صعود الين يهز الأسواق.. هل بدأت نهاية تجارة التمويل اليابانية الرخيصة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
عاد الين الياباني إلى قلب الأسواق العالمية بعد ارتفاعه إلى أقوى مستوياته منذ فبراير/شباط، مدفوعاً بتزايد الرهانات على رفع جديد للفائدة من بنك اليابان الأسبوع المقبل، في حركة أعادت المخاوف من تفكك واحدة من أكثر الاستراتيجيات المالية انتشاراً في العالم: الاقتراض بالين الرخيص واستثمار الأموال في أصول أعلى عائداً.
وصعد الين إلى نحو 152.9 مقابل الدولار، بعدما كان قد هبط في يوليو/تموز إلى أدنى مستوى في نحو أربعة عقود قرب 164 يناً للدولار، وهو ما دفع حينها السلطات اليابانية والأميركية إلى التدخل لدعم العملة. واليوم، تتحرك السوق في الاتجاه المعاكس، إذ يسارع مستثمرون إلى تقليص رهاناتهم على ضعف الين قبل اجتماع بنك اليابان في 17 و18 سبتمبر/أيلول.
لكن أهمية ما يحدث تتجاوز سعر صرف العملة اليابانية نفسها.
فالين ظل لعقود إحدى أهم عملات التمويل في العالم، بسبب أسعار الفائدة شديدة الانخفاض في اليابان. وكان المستثمر يستطيع الاقتراض بالين بكلفة محدودة، ثم تحويل الأموال إلى الدولار أو عملات أخرى وشراء سندات أو أسهم أو أصول تقدم عائداً أعلى.
وهذه الاستراتيجية المعروفة باسم Carry Trade تكون مربحة طالما بقي الين ضعيفاً والفائدة اليابانية منخفضة.
أما عندما يرتفع الين وتزداد تكلفة الاقتراض في اليابان، تبدأ المعادلة في الانقلاب.
لماذا يرتفع الين الآن؟
هناك ثلاثة عوامل رئيسية تقف خلف التحول.
الأول هو توقع الأسواق أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس الأسبوع المقبل، من 1% إلى 1.25%.
وتسعر الأسواق حالياً احتمالاً يقارب 97% إلى 98% لهذه الخطوة، بعد أن كانت احتمالات الرفع أقل بكثير قبل شهر.
أما العامل الثاني فهو تحسن البيانات الاقتصادية اليابانية.
فأظهرت بيانات حكومية أن الاقتصاد نما بمعدل سنوي قدره 1.4% في الربع الثاني من 2026، بعد تعديل القراءة الأولية البالغة 1.1%.
كما ارتفعت الأجور الحقيقية في يوليو/تموز بنسبة 2.4% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة منذ مايو/أيار 2021، وللشهر السابع على التوالي.
وهذه الأرقام تمنح بنك اليابان مساحة أكبر لمواصلة رفع الفائدة من دون الخوف من دفع الاقتصاد سريعاً نحو الركود.
أما العامل الثالث فهو التضخم.
فارتفاع أسعار الطاقة بسبب الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب ضعف الين خلال الأشهر السابقة وارتفاع تكاليف الواردات، يزيد الضغط على البنك المركزي لمنع عودة التضخم بصورة أقوى.
نهاية عصر الفائدة الصفرية
لفهم أهمية التطورات الحالية، يجب العودة إلى خصوصية اليابان.
فعلى مدى عقود، عاش الاقتصاد الياباني في بيئة انكماش أو تضخم شديد الانخفاض، ما دفع بنك اليابان إلى تبني أسعار فائدة قرب الصفر وأحياناً سالبة.
لكن هذه المرحلة بدأت تنتهي.
وبدأ البنك دورة رفع للفائدة في 2024، قبل أن يصل السعر الأساسي إلى 1% في يونيو/حزيران 2026، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً.
والآن يرجح أن يرتفع إلى 1.25%، مع توقعات بتحركات إضافية قد تصل بالفائدة إلى 1.5% بحلول بداية العام المقبل.
وهنا يتغير دور اليابان في النظام المالي العالمي.
فبدلاً من أن تكون مصدراً شبه مجاني لرأس المال، قد تصبح تدريجياً سوقاً تستطيع تقديم عوائد مغرية للمستثمر الياباني داخل بلاده.
ما هي تجارة الـCarry Trade؟
لنفترض أن مستثمراً كان يستطيع الاقتراض في اليابان بفائدة 0.5% ثم شراء سندات أميركية بعائد 4.5%.
الفارق بين الفائدتين يصبح مصدراً للربح.
وإذا بقي سعر صرف الين مستقراً أو انخفض، تصبح الصفقة أكثر ربحية.
ولهذا تمول الأموال اليابانية استثمارات حول العالم، من السندات الأميركية إلى الأسهم والأسواق الناشئة والعملات ذات العائد المرتفع.
لكن إذا ارتفع الين بسرعة، فقد يمحو مكسب سعر الصرف كل فارق الفائدة.
وعندها يحتاج المستثمر إلى بيع الأصل الذي اشتراه في الخارج، وشراء الين مجدداً لسداد قرضه.
وهذا ما يسمى فك صفقات الكاري تريد.
2.35 تريليون دولار في الخلفية
لا توجد طريقة دقيقة لحساب الحجم الحقيقي لجميع صفقات التمويل بالين، لأن جزءاً كبيراً منها يتم عبر أدوات مشتقة وأسواق خاصة.
لكن بيانات حللتها “جيفريز” اعتماداً على بنك التسويات الدولية تشير إلى أن الاقتراض بالين عبر الحدود وصل إلى مستوى قياسي بلغ 360 تريليون ين، أي نحو 2.35 تريليون دولار، حتى مارس/آذار.
وهو أكبر تراكم لمثل هذا الاقتراض خلال ثلاثة عقود.
ولا يعني ذلك أن الـ2.35 تريليون دولار كلها رهانات مضاربية مباشرة.
لكنه يعطي مؤشراً إلى حجم الأموال التي قد تصبح أكثر حساسية إذا تغيرت تكلفة التمويل الياباني وسعر صرف الين في الوقت نفسه.
ولهذا يراقب المستثمرون التحرك الحالي بحذر.
لماذا قد يتأثر العالم؟
إذا بدأ المستثمرون في إغلاق صفقات ممولة بالين، فإنهم لا يبيعون الين، بل يفعلون العكس.
يبيعون الأصول الأجنبية التي اشتروها، ثم يشترون الين لإعادة الأموال إلى اليابان.
وهذا يمكن أن يضغط على مجموعة واسعة من الأسواق.
قد تتراجع الأسهم، وتنخفض بعض العملات ذات العائد المرتفع، وترتفع التقلبات في أسواق السندات.
وقد ظهرت بعض هذه العلامات بالفعل.
فالين ارتفع بنحو 5% منذ بداية سبتمبر/أيلول أمام عملات كانت مفضلة في صفقات الكاري تريد مثل البيزو المكسيكي والليرة التركية، بينما قفزت تقلبات زوج الدولار-ين إلى أعلى مستوى في ستة أشهر.
كما تعرض مؤشر نيكاي الياباني لضغوط مع ارتفاع العملة، لأن الين القوي يضغط على أرباح الشركات اليابانية المصدرة عند تحويل مبيعاتها الخارجية إلى العملة المحلية.
شبح أغسطس 2024
المخاوف الحالية تعيد إلى الأذهان ما حدث في أغسطس/آب 2024.
فعندما رفع بنك اليابان الفائدة وارتفع الين بسرعة، تعرضت صفقات التمويل اليابانية لتفكك مفاجئ، وانتقلت الضغوط إلى أسواق الأسهم العالمية خلال أيام.
هذه التجربة لا تزال حاضرة في أذهان المتداولين.
لكن الفارق هذه المرة أن الأسواق تتوقع رفع الفائدة مسبقاً، بدلاً من أن تفاجأ به.
ولهذا يرى بعض المحللين أن فك المراكز قد يكون أكثر تدريجية.
لكن هناك أيضاً عامل يزيد المخاطر: حجم المراكز أصبح كبيراً جداً.
فإذا دفع المزيد من ارتفاع الين المستثمرين إلى إغلاق رهاناتهم، يمكن أن تتحول الحركة تدريجياً إلى عملية ذاتية التسارع: شراء الين يؤدي إلى ارتفاعه، وارتفاعه يؤدي إلى المزيد من إغلاق الصفقات، ثم مزيد من شراء الين.
ماذا لو وصل الين إلى 145؟
يتوقع بعض المحللين أن استمرار تصفية المراكز يمكن أن يدفع الدولار إلى منطقة منتصف 140 يناً.
وهذا سيكون تحولاً ضخماً مقارنة بمستويات قرب 164 في يوليو.
لكن الوصول إلى هذا المستوى سيعتمد بدرجة كبيرة على ما سيقوله بنك اليابان بعد اجتماعه.
فإذا رفع الفائدة وأشار إلى استمرار التشديد بوتيرة أسرع، فقد تستمر قوة الين.
أما إذا جاءت لهجة البنك أكثر حذراً من توقعات السوق، فقد ينعكس جزء من الارتفاع سريعاً.
وهنا تكمن المفارقة: الأسواق ربما أصبحت متشددة في توقعاتها إلى درجة أن رفعاً عادياً بمقدار 25 نقطة أساس قد لا يكون كافياً لدعم الين إذا لم يترافق مع إشارات واضحة إلى زيادات إضافية.
لماذا لا يرفع بنك اليابان 50 نقطة أساس؟
ظهرت تكهنات بأن البنك قد يفاجئ الأسواق برفع أكبر بمقدار نصف نقطة مئوية.
لكن رويترز نقلت عن مصادر مطلعة على تفكير البنك أنه لا يوجد ميل قوي إلى هذه الخطوة.
فالبنك يفضل التحرك تدريجياً حتى لا يصدم اقتصاداً اعتاد لعقود على الاقتراض شديد الرخص.
كما يخشى أن يعطي رفعاً كبيراً انطباعاً بأن البنك فقد السيطرة على التضخم واضطر إلى التحرك بصورة متأخرة.
ولهذا يبقى السيناريو الأساسي هو رفع الفائدة إلى 1.25%، ثم التحرك مجدداً في ديسمبر/كانون الأول أو مطلع 2027 إذا استمرت ضغوط الأسعار.
اليابان قد تعيد أموالها إلى الداخل
لكن الخطر الأكبر على الأسواق العالمية قد لا يأتي من المضاربين وحدهم.
فالمستثمرون اليابانيون التقليديون، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد والبنوك، يمتلكون كميات ضخمة من الأصول الخارجية.
وطوال سنوات، دفعتهم العوائد المنخفضة داخل اليابان إلى الاستثمار في السندات الأميركية والأوروبية وغيرها.
أما اليوم، فعوائد السندات اليابانية نفسها ارتفعت إلى مستويات هي الأعلى منذ نحو ثلاثة عقود.
وهذا يعني أن المستثمر الياباني لم يعد مضطراً بالدرجة نفسها إلى تحمل مخاطر العملة والسفر برأس ماله إلى الخارج للحصول على عائد.
وكما قال أحد مديري الاستثمار لرويترز، أصبح للأموال الآن مكان يمكن أن تعود إليه داخل اليابان.
وهذا قد تكون له تداعيات مهمة على الطلب العالمي على السندات.
ماذا عن سندات الخزانة الأميركية؟
اليابان واحدة من أكبر حائزي سندات الخزانة الأميركية في العالم.
ولذلك فإن ارتفاع العوائد المحلية يمكن أن يقلل الحافز لدى المؤسسات اليابانية لزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة.
ولا يعني ذلك أنها ستبيع سنداتها الأميركية بصورة جماعية.
لكن حتى تغير نسبي في توزيع المحافظ يصبح مهماً في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى جذب مشترين لكميات ضخمة من الدين لتمويل العجز وإعادة تمويل السندات المستحقة.
ومن هنا يتقاطع صعود الين مع قصة أخرى تحدث في الأسواق حالياً: ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي عالمياً.
فإذا أصبحت الأموال اليابانية أقل وفرة في الخارج في الوقت نفسه الذي تصدر فيه الحكومات المزيد من الديون، فقد يضيف ذلك ضغطاً صعودياً على العوائد.
النفط يزيد المشكلة تعقيداً
التوقيت نفسه حساس بالنسبة إلى البنوك المركزية.
فأسعار خام برنت عادت تقترب من 100 دولار للبرميل بسبب تصاعد الصراع مع إيران والهجمات الحوثية على منشآت الطاقة السعودية.
وارتفاع النفط يعني مزيداً من مخاطر التضخم.
وهذا يجعل خفض أسعار الفائدة أصعب، بل يدفع الأسواق إلى توقع زيادات إضافية في بعض الاقتصادات.
وبذلك تجتمع ثلاثة عوامل في الوقت نفسه: نمو عالمي أكثر قوة مما كان متوقعاً، وارتفاع في أسعار الطاقة، وفائدة مرشحة للبقاء مرتفعة.
وهذه ليست بالضرورة بيئة مريحة للأسواق التي اعتادت على توقع خفض الفائدة.
آسيا تتحرك مع الين
ولم يكن الين العملة الآسيوية الوحيدة التي ارتفعت أمام الدولار.
فاليوان الصيني والوون الكوري حققا مكاسب أيضاً، بالتزامن مع بيانات تجارية صينية قوية.
فقد قفزت صادرات الصين 25% على أساس سنوي في أغسطس/آب، وبلغ الفائض التجاري الشهري نحو 119 مليار دولار، مدفوعاً خصوصاً بصادرات التكنولوجيا والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وهذا يعزز صورة اقتصاد آسيوي أكثر قوة، ويقلل في الوقت نفسه من الفارق في السياسة النقدية الذي دعم الدولار خلال سنوات.
هل انتهت الـCarry Trade؟
ليس بعد.
حتى بعد رفع الفائدة اليابانية، ستظل هناك فروق كبيرة بين العوائد في اليابان وأسواق أخرى.
ولهذا يمكن أن تبقى صفقات التمويل بالين مربحة.
لكن الذي تغير هو طبيعة المخاطرة.
فالفكرة القديمة كانت تقوم على افتراض أن الفائدة اليابانية ستظل منخفضة جداً وأن الين سيبقى ضعيفاً.
هذا الافتراض لم يعد مضموناً.
وبالتالي، كما يقول محللون، لم تعد الـCarry Trade “غداءً مجانياً”.
أصبحت تتضمن إلى جانب مخاطر السوق مخاطر سياسة نقدية وتدخل حكومي وسعر صرف أكثر حدة.
من عملة ضعيفة إلى مصدر اضطراب عالمي
التحول الذي تشهده اليابان ربما يكون أكبر من رفع للفائدة بمقدار ربع نقطة.
فعلى مدى عقود، كان أحد الثوابت في النظام المالي العالمي هو وجود اقتصاد ضخم يوفر رأس مال منخفض التكلفة ويصدر جزءاً كبيراً منه إلى الخارج.
إذا بدأت هذه المعادلة في التغير، فقد يتغير معها سلوك تريليونات الدولارات من الاستثمارات.
ولهذا فإن السؤال أمام الأسواق ليس فقط ما إذا كان الين سيصل إلى 150 أو 145 مقابل الدولار.
السؤال الأكبر هو ما إذا كانت اليابان تدخل بالفعل مرحلة يصبح فيها الاحتفاظ بالأموال داخل البلاد مجدياً مرة أخرى.
فإذا كان الجواب نعم، فإن نهاية عصر الين الرخيص لن تكون قصة يابانية فقط.
قد تعني أيضاً ارتفاع تكلفة المال في أماكن أخرى من العالم، وتراجع بعض السيولة التي دعمت الأسهم والسندات والعملات لسنوات، وإعادة ترتيب واسعة للمحافظ الاستثمارية العالمية.
والاختبار الأول لهذه الفرضية سيكون اجتماع بنك اليابان في 17 و18 سبتمبر/أيلول.
حينها لن تراقب الأسواق قرار الفائدة اليابانية فقط، بل ستبحث عن إجابة لسؤال أكبر: هل بدأ فعلاً تفكيك واحدة من أكبر آلات التمويل الرخيص في النظام المالي العالمي؟
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




