نفسه مؤخراً أن اتفاق وقف إطلاق النار في غرفة الإنعاش. يأتي هذا أيضاً في ظل استمرار الانتشار العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، والرغبة الإسرائيلية التي تدفع باستعادة الأعمال العسكرية، فضلاً عن اتباع إيران لاستراتيجية الرد المباشر على أي انتهاك أو تصعيد، مما يشير إلى أن المنطقة في مرحلة ترقب دائم، وأن اندلاع الحرب بشكل أكبر وارد جداً في أي وقت، في ظل الأوضاع القائمة “على حافة الهاوية”.
قد تكون التقديرات التي قُدمت من الأجهزة المصرية قبل نشر القوات المصرية استندت إلى تسريبات أو معلومات مضللة سُربت له لتتوهم مصر بأن الخطر ضعيف، ما يدفعها للمضي قدماً في نشر قوات في دول الخليج، ليتم استدراج مصر إلى الحرب الجارية الآن، بعد أن كان الموقف المصري الواضح هو عدم الاشتراك فيها عسكرياً، والإبقاء فقط على الجهود السياسية والدبلوماسية، دون أن تنخرط في صراع ستكون له تداعيات على المنطقة ككل.
على الجانب الأخر، فقد رشحت معلومات متداولة مفادها أنه بعد الكشف عن التواجد العسكري المصري داخل الإمارات وبعض الدول الأخرى، سارعت قيادات القوات المسلحة المصرية إلى تبرير الأمر داخل قطاعات الجيش المصري للضباط والجنود، طبقاً لما جرت به العادة عند حدوث بلبلة في الرأي العام والشارع المصري. جاء التوجيه المعنوي العسكري متضمناً أن نشر القوات المصرية في الإمارات ودول خليجية أخرى جاء بعد تقدير موقف متأنٍّ لتطورات الأوضاع في المنطقة الخليجية، وأن الانتشار جاء في دول قدمت وساعدت مصر في مراحل مختلفة لكي تتجاوز أزماتها الاقتصادية، وأن الانتشار يتم في دول تكنّ لها مصر كل الاحترام لما قدمته لها في مراحل مختلفة.
وتضمن التوجيه أن الانتشار المصري يأتي كدعم دفاعي للدول التي انتشرت فيها القوات والمعدات ضد المسيرات والهجمات الصاروخية والجوية الإيرانية، وليس في إطار عمليات هجومية. (بشكل عام فإن التوجيه وتوضيح الأمور للضباط والجنود يُعدّ عاملاً مهماً بالنسبة للقيادة السياسية في الملفات التي تحدث حالة بلبلة في الرأي العام، حتى وإن لم يتم تبرير الأمر لباقي الشعب).
هناك قيادات عسكرية، حتى وإن كانت مستبعدة من دوائر صنع القرار، كانت ما ترى دائماً أن القرار الاستراتيجي هو عدم استنزاف الجيش المصري في الحرب الدائرة الآن، وأن القرار الاستراتيجي السليم يتمثل في عدم إشراك أو إرسال الجيش المصري إلى منطقة الخليج، وهذا ما قاله بالنص اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني الميداني الأسبق في أحد المقابلات الحديثة.
أما عن سبب إرسال المفرزة بالأساس فقد يكون أن السيسي وأجهزته السيادية رأوا أن الغضب الإماراتي، الذي عبّر عنه مسؤولون إماراتيون مؤخراً، قد وصل إلى درجة حرجة، وأن أبوظبي توجه رسالة مباشرة إلى القاهرة بأن الأوضاع بعد “حرب الخليج الثالثة”، كما توصف، ستكون مختلفة عما قبلها، وأن الدعم الإماراتي غير المشروط من أبوظبي للقاهرة لن يستمر بسبب الموقف المصري، الذي لم يقدم دعماً عسكرياً لأبوظبي خلال الحرب كردٍّ للجميل. ولذلك، قام السيسي، بعد استشعار التهديد الحقيقي الذي قد يترتب عليه وقف الدعم الإماراتي غير المحدود لنظامه، بإرسال مفرزة من القوات الجوية المصرية إلى أبوظبي مباشرة بعد الهدنة، لضمان استمرارية الدعم الإماراتي للقاهرة، أو بالأصح لنظام السيسي، وإصلاح الأجواء المتوترة بين الطرفين.
أخيراً: سدّ النهضة ملف أمن قومي مصري، والانتهاك الصهيوني لكامب ديفيد واحتلاله لمحور صلاح الدين كان اختراقاً للمنطقة د بخلاف ما تنص عليه الاتفاقية، والملف السوداني الذي تعمل القوى الداعمة للدعم السريع لتقسيم السودان وإحداث فوضى على الحدود الجنوبية المصرية، ما سبق ملفات كان تلزم تعامل مصري عسكري.
أما حرب أمريكا على إيران فهي حرب ضمن مخطط أمريكي–صهيوني لاستنزاف المنطقة بإحداث فوضى شاملة يُستنزف فيها الجميع لصالح الكيان الصهيوني، وكان على مصر عدم الانخراط في تلك الحرب بأي شكل عسكري، والاكتفاء فقط بدعم المساعي الدبلوماسية، وعدم استنزاف الجيش المصري الذي يقع ضمن دائرة ملتهبة على كافة حدوده الشرقية والغربية والجنوبية.
تقدير موقف شامل عن مفرزة القوات الجوية المصرية ، كان قد نشر على موقع المعهد المصري على الرابط التالي: ( مصر تنشر مفرزة مقاتلات في الإمارات وإيران ترد بوصف القوات المصرية “بقوات أجنبية”).
رابعاً: التكامل الجوي والدفاعي وتحولات العقيدة العسكرية المصرية في مسرح العمليات الإماراتي:
يشهد التطور الحديث في الحروب الجوية تحولاً جوهرياً قائماً على التكامل الكامل بين مقاتلات سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، بحيث تعمل المقاتلات والرادارات ومنظومات الصواريخ ضمن شبكة قيادة وسيطرة موحدة لتبادل البيانات والإنذار المبكر وتحديد الأهداف بصورة لحظية. ويهدف هذا التكامل إلى بناء صورة عملياتية مشتركة تسمح برفع كفاءة الرصد وسرعة الاستجابة وتقليل زمن التعامل مع التهديدات الجوية المختلفة، سواء كانت طائرات مقاتلة أو صواريخ باليستية أو طائرات مسيّرة.
وتتم مراحل هذا التكامل عادة عبر مرحلتين رئيسيتين: الأولى هي مرحلة الرصد والكشف، وتشمل أعمال الاستطلاع والإنذار المبكر وتتبع الأهداف الجوية وتحديد مساراتها وسرعاتها ودرجة خطورتها، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التعامل مع الهدف، وتشمل توزيع الأهداف بين المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي وفق طبيعة التهديد والمسافة والارتفاع وزمن الاشتباك، بما يضمن تحقيق أعلى كفاءة قتالية ممكنة داخل مسرح العمليات.
وفي العقائد العسكرية الحديثة، لم يعد سلاح الجو يعمل بصورة منفصلة عن الدفاع الجوي، بل أصبحت المعركة الجوية تدار عبر مفهوم “القتال الشبكي” أو “الحرب الشبكية”، الذي يقوم على الدمج الكامل بين مختلف الأفرع القتالية ومنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستطلاع. لذلك فإن أي انتشار جوي أو دفاعي مشترك داخل مسرح عمليات واحد يفرض بطبيعته درجة معينة من التنسيق الفني والعملياتي، خاصة فيما يتعلق بتحديد الصديق والعدو، وتبادل بيانات الرصد، ومنع التضارب بين المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي أثناء تنفيذ المهام.
وعليه، فإن نشر منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية «القبة الحديدية» داخل مسرح عمليات تنتشر فيه مقاتلات جوية مصرية بدولة الإمارات، يعني أنه في حالة تنفيذ المهام القتالية سيكون هناك تكامل عملياتي، ولو بدرجات متفاوتة، بين المقاتلات المصرية والمنظومات الإسرائيلية والإماراتية. ويتضمن ذلك وجود تنسيق متعلق بإدارة المجال الجوي، وتبادل بيانات التهديدات، وآليات التعارف الإلكتروني، وتنظيم حركة الطيران العسكري داخل منطقة العمليات.
وتبرز أهمية هذه النقطة بالنظر إلى الطبيعة التاريخية للعقيدة العسكرية المصرية، التي تشكلت لعقود طويلة على أساس اعتبار إسرائيل العدو العسكري الرئيسي، في ضوء الحروب التي خاضتها مصر ضد إسرائيل أعوام 1948 و1956 و1967 و1973. لذلك فإن الانتقال من حالة الصراع العسكري المباشر إلى العمل داخل مسرح عمليات واحد يضم معدات ومنظومات إسرائيلية يمثل تحولاً لافتاً في طبيعة العقيدة العسكرية المصرية، التي تتحرك فيها القوات المسلحة المصرية.
وفي هذا السياق، فإن تواجد مفرزة المقاتلات الجوية المصرية في دولة الإمارات لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد انتشار عسكري محدود، بل يرتبط كذلك ببنية أمنية وعسكرية إقليمية آخذة في التشكل، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع المتطلبات الدفاعية المشتركة لبعض الدول عبر تحالف مشترك.
وجود مقاتلات مصرية داخل مسرح عمليات مشترك توجد به منظومات دفاع جوي وتكنولوجيا إسرائيلية لا يُنظر إليه فقط من زاوية التنسيق الجوي أو إدارة المجال الجوي، بل يمتد كذلك إلى أبعاد مرتبطة بالحرب الإلكترونية والاستخبارات التقنية. فوجود المقاتلات داخل بيئة تشغيل تضم رادارات ومستشعرات وأنظمة قيادة وسيطرة متطورة، قد يتيح لتلك المنظومات إمكانية التقاط الإشارات الإلكترونية الصادرة عن الطائرات، ودراسة أنماط تشغيلها وبصمتها الرادارية والإلكترونية، إضافة إلى تحليل طبيعة الاتصالات ونظم العمل أثناء تنفيذ المهام الجوية. وتُعد هذه المسائل من الجوانب المعروفة في الحروب الحديثة، حيث تسعى الدول دائماً إلى جمع أكبر قدر ممكن من البيانات الفنية عن المقاتلات والمنظومات العسكرية المختلفة، بهدف تطوير وسائل الرصد والتشويش ورفع كفاءة أنظمة الدفاع الجوي والاستخبارات الإلكترونية في أي مواجهات مستقبلية محتملة.
أي جيش في العالم يعمل بصورة دائمة على جمع المعلومات عن أسلحة وقدرات الجيوش الأخرى، سواء كانت جيوشاً معادية أو منافسة أو حتى صديقة، ويشمل ذلك مختلف الأفرع العسكرية من القوات الجوية والدفاع الجوي إلى الأنظمة البحرية والإلكترونية والمدفعية والمدرعات. لكن عندما تشترك قوات عسكرية من دولتين داخل تدريبات مشتركة أو مناورات أو مسرح عمليات واحد، فإن الأمر لا يقتصر على المتابعة النظرية أو الرصد عن بُعد، بل يتيح عملياً فرصة لمطابقة المعلومات والبيانات التي جرى جمعها مسبقاً، والتي قد لا تكون دقيقة بالكامل، مع الواقع الفعلي أثناء التشغيل ، فيتم تعديل المعلومات نتيجة التجربة الفعلية. كما يسمح ذلك بجمع قدر أكبر من البيانات الفنية، واستكشاف الإشارات والبصمات الإلكترونية عن قرب، وفهم أنماط التشغيل والاستجابة بصورة أكثر دقة، وهو ما يُعد من الجوانب المهمة في عالم الحرب الإلكترونية والاستخبارات العسكرية الحديثة.
خامساً: حول هتاف “إسرائيل خيال مآته إسرائيل تحت البيادة”:
ظهرت قوات الصاعقة المصرية في إحدى المدن المتاخمة للعاصمة القديمة، القاهرة، في تدريبات تنفذها قوات الصاعقة بشكل متكرر، وهتف العناصر كما هو معتاد ببعض الهتافات لتحميس الأفراد أثناء التدريب.
الهتاف ضد اسرائيل كان مركباً على تدريبات العناصر كما كشفت الفيديوهات التي نشرها البعض لتلك الهتافات التي هتفت ضد اسرائيل.
الهتافات العسكرية داخل الجيوش ليست مجرد كلمات تُردد أثناء تدريبات الجري أو اللياقة البدنية، بل تُعد جزءاً من عملية التعبئة المعنوية والنفسية، ووسيلة لغرس الروح القتالية والانتماء داخل الوحدات العسكرية. وفي الجيش المصري، ارتبطت العديد من الهتافات بالعقيدة القتالية التاريخية التي تشكلت عبر عقود من الصراع والحروب، خاصة مع إسرائيل.
ومن بين تلك الهتافات المتداولة داخل تدريبات اللياقة والجري في الجيش المصري، هتاف: “إسرائيل خيال مآته إسرائيل تحت البيادة”، وهو هتاف قديم معروف داخل بعض الوحدات كوحدات قوات الصاعقة والمظلات وغيرها، وليس أمراً مستحدثاً أو مرتبطاً بمقطع الفيديو المتداول مؤخراً. لذلك، وبغض النظر عمّا إذا كان الصوت في الفيديو المنتشر مُركباً أو معدلاً تقنياً، فإن أصل الهتاف نفسه موجود بالفعل ومتداول منذ سنوات داخل التدريبات العسكرية.
وتاريخياً، اعتمدت الجيوش على مثل هذه الهتافات لرفع الحالة المعنوية للمقاتلين، وتعزيز روح التحدي والانضباط والتحمل أثناء التدريبات الشاقة، خاصة في الجيوش التي خاضت حروباً تقليدية ممتدة وترسخت لديها ذاكرة قتالية مرتبطة بعدو محدد.
وفي الحالة المصرية، فإن الإرث المرتبط بحروب أعوام 1948 و1956 و1967 و1973 جعل جزءاً من الثقافة العسكرية والوجدانية داخل الجيش مرتبطاً بفكرة الصراع التاريخي مع إسرائيل، حتى مع تغيّر الظروف السياسية والإقليمية لاحقاً. لذلك، فإن وجود مثل هذه الهتافات داخل بعض التدريبات العسكرية لا يُعد أمراً مفاجئاً، بل يعكس جانباً من التراكم التاريخي والثقافة القتالية التي تشكلت عبر عقود طويلة داخل المؤسسة العسكرية المصرية.
سادساً: عندما يوجّه الجيش بندقيته نحو شعبه
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ الشعوب، تقف الجيوش على مفترق طرق: إما أن تظل درعاً يحمي الوطن والمواطن، أو أن تنزلق إلى موقع الخصومة مع الشعب، حين يُطلَب منها قمعه بدلاً من حمايته. وفي كل مرة يقرّر فيها قادة جيشٍ ما أن يوجّهوا السلاح إلى صدور مواطنيهم، بدافع الخلافات السياسية أو الانحياز لسلطة، يُحدِث ذلك شرخاً غائراً في العلاقة بين الشعب ومؤسسة يُفترض أنها جزءٌ منه، وليست فوقه.
إن الجيوش لا تُبنَى فقط على العتاد والانضباط، بل على الثقة المتبادلة بينها وبين الشعوب. هذه الثقة تُهدم فوراً حين تُطلَق الرصاصات، لا على عدو خارجي، بل على المتظاهرين والمطالبين بحق، أو حتى المختلفين في الرأي. فبدلاً من أن تكون درعاً للوطن، تُصبح في نظر الكثيرين أداة قمع ووسيلة ترهيب، ويُسجَّل ذلك في سجل التاريخ كنقطة سوداء يصعب محوها.
التجربة التاريخية، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تؤكد أن العنف السياسي الداخلي باستخدام القوة المسلحة لا يحسم خلافاً، بل يفاقمه، ويزرع بذور الكراهية وعدم الثقة لأجيال قادمة. الجيوش التي أطلقت النار على شعوبها، خسرت احترامهم وإن طال بقاؤها في السلطة، لأن الكرامة المهدورة لا تُنسى بسهولة، والدم لا يجف من ذاكرة الأمم.
يبقى الجُرم مضاعفاً حين يكون السبب سياسياً بحتاً؛ فالأدوار الوظيفية للمؤسسة العسكرية يجب أن تبقى واضحة: حماية الحدود، السيادة، والاستقرار الوطني، لا حماية مشروعٍ سياسي أو رئيس أو سلطة مؤقتة.
لذلك، فإن الرصاصة التي تخرج من بندقية الجيش في اتجاه المواطن، لا تقتل شخصاً فقط، بل تقتل روح الانتماء والاحترام المتبادل، وتترك جرحاً في وجدان الوطن لا تداويه بيانات التبرير، ولا يُرممه صمت الخوف.
سابعاً: الحرب السودانية: الجيش يستعيد مركز الدولة والدعم السريع يتمسك بأطرافها (تقدير موقف)
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية ومليشيات الدعم السريع، أصبحت الصورة العسكرية أكثر وضوحاً مما كانت عليه في المراحل الأولى للصراع. فالحرب التي بدأت في أبريل 2023 كصراع على السلطة والنفوذ داخل الدولة السودانية، تحولت تدريجياً إلى حرب واسعة النطاق أعادت رسم خريطة السيطرة العسكرية والجغرافية في البلاد، وأفرزت واقعاً جديداً يمكن من خلاله تقييم موازين القوى بصورة أكثر دقة.
إذا أردنا تقييم الوضع الراهن بعيداً عن الدعاية السياسية والإعلامية للطرفين، فإن أول حقيقة استراتيجية يجب التوقف عندها هي أن القوات المسلحة السودانية نجحت في تحقيق أهم أهدافها العسكرية خلال المرحلة الماضية، وهو استعادة العاصمة الخرطوم ومؤسسات الدولة الرئيسية. فقد تمكن الجيش من استعادة القصر الجمهوري والمطار ومراكز القيادة الحيوية، كما عادت الحكومة السودانية لممارسة أعمالها من الخرطوم بعد سنوات من العمل من بورتسودان. وهذه ليست مجرد مكاسب ميدانية عادية، بل تمثل استعادة مركز الثقل السياسي والإداري للدولة السودانية.
في العلوم العسكرية، لا تُقاس أهمية المدن بحجمها الجغرافي فقط، وإنما بوظيفتها الاستراتيجية. ولذلك فإن استعادة الخرطوم شكلت نقطة تحول رئيسية في مسار الحرب، لأنها أنهت مرحلة كان الدعم السريع خلالها يسيطر على عاصمة البلاد ويمنح نفسه شرعية الأمر الواقع. ومنذ تلك اللحظة انتقلت المبادرة الاستراتيجية تدريجياً إلى الجيش السوداني.
لكن هذا لا يعني أن الحرب حُسمت أو أن الدعم السريع أصبح قوة منهارة. فالحقيقة الثانية التي يجب التوقف عندها هي أن الدعم السريع ما زال يحتفظ بكتلة جغرافية وعسكرية كبيرة في غرب السودان، وخاصة في إقليم دارفور. وتشير معظم التقديرات إلى أن دارفور ما تزال تمثل مركز الثقل العسكري الرئيسي للدعم السريع، حيث يسيطر على أغلب الإقليم، بينما تحتفظ القوات المسلحة وبعض القوات المتحالفة معها بجيوب ومناطق محدودة في أجزاء من شمال دارفور.
وتكتسب دارفور أهمية استثنائية لأنها تمثل العمق الاستراتيجي والبشري واللوجستي للدعم السريع. ولهذا السبب فإن أي حديث عن نهاية الحرب أو حسمها بصورة نهائية يبقى سابقاً لأوانه طالما أن هذا الإقليم ما زال خارج سيطرة الدولة المركزية. كما أن الأحداث الدامية التي شهدتها الفاشر خلال الأشهر الماضية تؤكد أن دارفور ما تزال المسرح الأكثر تعقيداً وخطورة في الصراع السوداني.
أما الجبهة الأكثر أهمية حالياً فهي جبهة كردفان. فبعد استعادة الخرطوم، اتجه التفكير العسكري للجيش نحو كردفان باعتبارها البوابة الطبيعية للوصول إلى دارفور. ولهذا كثف الجيش عملياته العسكرية في شمال وجنوب وغرب كردفان، وبدأ إعادة نشر قواته استعداداً لعمليات أوسع نطاقاً تهدف إلى تقليص نفوذ الدعم السريع وقطع خطوط إمداده القادمة من الغرب.
وقد حقق الجيش بالفعل بعض النجاحات المهمة في هذه الجبهة، من بينها فك الضغوط عن مدينة الأبيض وتنفيذ عمليات هجومية ناجحة في مناطق مختلفة من شمال كردفان. إلا أن طبيعة القتال هناك تؤكد أن المعركة ما تزال مفتوحة، وأن الدعم السريع ما زال يمتلك القدرة على شن هجمات مضادة واستعادة بعض المناطق في ظروف معينة. ولذلك فإن كردفان تحولت فعلياً إلى ساحة الاستنزاف الرئيسية للطرفين، وإلى الجبهة التي ستحدد مستقبل الحرب خلال المرحلة المقبلة.
وفي جبهة جنوب كردفان، نجحت القوات المسلحة السودانية في تحسين وضعها العملياتي من خلال تخفيف الضغوط عن كادقلي والدلنج وتأمين خطوط الإمداد والاتصال مع عدد من الحاميات العسكرية، وهو ما أسهم في تعزيز تموضع الجيش داخل الإقليم ومنع خصومه من تحقيق اختراقات استراتيجية كان من شأنها تهديد السيطرة الحكومية على جنوب كردفان.
وفي النيل الأزرق وبعض المناطق الحدودية الجنوبية، حقق الجيش كذلك تقدماً ميدانياً مكّنه من استعادة مواقع مهمة ومنع توسع خصومه في تلك المناطق، وهو ما ساعد على تثبيت سيطرته على معظم شرق ووسط وشمال السودان.
وعند النظر إلى الصورة العامة للحرب، يمكن القول إن الجيش السوداني يسيطر اليوم على معظم المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وعلى مؤسسات الدولة الرئيسية، وعلى أغلب ولايات الشرق والوسط والشمال، بينما يتركز النفوذ الرئيسي للدعم السريع في دارفور وأجزاء من كردفان.
ومن هنا يمكن الوصول إلى استنتاج مهم: الجيش السوداني هو الطرف الذي يمتلك اليوم المبادرة الاستراتيجية، لكنه لم يحقق بعد الحسم العسكري الكامل. أما الدعم السريع فقد خسر أهم معركة سياسية وعسكرية بخسارته الخرطوم، لكنه ما زال يحتفظ بقدرات كافية تمنعه من الانهيار الكامل أو الخروج من المعادلة.
لذلك فإن السؤال المركزي في الحرب السودانية لم يعد: من يسيطر على الخرطوم؟ بل أصبح: هل يستطيع الجيش السوداني اختراق دارفور عبر بوابة كردفان؟ فإذا نجح في ذلك، فإن الحرب ستدخل مرحلتها الأخيرة. أما إذا استمرت حالة التوازن الحالية، فقد يتجه السودان إلى حرب طويلة الأمد تقوم على الاستنزاف المتبادل والسيطرة المتقاسمة على الجغرافيا.
وبناءً على المعطيات الميدانية الحالية، فإن التقدير العسكري الأكثر دقة هو أن القوات المسلحة السودانية تتقدم بالفعل مقارنة بما كانت عليه في بداية الحرب، وأنها استعادت زمام المبادرة الاستراتيجية، إلا أن الطريق نحو الحسم النهائي ما يزال طويلاً، وأن معارك كردفان ودارفور ستبقى العامل الحاسم في تحديد شكل السودان ومستقبل الحرب خلال السنوات المقبلة.
ثامناً: استراتيجية توزيع الأدوار بين الحلفاء.. قراءة في تباين المواقف المصرية والإماراتية داخل السودان:
تُعدّ استراتيجية توزيع الأدوار بين الحلفاء واحدة من السياسات المعروفة في إدارة الصراعات الإقليمية والدولية، وهي استراتيجية اتبعتها قوى كبرى وإقليمية عبر مراحل مختلفة من التاريخ، بهدف حماية المصالح وتقليل الخسائر مهما كانت نتائج الصراع على الأرض.
وفي هذا السياق، يتساءل البعض: كيف يمكن للسيسي ومحمد بن زايد آل نهيان، في ظل العلاقة الوثيقة بين مصر والإمارات العربية المتحدة، أن يبدوا وكأنهما يدعمان أطرافاً مختلفة داخل الساحة السودانية؟
من وجهة نظري، فإن ما يحدث قد يُفهم ضمن إطار “استراتيجية توزيع الأدوار”، وليس بالضرورة باعتباره تضارباً كاملاً في المصالح أو صداماً حقيقياً بين الطرفين.
فالصراعات الداخلية، وخاصة الحروب الأهلية، تُحسم في النهاية لصالح طرف يمتلك القدرة على فرض السيطرة العسكرية والسياسية، وبالتالي فإن القوة التي دعمت الطرف المنتصر تكون صاحبة النفوذ الأكبر داخل الدولة بعد انتهاء الصراع، بينما تتراجع قدرة الطرف الداعم للخاسر على التأثير.
ومن هنا، تلجأ بعض القوى المتحالفة إلى توزيع الأدوار بصورة تضمن بقاء النفوذ والمصالح مهما كانت نتيجة الحرب، بحيث يدعم كل طرف جهة مختلفة داخل الصراع، مع وجود تفاهمات أو تنسيق غير معلن يحفظ المصالح المشتركة في جميع السيناريوهات المحتملة.
وبناءً على هذه القراءة، أرى أن القاهرة وأبوظبي قد تتعاملان مع الملف السوداني من هذا المنطلق؛ فمهما كانت الجهة التي ستفرض سيطرتها أو تحقق الغلبة النهائية داخل السودان، فإن إحدى الدولتين ستكون قد احتفظت بخط اتصال ونفوذ مباشر مع الطرف المنتصر، بما يسمح بحماية المصالح الإقليمية وإعادة ترتيب العلاقات بعد انتهاء الحرب.
كما أن هذه السياسة تمنح الحلفاء قدرة أكبر على المناورة السياسية، وتقلل من احتمالية خسارة النفوذ بالكامل في حال تغير موازين القوى على الأرض بصورة مفاجئة.
وفي النهاية، تبقى هذه القراءة ضمن إطار التحليل السياسي والاستراتيجي لطبيعة العلاقات الإقليمية وإدارة النفوذ داخل مناطق الصراع، خاصة أن كثيراً من التحالفات في الشرق الأوسط لا تُدار دائماً وفق المواقف المعلنة، بل وفق حسابات أكثر تعقيداً ترتبط بالمصالح بعيدة المدى وتوازنات القوة في المنطقة.
تاسعاً: قراءات لتطورات الأوضاع بين أمريكا وإيران
1- البنتاجون يحذر من حرب جديدة مع إيران.. الدفاعات الجوية الإيرانية تدرس التكتيكات الأمريكية:
قال مسؤول عسكري أمريكي لنيويورك تايمز إن إيران، وربما بمساعدة روسية، درست أنماط طيران المقاتلات والقاذفات الأمريكية وعززت دفاعاتها. وأضاف أن إسقاط مقاتلة F-15E واستهداف مقاتلة F-35 كشفا أن التكتيكات الجوية الأمريكية أصبحت أكثر قابلية للتوقع، ما دفع البنتاجون إلى تحذير ترامب من استئناف الحرب، لأن أي مواجهة جديدة قد تكون مختلفة وأكثر كلفة من السابقة.
نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول عسكري أمريكي قوله إن إيران استغلت وقف إطلاق النار المستمر منذ شهر لإعادة فتح عشرات المواقع الصاروخية التي تعرضت للقصف الأمريكي، ونقل منصات إطلاق صواريخ متنقلة، إلى جانب تعديل تكتيكاتها العسكرية استعداداً لأي جولة جديدة من المواجهة. أوضح المسؤول أن إيران خزنت العديد من الصواريخ الباليستية داخل كهوف ومنشآت عسكرية محفورة في جبال من الغرانيت، ما يجعل تدميرها بواسطة الطائرات الأمريكية أمراً بالغ الصعوبة، ولذلك ركزت الضربات الأمريكية السابقة على استهداف مداخل تلك المنشآت، لكن إيران تمكنت لاحقاً من إعادة فتح عدد كبير منها.
وبحسب ما ورد في تقارير وتحليلات أمريكية متداولة، وهي تعكس تخوفات عسكرية تُناقش داخل غرف العمليات خلال الحروب الممتدة، فإن أحد أبرز المخاوف داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية يتمثل في أن استمرار العمليات الجوية ضد إيران يمنح الإيرانيين فرصة أكبر لدراسة أنماط الطيران الأمريكية، وجمع بيانات إلكترونية عن المقاتلات ووسائل الهجوم، خاصة مع تكرار الطلعات الجوية واستخدام المسارات نفسها أو تكتيكات تشغيل متشابهة. ويُعد ذلك جزءاً مما يُعرف بعالم “الاستخبارات الإلكترونية” و ”التعلم العملياتي” أثناء الحروب.
من منظور عسكري، فإن طول أمد الحملات الجوية يمنح الخصم فرصة أكبر لتحليل أنماط التشغيل والتحرك، وجمع المزيد من البيانات الفنية والإلكترونية، وهو ما يُعد من أبرز المعوقات أمام استمرار أي حملة جوية طويلة ضد خصم يمتلك قدرات رصد ودفاع جوي فعالة.
كما أشارت تقارير أمريكية كذلك إلى أن بعض التقديرات الأولية التي تحدثت عن “تدمير كامل” لقدرات الدفاع الجوي الإيراني كانت مبالغاً فيها، بعدما استمرت إيران في تشغيل بعض الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي واعتراض أهداف جوية خلال مراحل من الحرب، وهو ما أثار نقاشاً داخل واشنطن حول تكلفة العودة إلى الحرب وإمكانية تعرض الطائرات الأمريكية لخطر أكبر في أي جولة جديدة.
وفي السياق نفسه، تتخوف دوائر داخل البنتاجون من أن أي حرب طويلة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف معقدة، ليس فقط بسبب الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، بل أيضاً نتيجة تطور قدرات الرصد والحرب الإلكترونية الإيرانية، وقدرتها على تحليل أساليب العمل الأمريكية مع مرور الوقت.
كما أقول دائماً، فكل مواجهة عسكرية ممتدة تمنح الطرفين فرصة لفهم تكتيكات بعضهما بصورة أعمق، وتعديل أساليب القتال والتشويش والرصد وفقاً لذلك. وهذه تُعد من القواعد الأساسية في الحروب الحديثة، حيث لا تقتصر المعارك على تحقيق إصابات ميدانية فقط، بل تتحول مع الوقت إلى عملية متبادلة لجمع المعلومات وتحليل أنماط التشغيل واكتشاف نقاط القوة والضعف. فكل طلعة جوية، وكل عملية اعتراض، وكل استخدام للرادارات أو أنظمة التشويش، يترك خلفه بيانات وإشارات يمكن تحليلها والاستفادة منها في تطوير وسائل المواجهة. ولذلك، فإن الحروب الطويلة تمنح الأطراف المتقاتلة فرصة أكبر للتعلم العملياتي والتكيف التكتيكي، ما يجعل استمرار القتال بمرور الوقت أكثر تعقيداً وكلفة، خاصة ضد خصم يمتلك قدرات على الرصد والحرب الإلكترونية والتكيف الميداني.
في سياق متصل قال الحرس الثوري الإيراني أنه أسقط طائرة درون أمريكية من طراز MQ-1 في الساعات الأولى من يوم 1 يونيو، مستخدم ما وصفه بنظام دفاع جوي جديد.
المشاهد التي أظهرها الحرس الثوري تشير إلى أن القوات الإيرانية باتت تمتلك منظومات دفاع جوي أكثر دقةً وتطورًا، وهذا يشير إلى أن إيران، منذ توقف الحرب، تحاول سد الثغرات في منظومة الدفاع الجوي التي أظهرتها الحرب، وهذا له تفسيران:
الأول: أن إيران باتت تمتلك منظومات دفاع جوي بجهد ذاتي محلي أكثر تطورًا، وأن التصنيع الحربي الإيراني لم يعد يقتصر فقط على المسيّرات والصواريخ الباليستية والفرط صوتية المتطورة، بل إن الدفاع الجوي أصبح حقلًا إنتاجيًا اقتحمته إيران بصورة أكبر، بما يمكّنها من امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة.
الثاني: أن روسيا أو الصين دعمتا إيران بمنظومات دفاع جوي ذات تكنولوجيا أحدث وأكثر تطورًا، لسد الثغرة المستمرة في القوات المسلحة الإيرانية على صعيد الدفاع الجوي.
2- تقدير موقف: ترامب بين فخّ إيران وخيارَي الاستنزاف السياسي أو الانفجار العسكري:
ترامب غرق في ملف إيران، وكلا الخيارين أمامه مُرّ؛ سواء الاستمرار في المسار السياسي بالتوازي مع حصار إيران، أو العودة إلى المسار العسكري.
المنطقة تعيش حالة ترقب، وأيّ الخيارين سيختاره الأمريكي يتوقف على حجم الضغوط التي يتعرض لها ترامب، سواء من الأطراف التي تدفعه نحو استمرار الحرب والقضاء على التهديد الإيراني لإسرائيل من المنظور الإسرائيلي، أو من الضغط الداخلي الأمريكي والخارجي الرافض لاستئناف الحرب، لأن استئنافها يعني مزيداً من الضغط على الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأمريكي، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى خسارة ترامب والجمهوريين في الانتخابات القادمة.
الخيار الأول: الاستمرار في المسار السياسي
إيران تخوض معركة سياسية بلا هوادة، وتُصرّ على شروطها، وترامب من جانبه إذا قبل بمطالب إيران فسيخرج بهزيمة منكرة، قد تكون من أسوأ الهزائم الأمريكية على المستويين السياسي والعسكري.
فإطالة أمد المسار السياسي تزيد الضغط على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة، وإذا استمرت الحالة الراهنة بالشكل الحالي، بحيث يقدّم أحد الطرفين مقترحاً فيرفضه الطرف الآخر، فإن ذلك سيزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة، الذي بات الجميع يئن من تداعياته.
ومن هنا قد ترى الولايات المتحدة الأمريكية، في النهاية، أن إبرام اتفاق يضمن فتح مضيق هرمز بالكامل، مع بعض البنود الأخرى “في الملفان النووي والباليستي الصاروخي”، أصبح أمراً مُلحاً لوقف الضغوط على سوق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ومن الممكن، بناءً على هذه الفرضية، أن ترامب والمجموعة الضيقة التي تدير معه الملف قد يوازنون الأمور، ويرون أن الانسحاب الأمريكي هو أقل الخسائر. هذا الانسحاب قد يقدمه ترامب باعتباره “انتصاراً”، كما يروج طوال الوقت عبر الحديث عن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، والقضاء على البحرية الإيرانية، وقتل بعض القادة الإيرانيين.
لكن ذلك سيتوقف أيضاً على الموقف الإسرائيلي، الذي يرى أن انتهاء الحرب بهذا الشكل قد يؤدي إلى خروج إيران كقوة كبرى، ليس فقط على مستوى الإقليم، بل على مستوى العالم.
الخيار الثاني: العودة إلى المسار العسكري
الخيار الآخر أمام ترامب هو استئناف الحرب بشكل أكبر، وتوجيه ضربات عسكرية أكثر قوة إلى إيران، لكن هذا سيستلزم جهداً عسكرياً ضخماً، ونتيجته في النهاية ليست محسومة، وربما تدخل الولايات المتحدة في حرب طويلة الأمد تتكبد فيها خسائر قد تكون أكبر من حربي فيتنام والعراق، من دون تحقيق أهدافها النهائية.
فإيران صمدت لأربعين يوماً، ووظفت جهدها الحربي في أكثر من مسرح عمليات، وقد تكون استعوضت الكثير من خسائرها العسكرية خلال فترة الهدنة. كما أن مخزون إيران الصاروخي والمسيّرات قد يمكنها من خوض حرب طويلة الأمد تُكبّد فيها إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها، أضراراً أكبر.
كما أن أي عودة واسعة للحرب ستؤدي إلى تصعيد إقليمي غير قابل للاحتواء، تهديد أكبر لحركة الملاحة والطاقة (هرمز – باب المندب)، ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وتوسّع دائرة الاستهداف بشكل أكبر من الحرب الماضية لبنى تحتية وعسكرية في أماكن تواجد القواعد والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج.
خاتمة
المشهد الحالي يعكس مأزقاً أمريكياً مركباً؛ فواشنطن لا تستطيع تحقيق نصر حاسم بسهولة، وفي الوقت نفسه تخشى أن يُفسَّر أي تراجع أو تسوية سياسية باعتباره انتصاراً إستراتيجياً لإيران.
لذلك يبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول إدارة الصراع أكثر من حسمه، عبر المزج بين الضغط العسكري، والحصار الاقتصادي، والمسار السياسي، على أمل الوصول إلى صيغة تمنع الانفجار الكبير وتحفظ ماء الوجه الأمريكي في الوقت نفسه.
لكن المشكلة الأساسية أن ميزان الوقت لم يعد يعمل بالكامل لصالح واشنطن؛ فكلما طال أمد الأزمة ازدادت كلفتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، واتسعت مساحة المناورة أمام إيران.
وفي المقابل، تدرك إسرائيل أن أي نهاية للحرب لا تتضمن تقويضاً حقيقياً لقدرات إيران الإستراتيجية ستعني عملياً اعترافاً بصعود إيران كقوة إقليمية كبرى تمتلك القدرة على فرض معادلات ردع جديدة في المنطقة.
ولهذا، فإن المنطقة تقف حالياً أمام مرحلة شديدة الحساسية، عنوانها الرئيسي: إما تسوية مؤقتة تُجمّد الانفجار، أو عودة إلى مواجهة أوسع قد تغيّر شكل التوازنات في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.
4- الردود الإيرانية المباشرة على التعديات الأمريكية:
التحرك الإيراني السريع والفعال رداً على العمليات العسكرية الأمريكية (عملية الحرية) لحركة السفن عبر مضيق هرمز هو ما دفع ترامب إلى إعلانه إيقاف العمليات لفترة قصيرة، وذلك لدراسة الأمر من ناحية عسكرية، ومن زاوية أخرى لتأكيد الجانب الإيراني رفضه التفاوض تحت سقف الضغط العسكري.
كذلك التحرك الإيراني السريع على الاعتداءات الأمريكية على جزيرة قشم يعكس فرض معادلة إيرانية جديدة على الواقع الميداني.
ويعكس هذا التحرك الإيراني نمطاً قائماً على سرعة الاستجابة وفرض معادلة ردع مقابلة، بما يحدّ من قدرة الطرف الآخر على الاستمرار في فرض إيقاع أحادي للعمليات. كما يشير إلى أن طهران نقلت المعركة من مرحلة تلقي الضربات إلى مرحلة التأثير المباشر في مسار العمليات، وهو ما يفرض على واشنطن إعادة تقييم حساباتها الميدانية والسياسية. وفي المقابل، فإن قرار الإيقاف المؤقت لا يمكن فصله عن محاولة احتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل حساسية مسرح العمليات في مضيق هرمز وتأثيره المباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية.
ما تقوم به البحرية الإيرانية التابعة للحرس الثوري، والقوة الصاروخية التابعة للحرس الثوري، يشير ويؤكد على الإمكانيات والقدرات التي يحافظ عليها، وأن القوة العسكرية الإيرانية ما زالت حاضرة وبقوة في الميدان، وذلك يدحض تصريحات ترامب المستمرة التي يدّعي فيها أن أمريكا أجهزت وقضت تماماً على البحرية الإيرانية والقدرات العسكرية الإيرانية.
الحروب وصناعة القوة: قراءة في صعود إيران ضمن معادلات الإقليم والنظام الدولي :
لا تُقاس الحروب فقط بحجم الدمار الذي تخلّفه، بل بما تُنتجه من تحولات في موازين القوة. فهي، في مآلاتها، تسير في اتجاهين رئيسيين: إما أن تسحق جيوشاً ودولاً فتُضعفها وتدفعها إلى التراجع، أو أن تخرج منها دولٌ أكثر قوة، وقد أعادت تشكيل قدراتها وموقعها، لتتحول إلى رقم صعب في المعادلة الإقليمية والدولية.
ضمن هذا الإطار، تبدو الحالة الإيرانية نموذجاً لافتاً يستحق القراءة. فحتى هذه المرحلة، لم تُترجم الحرب بالنسبة لطهران إلى حالة إنهاك أو تراجع، بقدر ما مثّلت فرصة لإعادة تثبيت موقعها وتعزيز حضورها. لقد أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضغوط، وإدارة المواجهة بصورة تمنع الانهيار، بل وتفتح المجال أمام تحقيق مكاسب نسبية على مستوى النفوذ والتأثير.
هذا التحول لا يرتبط فقط بالأداء العسكري، بل أيضاً بكيفية توظيفه سياسياً. فالدول التي تنجح في الخروج من الحروب أكثر قوة هي تلك التي تستطيع تحويل إنجازاتها الميدانية (أو حتى صمودها) إلى أوراق ضغط على طاولة التفاوض. وفي هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تمضي في هذا الاتجاه، حيث تسعى إلى ترجمة موقعها الميداني إلى وزن سياسي يعزز حضورها في المعادلات الإقليمية، ويمدّ جسور التأثير إلى مستويات أوسع في النظام الدولي.
ومع تزايد تعقيد المشهد الإقليمي، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية، باتت طهران طرفاً لا يمكن تجاوزه في عدد من القضايا المحورية. هذا الحضور لا يعني بالضرورة الوصول إلى موقع “صناعة القرار العالمي” بشكل كامل، لكنه يشير إلى انتقال تدريجي نحو موقع أكثر تأثيراً، يتيح لها المشاركة في صياغة بعض ملامح التوازنات الدولية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي والطاقة والممرات الحيوية.
في المحصلة، تعكس التجربة الإيرانية الحالية إحدى حقائق الصراعات الكبرى: أن الحروب، رغم كلفتها العالية، قد تتحول إلى لحظة إعادة تشكيل، تعيد تعريف موقع الدول في النظام الدولي. وبينما لا تزال نتائج هذه المرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، فإن المؤكد أن إيران نجحت (حتى الآن) في تثبيت نفسها كلاعب صعب، يمتلك من الأدوات ما يؤهله للبقاء ضمن دوائر التأثير في الإقليم، والسعي المتدرّج لتعزيز موقعه على الساحة الدولية.
3 الحرب النفسية والإعلامية.. لماذا تُروج تقارير “العملاء” داخل إيران؟
خلال فترات الصراع والتوترات الكبرى، لا تقتصر المواجهة بين الدول على الجانب العسكري فقط، بل تمتد كذلك إلى ساحات الإعلام والحرب النفسية ومحاولات التأثير على الجبهة الداخلية للخصم. وفي هذا السياق، تبرز بين الحين والآخر تقارير ومقالات في بعض وسائل الإعلام العبرية والأمريكية تتحدث عن وجود قادة أو مسؤولين داخل إيران يُزعم أنهم عملاء أو مرتبطون بجهات خارجية.
ومن وجهة نظري، فإن جزءاً كبيراً من هذه التقارير يندرج ضمن إطار الحرب النفسية والإعلامية أكثر من كونه مجرد عمل صحفي أو معلومات استخباراتية دقيقة. فالهدف الأساسي من مثل هذه المواد لا يقتصر على كشف معلومات للرأي العام، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة خلق حالة من الشك والريبة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، وإثارة خلافات داخلية بين مراكز القوة المختلفة.
وتاريخياً، تعتمد أجهزة الاستخبارات والحروب النفسية على مبدأ “ضرب الثقة الداخلية”، أي دفع الأطراف المتماسكة إلى الشك ببعضها البعض، عبر نشر معلومات أو تسريبات تتحدث عن اختراقات وعملاء وصراعات خفية. فمجرد انتشار هذا النوع من الروايات داخل أي دولة قد يؤدي إلى خلق أجواء من التوتر وعدم الثقة، حتى لو لم تكن المعلومات دقيقة بالكامل.
ويبدو أن هذا المسار تصاعد بصورة أكبر بعد فشل الرهانات الأمريكية والإسرائيلية على إحداث حالة انهيار داخلي أو تفكك سياسي داخل إيران عقب التطورات الأخيرة وعمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات بارزة على رأسهم مرشد الثورة على خامنئي. فبدلاً من ظهور حالة انهيار أو اضطراب واسع، بدا النظام الإيراني أكثر تماسكاً وتشدداً، مع التفاف مؤسسات الدولة حول القيادة السياسية والعسكرية.
لذلك، فإن الحديث المتكرر عن “عملاء داخل النظام” قد يكون بدرجة كبيرة جزءاً من محاولة مستمرة لإيجاد شرخ داخلي لم يتحقق عبر الضغوط العسكرية أو العقوبات الاقتصادية أو حتى الاغتيالات. فحين تعجز المواجهة المباشرة عن تحقيق أهدافها، تنتقل المعركة إلى ساحات أخرى، أبرزها الإعلام والحرب النفسية ومحاولة التأثير على التماسك الداخلي للخصم.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل ما يُنشر غير صحيح بالكامل، فكل دول العالم معرضة لمحاولات الاختراق والتجسس، لكن طريقة طرح هذه الملفات وتوقيتها وحجم الترويج لها يكشف أحياناً عن أهداف سياسية ونفسية تتجاوز مجرد نقل المعلومات. ولهذا، فإن قراءة مثل هذه التقارير تحتاج دائماً إلى قدر من الحذر والتحليل، بعيداً عن التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية أو معلومات مؤكدة بصورة مطلقة.
4 ما وراء دعوة ترامب لبعض الدول العربية للانضمام إلى اتفاقية “إبراهام”:
ترامب يعمل على صناعة أي انتصار يمكنه تسويقه عبر الاتفاق المرتقب مع إيران، بعد فشله في تحقيق أيٍّ من أهدافه الأساسية تجاه طهران. وهو يحاول خلق معادلة مفادها: “انسحبنا من حرب إيران، لكننا قرّبنا العرب أكثر من إسرائيل”.
ترامب، بطلبه من الدول العربية التي تتفاوض بشأن الاتفاق النووي مع إيران، “بشكل إلزامي”، الانضمام إلى اتفاقية إبراهام، يريد إقناع إسرائيل واللوبي الصهيوني بأنه حقق مكسباً ما لصالح تل أبيب، التي ترى نفسها الخاسر الأكبر من أي اتفاق نهائي بين إيران وأمريكا، لتقبل بالهدنة التي اضطرت إليها أمريكا بسبب الخسائر الاقتصادية.
إسرائيل، التي أدارت حرب إبادة ما تزال مستمرة حتى الآن، تعرّت أمام الرأي العام العالمي، وأي دولة عربية قد تُقدم على خطوة الانضمام إلى اتفاقية إبراهام ستواجه كلفة سياسية وشعبية هائلة، قد تصل إلى حد الانتحار السياسي بمعنى الكلمة. ترامب لا يريد إلا مصلحته وتلميع صورته.
من خلال قراءتي، فالواقع الميداني طوال الـ40 يوماً أثبت لأمريكا أن قدرات إيران ليست كما كانت تقدرها المخابرات الأمريكية. كما أن الولايات المتحدة ليست لديها القدرة العسكرية الكافية في الوقت الراهن للدخول في مواجهة جديدة ستكون على الأرجح أقوى وأوسع من حرب الـ40 يوماً، بخلاف ورقة هرمز التي كبّدت أمريكا والعالم خسائر كبرى. لذلك، تبدو تقديرات البنتاجون المقدمة لترامب واضحة: لا تدخل في حرب مجدداً.
وعلى ذلك، تريد الولايات المتحدة الأمريكية إبرام اتفاق يكون جوهره الأساسي فتح مضيق هرمز في القريب العاجل، حتى تتوقف الخسائر الاقتصادية داخل أمريكا وعلى مستوى العالم ككل، على أن تُناقش البنود الأخرى الخاصة بالملف النووي في مراحل لاحقة ضمن مفاوضات مطولة، لعلمها أن هذا الملف شديد التعقيد وسيحتاج إلى وقت طويل.
5-وساطة بين أطراف الحرب: متى يكون الوسيط وسيطاً حقيقياً ومتى يتحول إلى ساعي بريد؟
في النزاعات والحروب الكبرى، لا يقتصر مفهوم الوساطة على نقل الرسائل بين الأطراف المتحاربة، بل يتجاوز ذلك إلى دور سياسي ودبلوماسي معقد يهدف إلى تقليص الفجوات، وبناء مساحات مشتركة، وابتكار مخارج تتيح الوصول إلى تفاهمات أو تسويات قابلة للحياة. فالوسيط الحقيقي لا يعمل كصندوق بريد بين طرفين متخاصمين، وإنما كفاعل سياسي يسعى إلى إدارة الأزمة والتأثير في مسارها.
وعلى امتداد التاريخ، لعب الوسطاء أدواراً محورية في إنهاء الحروب أو تجميدها أو تهيئة الظروف للتفاوض. وقد ارتبط نجاح الوساطة دائماً بقدرة الوسيط على امتلاك رؤية، وتقديم مبادرات، وممارسة ضغوط أو تقديم ضمانات للطرفين. أما الاكتفاء بنقل الرسائل من طرف إلى آخر دون أي جهد لتقريب المواقف أو صياغة حلول، فهو دور أقرب إلى “ساعي البريد” منه إلى الوسيط السياسي بالمعنى الاستراتيجي للكلمة.
وفي حالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت أدوار عدة دول حاولت المساهمة في فتح قنوات التواصل بين الأطراف المتصارعة. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل كانت تلك الأطراف تؤدي دور الوسيط الحقيقي، أم أنها كانت مجرد قنوات لنقل الرسائل بين واشنطن وطهران؟
على المستوى العسكري، أظهرت القوات المسلحة الإيرانية خلال الحرب أداءً لافتاً يستحق الدراسة والتحليل. فعلى الرغم من الفارق الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فإن طهران تمكنت من توظيف إمكاناتها المتاحة بأفضل صورة ممكنة. وقدمت نموذجاً في إدارة الصراع يقوم على استثمار عناصر القوة المتوافرة وتعظيم تأثيرها السياسي والعسكري.
ولم يكن الإنجاز الإيراني، وفق هذه القراءة، مرتبطاً فقط بالقدرة على الصمود، بل بالقدرة على فرض معادلات جديدة دفعت الولايات المتحدة في النهاية إلى العودة لمسار التفاوض. وما قدمته إيران خلال تلك الحرب لا يحتاج إلى مؤرخين أو مذكرات لتفسيره أو شرحه، لأن الوقائع الميدانية والنتائج السياسية كانت واضحة أمام الجميع، وانعكست بصورة مباشرة على مسار الأحداث والقرارات اللاحقة.
أما على المستوى السياسي، فإن الدور الباكستاني ما يزال حتى الآن أحد أكثر الملفات غموضاً. فالصورة المتاحة للرأي العام لا تسمح بتحديد طبيعة هذا الدور بدقة: هل إسلام آباد تمارس دور الوسيط بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ أم أنها كانت مجرد قناة اتصال تنقل الرسائل بين الأطراف؟ أم أنها كانت تميل بصورة أو بأخرى إلى أحد الأطراف مع الحفاظ على خطاب دبلوماسي متوازن؟
هذا الغموض يجعل من الصعب إصدار أحكام نهائية حول حقيقة الدور الباكستاني. فالكثير مما يجري داخل الغرف المغلقة لا يعرف تفاصيله سوى المشاركين المباشرين في تلك المفاوضات. ولذلك فإن فهم هذا الملف بصورة دقيقة سيظل مرتبطاً بما قد يُنشر مستقبلاً من مذكرات ووثائق وشهادات المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين والباكستانيين الذين شاركوا في إدارة تلك المرحلة الحساسة.
وعلى الأرجح، فإن المؤرخين والباحثين في المستقبل سيجدون أن الجانب العسكري من الحرب كان أكثر وضوحاً من الجانب السياسي. فالمعارك والنتائج الميدانية كانت مرئية للجميع، أما ما جرى خلف أبواب التفاوض المغلقة، وخاصة ما يتعلق بالدور الباكستاني، فسيبقى أحد الملفات التي تحتاج إلى شهادات المشاركين ووثائق المرحلة حتى تتكشف حقيقتها كاملة.
6-إيران ومبدأ وحدة الساحات:
تشير تصريحات وزير الخارجية الإيراني ، وكذلك تصريحات قيادة مقر خاتم الأنبياء، إلى أن إيران تتحرك وفق مبدأ “محور المقاومة” و”وحدة الساحات” في المسار السياسي. وإذا لم تُفضِ الجهود السياسية إلى إلزام إسرائيل والولايات المتحدة بوقف القتال على مختلف الساحات، وخصوصًا في لبنان، فإن ذلك قد يدفع إيران إلى العودة إلى المسار العسكري بشكل مباشر، إذا مضت إسرائيل قدمًا في توسيع هجومها على لبنان.
ويبدو أن هذا التوجه بات أكثر وضوحًا في ضوء ما تعتبره طهران دروسًا مستفادة من التجارب السابقة، إذ تسعى إلى ترميم مبدأ “وحدة الساحات” الذي اعتقدت إسرائيل والولايات المتحدة أنه تعرض للتصدع خلال الفترة الماضية. ويُنظر إلى هذا التحرك باعتباره جزءًا من مقاربة استراتيجية أشمل، خاصة أن حزب الله قدّم جهدًا عسكريًا داعمًا ومفاجئًا خلال الحرب على إيران، وهو ما يفرض، من المنظور الإيراني، التزامًا متبادلًا تجاه الساحة اللبنانية، ويجعل أي تهديد كبير يتعرض له لبنان أو حزب الله محل اهتمام مباشر من جانب طهران.
عاشراً: تطورات جبهة جنوب لبنان
أولاً: على الجانب الإسرائيلي:
قام الجيش الإسرائيلي بتوسيع عملياته العسكرية في نقاط مختلفة داخل لبنان في اتجاهها الجنوبي وعلى شمال وجنوب نهر الليطاني، توسيع العملية الإسرائيلية في لبنان واحتلال قلعة الشقيف يعنيان أن العملية العسكرية تتجه نحو مرحلة أعمق وأكثر اتساعاً. فالعدو الصهيوني يعمل على تعميق عملياته العسكرية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على طاولة التفاوض السياسي.
في المقابل، الدولة اللبنانية تراهن على المسار التفاوضي فقط، وهو ما يمثل خللاً في إدارة المواجهة. أما المقاومة اللبنانية، فهي العامل الوحيد القادر على إفشال مخططات العدو الساعية إلى تكرار نموذج غزة، سواء من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة أو قضم المزيد من الأراضي اللبنانية وفرض معادلات تخدم أهدافه الاستراتيجية.
وفي مثل هذه الحالات، فإن المفاوضات وحدها لا تكون كافية إذا لم تستند إلى قوة ميدانية قادرة على منع العدو من ترجمة مكاسبه العسكرية إلى إنجازات سياسية دائمة. ولذلك تبقى المقاومة وعملها الميداني العنصر الأهم في تعطيل أهداف الاحتلال ومنعه من فرض الأمر الواقع على الأرض.
ثانياً: الهجوم الإستراتيجي لحزب الله: منع إسرائيل من فرض واقع ميداني جديد في جنوب لبنان:
تتعامل قيادة حزب الله مع الواقع الميداني الحالي في جنوب لبنان باعتباره مرحلة شديدة الحساسية، لا ترتبط فقط بالمواجهات العسكرية المباشرة، بل بمحاولة إسرائيلية أوسع لإعادة رسم المشهد الحدودي وفرض وقائع ميدانية جديدة عبر إنشاء نقاط وتموضعات مستحدثة داخل مناطق التماس. ومن منظور حزب الله، فإن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن مشروع إستراتيجي يهدف تدريجياً إلى تكريس معادلات أمنية وجغرافية جديدة، قد تتحول مع الوقت إلى أمر واقع يهدد السيادة اللبنانية ويمنح إسرائيل مكاسب ميدانية طويلة الأمد.
في العقيدة العسكرية لحزب الله، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه المراحل هو السماح للخصم بترسيخ تموضع ثابت دون تكلفة مرتفعة، لأن تثبيت النقاط الميدانية يعني لاحقاً تحويلها إلى أوراق ضغط سياسية وأمنية. لذلك، يبدو أن الحزب يتعامل مع المرحلة الحالية وفق مفهوم “إفشال التثبيت”، أي منع العدو من تحويل تحركاته المؤقتة إلى بنية انتشار مستقرة ودائمة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن الإستراتيجية التي تبدو حاضرة في أداء حزب الله هي “الهجوم الإستراتيجي”، وليس الاكتفاء بالدفاع التقليدي أو الاحتواء المحدود. ويقوم هذا المفهوم على نقل الضغط إلى الخصم بصورة مستمرة، وحرمانه من القدرة على العمل بأريحية أو بناء واقع آمن خلف خطوط التماس. فالحزب يدرك أن الدفاع السلبي في مثل هذه البيئات يمنح إسرائيل الوقت الكافي لإعادة تنظيم انتشارها وخلق مناطق نفوذ تدريجية.
الهجوم الإستراتيجي هنا لا يعني بالضرورة الانزلاق إلى حرب شاملة وفورية، بل يعتمد على إدارة تصعيد مدروس يقوم على الضربات المركزة، والاستنزاف المستمر، ورفع الكلفة الأمنية والعسكرية على القوات الإسرائيلية في النقاط المستحدثة. والهدف الأساسي من ذلك هو إبقاء الجبهة في حالة ضغط دائم، بما يمنع تثبيت أي معادلة جديدة على الأرض.
كما أن حزب الله يدرك أن إسرائيل تحاول الاستفادة من البيئة الإقليمية والدولية الحالية لفرض وقائع جديدة مستغلة الضغوط السياسية والاقتصادية التي يعيشها لبنان وكذلك إيران، وبالتالي فإن أي تراجع ميداني أو قبول بالأمر الواقع قد يُفسَّر إسرائيلياً كفرصة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك بصورة أوسع.
لهذا، فإن التصعيد من وجهة نظر حزب الله لا يُنظر إليه كخيار هجومي فقط، بل كوسيلة دفاع إستراتيجي بعيدة المدى تهدف إلى منع التآكل التدريجي للواقع الميداني اللبناني. فالصراع في هذه المرحلة، وفق هذا المنظور، لا يدور فقط حول تبادل الضربات، بل حول من يفرض شكل الجغرافيا العسكرية وقواعد الاشتباك في المرحلة المقبلة.
الحروب غير المتكافئة وتغير قواعد الاستنزاف
تكشف المعارك الحديثة بصورة متزايدة عن تحول مهم في طبيعة الحروب غير المتكافئة، حيث لم تعد الكثرة العددية أو امتلاك المنظومات الثقيلة وحدها العامل الحاسم في الميدان. فقد أصبحت القدرة على توظيف الوسائل منخفضة التكلفة بكفاءة عالية عنصرًا مؤثرًا في معادلة الصراع.
وفي هذا السياق، يظهر حزب الله نموذجًا يعتمد على مبدأ “الكيف قبل الكم”، من خلال استخدام وسائل هجومية دقيقة، وعلى رأسها المسيّرات الانقضاضية، لاستهداف أهداف عسكرية محددة. ويهدف هذا النهج إلى تحقيق أعلى قدر من التأثير بأقل قدر من الموارد، بما يجعل معظم الضربات موجهة نحو أهداف ذات قيمة عملياتية أو تكتيكية واضحة.
وتتمثل أهمية هذا التطور في أنه يفرض على الخصم تكلفة مرتفعة مقارنة بكلفة الوسائل المستخدمة ضده. فبينما تُستخدم أسلحة ومنظومات منخفضة التكلفة نسبيًا لتنفيذ الهجمات، تجد الجيوش التي تعتمد على منظومات دفاعية متقدمة نفسها مضطرة إلى إنفاق موارد باهظة لاعتراضها أو التعامل معها، فضلًا عن الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن بعض الاختراقات الناجحة.
لذلك، فإن أحد أبرز دروس الصراعات المعاصرة يتمثل في أن ميزان القوة لم يعد يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على إدارة معركة الاستنزاف وفرض معادلة تكلفة غير متوازنة على الخصم، وهي معادلة باتت تلعب دورًا متزايد الأهمية في ساحات القتال الحديثة.
الحادي عشر: تطورات الحرب الروسية- الأوكرانية
تشهد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تطورات ميدانية وعسكرية لافتة تعكس استمرار الصراع بصورة أكبر على نمط “حرب الاستنزاف طويلة الأمد”، في ظل استمرار العمليات الهجومية الروسية على عدة محاور، مقابل تصاعد الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة داخل العمق الروسي. التطورات الجديدة تهدد أيضاً بانتقال الصراع لمراحل جديدة يتسع فيها نطاقه الجغرافي، وتستخدم فيها أسلحة جديدة أشد فتكاً وتدمياً.
على الجانب الروسي:
على المستوى الميداني، تواصل القوات الروسية الضغط على جبهات الشرق الأوكراني، خصوصاً في محاور دونيتسك وخاركيف، مع تركيز موسكو على سياسة “القضم البطيء” للمناطق عبر الاعتماد على التفوق الناري والمدفعي، بدلاً من شن عمليات اختراق واسعة وسريعة كما حدث في المراحل الأولى من الحرب.
تكثِّف روسيا من استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة الانتحارية لضرب البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية الأوكرانية، في إطار استراتيجية تهدف إلى إنهاك القدرات الاقتصادية واللوجستية لكييف، ورفع كلفة استمرار الحرب على الدولة الأوكرانية وحلفائها الغربيين.
التطورات الجديدة شملت إجراء روسيا تدريبات نووية واسعة النطاق بمشاركة بيلاروسيا على الأراضي البيلاروسية ، وصفها الرئيس الأوكراني زيلينسكي بسابقة خطيرة ، في رسالة ردع واضحة تعكس أن موسكو تعمل على إظهار جاهزيتها لكافة السيناريوهات والاحتمالات، خصوصاً في ظل التصعيد المتزايد مع الغرب واستمرار الحرب في أوكرانيا.
وقد شهدت المناورات النووية) في إطار هذه التدريبات المشتركة بين روسيا وبيلاروسيا تصعيداً لافتاً في مستوى الجاهزية العملياتية للقوات النووية، حيث تم تجهيز صواريخ “إسكندر” برؤوس نووية داخل نقاط ميدانية في مناطق تمركز الألوية الصاروخية الروسية داخل الأراضي البيلاروسية، في رسالة ردع استراتيجية تحمل دلالات عسكرية وسياسية مباشرة إلى الغرب وحلف الناتو.
وبحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية، فإن أفراد وحدات الصواريخ البيلاروسية نفذوا تدريبات قتالية تضمنت استلام وتحميل الذخائر النووية على صواريخ منظومة “إسكندر-إم”، ثم الانتشار بسرية إلى مواقع ميدانية محددة لتنفيذ عمليات إطلاق محاكاة، في إطار اختبار الجاهزية العملياتية والتكامل بين وحدات الصواريخ والقوات الجوية والبحرية.
كما تضمنت التدريبات رفع الجاهزية القتالية لوحدات الأسلحة النووية إلى الحد الأقصى، والتدرب على التعبئة السريعة للقوات، بما يعكس تركيز موسكو على اختبار سرعة الانتشار والقدرة على تنفيذ الردع النووي التكتيكي في ظروف تحاكي بيئة الحرب الفعلية.
وشاركت في هذه المناورات قوات ضخمة ومتعددة الأفرع، شملت أكثر من 64 ألف جندي، ونحو 7800 قطعة من المعدات العسكرية، من بينها أكثر من 200 منصة إطلاق صواريخ، وأكثر من 140 طائرة، إضافة إلى 73 سفينة حربية سطحية، و13 غواصة، بينها 8 غواصات استراتيجية حاملة للصواريخ النووية.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن طائرات القوات الجوية الروسية أجرت تدريبات خاصة لتجهيز صواريخ كينجال برؤوس حربية خاصة، مع تنفيذ طلعات جوية فوق مناطق الدوريات ضمن إطار المناورات النووية.
كما شملت التدريبات قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية، وأساطيل الشمال والمحيط الهادئ، ووحدات الطيران بعيد المدى، إضافة إلى المناطق العسكرية المختلفة، حيث جرى التدريب على الاستعداد لإطلاق الصواريخ ضمن سيناريوهات الردع النووي الشامل.
وفي الجانب البحري، دخلت الغواصات النووية الروسية المزودة بصواريخ باليستية إلى مناطق التدريبات البحرية، في خطوة تعكس محاكاة لسيناريوهات الرد النووي البحري والاستعداد لتنفيذ عمليات إطلاق استراتيجية من أعماق البحار.
كذلك تضمنت المناورات نشر أنظمة صواريخ استراتيجية متنقلة داخل مواقع ميدانية، بما يعكس تركيز موسكو على تعزيز بقاء وقدرة منصات الإطلاق النووية على المناورة والحركة لتفادي الاستهداف المبكر في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق.
من منظور عسكري واستراتيجي، هذه المناورات تعكس توجهاً روسياً واضحاً نحو إعادة إبراز عنصر الردع النووي كأداة ضغط استراتيجية في مواجهة الغرب، خاصة في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، وتصاعد التوتر مع حلف الناتو، ومحاولة موسكو التأكيد على أن لديها القدرة على التصعيد إلى مستويات أعلى إذا ما شعرت بتهديد مباشر لأمنها القومي أو توازناتها الاستراتيجية.
على الجانب الأوكراني:
في المقابل، تعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على استهداف البنية اللوجستية والعسكرية الروسية، بما يشمل مستودعات الذخيرة ومصافي النفط ومراكز القيادة، في محاولة لإضعاف القدرة الروسية على مواصلة العمليات الهجومية واستنزاف الاقتصاد العسكري الروسي.
كما شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية داخل العمق الروسي بما في ذلك استهداف مناطق قريبة من العاصمة موسكو، وهو ما يعكس تطور القدرات الأوكرانية في مجال الحرب غير المتماثلة، ومحاولة نقل الضغط النفسي والعسكري إلى الداخل الروسي.
قراءة تحليلية:
عسكرياً، تبدو الجبهة الحالية أقرب إلى “توازن استنزاف” أكثر من كونها حرب حسم سريع، حيث يمتلك الجيش الروسي تفوقاً في الموارد البشرية والصناعات العسكرية والقدرات الصاروخية، بينما تعتمد أوكرانيا بشكل رئيسي على الدعم الغربي في مجالات التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي.
كما أن أحد أبرز التحولات في الحرب يتمثل في التحول المتزايد نحو “حرب المسيّرات”، إذ أصبحت الطائرات بدون طيار عنصراً رئيسياً في الاستطلاع والاستهداف والهجمات التكتيكية، ما غيّر طبيعة العمليات القتالية التقليدية على امتداد خطوط الجبهة.
يبدو أن روسيا عملت خلال الفترات الماضية على اختبار جاهزية واستجابة منظومات الدفاع الجوي التابعة لدول حلف الناتو، عبر اختراق بعض الطائرات المسيّرة أو الأجسام الجوية للمجال الجوي لعدد من دول الحلف، وعلى رأسها بولندا، التي تُعد من أبرز الدول الداعمة لأوكرانيا والمجاورة لها جغرافياً. ويُنظر إلى هذه التحركات، من منظور عسكري، باعتبارها محاولات لاستكشاف سرعة استجابة الدفاعات الجوية التابعة للناتو، وآليات الرصد والتعامل والاعتراض، إضافة إلى قياس قواعد الاشتباك وردود الفعل السياسية والعسكرية داخل الحلف عند حدوث اختراقات جوية مفاجئة.
وعلى الرغم من أن موسكو كانت تنفي في كثير من الأحيان تبعية تلك المسيّرات أو الأجسام الجوية لها، فإن تكرار هذه الحوادث في محيط دول الناتو يُفسَّر على نطاق واسع باعتباره جزءاً من حرب “جس النبض الاستراتيجي” بين روسيا والحلف، في ظل تصاعد التوترات واحتمالات اتساع نطاق المواجهة غير المباشرة بين الطرفين.
تأتي الآن التدريبات النووية الروسية كرسالة ردع لأمريكا وحلف الناتو لعدم المضي قدماً في أي تصعيد ضد روسيا، ورسالة إنذار شديدة اللهجة لدول حلف الناتو تفيد بأن روسيا لديها القدرة لخوض حرب تذهب إلى ما أبعد من أوكرانيا.
ومن الناحية السياسية والاستراتيجية، تحاول موسكو استثمار عامل الوقت، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا نتيجة الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية داخل بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة. وفي المقابل، تراهن كييف على استمرار الدعم الغربي وتطوير قدراتها العسكرية لإبقاء الضغط على القوات الروسية ومنع موسكو من تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.
وبصورة عامة، فإن المشهد الحالي لا يشير إلى اقتراب نهاية الحرب في المدى القريب، بل يعكس استمرار الصراع ضمن معادلة “الاستنزاف المتبادل”، مع احتمالية تصاعد الهجمات بعيدة المدى والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة، خصوصاً المسيّرات والحرب الإلكترونية، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على تسوية سياسية شاملة حتى الآن.
ويبدو أن روسيا تحاول استغلال حالة الانشغال الأمريكي والدولي بالتطورات المتسارعة المرتبطة بالمواجهة مع إيران، وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وحجم الضغوط الواقعة على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي هذا السياق، كثّفت روسيا من هجماتها الصاروخية والجوية ضد العاصمة الأوكرانية كييف وعدد من المدن والمراكز الحيوية، في محاولة واضحة لاستغلال حالة الانشغال الدولي وتراجع التركيز الإعلامي والسياسي الغربي على الحرب الأوكرانية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الروسية الهادفة إلى توسيع نطاق السيطرة الميدانية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويبدو أن موسكو تسعى، من خلال هذا التصعيد، إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية والاستراتيجية، بما يسمح لها لاحقاً بالدخول إلى أي مفاوضات محتملة من موقع قوة، مع الاحتفاظ بمساحات ونقاط نفوذ لا يمكن التراجع عنها بسهولة، مدعومة بقوة نووية رادعة وجاهزة للاستخدام إذا اقتضى الأمر.
كما أن القيادة الروسية تدرك أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية على الولايات المتحدة والدول الغربية نتيجة الأزمات المتزامنة، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا، قد يدفع واشنطن وحلفاءها في مرحلة لاحقة إلى القبول بمفاوضات أكثر جدية مع موسكو، تضمن لروسيا جزءاً مهماً من أهدافها الكلية والاستراتيجية التي دخلت الحرب من أجلها

“حزام الحصون” Fortress Belt هو خط دفاعي أوكراني استراتيجي ممتد بطول يقارب 50 كيلومتراً في قلب مقاطعة دونيتسك شرقي أوكرانيا.
يربط هذا الخط بين مدن رئيسية هامة (مثل كراماتورسك وكوستيانتينيفكا)، ويُعد بمثابة العمود الفقري للدفاعات الأوكرانية في منطقة دونباس.
تتمثل أهميته العسكرية في كونه:
خط دفاع تاريخي: أُقيمت تحصيناته واستُثمر فيها منذ اندلاع حرب دونباس عام 2014.
عقبة هندسية: يتكون من شبكة معقدة من الخنادق، ومواقع المدفعية، وحقول الألغام، والسواتر الترابية، وما يُعرف بـ “أسنان التنين” لعرقلة المدرعات والدبابات.
حصن استراتيجي: يهدف إلى استنزاف القوات الروسية المهاجمة وإبطاء تقدمها، بالإضافة إلى توفير حماية للمدن والبلدات المجاورة.
ورقة سياسية وعسكرية: تعتبره أوكرانيا أداة حاسمة لإطالة أمد الصراع، مما يعرقل أي تقدم سريع للجيش الروسي ويثبت الخطوط لمنع السيطرة الكاملة على الشرق.
فما هو وضعه في خطط الحرب الحالية من جانب روسيا؟
تشير العمليات العسكرية الروسية الجارية في أوكرانيا إلى تقدم على طريق السيطرة على حزام الحصون، المشار إليه أعلاه، لكي تتمكن من السيطرة على ما تبقى من مقاطعة دونيتسك، وذلك لاستكمال السيطرة على ما تبقى من إقليم الدونباس. يأتي ذلك في إطار مواصلة القوات الروسية الضغط على جبهات الشرق الأوكراني، خصوصاً في محاور دونيتسك وخاركيف، مع تركيز موسكو على سياسة “القضم البطيء” للمناطق المختلفة، اللافت أن ذلك يأتي أيضاً في إطار التصعيد الروسي الأخير بتشديد القصف على العاصمة الأوكرانية كييف، مع التهديد الأخير بشن ضربات ستؤدي إلى تدميرها!.
لا يمكن فصل هذا المشهد، عن التطورات الأخيرة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وعدم القدرة على حسمها، بل وتصاعد الأصوات التي تقول أن ما يحدث هو هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة وفخا كبيرا لن تستطيع الخروج منه بسهولة.
روسيا سوف تحاول استغلال ذلك الوضع لتحقيق نصراً استراتيجيا على الجبهة الأوكرانية، في وقت تقل فيه قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحقيق الردع المناسب.
إلى أين سيتجه الغزو الروسي في المرحلة المقبلة؟
في ضوء تطور العمليات الجارية في اوكرانيا، فإن بعض المحللين يرون أنهم في إطار صعوبة تحقيق اختراقات سريعة على الجبهة الأوكرانية، فإن فلاديمير بوتين، يمكن أن يلجأ للخيار النووي كما يمكن أن يهاجم دول تنتمي للناتو هذا الصيف، وذلك في اطار توسيع نطاق الحرب فيما وراء اوكرانيا، حيث أن لديه عدة اختيارات لغزو دول صغيرة نسبياً ولن يمكنها ابداء مقاومة تذكر.
تأتي ليتوانيا، إحدى دول البلطيق الثلاث، كأحد هذه الخيارات، وكذلك لاتفيا، إلا أن كونهما عضوان في حلف الناتو، من الممكن أن يستجلب رد فعل اطلسي قوي. لكن على الجانب الاخر، فإن روسيا قد تنظر لهذا الأمر من زاوية التفتيت المحتمل لدول الحلف، نظرا للخلافات المتوقعة حول التعامل مع هكذا حدث. كما أن روسيا في واقع الأمر تمتلك حاليا تفوقا ساحقا على الناتو في مجال الدرونز، مما يجعل إمكانية تحقيقها نجاحا كبيرا في غزو لاتفيا أو استونيا، أو حتى بولندا، قبل أي رد فعل اطلسي ذي بال احتمالا كبيرا ، وهو ما ثبت من طبيعة الحروب الحديثة. إذا حدث ذلك فسيجبر أوروبا على التخلي عن دعم اوكرانيا، كما يرى بعض الخبراء العسكريين، وبذلك تكون روسيا قد حققت هدفها.
تأتي كل من جورجيا وأرمينيا كخيارات أخرى محتمله، كما يشرح سيمون ويسلر في هذا الفيديو، وذات تكلفة أقل. مثل هذه الخطوة ستريد روسيا من خلالها إرسال رسالة للغرب بوجوب أخذ تهديداتها بجدية، والتوقف عن دعم استهداف روسيا من قبل اوكرانيا، كما يحدث بكثافة مؤخرا، ما سيشكل خطوة جديدة على طريق حسم جبهة أوكرانيا.
في جميع الاحوال، وكما ذكرنا، فإن ما سيشجع روسيا على اخذ اي من هذه الخطوات هو عدم قدرة الولايات المتحدة على حسم الحرب على إيران ، فضلا عن استنفاذ كم كبير من ترسانتها الصاروخية الدفاعية والهجومية في تلك الحرب دون افق قريب لتعويض الفاقد، مما سيصعب كثيرا من قدرتها على اتخاذ ردود فعل ذات بال أمام الخطوات الروسية المحتملة.
الثاني عشر: الحروب الحديثة وتغيّر موازين القوة: كيف صنعت المسيّرات الرخيصة معادلات جديدة؟
كشفت الحروب والصراعات الحديثة، من الساحة الروسية الأوكرانية إلى جنوب لبنان، وصولاً إلى التصعيد الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، عن تحولات عميقة في طبيعة القوة العسكرية وأدواتها. فلم يعد التفوق العسكري مرتبطاً فقط بالجيوش الضخمة أو المنظومات الباهظة الثمن، بل ظهرت أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة استطاعت أن تفرض معادلات جديدة على أرض المعركة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز.
فخلال السنوات الأخيرة، أثبتت المسيّرات متعدة المهام (الهجومية -الانتحارية) منخفضة التكلفة، أو ما يُعرف بـ “الدرونز”، قدرتها على استهداف معدات ومنظومات عسكرية تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات. وأصبحت دبابات متطورة، ومنظومات دفاع جوي، ورادارات، وسفن، وحتى قواعد عسكرية ومطارات وبنى تحتية، عرضة لهجمات تنفذها وسائل قتالية زهيدة نسبياً من حيث الكلفة. وهذه المعادلة فرضت واقعاً جديداً في الحروب الحديثة، يقوم على الاستنزاف غير المتكافئ، حيث تستطيع جهة أقل إمكانيات أن تُرهق قوة أكبر عبر الكثافة العددية والمرونة التشغيلية وحرب الإغراق.
كما أظهرت الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، إلى جانب المسيّرات بعيدة المدى، أن امتلاك القدرة على ضرب العمق الاستراتيجي للخصم لم يعد حكراً على القوى العظمى أو الدول ذات سلاح الجو الضخم. فقد بات بالإمكان استهداف منشآت حساسة ومراكز قيادة وقواعد عسكرية ومطارات ومنشآت طاقة باستخدام أدوات أقل تكلفة مقارنة بالمنظومات الغربية المعقدة التي تحتاج إلى ميزانيات هائلة.
هذا التحول لا يعني أن الأسلحة التقليدية الثقيلة فقدت أهميتها، فالتفوق الجوي، وشبكات الدفاع الجوي المتكاملة، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات، والأقمار الصناعية، ما زالت عناصر حاسمة في أي حرب واسعة النطاق. لكن ما تغير فعلاً هو طبيعة التوازن العسكري نفسه؛ إذ لم يعد التفوق المطلق مضموناً فقط لمن يمتلك السلاح الأغلى، بل أصبح بالإمكان خلق حالة من الردع والإرباك والاستنزاف بقدرات أبسط إذا جرى توظيفها ضمن عقيدة عسكرية ذكية ومنظومة تشغيل فعالة.
ولهذا، تتجه الجيوش الحديثة اليوم إلى إعادة النظر في أولوياتها العسكرية، مع تصاعد الاهتمام بالمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، فضلاً عن تطوير تكتيكات جديدة تقوم على المرونة والسرعة والكلفة المنخفضة.
إن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحروب، مرحلة لم يعد فيها “السلاح الأغلى” وحده هو العامل الحاسم، بل أصبحت الكفاءة في التوظيف والقدرة على الابتكار والمرونة في إدارة المعركة عوامل قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة في العالم.
الثالث عشر: التصنيع العسكري الذاتي.. الطريق إلى القوة والاستقلال الإستراتيجي:
الدول التي تعاظمت قوتها وتحولت إلى قوى كبرى أو عظمى، كان من أهم أسباب انتقالها إلى تلك المكانة اهتمامها بالجانب العسكري، واعتمادها على التصنيع الحربي الذاتي وامتلاك أدوات القوة بأيديها، سواء بصورة كاملة أو عبر نموذج مزدوج يجمع بين التصنيع المحلي في الأفرع الإستراتيجية واستيراد بعض المعدات من دول مختلفة.
فالولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان، إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية المنضوية في حلف شمال الأطلسي، أدركت مبكراً أن امتلاك القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي في مجال التسليح هو أحد أهم مفاتيح النفوذ الدولي وفرض الإرادة السياسية.
فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، استطاعت عبر تفوقها العسكري وترسانتها الضخمة التي تنتجها محلياً أن تفرض نفوذها في مناطق واسعة من العالم، وأن تستخدم القوة العسكرية كأداة رئيسية في سياستها الخارجية. أما روسيا، فإن دخولها عالم التسليح الإستراتيجي وامتلاكها منظومات متطورة تقليدية ونووية، فرض على الأمريكيين والأوروبيين التعامل معها من منطق الندّية، وليس منطق فرض الإرادة بالقوة.
كما أصبح السلاح الروسي جاذباً للعديد من الدول، وتحولت موسكو إلى أحد أكبر مصدري السلاح في العالم، حيث تصدّر مقاتلاتها ومنظوماتها الدفاعية بنسخ تصديرية إلى دول مختلفة تبحث عن تنويع مصادر تسليحها.
كذلك الصين، التي لم تكتفِ بالنمو الاقتصادي والتوسع التجاري، بل دخلت بقوة إلى مجال التصنيع العسكري، وأصبحت رقماً مهماً في الصناعات الحربية المتقدمة، سواء في مجال المقاتلات الجوية أو الدفاع الجوي أو الصواريخ أو الصناعات البحرية. وقد منحها ذلك قدرة ردع وقوة سياسية جعلت القوى الكبرى تتعامل معها بمنطق التفاوض وتوازن المصالح، وليس فقط بمنطق الضغط وفرض الشروط.
أما إيران، فقد تعلمت درساً قاسياً من حربها الطويلة مع العراق، والتي استمرت لسنوات واستنزفت قدراتها. وبعد انتهاء الحرب، اتجهت بصورة مباشرة إلى بناء منظومة ردع عسكرية، قائمة بالأساس على تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية المحلية، بهدف إجبار خصومها على التفكير ملياً قبل الدخول في مواجهة مباشرة معها. وما شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة يعكس بوضوح كيف استطاعت المنظومة الصاروخية الإيرانية أن تفرض معادلات توازن وردع، رغم الفارق الكبير في الإمكانيات بينها وبين خصومها.
وتركيا كذلك تُعد من النماذج الصاعدة في هذا المجال، بعدما اقتحمت بقوة عالم التصنيع الحربي، وأصبحت لاعباً مهماً في مجال الطائرات المسيّرة والطائرات المقاتلة، ثم توسعت لاحقاً في تطوير الصواريخ الباليستية والصناعات الدفاعية المتقدمة. وقد أثبتت التطورات والحروب الحديثة أن امتلاك وسائل الردع بعيدة المدى أصبح ضرورة إستراتيجية لأي دولة تسعى لحماية أمنها القومي.
ولا يقتصر مفهوم التصنيع العسكري على إنتاج السلاح النهائي فقط، بل يشمل أيضاً امتلاك التكنولوجيا، والبحث العلمي، وسلاسل الإمداد، والقدرة على التطوير والتحديث والصيانة. فالدولة التي لا تمتلك هذه العناصر تظل معرضة للضغوط السياسية والعسكرية في أي لحظة، خاصة إذا تعرضت لعقوبات أو قيود على التسليح.
إن امتلاك السلاح بجهد ذاتي هو المسار الذي ينبغي أن تعمل عليه الجيوش والدول، لا أن تظل معتمدة بالكامل على استيراد السلاح من الخارج، خاصة أن كثيراً من الأسلحة التي تُصدر إلى الشرق الأوسط تأتي أحياناً بقدرات محدودة أو منزوعة بعض الخصائص التقنية الحساسة، بما يضمن استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي، خصوصاً في المجال الجوي والتكنولوجي.
وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاضطرابات والصراعات والتنافس الدولي، فإن الدولة التي تمتلك القدرة على تصنيع سلاحها وتطويره محلياً، تكون أكثر قدرة على حماية أمنها القومي والدفاع عن قرارها السياسي، بعيداً عن الضغوط والابتزاز الخارجي. فامتلاك السلاح لم يعد كافياً، بل إن امتلاك القدرة على إنتاجه وتطويره هو ما يصنع القوة الحقيقية والاستقلال الإستراتيجي للدول.
الرابع عشر: التدريبات العسكرية:
1- القوات البحرية المصرية والبريطانية تنفذان مناورة عسكرية مشتركة:
نفذت القوات البحرية المصرية ونظيرتها البريطانية تدريبا مشتركا في قاعدة عسكرية بمدينة الإسكندرية شمالي مصر، شملت التدريب على تحرير رهائن وتنفيذ رماية بالذخيرة الحية.
وقال متحدث الجيش المصري العميد غريب عبد الحافظ، في بيان للجيش : “نفذت القوات البحرية المصرية والبريطانية التدريب البحري المشترك مدافع الإسكندرية”.
واشترك في التدريب “عناصر من القوات الخاصة البحرية وقوات العمليات الخاصة البريطانية والذى استمر لعدة أيام بقاعدة الإسكندرية البحرية بنطاق الأسطول الشمالي”، وفق البيان المصري الذي لم يحدد موعد الانطلاق أو عدد المشاركين، وتضمنت مراحل التدريب “تنفيذ العديد من الأنشطة البحرية منها التدريب على حق الزيارة والتفتيش للسفن المشتبه بها، ونشاط القتال في الأماكن المغلقة وتحرير الرهائن والتدريب على الإسعافات الأولية بالميدان والإخلاء الطبي للمصابين أثناء القتال وتنفيذ الرماية التكتيكية بالذخيرة الحية”.
وأكد الجيش المصري أن تلك “الأنشطة أظهرت مدى ما وصلت إليه العناصر المشاركة بالتدريب لكلا الجانبين من جاهزية واحترافية في تنفيذ المهام المكلفين بها”.
وجاء التدريب في “ضوء تنامى علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة المصرية والبريطانية لتعظيم الاستفادة من القدرات الثنائية وتبادل الخبرات بين كلا الجانبين”، بحسب ما ذكر الجيش المصري.
حضر ختام فعاليات التدريب، وفق البيان، عدد من قادة القوات البحرية لكلا الجانبين.
2-بمشاركة أكثر من 30 دولة.. الصاعقة المصرية تشارك في تدريب متعدد الجنسيات بليبيا وكوت ديفوار:
شاركت عناصر من قوات الصاعقة المصرية في فعاليات التدريب متعدد الجنسيات FLINT LOCK – 2026 والذى استمرت فعالياته على مدار عدة أيام بدولتي ليبيا وكوت ديفوار وبمشاركة أكثر من 30 دولة.
تضمنت فعاليات التدريب تنفيذ إغارة على هدف ساحلي، والتدريب على تنفيذ الكمائن بالمركبات، ومطاردة عناصر شديدة الخطورة، كما جرى تنفيذ عدد من الرمايات النمطية وغير النمطية، والتدريب على القتال في المناطق السكنية واستخدام أجهزة الكشف عن العبوات.
وأكد المشاركون على أهميته التدريب في التعرف على مختلف الثقافات العسكرية وتوحيد المفاهيم القتالية وتعزيز القدرة على العمل المشترك في بيئات عملياتية معقدة بما يسهم في دعم جهود الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
الخامس عشر: ملف التسليح
1- سلاح الجو المصري يتسلم ثلاث مقاتلات رافال جديدة:
بدأت القوات الجوية المصرية تعزيز أسطولها من مقاتلات «رافال» الفرنسية، بعد تسلّم ثلاث طائرات جديدة ضمن الدفعة الثانية من العقد الموقّع مع فرنسا عام 2021، والذي يشمل شراء 30 مقاتلة إضافية من طراز “رافال إف3 آر” (Rafale F3R) متعددة المهام. وتأتي هذه الدفعة استكمالاً للصفقة الأولى التي حصلت مصر بموجبها على 24 طائرة منذ عام 2015، في إطار خطة واسعة لتحديث قدرات سلاح الجو المصري وتنويع مصادر التسليح.
وشملت الطائرات التي وصلت حديثاً إلى مصر المقاتلات ثنائية المقعد DM23 وDM24 وDM26، بعدما أنهت اختبارات الطيران والتجهيز النهائي في فرنسا، قبل نقلها إلى القوات الجوية المصرية. ومن المنتظر أن تتواصل عمليات التسليم بشكل تدريجي خلال هذا العام 2026، ليصل عدد مقاتلات الرافال المصرية إلى 54 طائرة عاملة، إضافة إلى طائرة أخرى جرى تصنيعها لتعويض طائرة فُقدت خلال الاختبارات، ما يرفع إجمالي ما تم إنتاجه لمصر إلى 55 مقاتلة.
وتتم عمليات التسليم والتجهيز بالتنسيق بين شركة “داسو للطيران” (Dassault Aviation) المصنعة للطائرة، وشركة “سافران” (Safran)، إلى جانب القوات الجوية المصرية، ضمن برنامج يشمل أيضاً التدريب والدعم الفني والتكامل العملياتي.
وكانت القاهرة قد وقّعت الصفقة الثانية للرافال في مايو 2021، بتمويل قائم على قرض يمتد لعشر سنوات بضمان حكومي فرنسي يصل إلى 85% من قيمة العقد، كما تضمنت الصفقة عقود تسليح وتجهيز إضافية مع شركتَي MBDA وSafran Electronics & Defense بقيمة تقارب 200 مليون يورو. وجاء هذا التعاقد بعد توقف صفقة المقاتلات الروسية “سوخوي سو-35”، ما عزز توجه مصر نحو توسيع تعاونها العسكري مع فرنسا.
2 يلدريم خان: تركيا تدخل سباق الصواريخ الاستراتيجية وتعيد رسم معادلات الردع:
يمثل كشف تركيا عن صاروخها الباليستي العابر للقارات “يلدريم خان” تطوراً لافتاً في مسار الصناعات الدفاعية التركية، وخطوة مهمة تعكس حجم الطموح الاستراتيجي لأنقرة في بناء قدرات ردع متقدمة تعتمد على التصنيع الذاتي. فالصاروخ، الذي تبلغ سرعته 25 ماخ ويصل مداه إلى نحو 6000 كيلومتر ويعمل بوقود رباعي أكسيد النيتروجين السائل، ويعتمد على أربع محركات دفع صاروخي وجرى تطويره من قبل مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية، يضع تركيا في مسار جديد من التطور العسكري، ويعكس تحولاً نوعياً في طبيعة أدوات الردع التي تسعى الدول الإقليمية إلى امتلاكها.
التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد التوترات الإقليمية، أكدت أن امتلاك منظومات صاروخية باليستية وفرط صوتية لم يعد ترفاً عسكرياً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة الصراعات الحديثة. فهذه المنظومات تمنح الدول قدرة أكبر على الردع، وتوفر لها هامشاً أوسع للمناورة العسكرية والسياسية، خاصة في ظل التطور المستمر في وسائل الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
وقد أظهرت التجارب الميدانية الحديثة أن امتلاك مثل هذه القدرات يمكن أن يصنع توازناً مؤثراً حتى في مواجهة خصوم يمتلكون تفوقاً تقنياً أو تسليحياً في مجالات أخرى. ويبرز النموذج الإيراني مثالاً واضحاً على ذلك، إذ نجحت طهران، عبر الاعتماد على منظوماتها الصاروخية المتنوعة، في إدارة حرب متوازنة عبر عدد من الميادين، مستندة إلى قدرات صاروخية محلية الصنع وفرت لها أدوات ضغط وردع فعالة.
في هذا السياق، يبدو أن تركيا تسير في الاتجاه ذاته، مدفوعة بقناعة متزايدة بأن الاستقلال العسكري الحقيقي يبدأ من امتلاك أدوات الردع الاستراتيجية، وأن بناء قوة صاروخية متقدمة يمثل أحد أهم أعمدة السيادة العسكرية في عالم تتغير فيه موازين القوة بوتيرة متسارعة.
3 محادثات بين القاهرة وواشنطن لرفع كفاءة مقاتلات إف-16 المصرية إلى معيار بلوك 70/72
أفادت شركة L3Harris الأميركية بأن القاهرة طلبت رسمياً دراسة ترقية مقاتلاتها من طراز إف-16 إلى معيار بلوك 70/72، وهو أحدث وأقوى نسخة إنتاجية حالية من هذه المقاتلة متعددة المهام، والمزودة بحزمة متقدمة من أنظمة الحرب الإلكترونية والتحديثات الرقمية.
وخلال تصريحات أدلى بها ترافيس روهل، مدير تطوير الأعمال الدولية لنظام Viper Shield الذي تطوره الشركة لصالح مقاتلات “إف-16 بلوك 70/72” (F-16 Block 70/72)، على هامش معرض “إيديكس 2025” في القاهرة، أوضح أن هناك بالفعل محادثات جارية بين الحكومتين المصرية والأمريكية بشأن إمكانية رفع كفاءة أسطول المقاتلات المصرية إلى النسخة الأحدث.
وأشار روهل إلى أن نظام Viper Shield يُعد الخيار الأمثل لمصر في حال إتمام هذه الصفقة، لافتاً إلى أنه يمثل أحد أهم حلول الحرب الإلكترونية الحديثة المخصصة لطائرات إف-16. كما ذكرت الشركة أنها تعمل بالتعاون مع شركة “لوكهيد مارتن” (Lockheed Martin) والقوات الجوية الأميركية على تطوير هذا النظام، المعروف باسم AN/ALQ-254(V)1، بهدف تزويد الحلفاء بقدرات متقدمة لمواجهة التهديدات المعقدة والمتغيرة في ساحات القتال الحديثة.
وبحسب الشركة، فإن نظام الحرب الإلكترونية الجديد يوفر ما يشبه “درعاً إلكترونياً” افتراضياً يحيط بالطائرة، ما يمنح الطيار قدرة أكبر على تنفيذ المهام في بيئات قتالية عالية التعقيد مع تحسين فرص البقاء والنجاة.
4إسبانيا تتجه نحو المقاتلة التركية “قآن”.. هل بدأت أوروبا البحث عن بديل عسكري خارج الهيمنة الأمريكية؟
بدأت إسبانيا مفاوضات أولية مع تركيا بشأن احتمال شراء المقاتلة الشبحية التركية “قآن” (KAAN)، في خطوة تعكس تحوّلاً متزايداً داخل أوروبا نحو البحث عن استقلالية عسكرية وصناعية أكبر بعيداً عن منظومات التسليح الأمريكية، خصوصاً بعد تصاعد التوترات السياسية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من الحلفاء الأوروبيين.
وبحسب المعطيات المتداولة، جاءت المفاوضات بعد أشهر من توقيع مدريد عقداً بقيمة 3.12 مليارات يورو لشراء 45 طائرة تدريب تركية من طراز “هُرجِت”، ضمن شراكة تشمل مشاركة شركات إسبانية في دمج أنظمة الطيران والإلكترونيات العسكرية، ما يشير إلى انتقال التعاون الدفاعي بين أنقرة ومدريد من مستوى الصفقات المحدودة إلى بناء شراكة جوية–صناعية أوسع.
لماذا تفكر إسبانيا في بديل عن F-35؟
وتواجه القوات الجوية الإسبانية أزمة متصاعدة بسبب تقادم أسطول طائرات “هورنت” الأمريكية، التي دخل معظمها الخدمة بين عامي 1986 و1990، مع اقتراب كثير منها من الحد الأقصى لساعات الطيران التشغيلية.
ورغم أن مقاتلة F-35 الأمريكية تبدو نظرياً الخيار الأكثر جاهزية لتعويض هذا النقص، فإن مدريد أبدت تحفظات متزايدة على الاعتماد الكامل على البنية التشغيلية الأمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بالبرمجيات وأنظمة البيانات والصيانة العميقة المرتبطة بالبنية الرقمية الأمريكية.
وبحسب التحليل الوارد في النص، فإن النقاش داخل إسبانيا لم يعد يقتصر على أداء الطائرة القتالي، بل بات يرتبط بما يوصف بـ ”السيادة البرمجية”، أي قدرة الدولة على التحكم بأنظمة الطائرة وبياناتها وأنظمة الحرب الإلكترونية الخاصة بها دون اعتماد كامل على واشنطن.
“قآن”… مقاتلة أقل نضجاً لكن أكثر استقلالية
وتسوق تركيا مقاتلتها “قآن” باعتبارها منصة قتالية تمنح الدول الشريكة مساحة أكبر من التحكم المحلي في البرمجيات والأنظمة الإلكترونية وسلاسل الصيانة والتحديث، إلى جانب إشراك الصناعات الوطنية للدول المشترية في عمليات الدمج والتطوير.
وترى أنقرة أن هذه النقطة تشكل عنصر جذب أساسياً للدول الأوروبية التي بدأت تبدي قلقاً متزايداً من اعتمادها الكامل على الأنظمة الأمريكية، خاصة بعد استخدام واشنطن ملفات التسليح والعقوبات والوجود العسكري كورقة ضغط سياسية في السنوات الأخيرة.
لكن في المقابل، ما تزال “قآن” في مرحلة الاختبارات والتطوير، بعدما أجرت أول رحلة تجريبية لها في فبراير 2024، مع توقعات بدخولها الخدمة الأولية نحو عام 2029، ما يجعل المشروع يحمل قدراً كبيراً من المخاطرة مقارنة بـF-35 التي دخلت الخدمة بالفعل لدى أكثر من 15 دولة.
كما تعتمد النماذج الحالية من “قآن” على محركات أمريكية من جنرال إلكتريك، ما يعني أن صادرات الطائرة قد تبقى خاضعة لترخيص أمريكي إلى حين تطوير محرك تركي محلي بالكامل.
ترامب وأزمة الثقة الأوروبية
ويكتسب التحرك الإسباني أهمية سياسية إضافية في ظل التوترات التي شهدتها العلاقات بين إدارة ترامب وبعض الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً بعد تهديدات أمريكية متكررة بإعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي داخل أوروبا وربطه بالمواقف السياسية للدول الحليفة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تحوّلاً أوسع داخل أوروبا، حيث بدأت عدة دول بمراجعة مستوى ارتباطها بالبنية التكنولوجية والعسكرية الأمريكية، سواء في مجالات الذكاء الاصطناعي أو الاتصالات أو الصناعات الدفاعية.
تركيا تدخل سوق السلاح الأوروبي
وبالنسبة لأنقرة، تمثل المفاوضات مع مدريد فرصة استراتيجية كبيرة. فنجاح تركيا في إدخال “قآن” إلى السوق الأوروبية سيمنح صناعاتها الدفاعية دفعة هائلة، ويكرّس تحولها من مستورد للسلاح إلى لاعب دولي في صناعة المقاتلات المتقدمة.
كما أن إشراك شركات إسبانية في عمليات الدمج والصيانة يمنح المشروع بعداً أوروبياً قد يساعد في تسويقه داخل دول أخرى تبحث عن بدائل أكثر استقلالية من المنظومات الأمريكية.
أوروبا بين “السيادة” والجاهزية
لكن رغم هذا الحماس، لا يزال السؤال الأساسي مطروحاً داخل الأوساط العسكرية الأوروبية: هل تستطيع الدول الأوروبية التضحية بالجاهزية العملياتية الحالية مقابل مكاسب السيادة والاستقلال الصناعي؟
فـF-35 تمتلك سجلاً قتالياً وتشغيلياً متقدماً، ومنظومة دمج واستشعار متطورة أثبتت فعاليتها داخل الناتو، بينما ما تزال “قآن” مشروعاً قيد الاختبار لم يخضع بعد لتجارب قتالية حقيقية.
ومع ذلك، يبدو أن النقاش الأوروبي يتحول تدريجياً من سؤال “ما هي أفضل طائرة؟” إلى سؤال أعمق: “من يملك قرار تشغيل الطائرة والتحكم بها؟”.
وفي هذا السياق، قد لا تكون المقاتلة التركية مجرد صفقة تسليح محتملة، بل مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تسعى فيها بعض الدول الأوروبية إلى إعادة بناء قدر من الاستقلال الإستراتيجي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
السادس عشر: اقتصاد المؤسسة العسكرية
استبعد مسؤول حكومي بارز كما وصفه موقع مدى مصر أن يشهد العام المالي الجاري طرح أيٍ من شركات القوات المسلحة التي جددت الحكومة، خلال شهر مايو 2026، تأكيد نيتها طرحها في البورصة، في حين رأى مصدر برلماني أن الإعلان الأخير، وما يظهر من نشاط حكومي في ملف الطروحات، لا يزيد على كونه رسائل تطمينية لصندوق النقد الدولي. وبينما وصلت خلال شهر مايو 2026 بعثة صندوق النقد إلى مصر لبدء المراجعة السابعة لبرنامج الإقراض المستمر حتى نهاية العام، أكدت الحكومة، ، نيتها طرح أربع شركات تابعة للقوات المسلحة في البورصة أو من خلال مستثمر استراتيجي، بحسب بيان أعقب اجتماع رئيس الوزراء مع عدد من المسؤولين، لمتابعة برنامج الطروحات. وحدد البيان شركات: «وطنية» لبيع وتوزيع المنتجات البترولية، و «سايلو فود» للصناعات الغذائية، و«شيل أوت»، والشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق، في حين أشار المسؤول الحكومي، الذي تحدث لـ«مدى مصر» مشترطاً عدم ذكر اسمه، إلى تفاوت جاهزية هذه الشركات للطرح في البورصة، مشدداً على أن موعد طرح أيٍ منها لم يحدد بعد، وإن استبعد أن يتم ذلك خلال العام المالي الجاري. المسؤول نفسه، وهو على صلة مباشرة ببرنامج الطروحات، أضاف أن التقديرات الأولية تشير إلى أن إحدى تلك الشركات فقط مؤهلة للطرح من حيث المبدأ خلال ثلاثة أو أربعة أشهر، فيما ينقص واحدة تقنين إجراءات ملكية أراضٍ تابعة لها، فضلاً عن شركتين «بعيدتين» لأسباب متعلقة بعدم تناسب قوائمها المالية مع معايير الإدراج في البورصة. وتشمل قواعد قيد الشركات تقديم القوائم المالية لسنتين ماليتين سابقتين على طلب القيد، وأن تكون معدة ومراجعة من أحد مراقبي الحسابات المقيدين في هيئة الرقابة المالية، ومصدق عليها من الجمعية العامة للشركة. من جهته، أشار المصدر البرلماني، وثيق الصلة بالحكومة، إلى أن مشكلة تقنين ملكية الأراضي سبق وعطلت بيع الشركة الوطنية لبيع وتوزيع المنتجات البترولية، المملوكة للقوات المسلحة، لصندوق أبو ظبي السيادي، في ظل غياب البيانات الخاصة بكيفية حصولها على أراضيها، في حين تعد سندات الملكية أو حتى عقود الإيجار أموراً أساسية بالنسبة لأي مستثمر.
تعقيب:
ما أكرره دائماً، فالتصريحات التي تخص طرح شركات الجيش في البورصة، كما يشترط صندوق النقد، متكررة، وهي تأتي فقط من باب التطمين لصندوق النقد لكي يستكمل برنامجه مع مصر، أما الطرح الحقيقي والفعلي فأراه صعب الحدوث.
السيسي يعلم أن المكتسبات الاقتصادية للجيش يصعب أن يفرط بها، ومن زاوية أخرى لا يريد أن يمس امتيازات الجيش الاقتصادية، فهي تكسبه ولاء الجيش دائماً، كما أن الجيش لن يتنازل عن امتيازاته الاقتصادية التي توسعت بشكل كبير بعد عام 2013. فالجيش المصري تحول من وضعية لاعب كبير إلى الفاعل المهيمن والمسيطر على الملف الاقتصادي ككل.
السابع عشر: اللقاءات والزيارات العسكرية
- أجرى وفد عسكري مصري، برئاسة قائد القوات الجوية الفريق عمرو عبد الرحمن صقر، زياره لمعرضSAHA 2026 في إسطنبول، حيث أجرى جولة داخل جناح شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش” (TUSAŞ) للاطلاع على أحدث المشاريع الجوية غير المأهولة التي تطورها أنقرة.
وخلال الزيارة، تلقى الوفد المصري شرحاً مفصلاً حول الطائرة المسيّرة الشبحية النفاثة “أنكا-3” (Anka-3)، التي تُعد من أبرز برامج الطائرات بدون طيار الهجومية لدى تركيا، بفضل تصميمها الشبحي وقدرتها على تنفيذ مهام هجومية واستطلاعية بعيدة المدى.
كما لفتت الأنظار قدرة الطائرة على حمل مسيّرتين انتحاريتين شبحيتين من نوع “سوبر شيمشيك” SÜPER ŞİMŞEK، بمدى يصل إلى 900 كيلومتر، فيما تحمل كل واحدة منهما رأساً حربياً يزن 50 كيلوغراماً، ما يمنح المنظومة قدرة على تنفيذ ضربات جوية دقيقة بعيدة المدى ضد أهداف استراتيجية، مع تعزيز القدرة على اختراق الدفاعات الجوية بفضل الخصائص الشبحية التي تتمتع بها هذه المسيّرات.
- التقى الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق مامات تشام رئيس أركان الدفاع بدولة جامبيا والوفد المرافق له الذى زار مصر خلال شهر مايو 2026 ، حيث أجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع.
تناول اللقاء آخر المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية وتداعياتها على الأمن والاستقرار داخل القارة الأفريقية ، كذلك مناقشة سبل تعزيز أوجه التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا الجانبين .
- استقبل الفريق محمود عادل فوزي قائد القوات البحرية اللواء بول أوور أوتينو قائد القوات البحرية الكينية والوفد المرافق له، وذلك خلال زيارته الرسمية للقوات البحرية بالإسكندرية والتي استمرت لعدة أيام، كما عقد الجانبان مباحثات ثنائية تناولت عدداً من الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع بعدد من مقاتلي المنطقة الغربية العسكرية، وعدد من مقاتلي التشكيلات والوحدات التابعة للمنطقة عبر تقنية الفيديو كونفرانس.
وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة. يأتي في إطار اللقاءات الدورية التي تقوم بها القيادة العامة للقوات المسلحة للتواصل مع المقاتلين لتوحيد المفاهيم تجاه مختلف القضايا والموضوعات التي ترتبط بالقوات المسلحة .
- تفقد الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، إحدى وحدات التدريب الأساسي للمجندين بالقوات المسلحة؛ لمتابعة منظومة إعداد وتأهيل الفرد المقاتل المنضم حديثاً لصفوف القوات المسلحة، وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من قادة القوات المسلحة.
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، بعدد من مقاتلي المنطقة الجنوبية العسكرية، وعدد من مقاتلي التشكيلات والوحدات التابعة للمنطقة عبر تقنية الفيديو كونفرانس، وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة.
وألقى اللواء أ ح أسامة سمير عبد اللطيف قائد المنطقة الجنوبية العسكرية كلمة أشار خلالها إلى أن حماة الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي سيظلون محافظين على الاستعداد القتالي العالي بما يمكنهم من تنفيذ كل المهام المكلفين بها.
- أجرى السيسي حوارا مفتوحا مع طلبة الأكاديمية العسكرية المصرية تناول القضايا على الصعيدين الداخلي والخارجي والتحديات التي تواجهها الدولة. حيث تفقد السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة.
- شهد الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى افتتاح المؤتمر العلمي الدولي السنوي للكلية الفنية العسكرية , والذى يعقد على مدار عدة أيام ، وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من الوزراء وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة والملحقين العسكريين وعدد من المحافظين ورؤساء الجامعات والشخصيات العامة وعدد من طلبة الكليات العسكرية وأكاديمية الشرطة وعدد من الباحثين.
الثامن عشر الفاعليات العسكرية
- افتُتح مجمع الدفاع المصري في حي سيونغبوك، شمال سيئول، ليُشكّل معلما جديدا يُعزز التعاون الدفاعي والعسكري بين كوريا ومصر.
وشهد حفل الافتتاح حضور شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم السفير المصري لدى كوريا حازم زكي وقادة من جهاز المخابرات العسكرية المصرية، إلى جانب مسؤولين عسكريين كوريين وشركاء صناعيين مثل شركة هانهوا إيروسبيس.
وقال الملحق الدفاعي المصري لدى كوريا، العميد البحري أحمد الحديدي في كلمته الافتتاحية: “يقف هذا الصرح اليوم شاهدا على متانة العلاقات بين جمهورية مصر العربية وجمهوريا كوريا، وتجسيدا لرؤية طموحة نحو تعزيز آفاق التعاون الاستراتيجي، ويمثل رمزا للإرادة المشتركة نحو مستقبل أكثر تعاونا وأمنا”.
وأضاف: “في هذا المقام الرفيع، لا يسعنا إلا أن نُعرب عن فخرنا وتقديرنا لحكومة جمهورية كوريا الصديقة وقواتها المسلحة. فلولا روح التعاون البنّاءة والتسهيلات الكبيرة التي وفرتها الدولة الكورية، لما كنا نقف هنا اليوم، مما يعكس عمق الثقة المتبادلة والرغبة الصادقة في توطيد العلاقات بين البلدين”.
- نظم معهد اللغات للقوات المسلحة فعاليات يوم تعريفي بالثقافة التركية، وذلك لتنمية المهارات اللغوية وتوسيع الأفاق العلمية للدارسين. أتي ذلك في إطار حرص القوات المسلحة على تعزيز علاقات التعاون المشترك مع الدول المختلفة.
وألقى اللواء تيسير العطار مدير معهد اللغات للقوات المسلحة، كلمة أشار خلالها إلى الدعم المستمر الذي توليه القيادة العامة للقوات المسلحة لتطوير المنظومة التعليمية داخل المعهد لإعداد دارسين مؤهلين بمختلف اللغات وكذا إلمامهم بالثقافات المرتبطة بتلك اللغات بما يعزز من دورهم في أداء مهامهم على أكمل وجه. كما ألقت ساتيه قارا علي، مديرة المركز الثقافي التركي، كلمة أشارت خلالها إلى التعاون المثمر مع معهد اللغات للقوات المسلحة لتأهيل الدارسين باللغة التركية وتعزيز العلاقات المشتركة بين الجانبين.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




