تقديرات

“تركيا بلا إرهاب” يتحول إلى قانون.. أغلبية برلمانية واسعة تفتح المرحلة القانونية من تسوية ملف PKK


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


انتقل مسار «تركيا بلا إرهاب» من مرحلة الاتصالات السياسية وإعلانات نزع السلاح إلى إطار قانوني ملزم، بعد إقرار البرلمان التركي قانون «تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي» بأغلبية واسعة بلغت 467 صوتًا مقابل 87 معارضًا و7 أصوات ممتنعة، في واحدة من أوسع عمليات التصويت البرلماني التي شهدها الملف الكردي والأمني في تركيا خلال العقود الأخيرة. وبعد مراجعة بطاقات الاقتراع وإلغاء أصوات مكررة، استقر الرقم النهائي على 467 مؤيدًا، فيما غاب 31 نائبًا عن التصويت.

ولا تكمن أهمية القانون في حجم الأغلبية فقط، وإنما في أنه يوفر للمرة الأولى المسار القانوني الذي يفترض أن يحكم مرحلة ما بعد حل PKK وتسليم السلاح، بما يشمل مصير التحقيقات والمحاكمات والعقوبات، والآليات التي ستراقب التنفيذ. وهو ما ينقل العملية من تفاهم سياسي قابل للتراجع إلى بنية قانونية تحدد شروط الانتقال من الصراع المسلح إلى مرحلة نزع السلاح وإعادة الإدماج.

أغلبية تتجاوز التحالف الحاكم

أظهرت خريطة التصويت أن تمرير القانون لم يعتمد على تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية وحده. فقد صوّت 268 نائبًا من حزب العدالة والتنمية و44  من الحركة القومية لمصلحة القانون، لكن الأغلبية توسعت بإضافة 55 نائبًا من حزب   المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي) DEM)، و29 من حزب الشعب الجمهوري، و35 من «الحزب الجديد»  (Yeni Parti)، إلى جانب نواب من أحزاب أصغر  ومستقلين.

ويمنح ذلك القانون دلالة سياسية تتجاوز الحساب العددي. فالمشروع الذي بدأ أساسًا بتقارب بين الرئيس رجب طيب أردوغان وزعيم الحركة القومية دولت بهتشلي، وبمشاركة مباشرة من حزب DEM، تحول عند التصويت إلى مظلة برلمانية أوسع شملت أجزاء مهمة من المعارضة.

لكن هذا التوافق لم يكن كاملًا.

فقد شهد الحزب الجديد أكبر انقسام داخلي، إذ صوّت 35 نائبًا مع القانون مقابل 54 ضده، بعدما تركت القيادة لأعضاء الكتلة حرية التصويت بحسب قناعاتهم ومواقف دوائرهم الانتخابية. أما حزب  “الجيد” (İYİ)، الذي اتخذ منذ البداية موقفًا معارضًا للمسار، فقد صوّت نوابه الـ29 جميعًا ضد القانون. وفي حزب الشعب الجمهوري جاءت النتيجة 29 مؤيدًا مقابل معارضين اثنين، مع غياب 14 نائبًا.

وتكشف هذه الخريطة أن الانقسام السياسي حول الموضوع لم يعد يدور ببساطة بين الحكومة والمعارضة، بل بات يمر داخل المعارضة نفسها وبين التيارات القومية والمؤيدة لمسار التسوية.

ماذا يحقق القانون فعليًا؟

العنصر الأهم في القانون هو أنه لا يمنح عفوًا فوريًا أو تلقائيًا.

فبدء تطبيقه مرتبط أولًا بتحقق الأجهزة الأمنية من أن PKK/KCK والتنظيمات المرتبطة به أنهت وجودها الفعلي وسلمت الأسلحة والذخائر الموجودة تحت سيطرتها. وبعد ذلك يجب أن يؤكد مجلس الأمن القومي التركي هذا التحقق بقرار يُنشر في الجريدة الرسمية. فقط عند تحقق هذه المرحلة تبدأ الآليات القضائية المنصوص عليها في القانون.

وهذه الصيغة شديدة الأهمية سياسيًا، لأنها تجعل نزع السلاح يسبق الامتيازات القانونية وليس العكس.

بعد استيفاء هذا الشرط، يسمح القانون بتأجيل التحقيقات والمحاكمات في مجموعة واسعة من الجرائم المرتبطة بالتنظيم. فالقضايا التي تصل عقوبتها القصوى إلى 15 عامًا يمكن تعليقها لمدة خمس سنوات، بينما تؤجل القضايا الأشد لمدة عشر سنوات. ويطبق منطق مشابه على تنفيذ أحكام السجن الموجودة بالفعل.

لكن القانون يضع استثناءات مهمة، أبرزها جرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط التنظيم، وبعض الأحكام بالسجن المؤبد أو المؤبد المشدد المرتبطة بجرائم تعود إلى ما قبل يونيو/حزيران 2005.

كما أن الاستفادة من القانون ليست غير مشروطة؛ فإذا ارتكب الشخص المستفيد جريمة إرهابية جديدة خلال فترة التأجيل، يلغى القرار وتستأنف الإجراءات أو تنفيذ العقوبة. أما إذا مرت الفترة المحددة من دون ارتكاب جريمة جديدة، فيمكن اعتبار العقوبة منفذة وفق الآلية التي يحددها القانون.

منطق «نزع السلاح مقابل الانتقال القانوني»

بهذا التصميم، يحاول القانون معالجة واحدة من أصعب قضايا أي عملية لإنهاء تمرد مسلح: ماذا يحدث لآلاف الأشخاص المرتبطين بالتنظيم بعد تسليم السلاح؟

فإنهاء التنظيم عسكريًا لا يحل تلقائيًا مشكلة المقاتلين والملاحقات القضائية والأشخاص المطلوبين أو الموجودين في السجون. وفي المقابل، فإن إصدار عفو شامل قبل التحقق من إنهاء النشاط المسلح كان سيواجه اعتراضًا كبيرًا داخل المجتمع التركي والتيار القومي.

لذلك اختير نموذج وسط يقوم على تعليق العقوبة بدل إلغائها مباشرة، وربط استمرار الاستفادة بعدم العودة إلى النشاط المسلح.

وهذه الصيغة تسمح للحكومة بتقديم القانون للتيار القومي على أنه ليس عفوًا غير مشروط، بينما تمنح الطرف الكردي في المقابل مسارًا قانونيًا يمكن من خلاله الانتقال من العمل المسلح إلى الحياة المدنية.

بهتشلي يتحول من رمز للتيار القومي إلى أحد مهندسي العملية

أحد أكثر عناصر المسار لفتًا للانتباه هو الدور الذي يؤديه زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي، الذي كان حزبه تاريخيًا من أكثر القوى تشددًا تجاه  PKK.

وبعد إقرار القانون، اعتبر بهتشلي أن التشريع يجمع بين قوة الدولة ومشروع «تركيا بلا إرهاب»، وقدم إنهاء الإرهاب باعتباره مسألة تتجاوز تصفية العناصر المسلحة إلى معالجة الظروف السياسية والاجتماعية والجيوسياسية التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع.

وهذا الدور مهم لأن وجود الحركة القومية داخل العملية يوفر لأردوغان غطاءً سياسيًا من الجبهة التي كان يمكن أن تكون الأكثر قدرة على مهاجمة أي تسوية باعتبارها تنازلًا أمام  PKK. 

وبمعنى آخر، فإن دخول بهتشلي في قلب العملية يقلل قدرة المعارضة القومية على احتكار خطاب رفض التسوية.

حزب الشعب الجمهوري يدعم بشروط

موقف حزب الشعب الجمهوري يعكس بدوره محاولة الحفاظ على توازن دقيق. فقد دعم معظم نوابه القانون، بينما ربطت قيادة الحزب نجاح العملية بنزع سلاح يمكن التحقق منه، وبقاء الدولة موحدة، وخضوع التسوية للبرلمان والقانون، وإجراء إصلاحات ديمقراطية في مرحلة لاحقة.

وبذلك يحاول الحزب تجنب الظهور كقوة تعرقل إنهاء الصراع الكردي، وفي الوقت نفسه عدم ترك الملف بالكامل لإدارة أردوغان وبهتشلي.

أما حزب  DEM الكردي، فينظر إلى القانون باعتباره بداية وليس نهاية للعملية، وقد طالب قبل التصويت بأن يكون الإطار القانوني شاملًا وأن يقترن بمسار أوسع للديمقراطية والتسوية السياسية للقضية الكردية.

الدولة تحتفظ بمفتاح التنفيذ

ورغم الاتساع البرلماني للعملية، يحتفظ الجهاز التنفيذي والأمني بدور حاسم في تحديد موعد الانتقال إلى المرحلة التالية.

فالقانون ينص على تشكيل هيئة برئاسة نائب الرئيس وتضم وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات والأمين العام لمجلس الأمن القومي ومسؤولين آخرين، لمتابعة تنفيذ العملية. كما سيشكل البرلمان لجنة مراقبة تتلقى المعلومات وتقدم التوصيات.

وبالتالي لا يعني إقرار القانون أن عملية الإفراج أو تعليق المحاكمات تبدأ فورًا؛ إذ تبقى اللحظة الحاسمة هي إعلان الدولة رسميًا أن التنظيم أنهى وجوده المسلح وسلم أسلحته.

وهنا سيظهر الاختبار الحقيقي: ما المعيار الذي ستستخدمه أنقرة لتحديد اكتمال نزع السلاح؟ وهل سيشمل القرار البنية التنظيمية المرتبطة بـPKK  خارج الأراضي التركية، خصوصًا في العراق وسوريا، أم سيجري الفصل بين الساحات المختلفة؟

مرحلة جديدة في القضية الكردية

من الناحية السياسية، يمثل التصويت تحولًا مهمًا في طريقة إدارة الدولة التركية للملف.

فبعد عقود كانت فيها القضية تُدار أساسًا من خلال الأدوات العسكرية والأمنية، أصبح البرلمان الآن طرفًا مباشرًا في صياغة آلية قانونية لما بعد السلاح. وهذه النقلة لا تعني أن القضية الكردية حُلّت أو أن الخلافات السياسية اختفت، لكنها تشير إلى أن مركز الثقل بدأ يتحول من سؤال «كيف تُهزم PKK؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تُدار مرحلة ما بعد PKK؟

وسيكون نجاح القانون مرهونًا بثلاثة اختبارات مترابطة: نجاح نزع السلاح بصورة يمكن التحقق منها، قدرة الدولة على إعادة دمج المستفيدين من القانون من دون إثارة شعور واسع بالإفلات من العقاب، ثم الانتقال من التسوية الأمنية إلى معالجة الجوانب السياسية والاجتماعية للقضية الكردية.

ولهذا فإن أهمية تصويت 467 نائبًا لا تكمن فقط في أنه أعطى الحكومة أغلبية ضخمة، بل في أنه حوّل «تركيا بلا إرهاب» من مشروع سياسي إلى مسار قانوني تتحمل قوى متعددة داخل البرلمان مسؤولية نجاحه أو فشله.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى