المرصد العسكري يونيو 2026

افتتاحية العدد
شهد شهر يونيو من عام 2026 عددًا من التفاعلات المهمة على المستويات المصري والإقليمي والدولي.
فعلى المستوى المصري، يستعرض العدد تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي قبل حركة تنقلات يونيو 2026، واستراتيجية السيسي في حركات التنقلات على مستوى القيادات. كما يشرح العدد قانون معاملة كبار القادة، الذي أقره السيسي والبرلمان عام 2018، والذي منح قيادات الجيش المصري امتيازات كبرى، وحصانة من المحاكمات. ونستذكر، بالتزامن مع ذكرى هزيمة يونيو 1967، أبرز الدروس المستفادة منها، كما نتناول الرؤية الاستراتيجية للأوضاع بين مصر وإسرائيل، في ضوء تصريح سياسي إسرائيلي تحدث عن احتمال نشوب حرب بين مصر وإسرائيل خلال الخمسة عشر عامًا القادمة.
وعلى المستوى الإقليمي، يستعرض العدد الحروب، وتكتيكات واستراتيجيات المعارك التي جرت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك بين حزب الله وإسرائيل.
أما على المستوى الدولي، فيقف العدد على أبرز ما يكشفه مسرح العمليات في الساحة الروسية الأوكرانية.
كل هذا، إلى جانب ملفات أخرى متعددة تتناول الشأن المصري والإقليمي والدولي في الجوانب العسكرية المختلفة، يتضمنها هذا العدد.
وأتناول التقرير على النحو التالي:
أولًا: تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي.. واستراتيجية السيسي في حركات التنقلات
هذا تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي ، والذي سيتم تغيير بعض قياداته في نشرة التنقلات القادمة التي ستجرى بعد أيام من الآن (حركة تنقلات يونيو 2026):
1-عبد الفتاح السيسي – القائد الأعلى للقوات المسلحة.
2-الفريق أشرف سالم زاهر – وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.
3-الفريق أحمد فتحي خليفة – رئيس أركان حرب القوات المسلحة.
4-الفريق محمود عادل فوزي– قائد القوات البحرية.
5-الفريق طيار عمرو عبد الرحمن صقر – قائد القوات الجوية.
6-الفريق ياسر الطودي – قائد قوات الدفاع الجوي.
7-اللواء أ.ح شريف فكري – رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية.
8-اللواء أ.ح محمد ربيع – رئيس هيئة العمليات.
9-اللواء أ.ح عبد المعطي عبد العزيز علام – قائد المنطقة المركزية العسكرية.
10-اللواء أ.ح أسامة سمير – قائد المنطقة الجنوبية العسكرية.
11-اللواء أ.ح ياسر الخطيب – قائد المنطقة الشمالية العسكرية.
12-اللواء أ.ح حاتم زهران – قائد المنطقة الغربية العسكرية.
13-اللواء أ.ح أحمد مهدي – قائد الجيش الثالث الميداني.
14-اللواء أ.ح محمد يوسف عساف – قائد الجيش الثاني الميداني.
15-اللواء أ.ح محمد صبحي – رئيس هيئة التنظيم والإدارة.
16-اللواء أ.ح أسامة داوود – قائد قوات حرس الحدود.
17-اللواء أ.ح محمد عدلي – رئيس هيئة التسليح.
18-اللواء أ.ح شريف العرايشي – رئيس هيئة التدريب.
19-اللواء أ.ح أحمد رضا فرغلي – رئيس هيئة شؤون الضباط.
20-اللواءأ.ح محمد عز الدين جحوش -قائد القيادة الاستراتيجية.
21-اللواء أ.ح حاتم الجزار – مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية.
22-اللواء سيد قناوي – رئيس هيئة القضاء العسكري.
23-اللواء أ.ح خالد عبد الله – رئيس هيئة الشؤون المالية.
24-اللواء أ.ح محمد كمال الدين السعيد – رئيس هيئة الإمداد والتموين.
25-اللواء أ.ح هشام شندي – قائد قوات شرق القناة.
26-اللواء أ.ح محمد رجب – مدير إدارة الشؤون المعنوية.
27- اللواء أ.ح مهندس وليد عارف رئيس الهيئة الهندسية.
28- اللواء أ.ح أيمن وفائي أمين عام وزارة الدفاع.
بالذكر جدير هنا وزير الدفاع في الجيش المصري يُفترض أن تكون رتبته أعلى من جميع القيادات العاملة. وتساوي وزير الدفاع أشرف سالم في الرتبة مع رئيس الأركان أحمد فتحي خليفة وقادة الأفرع الرئيسية أمر استثنائي حتى الآن؛ ولذلك أرى أنه في القريب العاجل سيقوم السيسي بترقية سالم إلى رتبة فريق أول.
ربما تشمل الحركة الفريق ياسر الطودي، قائد قوات الدفاع الجوي، الذي مكث في منصبه لمدة عامين، وهي المدة التي نُصّ عليها بعد تعديل القانون العسكري المعُدل بتقليص بقاء قادة الأفرع في مناصبهم إلى عامين بدلًا من أربع سنوات. وفي حال عدم تمديد السيسي للطودي، قد يتولى المنصب بدلًا منه اللواء أ.ح محمد علي سيد أحمد، رئيس أركان الدفاع الجوي الحالي.
منذ تولّيه الحكم، ينتهج عبد الفتاح السيسي في تعامله مع قيادات الجيش سياسات مختلفة عن نهج حسني مبارك؛ بشكل عام استراتيجية السيسي تعتمد بالأساس سياسة التدوير المتسارع لقيادات المؤسسة العسكرية، بهدف تفادي تشكّل مراكز قوى مستقلة داخل الجيش قد تشكّل تهديداً له مستقبلاً. وقد أصبح هذا النهج مقنناً بموجب تعديلات تشريعية صُدّق عليها في يونيو 2021، قلّصت مدة بقاء قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المسلحة من أربع سنوات إلى عامين فقط (يُمد للقائد فقط بقرار من السيسي). مع العمل في الوقت ذاته على منح القيادات امتيازات كبرى بعد التخارج لإرضائهم، كما نصّ قانون معاملة كبار القادة (سأكتب تفاصليه لاحقًا).
على العكس، كانت سياسة مبارك تقوم على كسب ولاء القادة عبر إبقائهم فترات طويلة في مناصبهم؛ ولذلك نرى أن المشير طنطاوي مكث وزيرًا للدفاع من عام 1991 حتى نهاية حكم مبارك، وهي أطول مدة لبقاء وزير دفاع في منصبه منذ يوليو ١٩٥٢.
أما السيسي، فمنذ تولّيه الحكم عام 2014 وحتى الآن، فقد عيّن أربعة وزراء للدفاع بفترات متفاوتة (صدقي صبحي، محمد زكي، عبد المجيد صقر ثم أشرف سالم). وفي رئاسة الأركان عين السيسي أربعة قيادات أيضًا بفترات متفاوتة ، بداية بالفريق محمود حجازي ثم الفريق محمد فريد حجازي ثم الفريق أسامة عسكر ثم الفريق أحمد فتحي خليفة المستمر حتى الآن . وكذلك في مختلف الأفرع والهيئات والمناطق والجيوش، جرى تعيين عدد كبير من القيادات لفترات زمنية قصيرة.
يختلف نهج السيسي في هذا السياق؛ إذ يدرك أن بقاء القائد في منصبه مدة أطول يُفضي إلى تشكّل مراكز قوى تمثل تهديدًا مباشرًا له ولنظامه، لذلك عمل على تقنين وتسريع وتيرة تدوير القيادات، مع منحهم في الوقت نفسه امتيازات كبرى لكسب ولائهم بعد التخارج.
فترة الرئيس مبارك بالفعل كانت هناك مؤسسة عسكرية يتحكم فيها المشير محمد حسين طنطاوي بشكل فعلي، ومؤسسة للرئاسة يتحكم فيها مبارك ونجله، وعند الاختلاف بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية (حول مشروع التوريث) حسمت القوات المسلحة المالكة للقوة موضوع إخراج مبارك استغلالا لحراك يناير 2011 ، ولولا وجود قائد للجيش يسيطر فعليًا على المؤسسة العسكرية لما كان أن يستطيع ان يأخذ قرار مخالف لمؤسسة الرئاسة التي كانت ترغب في استمرار مبارك في الحكم. والسيسي، آخر مدير مخابرات حربية في عهد الرئيس الراحل مبارك، يعلم هذا جيدًا، ويسد تلك الثغرات حفاظًا على حكمه، حتى لا يكون مصيره مصير حسني مبارك.
بالذكر جدير أن الجيش المصري يشهد حركتان للتنقلات في صفوف قادة وضباط الجيش المصري بمختلف مستوياتهم بشكل اعتيادي كل عام؛ الحركة الأولى تتم في منتصف العام في شهر يونيو تحديدًا، والثانية تتم في نهاية العام في شهر ديسمبر تحديدًا، ويتم اعتمادهما من القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وتشمل حركة التنقلات مستويين:
المستوى الأول: كبار القيادات، وتنقسم إلى (ثلاثة) أشكال:
1ـ نقل قيادات من مناصب عليا إلى مناصب أخرى عليا، أو تصعيد قيادات جديدة للمناصب الهامة داخل الجيش المصري، كقيادة فرع من الفروع الرئيسية للقوات المسلحة، أو رئاسة هيئة، أو قيادة منطقة عسكرية، أو قيادة جيش ميداني، وهذا المستوى هو الذي يشكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، الذي يتكون من 28 قائد عسكري، أو ما يطلق عليه “رجال الصف الأول”. وفي مستوى آخر يتم تعيين بعض القادة المستبعدون من مناصبهم العليا ليصبحوا مساعدين لوزير الدفاع أو مستشارين لرئيس الجمهورية أو يتم تعينهم لرئاسة بعض الأجهزة الرقابية كهيئة الرقابة الإدارية، أو الأجهزة الاقتصادية التابعة للجيش المصري كالهيئة العربية للتصنيع أو جهاز الخدمة الوطنية أو وزارة الإنتاج الحربي.
2ـ تصعيد قيادات من قيادات الوَسَط إلى المناصب العليا في الصفوف المتقدمة، كرئاسة أركان فرع رئيس أو رئاسة أركان هيئة عسكرية أو منطقة عسكرية أو جيش ميداني، وينضمون بذلك الي كبار قادة الجيش المصري، أو ما يسمى “رجال الصف الثاني”.
3ـ إحالة بعض القيادات والضباط إلى التقاعد وهذا يكون بسبب القوانين العسكرية المنوطة بإحالة من يبلغون السن القانوني للتقاعد أو لأسباب أخرى، مثل المرض المزمن الذي يحيل ويعيق القائد أو الضابط عن العمل، أو لأسباب أمنية بناء على التحريرات العسكرية التي تجرى بشكل دوري على جميع الضباط.
المستوى الثاني: حركة تنقلات جميع المستويات في صفوف ضباط الوَسَط وصغار الضباط، وتتضمن ترقيات الضباط من رتبة إلى أعلى، وتصعيد هرمي للضباط في أماكن خدمتهم “من منصب إلى منصب أعلى داخل الكتيبة أو الهيئة…إلخ”، وكذلك نقل خدمات الضباط من منطقة عسكرية إلى أخرى، حسب جغرافية التوزيع التي تضعها النشرة والحركة
حول قانون معاملة كبار القادة:
في 25 يوليو 2018، صدر القانون رقم 161 لسنة 2018 بشأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، والذي منح السيسي سلطة اختيار من يشملهم القانون من كبار القادة العسكريين، ومنحهم عدة امتيازات، على رأسها الحصانة القضائية ضد بعض إجراءات التحقيق، فضلًا عن معاملتهم معاملة الوزراء في الداخل، ومنحهم الحصانات والامتيازات المقررة لأعضاء البعثات الدبلوماسية أثناء سفرهم إلى الخارج.
وقد صدر القانون في 25 يوليو 2018، وبدأ العمل به في 26 يوليو 2018، بعد موافقة مجلس النواب وتصديق عبد الفتاح السيسي عليه. ومن خلال رؤيتي جاء هذا القانون في إطار كسب ولاء القيادات بعد ترك مناصبهم والخروج من الخدمة، بما يضمن سهولة وسرعة إجراء التغييرات القيادية متى تقرر ذلك، كما يمنح القيادات العليا، وتحديدًا من انضموا إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، امتيازات غير مسبوقة بعد خروجهم من الخدمة، بما يضمن استمرار ولائهم. ويمكن وصف ذلك بأنه مزيج من سياسة “العصا والجزرة”.
وأبرز ما جاء في القانون:
1- الاستدعاء مدى الحياة
يُستدعى كبار قادة القوات المسلحة (أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة) الذين يصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية لخدمة القوات المسلحة مدى الحياة.
2- المعاملة المالية والإدارية
يُعامل كبار القادة المخاطبون بالقانون معاملة الوزراء، ويتمتعون بالمزايا والحقوق المقررة للوزراء إذا لم يكونوا قد شغلوا بالفعل منصب وزير.
3- الحصانة القضائية
لا يجوز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو أي إجراء قضائي ضد المخاطبين بأحكام القانون عن الأفعال التي ارتُكبت خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى بداية مباشرة مجلس النواب لمهامه، إذا كانت تلك الأفعال مرتبطة بأداء وظائفهم أو بسببها، إلا بعد الحصول على إذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
4- الحصانات أثناء السفر للخارج
يتمتع المخاطبون بالقانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات والامتيازات المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة خدمتهم واستدعائهم. (هذا موضوع شامل كنت كتبه حول القانون حين إصداره في 2018، الرابط هنا)
ثانيًا: قراءة عسكرية: وزير الدفاع بين النموذج الروسي والنموذج الغربي: قراءة في الحالة المصرية:
يُعدّ موقع وزير الدفاع في البُنى العسكرية ذات الطابع الشرقي – المتأثرة تاريخيًا بالنموذج السوفيتي ثم الروسي – موقعًا محوريًا يتجاوز الطابع الإداري أو السياسي البحت، ليصبح مركز الثقل الحقيقي داخل المؤسسة العسكرية. ففي هذا النموذج، لا يُنظر إلى وزير الدفاع بوصفه مجرد ممثل مدني يُشرف على القوات المسلحة، بل باعتباره القائد الفعلي الأول داخل هرم القيادة العسكرية، حيث يكون رئيس هيئة الأركان تحت قيادته، ويأتمر بأوامره وينفذ تعليماته.
النموذج الروسي، كما تبلور منذ الحقبة السوفيتية واستمر بصيغ مختلفة في عهد فلاديمير بوتين، يقوم على مركزية صارمة في القيادة، حيث تتكامل السلطتان السياسية والعسكرية في بنية واحدة متداخلة. وزارة الدفاع في هذا السياق ليست وزارة خدمات أو إدارة لوجستية فحسب، بل مؤسسة قيادة وتشغيل، تتولى رسم السياسات الدفاعية، والإشراف على العقيدة القتالية، وضبط التوازن بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة. أما رئيس هيئة الأركان، فعلى الرغم من أهميته العملياتية، فإنه يظل ضمن السلسلة التنفيذية الخاضعة لوزير الدفاع، وليس ندًّا له في توزيع الصلاحيات.
مصر، التي تأثرت بنيتها العسكرية بالتقاليد الشرقية منذ خمسينيات القرن الماضي، تبنّت هذا التصور الهرمي. فوزير الدفاع المصري يمثل قمة الهرم العسكري التنفيذي، ويُسمّى القائد العام للقوات المسلحة، ويأتمر بأوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس الجمهورية. أما رئيس هيئة الأركان في الحالة المصرية، فيضطلع بالجانب العملياتي والتنسيقي بين الأفرع، وينفذ تعليمات وزير الدفاع، لكنه لا يشكل سلطة موازية له، بل يعمل في نطاق التفويض الصادر عنه.
على النقيض من ذلك، يقوم النموذج الغربي – خصوصًا في الديمقراطيات الليبرالية – على فصل واضح بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية. ففي الولايات المتحدة مثلًا، يشغل وزير الدفاع منصبًا سياسيًا يُعيَّن أحيانًا من خارج المؤسسة العسكرية، ويخضع لمساءلة برلمانية صارمة أمام الكونغرس. وتتوزع القيادة العملياتية الفعلية بين هيئة الأركان المشتركة والقيادات القتالية، في إطار منظومة رقابة مدنية تهدف إلى منع تركز السلطة العسكرية في يد شخصية واحدة. يؤدي وزير الدفاع هنا دورًا سياسيًا إشرافيًا، بينما يظل التخطيط العملياتي التفصيلي من اختصاص العسكريين المحترفين.
هذا التباين البنيوي ينعكس مباشرة على فهم طبيعة السلطة داخل الجيوش. ففي النموذج الشرقي، يمثل وزير الدفاع حلقة الوصل الأعلى بين رأس الدولة والمؤسسة العسكرية، ويصبح المنصب جزءًا من معادلة توازن داخلي بين الأفرع والقادة، بل وأداة لإعادة تشكيل الخريطة الداخلية للنفوذ. أما في النموذج الغربي، فإن المنصب يظل محكومًا بإطار مدني مؤسسي يحدّ من احتمالات تحوله إلى مركز قوة عسكري مستقل.
إن إدراك هذا الفارق ضروري لفهم طبيعة القرار العسكري في مصر. فحين يُعيَّن وزير دفاع جديد، لا يكون الأمر مجرد تغيير إداري أو تدوير مناصب، بل إعادة تموضع داخل قمة الهرم العسكري ذاته. ومن ثم، فإن قراءة أي تغيير في هذا الموقع يجب أن تنطلق من فهم طبيعة النموذج البنيوي الذي يحكم العلاقة بين السياسة والجيش، لا من إسقاطات مستمدة من تجارب ديمقراطية تختلف جذريًا في فلسفتها التنظيمية.
بهذا المعنى، فإن منصب وزير الدفاع في مصر ليس تكليفًا سياسيًا عابرًا، بل هو موقع قيادة عليا داخل المؤسسة العسكرية، يتقاطع فيه البعد المهني مع البعد السياسي، وتتشكل عبره ملامح توازن القوة داخل الدولة نفسها.
بالذكر جدير أن تعيين وزير الدفاع طبفًا للمادة 234 في الدستور المصري (المعدلة) يحتاج فقط لموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، ولا يحتاج اعتماد مجلس النواب مثل باقي المناصب الوزارية.
بالذكر جدير أيضًا أن رئيس هيئة الأركان وقيادات الأفرع الرئيسية (الجوية-البحرية-الدفاع الجوي) وقادة الجيوش والمناطق والهيئات يتم تعينهم بعد الموافقة المباشرة من القائد الأعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية) وحركة التنقلات التي تجرى مرتين كل عام والتي تشمل كافة التعيينات والترقيات في كافة المستويات بالجيش المصري تتم بعد موافقة القائد الأعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية).
ثالثًا: من التأهيل العسكري إلى الوصاية المؤسسية: قراءة في تمدد دور الأكاديمية العسكرية
ما يجري في مصر من إلزام كافة المؤسسات المدنية والدينية والرقابية بإيفاد كوادرها للحصول على دورات في الأكاديمية العسكرية، والتي باتت تُعد بوابة أساسية للتعيين والترقي في كافة الهيئات المدنية والرقابية والدينية، لا يمكن فصله عن مسار ممتد من تدخل المؤسسة العسكرية في ملفات لا تمت بصلة مباشرة لوظيفتها الأصلية أو لطبيعتها المهنية. إذ يجري الزج بها في مجالات أكاديمية ودينية وفكرية تُعد من صميم اختصاص الجامعات المدنية والمؤسسات الدينية المتخصصة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف.
ويعكس هذا التمدد تحول الأكاديمية العسكرية من مؤسسة معنية بإعداد وتأهيل الضباط إلى مؤسسة باتت تمارس دورًا يتجاوز المجال العسكري بكثير، حتى أصبحت، عمليًا، إحدى بوابات التجنيد الإداري للدولة، يمر عبرها مسؤولون وموظفون وقيادات من قطاعات لا تربطها بالعمل العسكري أي علاقة مهنية مباشرة.
والإشكالية هنا لا تتعلق بالتدريب في حد ذاته، وإنما بفلسفة الإدارة التي تقف خلف هذا التوجه؛ إذ يفترض منطق الدولة الحديثة أن تُدار كل مؤسسة وفق طبيعة اختصاصها وخبرات أهلها. فالقضاء له رجاله، والجامعات لها أساتذتها، والمؤسسات الرقابية لها كوادرها المتخصصة، والدين له علماؤه ومراجعه ومؤسساته الراسخة. أما إخضاع هذه المجالات لمنظومة تأهيل ذات طابع أمني أو عسكري، فيعني عمليًا نقل مركز الشرعية المهنية من المؤسسات المختصة إلى مؤسسة أخرى لا تندرج هذه المجالات ضمن اختصاصها الطبيعي.
وفيما يتعلق بالشأن الديني على وجه الخصوص، فإن خطورة المسألة تتجاوز البعد الإداري إلى بعد فكري ومعرفي أعمق. فالدين بطبيعته يقوم على العلم الشرعي والتخصص العلمي والتراكم المعرفي والمؤسسات الدينية المستقلة، وليس على مفاهيم الانضباط العسكري أو الاعتبارات الأمنية. ومن ثم فإن إدارة المجال الديني أو التأثير في مساراته من خلال أدوات ذات طبيعة أمنية أو عسكرية يفتح الباب أمام تآكل استقلال المؤسسات الدينية وإضعاف دور العلماء المتخصصين في توجيه الخطاب الديني وصياغته.
كما أن هذا المسار يكرس مفهومًا مفاده أن الكفاءة المطلوبة لتولي المناصب العامة لا تُقاس فقط بالخبرة والتخصص والإنجاز المهني، وإنما بالمرور عبر بوابة مؤسسية واحدة، وهو ما يتعارض مع فلسفة التعدد المؤسسي التي تقوم عليها الدول الحديثة. فالدول القوية لا تبنى عبر توحيد جميع المسارات تحت مظلة واحدة، وإنما عبر احترام التخصصات وتكامل الأدوار بين المؤسسات المختلفة.
وعلى المدى البعيد، قد يؤدي هذا النهج إلى تعميق ظاهرة عسكرة المجال العام، وإضعاف استقلال المؤسسات المدنية والدينية والرقابية، وتحويل التنوع المؤسسي الذي يمثل أحد عناصر قوة الدولة إلى نموذج أكثر مركزية تُدار فيه مجالات متباينة بطبيعة واحدة ومنطق واحد، رغم اختلاف وظائفها واحتياجاتها وأدوارها المجتمعية.
رابعًا: في ذكري هزيمة يونيو 1967… درس يونيو 1967: عندما طغت السياسة على متطلبات الأمن القومي
لا تُعد هزيمة يونيو 1967 مجرد حدث عسكري عابر في التاريخ المصري والعربي، بل تمثل واحدة من أهم المحطات التي تستوجب التأمل والدراسة واستخلاص الدروس والعبر منها. فالهزيمة التي انتهت باحتلال شبه جزيرة سيناء وخسائر استراتيجية جسيمة لم تكن نتيجة تفوق عسكري إسرائيلي فحسب، بل كانت أيضًا نتاجًا لمجموعة من الأخطاء السياسية والإدارية والاستراتيجية التي تراكمت على مدار سنوات سابقة.
لقد عمل الرئيس جمال عبد الناصر، بعد تثبيت أركان حكمه وإقصاء منافسيه داخل مجلس قيادة الثورة وخارجه، على إحكام الهيمنة الداخلية بصورة واسعة. فتمت السيطرة على الحياة السياسية، وحُلَّت الأحزاب، وتقلصت مساحات التعددية السياسية، وأصبحت الدولة تدار من خلال منظومة مركزية شديدة التركيز للسلطة. كما شهدت تلك المرحلة إقصاء العديد من الخصوم العسكريين والسياسيين، بما عزز من قدرة النظام على فرض رؤيته داخليًا، لكنه في المقابل أضعف مناخ النقد والمراجعة والتقييم داخل مؤسسات الدولة.
وفي الوقت الذي كانت فيه القيادة السياسية تركز بصورة كبيرة على إدارة الملفات الداخلية وترسيخ الحكم، لم تحظَ بعض التحديات المرتبطة بالأمن القومي المصري بالاهتمام الكافي. فقد كانت المنطقة تشهد تحولات استراتيجية متسارعة، وكانت إسرائيل تعمل بصورة منهجية على تطوير قدراتها العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، بينما كانت مصر منخرطة في ملفات وصراعات إقليمية متعددة استنزفت جانبًا من قدراتها ومواردها.
ومن أبرز الدروس التي كشفتها هزيمة يونيو أن الدولة لا تستطيع الاعتماد على الشعارات أو الخطابات السياسية في إدارة الصراعات الدولية، وإنما تحتاج إلى بناء عناصر القوة الشاملة بصورة متوازنة. فالقوة العسكرية لا تنفصل عن القوة الاقتصادية، ولا عن كفاءة الإدارة، ولا عن وجود مؤسسات قادرة على تقديم التقييمات الحقيقية واتخاذ القرارات على أساس المعلومات الدقيقة لا على أساس الرغبات والتصورات المسبقة.
كما أظهرت هزيمة يونيو 1967 أهمية الفصل الواضح بين أدوار المؤسسات المختلفة داخل الدولة. فكل مؤسسة يجب أن تركز على المهام التي أُنشئت من أجلها. المؤسسة العسكرية وظيفتها الأساسية هي حماية الحدود والاستعداد للحرب وامتلاك القدرة على الردع، بينما تتولى المؤسسات السياسية إدارة الشأن العام وصناعة السياسات. وعندما تتداخل الأدوار بصورة مفرطة، أو تنشغل المؤسسات بمهام بعيدة عن اختصاصاتها الأصلية، فإن ذلك قد يؤثر سلبًا على كفاءتها وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
وقد عبّر المشير محمد عبد الغني الجمسي عن هذا المعنى بوضوح عندما قال: “إن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي قط، وإن سبب هزيمتنا عام 1967 هو انشغال واشتغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدموه في ميدان المعركة”. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد أبرز القادة العسكريين الذين عاصروا تلك المرحلة وشاركوا لاحقًا في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.
إن إعادة بناء الجيش المصري بعد الهزيمة تمثل في حد ذاتها دليلًا على صحة هذا الدرس. فقد ركزت القوات المسلحة خلال سنوات الاستنزاف وما بعدها على التدريب والتأهيل والتخطيط ورفع الكفاءة القتالية وإعادة تنظيم البناء العسكري. وعندما جاء اختبار أكتوبر 1973، كانت النتائج مختلفة بصورة كبيرة، لأن التركيز عاد إلى المهمة الأساسية للمؤسسة العسكرية وهي الاستعداد للقتال وتحقيق الأهداف العسكرية المحددة.
ولا يقتصر درس يونيو على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى مفهوم القوة الشاملة للدولة. فالدول القوية لا تعتمد على عنصر واحد من عناصر القوة، وإنما على منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد القوي، والمؤسسات الفعالة، والتماسك المجتمعي، والانفتاح السياسي، وسيادة القانون، والقدرة على استيعاب النقد والتقييم الموضوعي. فوجود مساحات للحوار والتعددية والمراجعة لا يمثل تهديدًا للدولة، بل هو أحد عوامل قوتها وقدرتها على تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى.
كما أن وحدة الصف الداخلي تظل عنصرًا حاسمًا في مواجهة التحديات الخارجية. فكلما ازدادت قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الاستقرار السياسي والمشاركة المجتمعية، ازدادت قدرتها على حشد طاقات المجتمع خلف الأهداف الوطنية الكبرى. أما عندما تتحول الأولوية إلى إدارة الصراعات الداخلية وإقصاء الخصوم والتنكيل بهم أكثر من التركيز على بناء عناصر القوة الوطنية، فإن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الخارجية.
وبعد مرور عقود طويلة على هزيمة يونيو، يبقى الدرس الأهم الذي ينبغي استحضاره دائمًا هو أن حماية الأمن القومي لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء دولة قوية ومؤسسات فعالة وجيش محترف يركز على مهامه الأساسية. كما أن امتلاك القوة الشاملة، والحفاظ على وحدة الصف الداخلي، والانفتاح السياسي، واحترام الحريات والتداول السلمي للسلطة وتعدد الرؤى السياسية، والتزام كل مؤسسة بالمهام المنوطة بها، تمثل جميعها ركائز أساسية لقوة الدول وقدرتها على مواجهة التحديات ودحر مخططات أعدائها وحماية أمنها القومي.
ولهذا فإن ذكرى يونيو لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة لاستذكار الهزيمة، بل فرصة دائمة للتأمل في أسبابها واستخلاص العبر منها، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها في المستقبل، وحتى تبقى مصلحة الوطن وأمنه القومي فوق كل اعتبار.
خامسًا: محمد نجيب ودرس الدولة المدنية: لماذا يجب أن يبتعد الجيش عن السياسة؟
في ذكرى تنصيب الرئيس محمد نجيب رئيسًا للجمهورية، تعود إلى الواجهة واحدة من أهم القضايا التي شغلت الرجل مبكرًا بعد ثورة يوليو 1952، وهي قضية العلاقة بين الجيش والسياسة، وحدود الدور الذي يجب أن تؤديه المؤسسة العسكرية داخل الدولة.
لقد كان محمد نجيب، رحمه الله، أول رئيس للجمهورية المصرية بعد إلغاء الملكية، لكنه سرعان ما دخل في خلافات مع مراكز القوة داخل مجلس قيادة الثورة، وعلى رأسها جمال عبد الناصر، بسبب رؤيته لمستقبل الدولة المصرية. فقد كان نجيب يؤمن بضرورة بناء دولة مدنية تقوم على المؤسسات المنتخبة والحياة السياسية الطبيعية، وأن يعود الجيش إلى ثكناته بعد إنجاز مهمته الوطنية، تاركًا إدارة الشأن العام للمؤسسات المدنية والسياسية.
ولعل أهمية أفكار محمد نجيب لا تأتي فقط من كونه أول رئيس للجمهورية، وإنما لأن كثيرًا من التحذيرات التي أطلقها قبل أكثر من سبعين عامًا ما زالت حاضرة في النقاش السياسي حتى اليوم. ففي مذكراته “كنت رئيسًا لمصر”، كتب كلمات تحمل دلالات عميقة حول مخاطر تداخل المؤسسة العسكرية مع العمل السياسي، فقال:
“لقد خرج الجيش من الثكنات وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر، فكان لثورة يوليو أعداء وكنا نحن أشدهم خطورة، فكل ضابط في المجلس كان يريد أن يملك مثل الملك، وكان الضباط يقولون: طردنا ملكًا وجئنا بثلاثة عشر ملكًا آخر.”
وفي موضع آخر كتب:
“إذا خرج الجيش من ثكناته؛ فإنه حتمًا سيطيح بكل القوى السياسية والمدنية، ليصبح هو القوة الوحيدة في البلد. لقد دفع الجميع ثمن عدم استيعاب هذا الدرس، ودفعته مصر أيضًا. فالسلطة العسكرية لا تطيق تنظيمًا آخر ولا كلمة واحدة ولا نفسًا ولا حركة، ولا تتسع الأرض إلا لها ولا أحد غيرها.”
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض تقييمات محمد نجيب للأحداث، فإن جوهر الفكرة التي طرحها يستحق التأمل. فالمؤسسة العسكرية في أي دولة هي مؤسسة وطنية بالغة الأهمية، ومهمتها الأساسية حماية الأمن القومي والدفاع عن الحدود وصيانة سيادة الدولة. وكلما تفرغ الجيش لهذه المهمة الجوهرية، ازدادت احترافيته العسكرية وارتفعت جاهزيته القتالية.
أما عندما تتداخل الأدوار بين المجالين العسكري والسياسي، فإن ذلك يخلق تحديات معقدة تمس طبيعة الدولة نفسها. فالسياسة بطبيعتها تقوم على التعددية والاختلاف والتنافس وتداول الأفكار، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على الانضباط ووحدة القرار والتسلسل القيادي الصارم. ولهذا فإن الخلط بين المجالين كثيرًا ما يؤدي إلى إضعاف الحياة السياسية وإرباك الأدوار داخل الدولة.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن نجاح الدول الحديثة يرتبط بوضوح الحدود بين المؤسسات، بحيث يؤدي كل طرف دوره الطبيعي دون تغول على اختصاصات الآخرين. فالجيش القوي هو الذي يركز على مهمته العسكرية، والدولة المدنية القوية هي التي تدير شؤون المجتمع عبر المؤسسات السياسية والقانونية والرقابية المنتخبة.
وفي ذكرى تنصيب محمد نجيب، تبقى كلماته جزءًا من نقاش مصري مستمر حول طبيعة الدولة ومستقبلها. وربما كان الدرس الأهم الذي أراد الرجل تركه للأجيال هو أن قوة الدولة لا تتحقق فقط بامتلاك جيش قوي، بل أيضًا بوجود مؤسسات مدنية قوية وقادرة على إدارة المجتمع، مع بقاء المؤسسة العسكرية في موقعها الطبيعي حاميةً للدولة لا طرفًا في التنافس السياسي داخلها.
رحم الله الرئيس محمد نجيب، الذي ظل حتى آخر أيامه متمسكًا بقناعته بأن ازدهار مصر واستقرارها يرتبطان ببناء دولة المؤسسات، وبأن الجيش يكون أكثر قوة واحترامًا عندما يظل بعيدًا عن الصراعات والتجاذبات السياسية.
سادسًا: السيسي ينتقد البنية الجسدية لأحد طلاب الأكاديمية العسكرية… فمن يتحمل المسؤولية؟
خلال زيارة أجراها السيسي إلى الأكاديمية العسكرية المصرية في شهر يونيو 2026، دار حوار بينه وبين أحد المنتسبين إلى الأكاديمية، أبدى خلاله ملاحظات على البنية الجسدية للطالب، معربًا عن استغرابه من مستوى لياقته البدنية رغم قضائه عامًا كاملًا داخل الأكاديمية.
وأشار السيسي، خلال حديثه، إلى أن بقاء الطالب لمدة عام في مؤسسة عسكرية متخصصة ثم ظهوره بهذا المستوى من البناء الجسدي يثير علامات استفهام، في إشارة إلى أن فترة الإعداد والتأهيل كان من المفترض أن تنعكس بصورة أوضح على لياقته البدنية وبنيته الجسمانية.
تعليقي على الواقعة:
أي طالب يتقدم للالتحاق بإحدى المؤسسات العسكرية ويُقبل فيها، فلا بد أن يكون قد استوفى المواصفات والشروط المطلوبة للقبول. وإذا ظهر لاحقًا وجود خلل جسدي لدى الطالب، فهناك احتمالان: إما أن شروط الالتحاق لم تُطبق بحزم ودقة على جميع المتقدمين، أو أن الطالب كان مستوفيًا للشروط عند التحاقه ثم طرأ تغير على وضعه الجسدي بعد ذلك.
وفي الحالتين، لا ينبغي تحميل الطالب المسؤولية أو لومه أمام الجميع، بل تقع المسؤولية على الجهات المعنية بالتقييم والاختيار والتدريب والتأهيل، باعتبارها الجهة المختصة بالتأكد من توافر الشروط ومتابعة الحالة البدنية للمنتسبين خلال مراحل إعدادهم المختلفة.
سابعًا: متى يصبح الانقلاب حقيقة لا تقبل الجدل؟
في كثير من الأحيان، يثور الجدل في اللحظات الأولى التي يُطيح فيها قائد جيش برئيس مدني منتخب. فهناك من يحاول توصيف ما جرى على أنه استجابة لمطالب شعبية، أو إجراء استثنائي فرضته الظروف، بينما يذهب آخرون إلى اعتباره انقلابًا عسكريًا منذ لحظته الأولى. وفي خضم هذا الجدل، قد تنتاب البعض شكوك حول الوصف الدقيق لما حدث.
لكن هذه الشكوك لا تستمر طويلًا إذا انتهى الأمر بوصول قائد الجيش نفسه إلى سدة الحكم بعد إقصاء الرئيس المدني. ففي هذه الحالة، تتضح الصورة بصورة أكبر، ويصبح من الصعب فصل الإطاحة بالرئيس عن انتقال السلطة إلى قائد المؤسسة العسكرية التي نفذت ذلك التحرك.
فالانقلاب العسكري لا يُقاس فقط بلحظة عزل الرئيس، وإنما أيضًا بمآلات الأحداث والجهة التي آلت إليها السلطة. وعندما يصبح قائد الجيش هو الحاكم الفعلي للدولة بعد إزاحة رئيس مدني منتخب، فإن ذلك يقدم، دليلًا واضحًا على أن ما جرى لم يكن مجرد إجراء مؤقت أو انتقالًا محايدًا للسلطة، بل انقلابًا عسكريًا مكتمل الأركان على تجربة ديمقراطية.
ولهذا، فإن وصول قائد الجيش إلى الحكم بعد تنفيذه الإطاحة بالرئيس المدني يبدد كثيرًا من الجدل الذي قد صاحب اللحظة الأولى، ويجعل توصيف الحدث أكثر وضوحًا لدى الرأي العام، باعتباره انقلابًا عسكريًا انتهى بسيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة السياسية.
ثامنًا: الدور المصري في قوة الاستقرار الدولية في غزة: حفظ سلام أم تمهيد لنزع سلاح المقاومة؟

أعلنت الخارجية الأمريكية مشاركة مصر في “قوة الاستقرار الدولية” في غزة، ونشرت صورًا لعسكريين مصريين لدى انضمامهم إليها، رغم أن مصر كانت قد تعهدت سابقًا فقط بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية في غزة، إلا أن الإعلان الأمريكي يكشف الآن عن مشاركة الجيش المصري ضمن القوات الدولية داخل القطاع.
ومرة أخرى، تُكشف بعض التحركات المصرية الخارجية من خلال جهات خارجية، وليس بإعلان مصري، كما حدث سابقًا عند الإعلان عن المفرزة الجوية المصرية في الإمارات، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي يجري الإعداد لها داخل قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة، وطبيعة التعامل مع مثل هذه الأمور بشكل عام.
في هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة مهمة “قوة الاستقرار الدولية”. فهل تتمثل مهمتها في حفظ السلام، غير الموجود أصلًا في غزة منذ اتفاق شرم الشيخ، في ظل استمرار آلة القتل والاغتيالات والعمليات العسكرية داخل القطاع، وسط صمت الوسطاء عن تلك التجاوزات والانتهاكات، واستمرار تجويع أهل غزة، ودخول أقل القليل من المساعدات؟
أم أن مهمة “قوة الاستقرار الدولية” تتمثل في فرض السلام وفق المنظور الأمريكي الإسرائيلي، القائم على فرض شروط الاحتلال داخل القطاع، والتي يأتي في مقدمتها نزع سلاح المقاومة؟
وإذا كانت مهمة “قوة الاستقرار الدولية” هي فرض السلام وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية، فإن ذلك يعني بالضرورة اللجوء إلى تدخل عسكري دولي في مواجهة عناصر المقاومة الفلسطينية، وهو ما حذرت منه المقاومة من قبل، وأكدت أنها ستقاومه وستتعامل مع تلك القوات على أنها قوة احتلال ترتبط بإسرائيل، فهل ستشارك مصر في هذه القوة من هذا المنطلق؟
من وجهة نظري، فإن المسعى الأمريكي والإسرائيلي هو تهيئة الظروف اللازمة لتنفيذ مشروع نزع سلاح المقاومة، عبر أدوار تُوكل إلى القوات متعددة الجنسيات تحت عناوين أمنية أو مرتبطة بالاستقرار الدولي. فالمطلوب ليس فقط النظر إلى العناوين المعلنة لمهام هذه القوات، بل قراءة الأهداف الحقيقية الكامنة خلف تشكيلها، والمهام التي يمكن أن تُسند إليها داخل القطاع.
لذلك، يصبح من الضروري معرفة الأدوار الحقيقية لهذه القوات من خلال قراءة صحيحة لمخططات العدو وأهدافه من نشر هذه القوات الدولية في غزة، وفهم ما إذا كانت ستقتصر على مهام المراقبة والدعم الأمني، أم أنها ستكون جزءًا من ترتيبات أوسع تستهدف تغيير الواقع الأمني والعسكري داخل القطاع بما يخدم الرؤية الأمريكية والإسرائيلية؟
ينبغي على الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، التعامل بحذر شديد مع هذا الملف، والابتعاد عن أي مهام أو أدوار قد تضعها في مواجهة مع المقاومة الفلسطينية، أو تجعلها جزءًا من ترتيبات تخدم أهداف الاحتلال تحت مسميات الأمن والاستقرار الدولي.
تاسعًا: الرؤية الاستراتيجية داخل الجيش المصري تجاه إسرائيل
تحدث سياسي صهيوني عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومصر، معتبرا أن التطورات الحالية تستدعي مراقبة متواصلة من جانب تل أبيب.
وخلال مؤتمر سنوي عُقد في القدس لمناقشة العلاقات الأميركية الإسرائيلية والتحديات التي تواجهها، تحدث أمياد كوهين، مؤسس ورئيس مركز “هيروت” الإسرائيلي، عن مستقبل المنطقة والعلاقات الإستراتيجية لتل أبيب.
وبينما كان المؤتمر مخصصًا في الأساس لمناقشة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، انتقد كوهين أداء الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، معتبرًا أن سياساتها سمحت لبعض القوى الإقليمية بتعزيز قدراتها العسكرية.
وفي هذا السياق، أشار إلى مصر بشكل خاص، محذرًا مما وصفه بتنامي قوتها العسكرية، ورجّح أن تشهد المنطقة خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومصر، وفق تقديره الشخصي.
وسلطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء مجددا على تنامي القدرات العسكرية المصرية والتحركات المرتبطة بتعزيز الوجود العسكري في سيناء عاكسة حالة من القلق داخل أوساط أمنية وسياسية إسرائيلية.
ونشرت منصة “News1” الإسرائيلية تقريرا تناول تقديرات أمنية إسرائيلية بشأن القدرات العسكرية المصرية، زاعمة أن صناع القرار في تل أبيب يراقبون عن كثب عمليات التطوير والتحديث التي يشهدها الجيش المصري خلال السنوات الأخيرة.
ووفقا للتقرير فإن بعض التقديرات الإسرائيلية ترى أن حجم التسليح والتدريب الذي يشهده الجيش المصري يتجاوز الاحتياجات المرتبطة بالتهديدات التقليدية على الحدود الغربية أو الجنوبية، وهو ما يدفع دوائر إسرائيلية إلى طرح تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى لهذه القدرات.
وزعم التقرير أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع باهتمام التحركات العسكرية المصرية في سيناء، إلى جانب عمليات تطوير البنية التحتية والقدرات اللوجستية والعسكرية، في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة واتساع دائرة الصراعات الإقليمية.
تعقيبي:
الرؤية الاستراتيجية داخل الجيش المصري تجاه إسرائيل
إن التقدير الاستراتيجي داخل الجيش المصري كان، باستمرار، يرى أن حرب أكتوبر 1973 لم تكن الحرب الأخيرة بين مصر وإسرائيل. وقد أكد على ذلك الفريق الشاذلي في شهادته على العصر، كما أشار إليه في مذكراته، وتحدث عنه أيضًا عدد من قيادات الجيش المصري السابقين.
وتستند هذه الرؤية إلى أن إسرائيل دولة احتلال صاحبة مشروع توسعي، وأن مشروع “إسرائيل الكبرى” يدفعها إلى التوسع وخوض الحروب مع دول الجوار من أجل توسيع نطاق سيطرتها، وتأتي مصر على رأس تلك الدول من المنظور الاستراتيجي.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار إسرائيل حتى الآن في الالتزام بمعاهدة كامب ديفيد الموقعة عام 1979 يعود، في تقديري، إلى حالة التوافق السياسي بين النظم التي حكمت مصر وإسرائيل خلال العقود الماضية. إلا أن الرؤية الاستراتيجية ترى أن هذا التوافق السياسي لم يؤدِ إلى تطبيع حقيقي بين البلدين أو بين الشعبين، وأن الرفض المصري للكيان المحتل لا يزال رفضًا شعبيًا واسعًا، يمتد أيضًا إلى قطاعات داخل مؤسسات الدولة المصرية.
وبناءً على ذلك، فإن احتمالات اندلاع حرب بين مصر وإسرائيل في أي وقت تظل، من منظور هذه الرؤية الاستراتيجية، احتمالات واردة بدرجة كبيرة، وتستند إلى جملة من المعطيات والشواهد التاريخية والاستراتيجية التي تجعل هذا الاحتمال قائمًا، لا سيما أن التاريخ يؤكد أن التحالفات والتفاهمات السياسية مع الدول ذات الأطماع والمشاريع التوسعية ليست ثابتة، بل تتغير بتغير المصالح والظروف.
وعند قراءة تحليلات الساسة الصهاينة والأكاديميين الإسرائيليين، نجد أنهم يميزون بين مستويين في نظرتهم إلى مصر.
المستوى الأول: النظام الحالي.
فرؤية إسرائيل للنظام المصري الحالي إيجابية، وترى أن دعمه واستمراره يمثلان عاملًا مهمًا لأمن الكيان في المرحلة الحالية.
المستوى الثاني: مصر وجيشها.
أما رؤية إسرائيل لمصر وجيشها فهي رؤية عدائية، إذ ترى أن العداوة بين الطرفين لا تزال قائمة، وأن تنامي قوة الجيش المصري ليس في مصلحة إسرائيل، وأنه مهما طال الزمن، فإن السلاح الذي يمتلكه الجيش المصري قد يُوجَّه في يوم من الأيام إلى إسرائيل إذا تغيرت الظروف السياسية والاستراتيجية.
عاشرًا: التقارب العسكري المصري التركي: من التدريبات المشتركة إلى الشراكة الاستراتيجية
تشكل التدريبات الجوية المشتركة بين مصر وتركيا، التي جرت في الأجواء المصرية خلال شهر يونيو 2026، تطورًا مهمًا في مسار العلاقات العسكرية بين البلدين، وتعكس انتقال التعاون من مرحلة التقارب السياسي والدبلوماسي إلى مرحلة أكثر عمقًا ترتبط ببناء الثقة العسكرية وتوحيد المفاهيم العملياتية بين القوتين العسكريتين الأكبر في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
ولا تقتصر أهمية هذه التدريبات على الجانب التكتيكي المتعلق برفع كفاءة الأطقم الجوية وتبادل الخبرات في مجالات التخطيط والقيادة والسيطرة وإدارة العمليات المشتركة، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد استراتيجية أوسع. فالتدريبات العسكرية المشتركة بين الدول لا تُعد مجرد نشاط روتيني، وإنما تمثل رسالة سياسية وعسكرية تعكس مستوى الثقة المتبادل والرغبة في تطوير العلاقات الدفاعية على المدى الطويل.
ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن التقارب العسكري بين مصر وتركيا لا ينبغي أن يقتصر على إجراء المناورات والتدريبات المشتركة فحسب، بل يجب أن يمتد إلى مجالات أكثر أهمية، وعلى رأسها التعاون في الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا العسكرية. فخلال السنوات الماضية نجحت تركيا في تحقيق قفزات كبيرة في قطاع الصناعات العسكرية، خاصة في مجال الطائرات المسيرة بمختلف فئاتها، إضافة إلى برامج الصواريخ الباليستية والتكتيكية، ومشروعات المقاتلات الجوية الحديثة، فضلًا عن التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والأنظمة الذكية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تستفيد مصر بصورة كبيرة من إقامة شراكات صناعية وعسكرية مع تركيا، سواء عبر المشاركة في بعض مراحل التطوير والتصنيع أو من خلال برامج نقل المعرفة والخبرات الفنية والهندسية. فمثل هذه الشراكات لا توفر فقط فرصة للحصول على منظومات متقدمة، بل تمنح كذلك خبرات تراكمية تساعد في تطوير القدرات الصناعية الوطنية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في المجالات الدفاعية الحساسة.
كما أن بناء تعاون دفاعي وصناعي بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يحقق مكاسب متبادلة للطرفين؛ فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا فريدًا، وتضم أحد أكبر الجيوش من حيث الحجم والقدرات البشرية في المنطقة، كما تمتلك شبكة واسعة من المصانع والمنشآت العسكرية التي يمكن تطويرها وتسخيرها لاستيعاب برامج التصنيع العسكري المتقدم. وفي المقابل، تمتلك تركيا خبرات متقدمة في العديد من المجالات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، ما يجعل التعاون بين الطرفين فرصة حقيقية لبناء مشاريع مشتركة تسهم في نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتعزيز القدرات الدفاعية لكلا البلدين.
ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية في ظل البيئة الإقليمية المعقدة التي تشهد تحولات متسارعة وتحديات أمنية متزايدة. فالتصريحات التي تصدر عن عدد من مسؤولي وخبراء العدو الصهيوني خلال المراحل والفترات المختلفة، والتي ازدادت بشكل كبير في الفترة الأخيرة، تُظهر بوضوح أن دوائر صنع القرار في إسرائيل تنظر إلى كل من مصر وتركيا باعتبارهما قوتين إقليميتين رئيسيتين لهما تأثير مباشر على موازين القوى في المنطقة، وتكنّ إسرائيل كل العداء لمصر وتركيا. ومن ثم فإن تعزيز التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن الاستراتيجي والاستقرار الإقليمي، ويدحض مخططات العدو الصهيوني.
إن المرحلة الحالية تفرض على القوى الإقليمية الكبرى البحث عن مساحات للتعاون بدلاً من التنافس والصراع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية طويلة المدى. ومن هذا المنطلق، فإن التدريبات الجوية المشتركة بين مصر وتركيا يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة أولى على طريق أوسع نحو بناء شراكة عسكرية واستراتيجية أكثر عمقًا، تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الدفاعي والتكامل الصناعي، بما يخدم أمن واستقرار البلدين ويعزز قدرتهما على مواجهة التحديات المستقبلية.
الحادي عشر: هل تتجه إسرائيل نحو التآكل الاستراتيجي؟
في تقديري، لا تُقاس قوة الدول بعدد الحروب التي تخوضها، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية والخروج من تلك الحروب وهي أكثر قوة وقدرة على الردع. أما عندما تدخل دولة في حروب متكررة دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها، أو تخرج منها وقد تكبدت خسائر عسكرية وأمنية وسياسية كبيرة، فإنها تبدأ تدريجيًا في استنزاف عناصر قوتها، حتى وإن لم يظهر ذلك بصورة مباشرة في المدى القصير.
وتزداد أهمية هذه القاعدة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، لأنها دولة قامت على الاحتلال وما تزال تمارس احتلالها لأراضٍ فلسطينية وعربية. فالدولة المحتلة تختلف استراتيجيًا عن غيرها؛ إذ إنها تحتاج بصورة دائمة إلى الحفاظ على تفوقها العسكري وهيبة الردع وقدرتها على فرض الأمر الواقع بالقوة. وعندما تتعرض لخسائر متتالية، أو تعجز عن تحقيق أهدافها في الحروب، فإنها لا تخسر معركة فحسب، بل تتعرض أسس مشروعها القائم على الاحتلال لضغوط واستنزاف مستمرين.
ومن هذا المنطلق، فإن كل حرب تدخل فيها إسرائيل وتفشل في تحقيق أهدافها الاستراتيجية تمثل، في رؤيتي، خطوة إضافية نحو إضعاف الكيان. فالنتائج لا تُقاس فقط بحجم الدمار الذي يلحق بالخصم، وإنما أيضًا بما تخسره إسرائيل نفسها من قوة ردع، وهيبة عسكرية، وثقة داخلية، وقدرة على فرض إرادتها السياسية والعسكرية.
إن التاريخ يؤكد أن الكيانات التي تقوم على الاحتلال تحتاج إلى التفوق الدائم للحفاظ على استمراريتها، لأن الاحتلال بطبيعته يواجه مقاومة مستمرة، ويستنزف القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية للدولة المحتلة. ولذلك فإن تراكم الإخفاقات والخسائر لا يمثل مجرد انتكاسات عابرة، بل يراكم عوامل الضعف عامًا بعد عام، ويجعل تكلفة استمرار الاحتلال أعلى من قدرة الدولة على تحملها.
وبناءً على هذه القراءة، فإن الكيان المزعوم، في تقديري، لن ينهار نتيجة حرب واحدة، بل إن مسار زواله المحتوم سيكون نتيجة تراكم الإخفاقات العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية، واستمرار الاستنزاف، وتكرار الحروب التي تعجز فيها إسرائيل عن تحقيق أهدافها. ومن هنا، فإن كل مواجهة تخرج منها إسرائيل دون تحقيق أهدافها ليست حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسار استنزاف استراتيجي طويل ستكون له تداعيات عميقة على مستقبلها.
الثاني عشر: حزب الله واستمرارية المقاومة… بين الصمود والبقاء
تعرض حزب الله خلال السنوات الماضية لسلسلة من الضربات الكبرى التي استهدفت قياداته السياسية والعسكرية، وقيادات المهام، وغرف القيادة والسيطرة، إلى جانب استهداف واسع لبنيته التنظيمية والعسكرية. ومع ذلك، فإن خروجه من تلك المواجهة محافظًا على هيكله التنظيمي، واستمرار قدرته على القيادة والسيطرة، واحتفاظه بجزء معتبر من قدراته العسكرية، يُعد في حد ذاته مؤشرًا على فشل إسرائيل في تحقيق أحد أهم أهدافها المعلنة، وهو تفكيك الحزب أو القضاء عليه كقوة منظمة.
ففي الحروب، لا يُقاس النجاح أو الفشل بحجم الضربات التي يتلقاها أي طرف فحسب، بل بقدرته على الصمود، وإعادة تنظيم صفوفه، والحفاظ على تماسكه واستمرار فاعليته. ومن هذا المنظور، فإن بقاء الحزب قوة منظمة بعد تلك الضربات يمثل، فشلًا للهدف الإسرائيلي المتمثل في إنهاء وجوده العسكري والتنظيمي، ويُعد بحد ذاته إنجازًا بل انتصارًا لحزب الله في سياق المواجهة.
إن المقاومة التي تنشأ في ظل الاحتلال تُعد حقًا مشروعًا تكفله القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، فالشعوب الواقعة تحت الاحتلال تمتلك الحق في الدفاع عن أرضها والسعي إلى استعادة حقوقها بكل الوسائل. ومن ثم فإن أي دولة تُحتل أجزاء من أراضيها يكون من واجبها الوطني والسيادي العمل على تحرير تلك الأراضي وعدم التسليم بالأمر الواقع الذي يفرضه الاحتلال.
وفي هذا السياق، فإن الدولة والمقاومة لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مسارين متعارضين عندما يكون الهدف هو إنهاء الاحتلال واستعادة الأرض، بل يفترض أن يكونا جزءًا من مسار وطني واحد يسعى لتحقيق الغاية نفسها وإن اختلفت الأدوات والوسائل. ومن هنا، فإن الممارسات التي تعمل عليها الحكومة اللبنانية لحصر سلاح حزب الله أو التعامل معه بمعزل عن معادلة الردع والتحرير تُعد خطأً سياسيًا وتاريخيًا، لأنها تتجاهل طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتتناقض مع التجارب الوطنية التي أثبتت أن قوة المقاومة كانت جزءًا من حماية لبنان وصون سيادته، لا خروجًا عليها.
ومن الصعب تصور دولة ما زالت أجزاء من أراضيها خاضعة للاحتلال، ثم تقف في مواجهة شعبها أو ترفض بشكل مطلق حقه في مقاومة ذلك الاحتلال والسعي إلى تحرير الأرض. فالأصل أن تتكامل الجهود الوطنية كافة من أجل إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة على التراب الوطني، لأن تحرير الأرض ليس قضية فئة أو تيار بعينه، بل هو قضية وطن بأكمله، وأي مقاربة تُضعف هذا التوافق الوطني أو تفصل بين الدولة ومقاومتها في لحظة الصراع تكون مغايرة للتاريخ وللتجاوب الوطني الذي تفرضه مثل هذه الظروف.
جغرافيا جنوب لبنان: عامل حاسم في استمرار المقاومة
عند دراسة الصراعات العسكرية، لا يمكن فهم نتائج المعارك أو قدرة أي طرف على الصمود بعيدًا عن عامل الجغرافيا. فالأرض ليست مجرد مسرح للعمليات العسكرية، بل هي أحد أهم العناصر المؤثرة في مسار الحرب ونتائجها. ومن هذا المنطلق، تكتسب جغرافيا جنوب لبنان أهمية استثنائية في فهم طبيعة المواجهة المستمرة هناك.
يتميز جنوب لبنان بطبيعة جغرافية معقدة تتداخل فيها التلال والمرتفعات والأودية والمناطق الوعرة مع القرى والبلدات المنتشرة بين تلك التضاريس. وهذه البيئة الميدانية تختلف كثيرًا عن الأراضي المفتوحة التي تستطيع فيها الجيوش النظامية الاعتماد بصورة أكبر على تفوقها الناري والتكنولوجي.
ومن أبرز العوامل التي تمنح المقاومة أفضلية مهمة في هذه البيئة أن مقاتلي حزب الله أبناء تلك المناطق ويملكون معرفة دقيقة بجغرافيتها وتفاصيلها وخباياها ومسالكها. وهذه المعرفة ليست عاملًا ثانويًا في الحروب، بل تعد في العلوم العسكرية أحد عناصر القوة الأساسية التي قد تعوض جانبًا من الفارق في الإمكانات والتكنولوجيا.
فمعرفة الأرض تمنح القدرة على اختيار مواقع الاشتباك، وإدارة الحركة والمناورة، والاستفادة من التضاريس الطبيعية في أعمال التمويه والإخفاء والرصد ونصب الكمائن المحكمة، كما تسمح باستغلال النقاط الحاكمة والممرات الطبيعية بصورة أكثر كفاءة من القوات المهاجمة. ولهذا كانت الجغرافيا عبر التاريخ عنصرًا حاسمًا في نجاح العديد من حركات المقاومة والقوات المدافعة في مواجهة جيوش تمتلك تفوقًا تقنيًا وعسكريًا أكبر.
وما يجري في جنوب لبنان يشير إلى أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، على أهميته، لم يكن كافيًا لإلغاء تأثير طبيعة الأرض. فالتكنولوجيا تمنح مزايا كبيرة في الاستطلاع والرصد والضربات الدقيقة، لكنها لا تستطيع تغيير طبيعة الجبال والتلال والأودية ولا إلغاء المزايا التي توفرها الأرض للطرف الذي يعرفها ويتحرك فيها منذ سنوات طويلة.
ولهذا، فإن استمرار قدرة المقاومة على العمل والاشتباك والحفاظ على جزء من قدراتها العملياتية يرتبط، من بين عوامل أخرى، بطبيعة الجغرافيا الجنوبية نفسها. فهذه المنطقة ظلت تاريخيًا بيئة معقدة أمام أي قوة تحاول فرض سيطرة كاملة عليها أو القضاء بصورة نهائية على القوى التي تنشط داخلها.
وتزداد أهمية العامل الجغرافي عندما يتعلق الأمر بحركة الآليات والمعدات العسكرية الثقيلة. فطبيعة جنوب لبنان الجبلية والمتداخلة تجعل حركة الدبابات والآليات الإسرائيلية أكثر صعوبة مقارنة بالأراضي المفتوحة، كما أن الطرق والمحاور المتاحة للحركة تكون محدودة نسبيًا ويمكن توقعها ورصدها بدرجة أكبر. وتمنح المرتفعات والتلال المنتشرة في المنطقة أفضلية مهمة في أعمال المراقبة والاستطلاع وكشف التحركات العسكرية واستهدافها، ما يزيد من صعوبة المناورة ويجعل القوات المتقدمة أكثر عرضة للاستهداف.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الخسائر التي تكبدتها إسرائيل في مواجهاتها داخل جنوب لبنان “والمستمرة إلى الان”. فهذه الخسائر لا ترتبط فقط بطبيعة القتال أو قدرات الطرف المقابل، بل ترتبط أيضًا ببيئة عملياتية معقدة فرضت تحديات مستمرة على القوات المهاجمة. ورغم ما تمتلكه إسرائيل من تقدم تكنولوجي واستخباراتي، فإن الوقائع الميدانية أظهرت أن جغرافيا جنوب لبنان كانت ولا تزال عاملًا مؤثرًا يحد من قدرة هذا التفوق على تحقيق حسم كامل، ويجعل العمليات العسكرية أكثر كلفة وتعقيدًا بالنسبة للقوات المتوغلة.
إن الدرس العسكري الأهم الذي تؤكده معارك جنوب لبنان هو أن التكنولوجيا وحدها لا تحسم الحروب دائمًا، وأن الجغرافيا ما زالت تحتفظ بمكانتها كأحد أهم عناصر القوة في الصراعات الحديثة. فمعرفة الأرض وتفاصيلها وخباياها تمنح أفضلية لا يمكن تجاهلها، وتبقى عاملًا مؤثرًا في حسابات الهجوم والدفاع مهما بلغ مستوى التطور التكنولوجي لدى الخصم.
الثالث عشر: بين ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وإيران اليوم: كيف تُقاس نتائج الحروب؟
عندما تنتهي الحروب الكبرى، لا تكون البيانات السياسية وحدها هي المعيار الحقيقي للحكم على المنتصر والمهزوم، بل إن النتائج الميدانية والاستراتيجية التي تترتب على الحرب هي التي تكشف حقيقة ما جرى. فالدول التي تُهزم هزيمة واضحة تدفع عادةً أثمانًا باهظة، بينما تخرج الدول التي تنجح في الصمود أو تحقيق أهدافها الأساسية محتفظةً بأهم عناصر قوتها.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تعرضت ألمانيا لهزيمة كاملة أمام قوات الحلفاء. ولم تقتصر نتائج الهزيمة على الخسائر البشرية والمادية، بل تم حل الجيش الألماني وتجريد البلاد من قدراتها العسكرية، وفرض قيود واسعة عليها، وقُسِّمت ألمانيا. فالدولة المهزومة فقدت جزءًا كبيرًا من سيادتها العسكرية، وأصبحت غير قادرة على الاحتفاظ بالقوة التي كانت تمتلكها قبل الحرب. وكان ذلك انعكاسًا طبيعيًا لنتيجة الحرب ولحجم الهزيمة التي تعرضت لها.
وفي المقابل، فإن قراءة نتائج أي صراع حديث يجب أن تنطلق من السؤال ذاته: ماذا احتفظ كل طرف من عناصر قوته بعد انتهاء القتال؟
فإذا نظرنا إلى إيران بعد هذه الجولة من المواجهة، نجد أنها لم تُجرَّد من جيشها، ولم تُحل قواتها المسلحة، ولم تُصادر قدراتها الصاروخية، ولم تُفرض عليها ترتيبات شبيهة بتلك التي تُفرض عادةً على الدول المهزومة. بل إنها خرجت وهي ما زالت تحتفظ بمؤسساتها العسكرية وبنيتها الدفاعية وقدراتها الصاروخية التي كانت تمثل أحد الأهداف الرئيسية للضغوط والتهديدات الموجهة ضدها، وخرجت محافظةً على نظامها ووحدة أراضيها، وأفشلت كل أهداف الأمريكي والإسرائيلي التي أعلنوها للحرب.
بل إن اللافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن صراحةً أن إيران يمكنها الاحتفاظ بمنظومتها الصاروخية الباليستية، وهو أمر يحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة عند تقييم نتائج الصراع. فإذا كان أحد الأهداف المعلنة هو تجريد إيران من عناصر قوتها العسكرية الأساسية، فإن الواقع يشير إلى أن ذلك لم يتحقق.
ولهذا، فإن المقارنة التاريخية توضح فارقًا مهمًا بين الدول التي تُهزم في الحروب والدول التي تنجح في الصمود وتصل، بصمودها، إلى إفشال مخططات أعدائها وتخرج محافظةً على قوتها الاستراتيجية. فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية خرجت مجردةً من جيشها وسلاحها نتيجة الهزيمة، بينما تخرج إيران اليوم محتفظةً بجيشها وقدراتها العسكرية الأساسية. إن مجرد بقاء عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية وعدم انتزاعها بالقوة يمثل مؤشرًا مهمًا عند تقييم حصيلة هذه الجولة ونتائجها السياسية والعسكرية، التي انتصرت فيها إيران بلا شك، وبقراءة بنود الاتفاق الذي وُقِّع يتضح أن إيران هي من ربحت في تلك الجولة على الجانبين العسكري والسياسي، وستحصد مكاسب اقتصادية أيضًا.
إن التاريخ يعلمنا أن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بما يُقال أثناء المعارك، بل بما يبقى بعد انتهائها. وما يبقى.
الرابع عشر: اختراق مقاتلة إيرانية من طراز F-5 للدفاعات الأمريكية.. قراءة عسكرية في الدلالات والنتائج
أعاد ظهور عدد من طياري مقاتلات “إف-5” التابعة لسلاح الجو الإيراني للحديث عن واحدة من أكثر العمليات الجوية إثارة للجدل خلال الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى. فقد كشف الطيارون، خلال مقابلة بثها التلفزيون الإيراني الرسمي تفاصيل عملية استهدفت معسكر بوهرينغ الأمريكي في الكويت، مؤكدين أنهم تمكنوا من اختراق شبكة دفاع جوي كثيفة والوصول إلى الهدف وتنفيذ الضربة ثم العودة إلى قواعدهم.
ووفقًا لروايتهم، اعتمدت العملية على التحليق شديد الانخفاض لتفادي الرصد الراداري، حيث حافظت الطائرات على ارتفاعات منخفضة للغاية وصلت – بحسب تصريحاتهم – إلى أقل من خمسين قدمًا فوق سطح الأرض، مع الالتزام بالصمت اللاسلكي الكامل واستغلال طبيعة الأرض والعوائق الجغرافية لتقليل فرص اكتشافها من قبل الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي وطائرات الإنذار المبكر.
وأشار الطيارون إلى أن مرحلة عبور الخليج كانت من أخطر مراحل المهمة، حيث حلقت الطائرات على ارتفاعات شديدة الانخفاض فوق المياه، قبل أن تواصل طريقها نحو الهدف الرئيسي المتمثل في معسكر بوهرينغ، الذي يعد من أهم القواعد اللوجستية الأمريكية في المنطقة. كما أكدوا أن الضربة تسببت في أضرار كبيرة داخل القاعدة وأحدثت انفجارات ثانوية واسعة النطاق.
ورغم أن الرواية الإيرانية قوبلت بتشكيك من بعض المراقبين في البداية، فإن أهمية الموضوع ازدادت بعد ما نقلته شبكة NBC في أبريل 2026، عندما أكدت أن مقاتلة إيرانية من طراز F-5 تمكنت بالفعل خلال الأيام الأولى من الحرب من ضرب معسكر بوهرينغ في الكويت، في واقعة وصفت بأنها الأولى منذ سنوات طويلة التي تنجح فيها طائرة معادية في الوصول إلى قاعدة أمريكية واستهدافها بشكل مباشر رغم وجود منظومات دفاع جوي مخصصة لحمايتها.
قراءة عسكرية للواقعة
إذا صحّت المعطيات الأساسية التي تحدثت عنها المصادر الإيرانية وأكدت NBC وقوع عملية الاستهداف نفسها قبل حديث الطيارون الإيرانيون، فإن القيمة العسكرية للحدث لا تكمن في الطائرة المستخدمة بقدر ما تكمن في أسلوب تنفيذ العملية.
فمقاتلة F-5 ليست طائرة شبحية، ولا تنتمي إلى الأجيال الحديثة من الطائرات المقاتلة، بل تعود جذور تصميمها إلى عقود سابقة. ولذلك فإن نجاحها في الوصول إلى هدف محمي بمنظومات دفاعية متطورة لا يمكن تفسيره بقدرات التخفي التقنية، وإنما بمجموعة من العوامل العملياتية والتكتيكية.
أول هذه العوامل يتمثل في التحليق شديد الانخفاض. فمن المعروف في العلوم العسكرية أن الرادارات الأرضية، مهما بلغت درجة تطورها، تتأثر بانحناء الأرض والعوائق الطبيعية. ولهذا السبب اعتمدت العديد من القوات الجوية عبر التاريخ على أسلوب الطيران المنخفض لاختراق الدفاعات الجوية المعادية. وقد أظهرت حروب عديدة أن الطائرات التي تحسن استغلال التضاريس والارتفاعات المنخفضة يمكنها تقليص زمن الإنذار المتاح أمام المدافعين بصورة كبيرة.
العامل الثاني يتعلق بطبيعة الحرب نفسها. فخلال المواجهات واسعة النطاق التي تشهد إطلاق صواريخ باليستية ومسيرات وهجمات متزامنة على أهداف متعددة، تتعرض شبكات الدفاع الجوي لضغط هائل نتيجة كثافة الأهداف وسرعة تطور الموقف العملياتي. وفي مثل هذه الظروف قد تظهر ثغرات مؤقتة أو فجوات في التغطية تسمح لبعض التهديدات بالعبور، حتى داخل أكثر الشبكات الدفاعية تطورًا.
أما العامل الثالث فيرتبط بحقيقة عسكرية مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها، وهي أن الدفاع الجوي لا يوفر حماية مطلقة بنسبة 100%. فجميع المنظومات الدفاعية في العالم، بما فيها الأكثر تقدمًا، تعمل ضمن احتمالات نجاح وإخفاق محددة. ولهذا فإن نجاح هدف واحد في اختراق الدفاعات لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة، لكنه يكشف وجود ثغرة تم استغلالها بنجاح في توقيت محدد.
ومن زاوية أخرى، فإن نجاح مقاتلة قديمة نسبيًا مثل F-5 في الوصول إلى هدف أمريكي محمي يحمل دلالة مهمة تتعلق بأولوية العنصر البشري والتخطيط العملياتي. فالتاريخ العسكري يثبت مرارًا أن جودة التخطيط والتكتيكات والجرأة في التنفيذ قد تعوض، في ظروف معينة، الفجوة التقنية بين الخصوم.
كما أن تصريحات الطيارين الإيرانيين بشأن اعتماد العملية على مبدأ “النجاح بأي ثمن” تعكس طبيعة التفكير العملياتي الذي حكم المهمة، وهو ما يفسر الاستعداد للمخاطرة العالية في مقابل تحقيق هدف ذي قيمة سياسية وعسكرية ورمزية كبيرة.
أخيرًا:
بعيدًا عن الجدل المرتبط بحجم الأضرار الفعلية التي لحقت بالقاعدة، فإن ما أكثر أهمية هو أن واقعة استهداف معسكر بوهرينغ – إذا أخذنا في الاعتبار الرواية الإيرانية وتأكيد NBC لحدوث الضربة – تمثل مؤشرًا على أن حتى أكثر شبكات الدفاع الجوي تطورًا ليست عصية على الاختراق بصورة كاملة، وأن التكتيكات التقليدية القائمة على الطيران المنخفض والمفاجأة ما زالت قادرة، في ظروف معينة، على تحقيق نتائج مؤثرة.
كما تكشف الواقعة أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالتكنولوجيا وحدها، بل تظل عوامل التخطيط والقيادة والجرأة والقدرة على استغلال نقاط الضعف عناصر حاسمة قد تمنح قوات تمتلك إمكانات أقل فرصة تحقيق نجاحات عملياتية لافتة في مواجهة خصوم يتفوقون عليها تقنيًا.
الخامس عشر: إسقاط الأباتشي بالمسيّرات: كيف تعيد الطائرات غير المأهولة تشكيل معادلات الحرب الحديثة؟
قال مسؤولان أمريكيان، الثلاثاء 09 يونيو 2026، إن مروحية الجيش من طراز أباتشي التي دُمرت فوق مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان، أُسقطت بطائرة إيرانية مُسيّرة. كما أفاد مصدر مُطّلع على الحادث بأن الطائرة المسيّرة من طراز “شاهد”.
يمثل إسقاط مروحية هجومية من طراز أباتشي بواسطة طائرة مسيّرة تطورًا لافتًا في طبيعة الحروب الحديثة، ليس بسبب قيمة الهدف الذي تم إسقاطه فحسب، بل بسبب الدلالات العسكرية والاستراتيجية التي يحملها هذا الحدث على مستقبل ساحات القتال. فالأباتشي تُعد واحدة من أكثر المروحيات الهجومية تطورًا في العالم، وقد صُممت للعمل في البيئات القتالية عالية الخطورة، ومواجهة الأهداف البرية وتقديم الإسناد الناري للقوات البرية، إلا أن تعرضها لتهديد مباشر من مسيّرات منخفضة الكلفة يعكس حجم التحول الذي تشهده الحروب المعاصرة.
وخلال العقود الماضية، كانت السيطرة الجوية ترتبط بصورة رئيسية بالطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ المتطورة، لكن الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة غيّر هذه المعادلة بصورة جوهرية. فقد أصبح بالإمكان تهديد منصات عسكرية باهظة الثمن باستخدام وسائل قتالية أقل تكلفة وأكثر مرونة وأسهل في الإنتاج والتشغيل.
وتكمن أهمية حادث إسقاط الأباتشي في أنه يكشف عن انتقال المسيّرات من دورها التقليدي في الاستطلاع وجمع المعلومات أو تنفيذ الضربات ضد الأهداف الأرضية إلى دور جديد يتمثل في مواجهة الأهداف الجوية نفسها. وهذا التطور يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الجوي، تصبح فيها المسيّرات طرفًا فاعلًا في الاشتباكات الجوية وليس مجرد وسيلة دعم للقوات المقاتلة.
كما يعكس هذا الحدث التطور الكبير الذي شهدته تقنيات التوجيه والاستشعار والذكاء الاصطناعي المستخدمة في الطائرات المسيّرة الحديثة. فنجاح مسيّرة في اعتراض مروحية هجومية يتطلب قدرة على الرصد والتتبع والمناورة والاقتراب من الهدف ضمن ظروف عملياتية معقدة، وهو ما يشير إلى ارتفاع مستوى التطور التقني الذي وصلت إليه بعض برامج المسيّرات في السنوات الأخيرة.
ومن الناحية الاقتصادية العسكرية، يبرز الحادث أحد أهم التحديات التي تواجه الجيوش الحديثة، وهو اختلال معادلة الكلفة. فالمسيّرة التي قد تبلغ كلفتها جزءًا بسيطًا من قيمة المروحية المستهدفة تستطيع إلحاق خسائر كبيرة بمنظومات قتالية باهظة الثمن. وقد أصبح هذا التحدي أحد أبرز الدروس المستخلصة من الحروب الأخيرة، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو مناطق الصراع الأخرى.
أما على المستوى التكتيكي، فإن الحادث يفرض إعادة النظر في أساليب تشغيل المروحيات الهجومية داخل مناطق القتال. فمن المرجح أن تضطر الجيوش إلى تطوير إجراءات جديدة للحماية، تشمل زيادة الاعتماد على الحرب الإلكترونية، وتطوير أنظمة كشف واعتراض المسيّرات، ودمج وسائل دفاع ذاتي أكثر فاعلية على متن المروحيات والطائرات العاملة بالقرب من خطوط المواجهة.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يؤكد هذا التطور أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد سلاح مساعد، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في بنية القوة العسكرية الحديثة. فالدول والجماعات المسلحة التي تمتلك برامج متقدمة للمسيّرات باتت قادرة على فرض تهديدات حقيقية على القوات الجوية والبرية والبحرية، حتى في مواجهة خصوم يمتلكون تفوقًا تقليديًا في التسليح والقدرات العسكرية.
وفي المحصلة، فإن إسقاط مروحية أباتشي بواسطة مسيّرة لا ينبغي النظر إليه باعتباره حادثًا منفردًا أو خسارة تكتيكية محدودة، بل باعتباره مؤشرًا إضافيًا على التحول العميق الذي تشهده الحروب الحديثة. فكما غيرت الدبابات شكل المعارك في القرن العشرين، وكما غيرت الطائرات المقاتلة مفهوم السيطرة الجوية، فالمسيّرات اليوم في طريقها لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وميزان القوة في ساحات القتال خلال العقود القادمة.
السادس عشر: حرب المسيّرات في أوكرانيا: من يسيطر على السماء يفرض معادلات الأرض
تكشف الحرب الروسية الأوكرانية يومًا بعد يوم عن تحولات جوهرية في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المعارك تُحسم فقط بالدبابات والمدفعية والقوات البرية، بل أصبحت السماء هي ساحة الصراع الرئيسية، وأصبحت الطائرات المسيّرة بمختلف أنواعها أحد أهم أدوات القتال والتأثير الاستراتيجي. وما تعلنه أوكرانيا اليوم بشأن الصعوبات المتزايدة في مواجهة الطائرات المسيّرة الروسية يعكس حجم هذا التحول ويؤكد أن السيطرة على المجال الجوي باتت عاملًا حاسمًا في مسار الحرب ونتائجها.
فقد أقرت القوات المسلحة الأوكرانية بأنها تواجه تحديات متزايدة في التصدي للطائرات المسيّرة الانتحارية الروسية، خاصة النماذج الجديدة المزودة بمحركات نفاثة، والتي باتت تمثل تهديدًا متصاعدًا لمنظومة الدفاع الجوي الأوكرانية. ويكتسب هذا الاعتراف أهمية خاصة لأنه صادر عن ضباط ووحدات تعمل بشكل مباشر في مواجهة هذا النوع من التهديدات.
وفي هذا السياق، كشف قائد وحدة الطائرات المسيّرة الاعتراضية “بوسيباكي” التابعة للفوج التاسع والثلاثين للصواريخ المضادة للطائرات في الجيش الأوكراني، المعروف بالنداء القتالي “رامزيس”، أن المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية لا تزال غير قادرة على مجاراة سرعة المسيّرات الروسية النفاثة في الوقت الراهن.
وأوضح رامزيس أن سرعة الطائرات الروسية من طرازات “جيران-3″ و”جيران-4″ و”جيران-5” قد تتجاوز 300 كيلومتر في الساعة، مشيرًا إلى أن أي مسيّرة اعتراضية تحتاج إلى تفوق واضح في السرعة على هدفها حتى تتمكن من اعتراضه بصورة فعالة. وضرب مثالًا عمليًا على ذلك بقوله إن المسيّرة الاعتراضية التي تزيد سرعتها بعشرة كيلومترات فقط عن سرعة الهدف قد تستنزف بطاريتها قبل أن تتمكن من اللحاق به وإسقاطه.
وتكشف هذه التصريحات عن مشكلة عملياتية حقيقية تواجه الدفاعات الأوكرانية، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك وسائل اعتراض، وإنما بامتلاك وسائل قادرة على مجاراة التطور المتسارع في قدرات المسيّرات الهجومية الروسية. فكل زيادة في سرعة الطائرة المهاجمة تعني تقليص الوقت المتاح للاكتشاف والتتبع والاعتراض، وتفرض أعباء إضافية على منظومات الدفاع الجوي.
كما أشار رامزيس إلى أن نجاح عمليات الاعتراض يعتمد في كثير من الأحيان على خبرة المشغل ومهارته، بل وحتى على عامل الحظ، حيث يحاول المشغلون استغلال لحظات المناورة التي تنخفض خلالها سرعة المسيّرات الروسية لتنفيذ عملية الاعتراض. وهذه الملاحظة تعكس أن المعركة الجوية الحالية ليست معركة تكنولوجية فقط، بل هي أيضًا معركة بين الإنسان والتكنولوجيا في آن واحد.
ولا تقف التحديات عند حدود السرعة فقط، إذ أوضح المسؤول العسكري الأوكراني أن الأحوال الجوية السيئة من أمطار وضباب وغيوم منخفضة تؤثر بشكل مباشر على قدرة المشغلين على اكتشاف الأهداف وتتبعها. كما أن الطيران داخل الغطاء السحابي يمنح المسيّرات الروسية فرصًا أكبر لاختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافها.
وفي المقابل، تعمل أوكرانيا على تطوير جيل جديد من المسيّرات الاعتراضية لمواجهة هذا التحدي المتصاعد، إلا أن التطورات الميدانية تشير إلى أن السباق بين وسائل الهجوم ووسائل الدفاع يتسارع بصورة غير مسبوقة. فكلما طورت أوكرانيا وسائل اعتراض جديدة، تسعى روسيا إلى تطوير قدرات هجومية أكثر سرعة ومرونة وفعالية.
وتزداد أهمية هذا الملف مع إعلان القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية أوليكسندر سيرسكي أن روسيا تعتزم رفع نسبة استخدام المسيّرات الهجومية النفاثة إلى نحو 50% من إجمالي هجماتها الجوية. كما تكشف الأرقام عن تصاعد كبير في الاعتماد الروسي على هذا السلاح، إذ أطلقت القوات الروسية نحو 1400 مسيّرة نفاثة منذ بداية عام 2026 وحتى منتصف يونيو، مقارنة بنحو 180 مسيّرة فقط خلال العام الماضي، وهو تطور يعكس انتقال المسيّرات النفاثة من مرحلة الاستخدام المحدود إلى مرحلة الاعتماد العملياتي الواسع.
ولا تقتصر دلالات هذا التطور على الساحة الأوكرانية وحدها، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فالتطور المستمر في قدرات روسيا على إنتاج وتشغيل المسيّرات الهجومية بعيدة المدى، وخاصة النماذج النفاثة الأسرع والأكثر قدرة على اختراق الدفاعات الجوية، لا يمثل تحديًا لأوكرانيا فحسب، بل يفرض على دول حلف الناتو أيضًا إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية وأساليب تعاملها مع هذا النوع من التهديدات.
فالحرب الممتدة في أوكرانيا تحولت إلى بيئة عملياتية أتاحت لروسيا اختبار وتطوير منظوماتها الجوية والمسيّرات بصورة متواصلة، واكتساب خبرات قتالية حقيقية في مواجهة واحدة من أكثر ساحات القتال تطورًا من الناحية التكنولوجية. وأصبحت موسكو تمتلك اليوم خبرة متراكمة في إدارة هجمات واسعة النطاق بالمسيّرات والصواريخ، وفي دراسة أساليب الدفاع الجوي الغربية وطرق التعامل معها.
كما شهدت السنوات الماضية حوادث متعددة اقتربت خلالها مسيّرات أو صواريخ روسية من أجواء دول أعضاء في حلف الناتو أو عبرت بالقرب منها، الأمر الذي منح روسيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فرصة لمراقبة أنماط الاستجابة والإنذار والتحرك لدى تلك الدول. ومن منظور عسكري، فإن جمع المعلومات عن شبكات الرصد والإنذار والدفاع الجوي يعد جزءًا أساسيًا من أي عملية تطوير لقدرات الهجوم بعيدة المدى.
ولهذا، فإن التحدي الذي تمثله المسيّرات الروسية لا ينبغي النظر إليه باعتباره تحديًا أوكرانيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من سباق أوسع بين روسيا والغرب في مجال السيطرة الجوية وحرب المسيّرات. فكل خبرة تكتسبها روسيا في الأجواء الأوكرانية اليوم قد تكون ذات قيمة في أي مواجهة مستقبلية تتجاوز حدود أوكرانيا، وهو ما يفسر المتابعة الدقيقة التي تبديها دول الناتو للتطورات الجارية في هذه الحرب.
ومن منظور عسكري أوسع، فإن ما يجري في أوكرانيا يؤكد أن حروب السماء أصبحت السمة الأبرز للحروب الحديثة. فالمعركة اليوم لا تقتصر على السيطرة على الأرض، بل تبدأ أولًا بالسيطرة على المجال الجوي. ومن ينجح في فرض حضوره في السماء يمتلك القدرة على الاستطلاع والرصد وتحديد الأهداف وضرب خطوط الإمداد ومراكز القيادة والبنية التحتية العسكرية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على مجريات القتال على الأرض.
لقد كانت السيطرة الجوية عاملًا حاسمًا في الحروب التقليدية لعقود طويلة، لكن الحرب الأوكرانية أضافت بُعدًا جديدًا يتمثل في هيمنة المسيّرات على المشهد القتالي. فالمسيّرات أصبحت تؤدي مهام الاستطلاع والضربات الدقيقة والاستنزاف والإنهاك النفسي والاقتصادي للخصم، وأصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة السيطرة الجوية الحديثة.
ولهذا فإن الدرس الأهم الذي تفرضه الحرب الروسية الأوكرانية اليوم هو أن الجيوش التي لن تمتلك قدرات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة ومنظومات مكافحتها ستجد نفسها أمام تحديات متزايدة في ساحات القتال المستقبلية. فالحروب تتغير، وأدواتها تتطور، ومن ينجح في فرض معادلاته في السماء ستكون لديه أفضلية كبيرة في فرض إرادته على الأرض.
ومن هنا يمكن القول إن الصراع الدائر فوق أوكرانيا لم يعد مجرد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا، بل أصبح مختبرًا عسكريًا عالميًا يعيد رسم ملامح الحرب الحديثة، ويؤكد أن من يتحكم في السماء ستكون له اليد العليا في معارك الأرض. بخلاف الهجمات الروسية المكثفة بالمسيرات النفاثة فروسيا تتقدم ميدانيًا على الأرض بشكل متدرج خلال المرحلة الحالية، بينما تحاول أوكرانيا نقل مركز الثقل إلى حرب المسيّرات والضربات الاستراتيجية في العمق الروسي.
السابع عشر: الهجوم الأوكراني على موسكو: هل تكشف المسيّرات ثغرات الدفاع الجوي الروسي؟
شهدت الحرب الروسية الأوكرانية أمس تطورًا لافتًا مع تنفيذ أوكرانيا هجومًا واسع النطاق بالطائرات المسيّرة استهدف العمق الروسي، وفي مقدمة الأهداف التي جرى الحديث عنها مصفاة كابوتنيا للنفط والمملوكة لشركة غازبروم وعدد من المنشآت المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة ومحيط العاصمة الروسية. ويُعد هذا الهجوم من أكبر الهجمات الأوكرانية التي وصلت إلى محيط موسكو منذ عامين وفق وسائل إعلام روسية، الأمر الذي يمنحه أهمية عسكرية وسياسية كبيرة.
أهمية الهجوم لا تكمن فقط في حجم الأضرار التي أحدثها، بل في الرسالة التي حملها. فكييف أرادت أن تثبت قدرتها على الوصول إلى أهداف استراتيجية داخل العمق الروسي، وأن تُظهر أن موسكو نفسها ليست بمنأى عن تداعيات التصعيد الروسي المستمر خلال الفترة الماضية وأن كييف تتعامل بتصعيد هجومي استراتيجي ردًا على العمليات الهجويمة الروسية المكثفة. كما سعت أوكرانيا إلى استهداف منشآت ذات أهمية اقتصادية ولوجستية، في إطار استراتيجية متواصلة تقوم على استنزاف البنية التحتية الروسية المرتبطة بالمجهود الحربي.
لكن اللافت في هذا التطور هو الجدل المتزايد حول فعالية منظومات الدفاع الجوي الروسية في مواجهة أسراب المسيّرات الأوكرانية. فروسيا تمتلك واحدة من أكبر شبكات الدفاع الجوي في العالم، وتضم منظومات متقدمة ومتعددة الطبقات، إلا أن تكرار وصول المسيّرات الأوكرانية إلى أهداف بعيدة داخل الأراضي الروسية يثير تساؤلات جدية حول قدرة هذه المنظومات على التعامل مع هذا النوع من التهديدات منخفض التكلفة وعالي المرونة.
ولا يعني ذلك أن الدفاعات الجوية الروسية فشلت بالكامل، إذ تعلن موسكو بصورة متكررة إسقاط أعداد كبيرة من المسيّرات المهاجمة، لكن نجاح عدد من الطائرات المسيّرة في اختراق المجال الجوي والوصول إلى أهدافها يشير إلى أن حرب المسيّرات فرضت تحديات جديدة على جميع الجيوش الحديثة، بما في ذلك الجيش الروسي.
لقد أثبتت الحرب في أوكرانيا وإيران وعلى جبهة جنوب لبنان ، أن المسيّرات أصبحت أحد أهم أسلحة الحروب الحديثة، وأن المنظومات الدفاعية التقليدية المصممة أساسًا للتعامل مع الطائرات المقاتلة والصواريخ قد تواجه صعوبات أكبر أمام أسراب كبيرة من الأهداف الصغيرة والمنخفضة الارتفاع. كما أن الكلفة المنخفضة نسبيًا للمسيّرات مقارنةً بالصواريخ الاعتراضية تخلق معضلة اقتصادية وعسكرية في آن واحد.
وفي المقابل، فإن هذا الهجوم قد يدفع روسيا إلى الرد بقوة كبيرة خلال الفترة المقبلة. فاستهداف منشآت داخل العمق الروسي، وخاصة في محيط العاصمة، يمثل تحديًا لا يمكن للقيادة الروسية تجاهله. ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى استعادة معادلة الردع من خلال توجيه ضربات واسعة النطاق ضد أهداف عسكرية وبنية تحتية أوكرانية.
ولا يمكن استبعاد أن يكون الرد الروسي القادم من بين الأعنف منذ فترة طويلة، سواء من خلال تكثيف استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز أو عبر توسيع نطاق العمليات الجوية ضد أهداف حيوية داخل أوكرانيا. فالقوى الكبرى عادةً ما تتعامل بحساسية شديدة مع أي اختراق يمس عمقها الاستراتيجي أو صورتها العسكرية.
وفي النهاية، فإن الهجوم الأوكراني الأخير لا يمثل مجرد عملية عسكرية محدودة، بل يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الحرب نفسها. فالمواجهة لم تعد تقتصر على خطوط الجبهة، بل أصبحت تمتد إلى عمق أراضي الطرفين. كما أن نجاح المسيّرات الأوكرانية في الوصول إلى أهداف داخل روسيا يسلط الضوء على تحديات جديدة تواجه أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، ويؤكد أن حرب المسيّرات باتت أحد أبرز ملامح الصراعات العسكرية في القرن الحادي والعشرين.
وقد يكون الأهم من كل ذلك أن هذا الهجوم ربما يشكل مقدمة لمرحلة أكثر عنفًا من الحرب، عنوانها الرئيسي: تصعيد مقابل تصعيد، وضربات أعمق في العمق الاستراتيجي للطرفين، في صراع لا تزال نهايته بعيدة عن الحسم.
بشكل عام ، مثل هذه التطورات تُعد جزءًا طبيعيًا من الحروب طويلة الأمد، حيث تدخل الأطراف المتحاربة في عملية مستمرة من التقييم والتطوير والتكيّف العملياتي.
فمع امتداد أمد الصراع، يكتسب كل طرف فهمًا أعمق لأساليب عمل خصمه، ومنظوماته الدفاعية، وآليات الانتشار والإنذار والاستجابة لديه، وهو ما يسمح بتطوير تكتيكات هجومية أكثر فاعلية تستهدف نقاط الضعف المكتشفة. وفي المقابل، يعمل الطرف المستهدف على معالجة تلك الثغرات وتحديث إجراءات الدفاع والحماية لمنع تكرار الاختراقات.
الثامن عشر: تقارير محسوبة على مليشيا الدعم السريع لم يثبت صحتها تدعي قصف جوي مصري لمناطق التعدين الأهلي داخل الأراضي السودانية
تناقلت بعض مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية السودانية المحسوبة على مليشيا الدعم السريع تقارير لم يثبت صحتها تدعي وقوع قصف جوي مصري لمناطق التعدين الأهلي داخل الأراضي السودانية بمنطقة شمال الوادي، “مرتكباً مجزرة رهيبة بين المعدنين الأهليين” هناك، على حد زعم هذه التقارير . حيث يتم تداول الآتي بين بعض مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الإخبارية المحسوبة على مليشيا الدعم السريع:
“في الساعات الأولى من فجر اليوم، شنّ الطيران المصري هجومًا عنيفًا استهدف مناطق التعدين الأهلي الواقعة في شمال الوادي بجبل العيقاد داخل الأراضي السودانية. وتشير المعلومات الأولية إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة، وسط حالة إنسانية بالغة التعقيد.
وبدأ الهجوم نحو الساعة الخامسة صباحًا، حيث شوهدت أربع طائرات مقاتلة من طراز “ميغ” تحلق فوق المنطقة قبل أن تنفذ ضربات جوية استهدفت مواقع يعمل فيها المعدنون الأهليون. وألقت الطائرات عددًا كبيرًا من المقذوفات الصاروخية على مواقع التعدين، ما أدى إلى انفجارات متتالية أسفرت عن سقوط المئات بين قتيل وجريح، إضافة إلى أشخاص دُفنوا تحت الصخور.
ولم يقتصر الأمر على القصف الجوي فحسب، بل أعقبه تقدم أكثر من 50 مدرعة عسكرية مصرية، قامت بمطاردة المعدنين الذين نجوا من القصف. وتم مطاردة المعدنين الناجين لمسافات طويلة، حيث اجبر المعدنين بالمشي لأكثر من خمسين كيلو بأرجلهم لإنعدام المركبات.
الموت هناك بالجملة، وحتى الآن لا يُعرف العدد الدقيق للضحايا، إذ إن كثيرًا منهم دُفنوا تحت الصخور وداخل الآبار والكهوف، ولا يستطيع أحد الوصول إلى موقع القصف. كما أصيب عدد كبير من الشباب بجروح متفاوتة الخطورة، شملت حالات بتر أطراف، وكسورًا، وإصابات ناجمة عن الشظايا والانفجارات.
ولا يزال عدد كبير من المصابين عالقين داخل الهُوَر والمغارات الجبلية، حيث حالت وعورة التضاريس والظروف الأمنية دون وصول فرق الإنقاذ إليهم. ومن المرجح أن يؤدي تأخر عمليات الإجلاء إلى ارتفاع عدد الضحايا، لا سيما في ظل وجود حالات حرجة.
وقد استقبلت المراكز الصحية في سوق الأنصاري وسوق المطار أعدادًا كبيرة من الجرحى خلال فترة وجيزة. وأدى ذلك إلى خروجها عن الخدمة نتيجة الاكتظاظ ونقص الإمكانات الطبية اللازمة للتعامل مع الإصابات الحرجة.
ولم يصدر أي تدخل عسكري مباشر من الجيش السوداني أو القوات المشتركة أثناء وقوع الهجوم، وبقي الوضع دون تدخل، بحسب ما ورد في هذا التقرير. كما لم يصدر، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، أي بيان رسمي من السلطات السودانية يوضح ملابسات ما جرى أو يفسر الموقف من الأحداث والضحايا الذين سقطوا اليوم بأيدي مصرية.”
التاسع عشر: التدريبات العسكرية:
1- انطلاق التدريب المصرى العمانى المشترك «قلعة الجبل-٢»:
انطلقت فعاليات التدريب المشترك المصرى العمانى (قلعة الجبل-٢) خلال شهر يونيو 2026 بمشاركة عناصر من قوات الصاعقة المصرية والقوات الخاصة العمانية والذى جرت فعالياته على مدار عدة أيام بميادين التدريب القتالى بقيادة قوات الصاعقة بجمهورية مصر العربية.
تضمنت المرحلة الأولى فى التدريب عقد عدد من المحاضرات النظرية فى مختلف الموضوعات لتوحيد المفاهيم العملياتية وتحقيق الدمج والتجانس بين العناصر المشاركة، كما تم تنظيم معرض للأسلحة والمعدات المستخدمة فى التدريب من الجانبين.
وشهد التدريب تنفيذ عدد من الأنشطة والفعاليات العملية للموضوعات والأهداف المخططة لتبادل الخبرات التكتيكية بين الجانبين وتحقيق أقصى استفادة ممكنة للقوات المشاركة.
ووفق إفادة للمتحدث العسكري المصري، اشتمل التدريب على عدد من الأنشطة التي تضمنت تنفيذ عدد من الرمايات غير النمطية التي أبرزت الدقة والمهارة في إصابة الأهداف من الثبات والحركة.
وأضاف تضمنت المرحلة الختامية للتدريب «تنفيذ بيان لاقتحام بؤرة إرهابية داخل مدينة سكنية باستخدام المروحيات وتحرير الرهائن والقبض على العناصر الإرهابية وتقديم الإسعافات الأولية وإنقاذ المصابين واستعادة السيطرة على المدينة».
من جانبه أكد قائد قوات الصاعقة المصرية، اللواء عبد القادر عمارة حبيب، أهمية تدريب «قلعة الجبل 2» في نقل وتبادل الخبرات والتعرف على أحدث التكتيكات القتالية للقوات الخاصة، وأشاد بما وصلت إليه العناصر المشاركة من جاهزية وقدرة على تنفيذ أعمال مشتركة بكفاءة واقتدار.
2- ختام فعاليات دورة القيادة التكتيكية للقوات الجوية المصرية واليونانية:
اختتمت فعاليات دورة القيادة التكتيكية (TLP-10) التي نُفذت بإحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عناصر من القوات الجوية المصرية واليونانية، ومشاركة القوات الجوية الإسبانية بصفة مراقب، على مدار خمسة أسابيع، في إطار دعم وتعزيز علاقات التعاون العسكري المصري مع الدول المختلفة.
تُعد المشاركة هي الرابعة للقوات الجوية اليونانية في الدورة، واشتملت الفعاليات على تنفيذ عدد من المحاضرات النظرية والتدريبات العملية في مجالات التخطيط وإدارة العمليات الجوية وأعمال القيادة والسيطرة، فضلاً عن تنفيذ عدد من الطلعات الجوية المشتركة التي تهدف إلى توحيد أساليب التخطيط وتطوير التكتيكات الجوية وفقاً لأحدث المفاهيم القتالية في علوم الطيران.
تضمنت الدورة تنفيذ العديد من الطلعات الجوية المشتركة باستخدام المقاتلات متعددة المهام من الجانبين المصري واليوناني، بما يسهم في تبادل الخبرات وصقل المهارات القتالية ورفع معدلات الجاهزية والكفاءة القتالية للعناصر المشاركة، فضلاً عن إعداد قائد مهمة قادر على قيادة تشكيلات وتحالفات جوية متعددة الجنسيات والطرازات بكفاءة واقتدار.
العشرون : ملف التسليح
1- تصاعد الحديث عن حصول مصر على صواريخ “ميتيور” الفرنسية:
تُعد صواريخ “ميتيور” الفرنسية من أبرز منظومات القتال الجو–جو المتقدمة عالمياً، وهو ما يجعل أي حديث عن احتمال دخولها الخدمة لدى سلاح الجو المصري مادة مثيرة للجدل والتكهنات، خصوصاً في إسرائيل.
فقد أعادت تقارير إعلامية الحديث عن إمكانية حصول مصر على هذه الصواريخ بعيدة المدى فتح النقاش داخل الأوساط الإسرائيلية حول مستقبل التفوق الجوي في المنطقة. ووفق ما تداولته منصات عربية متخصصة في الشأن العسكري، استناداً إلى تقارير نُسبت لوسائل إعلام إسرائيلية، فإن امتلاك القاهرة لهذا النوع من التسليح قد يثير قلقاً متزايداً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، في ظل تطور العلاقات الدفاعية بين مصر وفرنسا خلال السنوات الأخيرة.
وجاءت هذه الأجواء بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية، حيث شارك إلى جانب السيسي في افتتاح جامعة “سنغور”، ما أضفى زخماً إضافياً على التكهنات المتعلقة بإمكانية توسع التعاون العسكري بين البلدين، رغم عدم صدور أي تأكيد رسمي من القاهرة أو باريس بشأن أي صفقة من هذا النوع.
على المستوى التقني، تُصنف صواريخ “ميتيور” ضمن أكثر صواريخ جو-جو تطوراً، بفضل قدرتها على الاشتباك مع الأهداف من مدى بعيد، واعتمادها على تقنيات متقدمة تمنحها فعالية عالية ضد مختلف أنواع الطائرات، بما في ذلك المنصات الشبحية. ويُنظر إليها كسلاح قادر على تعزيز السيطرة الجوية وإعادة تشكيل ميزان الاشتباك في الأجواء الحديثة.
ويرى خبراء عسكريون أن إدخال هذا السلاح إلى ترسانة القوات الجوية المصرية، في حال حدوثه، قد ينعكس على معادلة التفوق الجوي التي تتمسك بها إسرائيل منذ عقود، خاصة وأن الصاروخ يُستخدم عادةً مع مقاتلات “رافال” الفرنسية التي تمتلك مصر عدداً منها بالفعل. كما يعتبر محللون أن تكرار التغطيات الإسرائيلية حول تنامي القدرات العسكرية المصرية يعكس حالة متابعة دقيقة للتحولات التدريجية في ميزان القوى الإقليمي، لا سيما في مناطق حساسة مثل سيناء والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
في سياق متصل ، بناءً على تقاير إعلامية تم رصد أول مقاتلة مصرية من طراز رافال F4.1 خلال اختبارات الطيران في فرنسا خلال شهر يونيو 2026.

2-تقارير: مصر تطالب بترقية قدرات «رافال» أو الاتجاه نحو المقاتلات الصينية:
في ظل تصاعد الجدل حول مستقبل مقاتلات «رافال» الفرنسية، كشفت صحيفة “سوهو” الصينية في تقرير لها أن مصر تبنّت موقفاً تفاوضياً حازماً خلال مباحثاتها مع فرنسا، واضعةً شروطاً واضحة تتعلق بالحصول على تقنيات حساسة مرتبطة بالمقاتلة الفرنسية. وزعمت الصحيفة أن القاهرة تطالب إما بالحصول على الشفرة المصدرية لرادار مقاتلات «رافال» العاملة لديها ونقل التكنولوجيا الأساسية لمحركاتها، أو التوجه نحو خيار بديل يتمثل في اقتناء المقاتلة الصينية J-10CE.
وتكتسب هذه المفاوضات أهمية استثنائية لأنها تتعلق بأسرار صناعية وعسكرية تُقدَّر قيمتها بمليارات اليوروهات. كما تزامن ذلك مع انتشار واسع لمقاطع ومعلومات مرتبطة بالمواجهة الجوية بين الهند وباكستان، الأمر الذي زاد من حدة النقاش. ووفقاً للرواية الباكستانية المتداولة على نطاق واسع، فإن مقاتلات J-10CE الباكستانية المسلحة بصواريخ PL-15E بعيدة المدى تمكنت خلال معركة جوية وقعت في 7 مايو 2025 من “إسقاط ثلاث مقاتلات «رافال»”، وهو ما اعتبرته صحيفة “سوهو” الصينية دليلاً على تفوقها في القتال خلف مدى الرؤية. وقد أثارت هذه المزاعم نقاشات داخل بعض الأوساط التابعة للقوات الجوية المصرية، حيث أبدى عدد من الطيارين إعجابهم بالأداء المنسوب للمقاتلة الصينية.
3-“جبار 150”.. مسيّرة مصرية بقدرات هجومية:
أعلنت مصر عن إنتاج طائرة مسيّرة محلية الصنع تحمل اسم “جبار 150″، وهي طائرة هجومية دقيقة الإصابة، قادرة على تنفيذ مهامها بدقة عالية، ضمن توجه متصاعد لتعزيز قدرات الصناعات الدفاعية الوطنية.
وأكدت شركة «ديفانس إنسايتس» Defense Insights المصنعة للطائرة عزمها الكشف الرسمي عنها خلال فعاليات معرض الصناعات الدفاعية “إيديكس” في القاهرة، وهو أحد أبرز المعارض العسكرية في المنطقة.
4-الجيش المصري يُحدث 555 دبابة أبرامز.. هل تستعد «إم1 إيه1» لمهام جديدة؟
عاد ملف دبابات “إم1 إيه1 أبرامز” (M1A1 Abrams) المصرية إلى دائرة الاهتمام الإعلامي مجدداً، باعتبارها إحدى أبرز ركائز القوة المدرعة في الجيش المصري خلال العقود الماضية. ولم يكن ظهور هذا الملف من جديد مرتبطاً بإعلان يتعلق بإنتاج دفعات إضافية، وإنما جاء في سياق إبراز برنامج تحديث شامل طال هذه الدبابات، التي ارتبط اسمها تاريخياً بدور محوري في الردع وحماية الحدود.
تُعد مصر من أكبر مستخدمي دبابة M1A1 أبرامز في المنطقة، إذ يقدَّر عدد الدبابات العاملة ضمن أسطولها بنحو 1130 دبابة دخلت الخدمة تدريجياً منذ أوائل التسعينيات ضمن برنامج التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.
وفيما يتعلق بالإنتاج المحلي، فقد نجحت القاهرة عبر مصنع 200 الحربي في تنفيذ برنامج تجميع وتصنيع جزئي للدبابة داخل مصر، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف الأسطول تقريباً (نحو 500 إلى 600 دبابة) يخضع حالياً لبرامج التحديث إلى معيار M1A1 SA، مع رفع نسبة المكوّن المحلي تدريجياً في بعض القطع ومراحل التصنيع والصيانة.
فمصر لا تنتجها من الصفر بالكامل، لكنها تعتمد على برنامج التجميع والتصنيع المشترك داخل مصنع الدبابات المصري المعروف باسم “مصنع إنتاج وإصلاح المدرعات” (مصنع 200 الحربي). ضمن هذا البرنامج، تم إنتاج وتجميع ما يقارب 1100 إلى 1200 دبابة M1A1 محلياً عبر مراحل طويلة من نقل التكنولوجيا، مع وصول نسبة التصنيع المحلي في بعض المكونات إلى نحو 90–95% في النماذج الأخيرة، بينما تبقى بعض الأنظمة الحساسة مستوردة أو يتم توريدها ضمن حزم التجميع.
ورغم أن الدبابة ليست “مصنّعة بالكامل” في مصر، فإن التجربة المصرية تركز على التجميع، والإصلاح، والتحديث العميق، ونقل المعرفة التقنية، ما يمنحها طابعاً شبه صناعي في مجال المدرعات الثقيلة، دون الوصول إلى إنتاج كامل مستقل عن التصميم الأمريكي الأساسي.
الواحد والعشرون: اقتصاد المؤسسة العسكرية المصرية
1- خبر محذوف لـ”العربية” يثير الجدل حول مستقبل إمبراطوريات جيش مصر:
نشر موقع “العربية Business”، خلال شهر يونيو 2026، خبرا حصريا يقول إن مصر تعمل على إعداد قانون خاص بجهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، يصبح بموجب بنوده الجهاز التابع لـ”القوات الجوية” المصرية أحد أجهزة الدولة المدنية، مع توسيع أعماله بنقل تبعية شركات الدولة التي تتشابه أنشطتها مع أنشطته، إليه.
وقال الموقع نقلا عن مصادر لم يذكرها إن التشريع المرتقب سيُنهي تبعية الجهاز للقوات المسلحة المصرية، ليصبح كياناً مدنياً تابعاً للدولة، مع منحه إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً لتنظيم اختصاصاته وآليات عمله في خطوة تستهدف توسيع صلاحياته وإعادة تحديد طبيعته المؤسسية.
وفي الخبر الذي قامت إدارة العربية بحذفه لاحقا، أكد أن “القانون الجديد سيفتح الباب أمام الحكومة لنقل تبعية عدد من شركات الدولة التي تتقاطع أنشطتها مع مجالات عمل الجهاز، بما يعزز من دوره كمظلة تنفيذية واستثمارية لمشروعات كبرى في قطاعات الزراعة والصناعة والتخزين”.
الخبر لم يصدر عن السلطات المصرية أية ردود فعل حوله بالنفي أو الاثبات أو التصحيح لمحتواه.
ويتزامن صدور الخبر المحذوف مع لقاء رئيس وحدة الشركات المملوكة للدولة، هاشم السيد، مع موقع “العربية”، أجاب فيه على سؤال: هل تخضع شركات جهاز الخدمة الوطنية لرقابة إدارة شركات الدولة؟، حيث رد قائلا: “بالطبع”، مؤكدا أن الجهاز العسكري “من أكثر الجهات انضباطا في التعامل مع الوحدة، ويتماشى مع الوحدة في كل الإجراءات، ونراجع معهم ما يتم من إجراءات”.
وأضاف: “إحدى الشركات التابعة للجهاز نقوم بعمل لها رفع رأسمالها”، دون أن يذكر اسم الشركة، مبينا أنهم في الوحدة يعملون على برامج تنظيم مع كل الجهات وبينها الجيش، ما يشير إلى تغييرات محتملة في ملف مليكة وهيكلة وطروحات شركات الجيش.
ومنذ ظهر جهاز “مستقبل مصر”، شديد الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية، ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، بقرار السيسي (591 لعام 2022)، أيار/ مايو 2022، ليتحول من مشروع زراعي بمحور الضبعة إلى كيان عملاق يهيمن على ملفات الأمن الغذائي والتصنيع الزراعي، والبحيرات، وصيد الأسماك، والتشييد وغيرها.
وفي وقت قصير أخذ الجهاز من صلاحيات جهاز “حماية وتنمية البحيرات”، و”هيئة الثروة السمكية”، وأدوار أجهزة تابعة لوزارات الزراعة والتموين، مثل “الهيئة العامة للسلع التموينية”، ويقوم بمشروعات زراعية كـ”الدلتا الجديدة”، وصناعية كمدينة “مستقبل مصر الصناعية”، وإسكان وتطوير عقاري مثل مشروع “جريان”.
2-افتتاح نوادي للجيش بعد التجديد:
قامت إدارة نوادى وفنادق القوات المسلحة، بإفتتاح وتشغيل فندقي “رأس البر والمشير أحمد بدوى – الأبيض”، للقوات المسلحة بعد الإنتهاء من أعمال تطويرهما، حيث شملت أعمال التطوير كافة المنشآت الخدمية والإدارية.
وخلال المراسم، أكد اللواء أح أيمن مصطفى محمـد مدير إدارة نوادى وفنادق القوات المسلحة حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تطوير وتحديث سلسلة نوادى وفنادق القوات المسلحة بمختلف محافظات الجمهورية بما يمكنها من توفير كافة الخدمات المقدمة للزائرين بشكل أفضل.
حضر مراسم الإفتتاحين اللواء أح محمـد يوسف عساف قائد الجيش الثاني الميداني واللواء أح حاتم مصطفى زهران قائد المنطقة الغربية العسكرية




