نحن والعالم عدد 7 أغسطس 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 26 يوليو 2026 – 7 أغسطس 2026.
شهدت الفترة بين 26 يوليو/تموز و7 أغسطس/آب 2026 جملة من التطورات المتسارعة التي عكست اتساع التحولات في موازين القوى إقليميًا ودوليًا؛ من تغيرات لافتة داخل المشهد السياسي الأمريكي وصعود تيارات أكثر نقدًا للمال السياسي والنفوذ التقليدي، إلى مؤشرات على إعادة صياغة العقيدة النووية الأمريكية وسط تصاعد التنافس مع روسيا والصين.
وفي الإقليم، برز تنامي الدور التركي أمنيًا وعسكريًا، بالتوازي مع توقيع «اتفاقية مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بما يؤسس لصيغة جديدة من الردع الجماعي. استمر الجمود في المباحثات الأمريكية الإيرانية، بالتوازي مع تصعيد في جبهة اليمن مع المملكة العربية السعودية.
كما شهدت سوريا تطورات أمنية حساسة على الحدود مع العراق وفي جرمانا، وسط استمرار التنافس التركي–الإسرائيلي على مستقبل الساحة السورية.
وتكشف مجمل هذه التطورات عن مرحلة تتجه فيها المنطقة نحو إعادة تشكيل التحالفات والأدوار، في وقت يتزايد فيه الترابط بين الأمن والطاقة والممرات التجارية والتحولات السياسية الداخلية.
أمريكا
وفي المقابل، برزت مؤشرات على تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي مع مراجعة البنتاغون للعقيدة النووية وإعطاء مساحة أكبر للأسلحة النووية التكتيكية في أي مواجهة محتملة مع روسيا أو الصين.
وعلى المستوى الداخلي، كشفت أزمة مؤسسة هيريتج عن تصاعد الانقسام داخل اليمين الأمريكي بشأن شكل الحركة المحافظة في مرحلة ما بعد ترامب، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية متزايدة تمثلت في تجاوز الدين العام المملوك للجمهور مستوى 100% من الناتج المحلي وارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات هي الأعلى منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية.
عبد الرحمن السيد يفوز بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ عن ميشيغان – ماذا يعني ذلك على المستوى الاستراتيجي
حقق الطبيب والسياسي التقدمي عبد الرحمن السيد ، والمعروف بإسم مختصر “عبدول Abdul” ، فوزًا لافتًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب لمقعد الولاية في مجلس الشيوخ الأميركي، بعد منافسة شديدة مع النائبة التي تنتمي للجناح التقليدي للحزب هالي ستيفنز ، حظيت باهتمام وطني واسع.
وأعلنت شبكة NBC News فوز السيد بعد تقدمه في فرز الأصوات، في سباق عُدّ اختبارًا لاتجاه الحزب الديمقراطي بين جناحه التقدمي والقيادة التقليدية. وسيواجه السيد في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المرشح الجمهوري مايك روجرز، الذي سبق أن خاض سباق مجلس الشيوخ عام 2024، على المقعد الذي سيخليه السيناتور الديمقراطي غاري بيترز بعد قراره عدم الترشح مجددًا.
انتصار رغم الفارق الكبير في الإنفاق
تكتسب النتيجة أهمية خاصة لأن حملة السيد واجهت إنفاقًا ضخمًا لصالح ستيفنز من جماعات سياسية مرتبطة بالتيار المؤيد لإسرائيل، وعلى رأسها منظمات متحالفة مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك».
وبحسب تغطيات صحفية، تجاوز إجمالي الإنفاق في السباق عشرات الملايين من الدولارات، مع تفوق واضح للجهات الداعمة لستيفنز. وقدمت هذه الجهات النائبة على أنها الخيار الأكثر اعتدالًا وقدرة على الفوز في الانتخابات العامة، بينما صورت السيد بوصفه مرشحًا يساريًا قد يصعب تسويقه في ولاية متأرجحة.
لكن السيد نجح في بناء حملة اعتمدت على المتطوعين، والتبرعات الصغيرة، ودعم النقابات والتيار التقدمي، مستفيدًا من حضوره بين الشباب والناخبين العرب والمسلمين ومن الاستياء المتزايد داخل القاعدة الديمقراطية من نفوذ جماعات الضغط والمال السياسي.
من هو عبد الرحمن السيد؟
السيد طبيب ومتخصص في الصحة العامة، وهو من أصل مصري حيث هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة، وقد شغل سابقًا منصب مدير الصحة في مدينة ديترويت، ثم تولى مسؤوليات صحية على مستوى مقاطعة واين. وسبق أن خاض الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ميشيغان عام 2018، لكنه خسر أمام غريتشن ويتمير.
وبنى حملته الحالية على برنامج اقتصادي واجتماعي يتضمن توسيع الرعاية الصحية العامة، وتبني مشروع Medicare for All، وخفض تكاليف المعيشة، والحد من تأثير الشركات الكبرى والمانحين السياسيين في صنع القرار. كما جعل مواجهة المال السياسي واحدة من الرسائل المركزية في حملته.
وفي حال فوزه في نوفمبر، قد يصبح السيد أول مسلم، وكذلك أول عربي الأصل، يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وهو ما يمنح السباق بعدًا تاريخيًا، خصوصًا في ولاية تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة.
غزة وإسرائيل في قلب المنافسة
لم يكن السباق متعلقًا بالاقتصاد والرعاية الصحية فقط، بل تحول أيضًا إلى استفتاء غير مباشر على موقف الديمقراطيين من إسرائيل والحرب في غزة.
فقد ارتبط السيد سياسيًا بالحركة التي دعت الناخبين الديمقراطيين في ميشيغان عام 2024 إلى اختيار خانة «غير ملتزم» احتجاجًا على دعم واشنطن لإسرائيل. وأسهمت تلك الحركة في إبراز الوزن الانتخابي للعرب والمسلمين والناخبين الشباب الغاضبين من السياسة الخارجية الأميركية.
في المقابل، حصلت ستيفنز على دعم واسع من القوى التقليدية داخل الحزب ومن المانحين المؤيدين لإسرائيل، وحاولت التركيز على خبرتها التشريعية واعتدالها السياسي وقدرتها على الاحتفاظ بالمقعد في الانتخابات العامة.
ولهذا يُقرأ فوز السيد بوصفه إخفاقًا ملحوظًا لشبكة «إيباك» وحلفائها في واحد من أكثر السباقات التي أنفقوا عليها. لكن هذا لا يعني بالضرورة تراجع نفوذهم على المستوى الوطني؛ فقد حققت الجماعات المؤيدة لإسرائيل انتصارات في دوائر أخرى خلال الجولة الانتخابية نفسها، حيث استطاعت على سبيل المثال إزاحة النائب الجمهوري المخضرم ذو الشعبية الكبيرة، الذي ينتمي لتيار الماجا، ويعارض الحرب على إيران والجرائم الإسرائيلية في غزة، توماس ماسي، أمام مرشح لا يحمل تاريخ سياسي كبير ولكنه مدعوم من الرئيس دونالد ترامب، في الإنتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في ولاية كنتاكي.
ماذا يعني الفوز للحزب الديمقراطي؟
يكشف انتصار السيد عن تحول داخل قطاعات من القاعدة الديمقراطية، خاصة بين الناخبين الأصغر سنًا، الذين باتوا أكثر تشككًا في قيادة الحزب التقليدية، وأكثر اهتمامًا بقضايا العدالة الاقتصادية والرعاية الصحية ووقف الدعم غير المشروط لإسرائيل.
كما يبين أن المرشح التقدمي يستطيع الفوز خارج الدوائر الليبرالية التقليدية، وفي ولاية حاسمة ومتقلبة مثل ميشيغان. لكن الاختبار الأصعب سيأتي في نوفمبر، عندما ينتقل السيد من منافسة داخل الحزب إلى مواجهة جمهورية في ولاية فاز بها دونالد ترامب بفارق محدود في انتخابات 2024.
وسيحاول الجمهوريون تصويره بوصفه مرشحًا يساريًا متطرفًا في قضايا الاقتصاد والهجرة وإسرائيل، بينما سيسعى السيد إلى تقديم نفسه ممثلًا للطبقة العاملة ومنافسًا للنفوذ المالي والشركات الكبرى.
معركة حاسمة على السيطرة على مجلس الشيوخ
يُعد مقعد ميشيغان من المقاعد المفتوحة الأكثر أهمية في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، لأن الديمقراطيين بحاجة إلى الاحتفاظ به إذا أرادوا تحسين فرصهم في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ.
ومن المتوقع أن يشهد السباق هذا العام إنفاقًا ماليًا هائلًا وتدخلًا مكثفًا من اللجان السياسية والجماعات الاقتصادية والأيديولوجية. كما سيختبر قدرة السيد على توحيد الديمقراطيين بعد انتخابات تمهيدية اتسمت بالحدة والاستقطاب.
وقد شدد السيد بعد تقدمه على ضرورة توحيد الحزب في مواجهة روجرز، بينما تبنت ستيفنز خطابًا مشابهًا رغم المنافسة القاسية، في إدراك من الطرفين أن انقسام القاعدة الديمقراطية قد يمنح الجمهوريين فرصة انتزاع المقعد.
الدلالة الإستراتيجية الأوسع
لا يمثل فوز عبد الله السيد مجرد نجاح شخصي، بل يعكس ثلاثة تحولات أوسع في السياسة الأميركية:
- تنامي نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي،
- صعود الوزن السياسي للناخبين العرب والمسلمين في الولايات المتأرجحة،
- تراجع قدرة الإنفاق الخارجي وحده على حسم بعض الانتخابات عندما تواجهه حملة شعبية منظمة.
ومع ذلك، ستتوقف أهمية هذا الانتصار على قدرة السيد على تحويل تحالفه التقدمي إلى أغلبية أوسع تشمل الناخبين المستقلين والطبقة العاملة في المدن الصناعية والضواحي. وإذا نجح في نوفمبر، فلن يكون فوزه تاريخيًا بسبب هويته الدينية والعربية فقط، بل قد يشكل تحولًا مهمًا في اتجاه الحزب الديمقراطي وسياساته تجاه الاقتصاد والشرق الأوسط.
فوز عبدالرحمن السيد في ميشيغان يكشف تحولًا أعمق داخل الحزب الديمقراطي
أثار فوز السياسي التقدمي عبدالرحمن السيد على النائبة هالي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان نقاشًا واسعًا داخل الولايات المتحدة بشأن اتجاه الحزب الديمقراطي ومستقبل التيار التقدمي داخله. غير أن القراءة التي قدمها وزير العمل الأميركي الأسبق روبرت رايش في صحيفة الجارديان ، ترى أن دلالة الفوز لا تكمن أساسًا في انتقال الحزب نحو «اليسار»، بقدر ما تعكس تصاعد طلب شعبي على مرشحين أكثر استعدادًا لمواجهة نفوذ الشركات الكبرى والمليارديرات داخل النظام السياسي الأميركي.
ويرفض رايش تفسير النتيجة باعتبارها انتصارًا أيديولوجيًا صرفًا للتيار التقدمي أو «الديمقراطيين الاشتراكيين»، معتبرًا أن الناخبين اختاروا السيد لأنه قدم نفسه بوصفه مرشحًا مقاتلًا ضد ما يصفه بتزايد النزعة السلطوية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وضد منظومة مالية وسياسية يرى أنها باتت تربط بين السلطة التنفيذية وكبرى الشركات وطبقة المليارديرات.
وبحسب المقال، فإن التيار التقليدي داخل الحزب الديمقراطي، الذي تمثله شخصيات مرتبطة بكبار المانحين والشركات، يواجه مشكلة متزايدة في إقناع القاعدة الشعبية بأنه قادر على التصدي لترامب، لأن هذا التيار يعتمد بدرجة كبيرة أيضًا على التبرعات القادمة من الشركات الكبرى والطبقات الأكثر ثراءً. ويرى رايش أن هذه العلاقة تحد من قدرة بعض القيادات الديمقراطية على مهاجمة النفوذ المالي بصورة مباشرة أو تحميل كبار رجال الأعمال مسؤولية الاختلالات الاقتصادية والسياسية.
ويضع الكاتب فوز عبدالرحمن السيد في سياق أوسع يتعلق بالعلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال، معتبرًا أن قطاعات من وول ستريت والشركات الكبرى استفادت من سياسات ترامب في مجالات الضرائب، وإلغاء القيود التنظيمية، والإعفاءات الجمركية، والعقود الحكومية، ما خلق – في نظره – تحالفًا ضمنيًا بين الإدارة الأميركية وأصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى.
ويشير رايش إلى أسماء بارزة في عالم المال والتكنولوجيا والإعلام، بينها إيلون ماسك، وبيتر ثيل، وجيف بيزوس، ومارك زوكربيرغ، باعتبارهم جزءًا من منظومة أوسع من النفوذ الاقتصادي والسياسي. ووفق منطقه، لم يعد هذا النفوذ مقتصرًا على تمويل الحملات الانتخابية، بل يمتد إلى الإعلام، والأسواق المالية، والطاقة، والعقود العامة، والقطاع القانوني.
ومن هنا، يرى المقال أن المعركة داخل الحزب الديمقراطي لا ينبغي فهمها بوصفها صراعًا تقليديًا بين «اليسار» و«الوسط»، بل باعتبارها صراعًا حول طبيعة العلاقة بين الحزب والمال السياسي، وحول مدى استعداد الديمقراطيين لتبني خطاب اقتصادي وشعبي أكثر صدامية مع النخب المالية.
ويربط رايش بين صعود عبدالرحمن السيد وبين أزمة تكاليف المعيشة التي يعاني منها قطاع واسع من الأميركيين، خصوصًا ارتفاع أسعار السكن والغذاء والخدمات، في الوقت الذي تحقق فيه أسواق الأسهم مكاسب كبيرة. ويعتبر أن هذا التناقض بين ازدهار الأسواق المالية وصعوبة الحياة اليومية لدى ملايين الأميركيين يغذي تيارًا سياسيًا يطالب بإعادة توزيع أوسع للفرص والثروة وتقليص نفوذ كبار المانحين.
وتكتسب النتيجة أهمية إضافية بسبب حجم الإنفاق المالي الذي شهدته الانتخابات التمهيدية في ميشيغان، إذ تلقت هالي ستيفنز دعمًا واسعًا من كبار المانحين ولجان العمل السياسي (خاصة الإيباك). لكن فوز السيد أظهر أن التفوق المالي لا يضمن الفوز دائمًا إذا استطاع المرشح المنافس بناء قاعدة شعبية واسعة وتحويل السخط الاقتصادي والسياسي إلى أصوات انتخابية.
ومن وجهة نظر رايش، تمثل النتيجة رسالة إلى طبقة كبار المانحين داخل الحزب الديمقراطي مفادها أن استمرار الرهان على مرشحين مقربين من الشركات الكبرى قد يصبح أقل فاعلية إذا واصل المزاج الشعبي التحرك باتجاه أكثر عداءً للنفوذ المالي وأكثر مطالبة بمواجهة ترامب سياسيًا واقتصاديًا.
ولا يعني فوز عبدالرحمن السيد بالضرورة أن الحزب الديمقراطي يتحول بالكامل إلى اليسار، فالحزب لا يزال يضم طيفًا واسعًا من المعتدلين والليبراليين والتقدميين. لكن النتيجة قد تشير إلى تغير في طبيعة المنافسة الداخلية: من خلاف تقليدي حول السياسات الاجتماعية والضرائب إلى نقاش أعمق حول من يمول الحزب، ومن يملك النفوذ داخله، وما إذا كان قادرًا على تحدي الشركات الكبرى بدل الاعتماد عليها.
ويخلص المقال إلى أن أهمية فوز عبدالرحمن السيد لا تكمن فقط في شخصه أو في برنامجه، بل في كونه مؤشرًا على اتجاه أوسع داخل القاعدة الديمقراطية يطالب بمرشحين أكثر استعدادًا لمواجهة ترامب، والنفوذ المالي، وأزمة تكاليف المعيشة في آن واحد.
البنتاغون يراجع استراتيجيته النووية وسط توجه لزيادة دور الأسلحة التكتيكية في صراع محتمل مع الصين أو روسيا
يعمل البنتاغون على إعداد استراتيجية نووية أميركية سرية جديدة تمنح اهتمامًا أكبر لاحتمال استخدام أسلحة نووية قصيرة المدى وأقل قوة في نزاع إقليمي مع الصين أو روسيا، وفق تقرير نقلته شبكة NBC News عن مصادر مطلعة على المراجعة الجارية داخل وزارة الدفاع الأميركية.
ولا تعني المراجعة أن واشنطن اتخذت قرارًا باستخدام السلاح النووي أو أنها تستعد لضربة وشيكة، لكنها تكشف تحولًا مقلقًا في التفكير العسكري الأميركي: من التعامل مع الترسانة النووية أساسًا بوصفها أداة ردع لمنع حرب كبرى، إلى دراسة كيفية توظيف بعض الأسلحة النووية فعليًا داخل حرب محدودة، مع محاولة إبقاء التصعيد دون مستوى تبادل الضربات الاستراتيجية الشاملة.
وتأتي الأنباء بالتزامن مع مراجعة نووية يجريها البنتاغون لتقييم حجم القوات الاستراتيجية الأميركية والحاجة إلى تطوير قدرات نووية إضافية مخصصة لمسارح العمليات الإقليمية. وكان مسؤولون في وزارة الدفاع قد أبلغوا الكونغرس في مارس/آذار 2026 بأن المراجعة ستتناول احتمالات إضافة أنظمة نووية إقليمية، في ظل ما تصفه واشنطن بتنامي التهديد المتزامن من روسيا والصين.
ماذا تعني الأسلحة النووية التكتيكية؟
يُستخدم مصطلح «النووية التكتيكية» عادة لوصف أسلحة أقل قوة وأقصر مدى من الصواريخ الاستراتيجية العابرة للقارات، ويمكن إطلاقها من طائرات أو صواريخ ميدانية أو منصات بحرية ضد قوات عسكرية أو قواعد أو موانئ أو مراكز قيادة داخل مسرح حرب محدد.
لكن وصفها بأنها «صغيرة» أو «محدودة» قد يكون مضللًا. فحتى السلاح منخفض القوة يمكن أن يقتل أعدادًا هائلة من المدنيين، وينشر الإشعاع، ويدمر مدنًا أو منشآت حيوية، فضلًا عن احتمال دفع الطرف المقابل إلى رد نووي أوسع. والفرق بين التكتيكي والاستراتيجي يتعلق أساسًا بالمهمة والمدى، لا بكون أحدهما آمنًا أو قابلًا للاستخدام دون عواقب كارثية.
وتملك روسيا، وفق تقديرات أميركية، ما يصل إلى نحو ألفي رأس نووي مخصص لأنظمة إقليمية، وهو عدد يفوق بكثير المخزون الأميركي من الأسلحة غير الاستراتيجية. وتخشى واشنطن من أن تستخدم موسكو ضربة نووية محدودة إذا واجهت هزيمة عسكرية كبيرة، ثم تراهن على أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي سيتجنبان التصعيد إلى حرب شاملة.
لماذا الصين وروسيا معًا؟
كانت الاستراتيجية النووية الأميركية خلال الحرب الباردة موجهة أساسًا لمعادلة الاتحاد السوفيتي. أما اليوم، فتقول واشنطن إنها تواجه للمرة الأولى قوتين نوويتين كبيرتين في الوقت نفسه.
روسيا تملك أكبر ترسانة نووية في العالم، وتواصل تحديث صواريخها وغواصاتها وقدراتها النووية الإقليمية. أما الصين، فقد وسعت ترسانتها بوتيرة سريعة، وقدّر البنتاغون أنها تجاوزت 600 رأس عامل بحلول منتصف 2024، مع توقعات أميركية بارتفاعها إلى أكثر من ألف بحلول 2030.
وتخشى الولايات المتحدة من سيناريوهين رئيسيين:
الأول، حرب في أوروبا تبدأ تقليدية ثم تلجأ فيها روسيا إلى سلاح نووي محدود لوقف تقدم قوات خصومها أو فرض تسوية.
والثاني، نزاع حول تايوان أو غرب المحيط الهادئ، تجد فيه القوات الأميركية نفسها أمام قواعد صينية محصنة، وأعداد كبيرة من الصواريخ التقليدية، وقدرات متطورة لمنع الوصول البحري والجوي.
وفي هذا السياق، قد يرى بعض المخططين أن وجود خيارات نووية منخفضة القوة يجعل التهديد الأميركي أكثر قابلية للتصديق من التهديد برد استراتيجي شامل، لأن الخصم قد يشك في استعداد واشنطن للمخاطرة بتدمير مدنها دفاعًا عن قاعدة أو حليف بعيد.
من الردع إلى مفهوم «الحرب النووية المحدودة»
المشكلة الأساسية في هذا التوجه هي أنه يفترض وجود إمكانية لاستخدام سلاح نووي ثم التحكم في الخطوات اللاحقة. ويُعرف هذا التفكير بمفهوم «إدارة التصعيد»: أي استخدام ضربة محدودة لإجبار الخصم على التراجع بدل دفعه إلى رد شامل.
يقول المدافعون عن هذا المفهوم إن عدم وجود خيار نووي محدود يترك الرئيس الأميركي أمام اختيارين غير مقنعين: عدم الرد، أو شن حرب نووية استراتيجية واسعة. لذلك يرون أن تنويع الترسانة يعزز الردع ويمنح واشنطن استجابة متناسبة.
أما منتقدوه فيحذرون من أن زيادة الخيارات تجعل استخدام السلاح النووي أكثر احتمالًا، لأنها تخفض الحاجز النفسي والسياسي الذي منع استخدامه منذ هيروشيما وناغازاكي. كما أن الطرف الآخر قد لا يعرف أن الضربة محدودة، أو قد يفسر إطلاق صاروخ على أنه بداية هجوم أوسع، خصوصًا عندما تحمل بعض المنصات رؤوسًا تقليدية ونووية معًا.
وقد تناولت دراسات حديثة هذا الخلاف، محذرة من أن افتراض إمكانية «الفوز» في حرب نووية محدودة قد يؤدي إلى سوء حسابات كارثي، لأن كل طرف قد يتوقع أن يتراجع الآخر، بينما يستعد في الواقع للتصعيد.
نهاية مرحلة ضبط التسلح
تأتي المراجعة في توقيت بالغ الخطورة بعد انتهاء معاهدة نيو ستارت في فبراير/شباط 2026، وهي آخر اتفاقية رئيسية كانت تضع سقوفًا على الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لدى الولايات المتحدة وروسيا، وتوفر عمليات تفتيش وآليات تبادل معلومات.
ومع انتهاء المعاهدة، تراجعت مستويات الشفافية والقيود المتبادلة، بينما لا تخضع الترسانة الصينية لأي نظام مماثل. ويخشى خبراء الحد من التسلح من أن يؤدي ذلك إلى سباق ثلاثي مفتوح، لا تكتفي فيه الدول بزيادة أعداد الرؤوس، بل تطور أسلحة أسرع وأصغر وأكثر مرونة في الاستخدام.
وكانت إدارة بايدن قد أقرت في 2024 توجيهات نووية سرية أعطت أهمية متزايدة للصين، مع تأكيد البيت الأبيض حينها أن الخطة لم تكن موجهة إلى دولة واحدة. أما المراجعة الحالية فتبدو، وفق التقارير، أكثر تركيزًا على الأسلحة المخصصة للاستخدام الإقليمي، لا على الردع الاستراتيجي وحده.
هل الاقتراب من الاستخدام يعني اقتراب «الشتاء النووي»؟
ليس بالضرورة أن يؤدي استخدام سلاح نووي تكتيكي واحد تلقائيًا إلى شتاء نووي عالمي. الشتاء النووي هو سيناريو مناخي يرتبط عادة باحتراق واسع للمدن ودخول كميات ضخمة من السخام إلى طبقات الجو العليا، ما قد يخفض درجات الحرارة ويضرب الزراعة عالميًا.
لكن الخطر الحقيقي هو سلسلة التصعيد. فضربة واحدة قد تؤدي إلى رد مماثل، ثم هجمات على قواعد ومراكز قيادة، ثم إلى توسيع قائمة الأهداف وصولًا إلى المدن والقوات الاستراتيجية. وعند هذه المرحلة يصبح احتمال نشوء آثار مناخية عالمية، ونقص غذاء واسع، وانهيار اقتصادي وحضاري، أكثر واقعية.
لذلك، فإن العبارة التي ترى أن «الشتاء النووي هو النهاية المنطقية» تعبّر عن تحذير مشروع من المسار، لكنها ليست نتيجة حتمية لكل استخدام نووي محدود. الأدق أن يقال إن دمج الأسلحة النووية التكتيكية في خطط الحرب الإقليمية يزيد خطر الانتقال من صراع محدود إلى تبادل نووي واسع قد تكون له نتائج مناخية وإنسانية عالمية.
ماذا تريد واشنطن من المراجعة؟
يمكن تلخيص أهداف المراجعة الأميركية في أربع نقاط:
- توفير خيارات رد على استخدام روسي أو صيني محدود.
- طمأ الحلفاء في أوروبا وآسيا إلى أن المظلة النووية الأميركية ما تزال قابلة للتطبيق.
- تعويض التفوق الروسي في الأسلحة النووية غير الاستراتيجية.
- الاستعداد لعالم نووي ثلاثي يضم الولايات المتحدة وروسيا والصين، بدل المعادلة الثنائية القديمة.
لكن هذه الأهداف تحمل تناقضًا جوهريًا: فالولايات المتحدة تقول إنها تريد تعزيز الردع ومنع الحرب، بينما توسع في الوقت نفسه قائمة الأسلحة والسيناريوهات التي يمكن استخدام السلاح النووي فيها.
الدلالة الأوسع
الأخطر في التقرير ليس مجرد تطوير رأس نووي جديد، بل تغير اللغة التي تحيط بالسلاح النووي. فعندما يبدأ صناع القرار في الحديث عن سلاح «قابل للاستخدام»، و«ضربة محدودة»، و«تصعيد يمكن التحكم فيه»، يتحول النووي تدريجيًا من المحرم الأخير إلى أداة عسكرية ضمن مجموعة الخيارات.
وهذا التحول لا يقتصر على واشنطن. روسيا وسعت شروط الاستخدام في عقيدتها، والصين تزيد حجم ترسانتها واستعدادها، وكوريا الشمالية تعمل على أسلحة تكتيكية، بينما تتصاعد داخل دول مثل كوريا الجنوبية واليابان نقاشات بشأن ردع نووي مستقل أو مشاركة نووية أوسع.
النتيجة هي أن العالم ينتقل من استقرار نووي ثنائي هش لكنه منظم نسبيًا، إلى نظام متعدد القوى، أقل شفافية، وأكثر اعتمادًا على الصواريخ السريعة والإنذار المبكر والذكاء الاصطناعي. وفي مثل هذا النظام، قد لا تبدأ الكارثة بقرار متعمد لإفناء العالم، بل بإنذار خاطئ أو تفسير سيئ أو اعتقاد كل طرف بأنه يستطيع استخدام قنبلة واحدة وإجبار خصمه على التراجع.
تحقيق لـ”نيويورك تايمز”: صراع داخلي يهدد مؤسسة هيريتج ويكشف الانقسام داخل اليمين الأمريكي بعد ترامب
كشف تحقيق موسع نشرته مجلة The New York Times Magazine عن أزمة داخلية غير مسبوقة داخل مؤسسة هيريتج (Heritage Foundation)، أحد أبرز مراكز الفكر المحافظة في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن المؤسسة التي لعبت دورًا محوريًا في صياغة مشروع Project 2025 (الذي يُنظر إليه كمانفستو تسير عليه إدارة ترامب بدقة) أصبحت ساحة لصراع أيديولوجي وتنظيمي يعكس الانقسام المتزايد داخل التيار اليميني الأمريكي حول مستقبل الحركة المحافظة بعد انتهاء حقبة الرئيس دونالد ترامب.
وبحسب التحقيق، تواجه المؤسسة خلافًا عميقًا بين ما يُعرف بـ”الحرس القديم” من المحافظين التقليديين، الذين تبنوا لعقود سياسات السوق الحرة والدور الأمريكي العالمي، وبين جيل جديد من القيادات والشباب المحافظين المتأثرين بحركة “MAGA”، الذين يدعون إلى تبني خطاب أكثر شعبوية وتشددًا في قضايا الهوية والهجرة والثقافة، مع استعداد أكبر لاستخدام مؤسسات الدولة لتحقيق أهدافهم السياسية.
وينقل التحقيق عن رئيس المؤسسة كيفن روبرتس قوله إن الحركة المحافظة مطالبة بالإجابة عن سؤال جوهري يتعلق بمستقبلها بعد مغادرة ترامب المشهد السياسي، مؤكدًا أن العودة إلى نهج الحزب الجمهوري التقليدي قبل عقدين “ليست خيارًا”. ويرى روبرتس أن المطلوب هو بناء مشروع محافظ جديد يستفيد من إرث ترامب، لكنه لا يعتمد على شخصه وحده.
ويشير التقرير إلى أن Project 2025، الذي أعدته مؤسسة هيريتج ليكون خارطة طريق لإعادة هيكلة مؤسسات الحكومة الفيدرالية في حال عودة الجمهوريين إلى السلطة، كان في البداية وسيلة لتعزيز نفوذ المؤسسة داخل الإدارة الجديدة، إلا أنه تحول لاحقًا إلى مصدر انقسام داخلي وضغط سياسي، بعدما تعرض لانتقادات واسعة من الديمقراطيين ومن بعض الجمهوريين، واضطر ترامب إلى النأي بنفسه عن أجزاء منه خلال الحملة الانتخابية.
كما يلفت التحقيق إلى أن الأزمة ليست مجرد خلاف إداري، بل تعكس تحولًا أوسع داخل الحزب الجمهوري، حيث تتنافس رؤيتان مختلفتان: الأولى تمثل المحافظين التقليديين الذين يركزون على السياسات الاقتصادية والدور الدولي للولايات المتحدة، والثانية يقودها تيار شعبوي يرى أن الأولوية يجب أن تكون لقضايا الهوية الوطنية والهجرة ومواجهة ما يصفه بـ”الدولة العميقة” والمؤسسات البيروقراطية.
ويرى معدو التحقيق أن ما يحدث داخل مؤسسة هيريتج يمثل نموذجًا مصغرًا للصراع الدائر داخل اليمين الأمريكي بأكمله، مع اقتراب نهاية مرحلة هيمن عليها ترامب، وبدء التنافس على تحديد شكل الحركة المحافظة في السنوات المقبلة. ويخلص التقرير إلى أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمن سيقود الحزب الجمهوري، بل أيضًا بأي أفكار وأي توجهات ستحدد هويته السياسية في مرحلة ما بعد ترامب.
الدين الأمريكي يتجاوز 100% من الناتج المحلي لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية
تجاوز الدين العام الأمريكي المملوك للجمهور حاجز 100% من الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في تطور يعكس تزايد الضغوط المالية على أكبر اقتصاد في العالم، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض واتساع العجز في الموازنة الفيدرالية.
وتشير أحدث البيانات إلى أن الدين العام الذي يحمله المستثمرون بلغ نحو 31.3 تريليون دولار، أي ما يعادل 100.2% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا المستوى الرمزي الذي لم يُسجل بصورة مستدامة منذ عام 1946، عندما ارتفع الدين نتيجة الإنفاق الضخم خلال الحرب العالمية الثانية. ويختلف هذا المؤشر عن إجمالي الدين الفيدرالي، الذي تجاوز الأن 40 تريليون دولار، ويشمل أيضًا الديون الحكومية الداخلية بين المؤسسات الفيدرالية.
وجاء هذا التطور في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة مزيجًا من ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة الإنفاق الحكومي، واتساع العجز السنوي، وهو ما أدى إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي قد تتجاوز 120% خلال العقد المقبل إذا استمرت السياسات المالية الحالية دون تغييرات جوهرية.
ويرى اقتصاديون أن بلوغ نسبة الدين أكثر من 100% لا يعني بالضرورة اقتراب أزمة مالية فورية، إذ سبق أن تجاوزت دول متقدمة مثل اليابان هذه النسبة منذ سنوات طويلة دون التعرض لتعثر مالي. إلا أن استمرار ارتفاع الدين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة، يزيد العبء على الموازنة الأمريكية، لأن الحكومة تضطر إلى تخصيص جزء متزايد من إيراداتها لسداد فوائد الدين بدلًا من توجيهها إلى الاستثمار أو الإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة.
وتزامن تجاوز هذا المستوى مع اضطرابات في سوق السندات الأمريكية، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوياته منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية (وصل إلى نحو 5.28% أول أغسطس الجاري)، بعد اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أواخر يوليو، ما يعكس مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المرتبطة بالتضخم والاقتراض الحكومي المتزايد.
ويحذر محللون من أن استمرار ارتفاع الدين والعوائد قد يضغط على النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة، من خلال زيادة تكلفة التمويل على الشركات والأسر، كما قد يحد من قدرة الحكومة على استخدام السياسة المالية لمواجهة أي تباطؤ اقتصادي مستقبلي.
في المقابل، يؤكد خبراء أن الولايات المتحدة ما تزال تتمتع بعوامل قوة مهمة، أبرزها مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، والطلب المرتفع على سندات الخزانة الأمريكية، وعمق أسواقها المالية، وهي عوامل تمنحها قدرة أكبر على تحمل مستويات دين مرتفعة مقارنة بمعظم الاقتصادات الأخرى. لكنهم يشيرون إلى أن استمرار هذا المسار سيجعل ضبط المالية العامة أحد أكبر التحديات الاقتصادية أمام واشنطن خلال العقد المقبل.
عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية
سجل العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا ارتفاعًا إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007، في أعقاب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وهو ما اعتبرته الأسواق إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية واحتمال تشديد السياسة النقدية في الاجتماعات المقبلة.
وجاءت القفزة في العوائد عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في 29 يوليو/تموز 2026، الذي انتهى بتثبيت سعر الفائدة، إلا أن ثلاثة أعضاء في لجنة السوق المفتوحة خالفوا قرار الأغلبية وصوتوا لصالح رفعها، في حين أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش أن البنك المركزي لا يزال ملتزمًا بإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف، دون أن يستبعد اتخاذ خطوات أكثر تشددًا إذا استدعت البيانات الاقتصادية ذلك.
وارتفع العائد على السندات لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.28% في أول أغسطس، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2007، بينما صعد العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياته خلال العام (وصل إلى 4.75% في بداية أغسطس)، في إشارة إلى مطالبة المستثمرين بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الحكومي الأمريكي طويل الأجل.
ويرى محللون أن ارتفاع العوائد لا يعكس فقط توقعات السياسة النقدية، بل يعبر أيضًا عن تزايد المخاوف من استمرار التضخم، واتساع عجز الموازنة الأمريكية، وارتفاع احتياجات الحكومة للاقتراض، فضلًا عن المخاطر الجيوسياسية التي أثرت في أسعار الطاقة خلال الأشهر الماضية. ويؤدي ارتفاع العوائد إلى انخفاض أسعار السندات، كما يزيد تكلفة تمويل الحكومة والشركات والأفراد.
كما أثارت التطورات الأخيرة في أسواق السندات اليابانية والعملات مخاوف من انتقال الضغوط إلى سوق الدين الأمريكية، خاصة مع كون اليابان أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية. ويحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع العوائد قد يزيد من تقلبات الأسواق العالمية ويضغط على أسواق الأسهم والأصول مرتفعة المخاطر.
وفي المقابل، يلفت اقتصاديون إلى أن بلوغ العوائد مستويات شوهدت آخر مرة قبل الأزمة المالية العالمية لا يعني بالضرورة تكرار سيناريو 2008، إذ تختلف الظروف الاقتصادية الحالية بصورة كبيرة، سواء من حيث قوة القطاع المصرفي أو الإطار التنظيمي أو طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي. إلا أن استمرار ارتفاع العوائد قد يشكل تحديًا إضافيًا أمام النمو الاقتصادي ويزيد تكلفة الاقتراض في مختلف القطاعات.
وتترقب الأسواق الآن بيانات سوق العمل والتضخم الأمريكية خلال الأسابيع المقبلة، والتي ستلعب دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، أم سيواصل سياسة التريث، في وقت تشير فيه عقود الأسواق إلى تزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية قبل نهاية العام.
تركيا
تركيا تنضم إلى التحالف البحري بقيادة السعودية في البحر الأحمر والحوثيون يهددون باستهداف سفن الدول المشاركة
انضمت تركيا إلى تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات تقوده المملكة العربية السعودية لحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في خطوة تعكس اتساع الجهود الإقليمية لمواجهة التهديدات التي تستهدف خطوط التجارة العالمية، وذلك بعد إعلان جماعة الحوثي فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالسعودية.
وأعلنت وزارة الدفاع السعودية أن المبادرة حظيت حتى الآن بتأييد 14 دولة، من بينها تركيا، ومصر، والأردن، وباكستان، والسودان، وجيبوتي، والصومال، والبحرين، والكويت، وقطر، فيما شارك ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي في الاجتماع الذي استضافته الرياض لبحث آليات حماية الممرات البحرية الدولية وتعزيز أمن الملاحة. ويهدف التحالف إلى تنسيق الدوريات البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وحماية السفن التجارية وناقلات الطاقة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويأتي الإعلان بعد أيام من تصعيد جماعة الحوثي، التي أعلنت فرض حصار بحري على السعودية واستهداف السفن المتجهة إلى موانئها، معتبرة أن الخطوة تأتي ردًا على العمليات العسكرية السعودية الأخيرة في اليمن. كما حذرت الجماعة أي دولة تقدم دعمًا عسكريًا أو لوجستيًا للسفن السعودية، مؤكدة أن سفن الدول المشاركة في أي تحالف داعم قد تصبح أهدافًا مشروعة لهجماتها.
ويحمل انضمام تركيا أهمية خاصة، إذ يمثل توسعًا في دور أنقرة داخل أمن البحر الأحمر بعد سنوات ركزت فيها على شرق المتوسط والبحر الأسود. كما يعكس تقاربًا متزايدًا مع الرياض في الملفات الأمنية، بعد مرحلة من إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين خلال الأعوام الأخيرة.
ويرى مراقبون أن التحالف الجديد يختلف عن التحالفات البحرية السابقة التي قادتها الولايات المتحدة، مثل عملية Prosperity Guardian، إذ تمنحه القيادة السعودية طابعًا إقليميًا أوسع، مع مشاركة دول عربية وإسلامية تطل مباشرة على البحر الأحمر أو ترتبط مصالحها التجارية به. ويهدف ذلك إلى تعزيز شرعية أي عمليات دفاعية مستقبلية وحماية سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل استمرار اضطراب الملاحة عبر البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023.
في المقابل، يرفع تهديد الحوثيين باستهداف سفن الدول المشاركة مستوى المخاطر أمام التحالف الجديد، إذ قد يؤدي أي احتكاك مباشر إلى توسيع دائرة المواجهة خارج الساحة اليمنية. ويخشى خبراء أن تتحول عمليات حماية الملاحة إلى اشتباكات بحرية متكررة، خصوصًا إذا نفذ الحوثيون تهديداتهم ضد سفن تحمل أعلام الدول المنضمة للتحالف.
ويكتسب البحر الأحمر وباب المندب أهمية استراتيجية استثنائية، إذ يمر عبرهما جزء كبير من تجارة العالم وشحنات النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا وآسيا. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر المساعي السعودية لتشكيل مظلة بحرية متعددة الجنسيات بدل الاعتماد على تحالفات غربية فقط.
ويشير محللون إلى أن مشاركة تركيا قد تمنح التحالف قدرات بحرية إضافية، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل أنقرة أكثر انخراطًا في الصراع اليمني بصورة غير مباشرة، إذا تطورت عمليات حماية الملاحة إلى مواجهات فعلية مع الحوثيين، وهو سيناريو قد يضيف جبهة جديدة إلى شبكة التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
تركيا تطرح نفسها شريكًا في القوة الأمنية الجديدة بلبنان… هل تستعد أنقرة لتوسيع نفوذها شرق المتوسط؟
أعلنت تركيا استعدادها للمشاركة في أي قوة أمنية جديدة قد تُنشأ في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة يونيفيل، في خطوة تعكس رغبة أنقرة في لعب دور أمني أكبر في شرق المتوسط، بالتوازي مع اتساع نفوذها الإقليمي في السنوات الأخيرة.
وجاء الإعلان على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزيف عون في أنقرة، حيث أكد أن بلاده ترغب في المشاركة في المبادرات الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في لبنان بعد انتهاء ولاية القوة الدولية الحالية.
مرحلة جديدة بعد يونيفيل
تأتي هذه التصريحات بعد قرار سابق بإنهاء مهمة قوة اليونيفيل بنهاية عام 2026، وسط نقاشات دولية حول شكل القوة التي قد تخلفها، وما إذا كانت ستكون تحت مظلة الأمم المتحدة أو بقيادة متعددة الجنسيات.
ويرى مراقبون أن اهتمام تركيا لا يقتصر على المشاركة العسكرية، بل يعكس سعيها لترسيخ حضورها في أحد أكثر الملفات حساسية في شرق المتوسط، إلى جانب دورها المتنامي في سوريا والعراق والبحر الأسود.
لماذا يهتم الأتراك بلبنان؟
يمثل لبنان بالنسبة لأنقرة نقطة اتصال استراتيجية مع شرق المتوسط، كما ترتبط تركيا بعلاقات اقتصادية وتجارية متنامية مع بيروت، إضافة إلى رغبتها في لعب دور أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي.
ويرى محللون أن المشاركة في أي قوة أمنية جديدة قد تمنح أنقرة فرصة لتعزيز تعاونها مع الجيش اللبناني، وتوسيع نفوذها الدبلوماسي والعسكري، خصوصًا إذا تشكلت القوة الجديدة خارج الإطار التقليدي لبعثات الأمم المتحدة.
رسائل تتجاوز لبنان
يحمل الإعلان أيضًا رسائل سياسية إلى القوى الإقليمية والدولية، مفادها أن تركيا تسعى إلى أن تكون طرفًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط، لا مجرد مراقب للأحداث.
كما يعكس استمرار السياسة التركية القائمة على توسيع الحضور العسكري خارج الحدود، سواء عبر القواعد العسكرية أو بعثات التدريب أو المشاركة في قوات حفظ الأمن، بما ينسجم مع رؤية أنقرة لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة.
لكن في المقابل، يبقى شكل القوة البديلة وآلية تشكيلها محل نقاش، ولم يصدر حتى الآن قرار دولي نهائي بشأنها، ما يجعل المشاركة التركية في هذه المرحلة تعبيرًا عن رغبة واستعداد سياسي أكثر من كونها قرارًا منفذًا بالفعل.
تركيا تدخل نادي التقنيات العسكرية الأكثر حصرية بتطوير كواشف الأشعة تحت الحمراء محليًا
حققت تركيا خطوة جديدة في مسار توطين صناعاتها الدفاعية بعد إعلانها تطوير وإنتاج كواشف الأشعة تحت الحمراء (Infrared Detectors) محليًا، لتصبح من بين عدد محدود من الدول القادرة على تصنيع هذه التقنية التي تُعد من أكثر المكونات حساسية في الأنظمة العسكرية الحديثة.
وتستخدم كواشف الأشعة تحت الحمراء في الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة والمقاتلات الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي والرؤية الليلية والأقمار الصناعية، حيث تمكن المنظومات العسكرية من رصد الأهداف عبر بصمتها الحرارية حتى في ظروف الظلام أو الطقس السيئ، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة.
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة لأن هذه التقنية كانت تخضع لعقود لقيود تصدير صارمة، وكانت تركيا تعتمد على استيراد أجزاء منها من دول غربية، وهو ما تسبب سابقًا في تعطيل بعض برامجها الدفاعية نتيجة العقوبات أو القيود السياسية.
خطوة نحو الاستقلال العسكري
يرى خبراء أن امتلاك هذه التكنولوجيا يمنح أنقرة استقلالية أكبر في تطوير منظوماتها الدفاعية، خصوصًا مع استمرار العمل على مشاريع استراتيجية مثل المقاتلة الوطنية KAAN، والطائرات المسيّرة المتقدمة، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي المحلية.
كما يتيح هذا التطور لتركيا تقليل اعتمادها على الموردين الأجانب، وتسريع إنتاج المنظومات القتالية، ورفع قدرتها التنافسية في سوق تصدير السلاح، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على الصناعات الدفاعية التركية.
أكثر من مجرد قطعة إلكترونية
ورغم أن كواشف الأشعة تحت الحمراء تبدو مكونًا صغيرًا داخل أي منظومة قتالية، فإنها تمثل “العين” التي تعتمد عليها الصواريخ والطائرات لاكتشاف الأهداف وتتبعها.
ولهذا السبب، تعتبر الدول المنتجة لهذه التقنية جزءًا من النخبة الصناعية العسكرية عالميًا، لأن تصنيعها يتطلب خبرات متقدمة في أشباه الموصلات والمواد الحساسة والتبريد فائق الدقة وتقنيات المعالجة الإلكترونية.
سباق تقني عالمي
ويأتي الإعلان التركي في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على التقنيات العسكرية الحساسة، خاصة مع الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وفرض قيود متزايدة على تصدير الرقائق الإلكترونية والمكونات ذات الاستخدام العسكري.
ويرى مراقبون أن أنقرة تسعى إلى استغلال هذا الواقع لتقليل نقاط ضعفها الاستراتيجية، وتحويل الصناعات الدفاعية إلى أحد أهم محركات الاقتصاد والنفوذ السياسي في السنوات المقبلة.
سوريا
استنفار سوري على الحدود العراقية: تحصين دفاعي أم استعداد لمواجهة الفصائل الموالية لإيران؟
شهدت الحدود السورية العراقية خلال الأيام الأخيرة تحركات عسكرية لافتة، بعد رفع الجيش السوري مستوى الجاهزية ونشر وحدات إضافية قرب الشريط الحدودي، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن رصد تحركات لفصائل عراقية موالية لإيران في المنطقة المقابلة. وبينما أكدت بغداد أن الوضع «طبيعي» وأن التحركات السورية تتم بالتنسيق معها، تشير خلفيات التصعيد الإقليمي إلى أن دمشق تتعامل مع احتمال امتداد المواجهة الدائرة بين إيران وخصومها إلى أراضيها بوصفه خطرًا مباشرًا على أمنها.
وبحسب تقارير إعلامية سورية وعربية، وجهت وزارة الدفاع السورية عناصر الجيش بالدخول في حالة الاستنفار من الدرجة «ج»، مع استدعاء العسكريين إلى وحداتهم ونشر قطعات إضافية على الحدود مع العراق. ولم تصدر دمشق حتى الآن بيانًا تفصيليًا يحدد عدد القوات أو مناطق انتشارها أو المدة المتوقعة للاستنفار، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام قراءات متعددة بشأن أهداف التحرك.
ويعد هذا التحرك أول استنفار واسع معلن للجيش السوري بصيغته الجديدة منذ إعادة تشكيله بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما يمنحه دلالة سياسية وعسكرية تتجاوز مجرد تعزيز روتيني لقوات الحدود. ففي مارس/آذار الماضي، أعلنت قيادة الجيش تعزيز انتشارها على الحدود مع العراق ولبنان، وقالت إن الهدف هو مراقبة التحركات العابرة للحدود ومكافحة التهريب، لكن الاستنفار الحالي جاء في سياق أكثر توترًا، تخللته تهديدات متبادلة وضربات أميركية وسعودية داخل العراق.
ماذا تقول بغداد؟
سارعت السلطات العراقية إلى التقليل من احتمالات التصعيد. وقال قائد قوات الحدود العراقية، الفريق محمد عبد الوهاب سكر السعيدي، إن الوضع على الحدود «طبيعي»، وإن التحركات السورية الخاصة بمسك الشريط الحدودي تجري بعلم الجانب العراقي وبالتنسيق معه، مضيفًا أنه لا يوجد تهديد حالي وأن تبادل المعلومات مستمر بين الطرفين. كما أكد أن القوات العراقية تمسك الحدود بقوة، لافتًا إلى أن الجانب السوري لم يشغل جميع المخافر الحدودية حتى الآن.
هذا التصريح مهم لأنه ينفي وجود مواجهة رسمية بين الجيشين السوري والعراقي، لكنه لا ينفي وجود توتر يتعلق بالفصائل المسلحة المنتشرة داخل العراق. فبغداد تحاول الفصل بين مؤسسات الدولة العراقية وبين مجموعات مسلحة موالية لإيران، رغم أن بعض هذه الفصائل يعمل رسميًا ضمن هيئة الحشد الشعبي ويتمتع في الوقت نفسه بهياكل قيادة واستقلالية ميدانية واسعة.
التحذير السوري للفصائل العراقية
قبل إعلان الاستنفار بأيام، نقلت وسائل إعلام عن مصدر سياسي عراقي أن دمشق أبلغت بغداد برصد تحركات لجماعات مسلحة موالية لإيران قرب الحدود، وحذرت من أن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية ضد سوريا «لن يمر من دون رد». كما طلب الجانب السوري من المسؤولين العراقيين اتخاذ إجراءات تمنع استخدام أراضيهم في تنفيذ عمليات عسكرية أو أمنية داخل سوريا.
وتشير معلومات نشرتها مجلة «المجلة» إلى أن دمشق لم تعد تنظر إلى نفوذ الفصائل الإيرانية بوصفه مشكلة حدودية أو أمنية محدودة فقط، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار السوري. وبحسب التقرير، بدأت الحكومة السورية إعادة ترتيب انتشار الجيش والأمن في دير الزور وريف دمشق والساحل، ضمن سياسة جديدة تستهدف منع تهريب الأسلحة والمخدرات وعودة الشبكات المرتبطة بإيران إلى العمل داخل البلاد.
هذه المعطيات لا تثبت أن هجومًا من العراق كان وشيكًا، لكنها توضح أن القيادة السورية تعاملت مع المعلومات المتاحة باعتبارها كافية لرفع درجة الجاهزية وإرسال رسالة ردع مسبقة.
لماذا الحدود العراقية شديدة الحساسية؟
يمتد الشريط الحدودي بين سوريا والعراق لنحو 600 كيلومتر، ويضم ثلاثة محاور رئيسية: اليعربية–ربيعة في الشمال، والبوكمال–القائم في الوسط، والتنف–الوليد عند المثلث الحدودي مع الأردن. وكل محور منها يحمل أهمية عسكرية مختلفة.
ويعد محور البوكمال–القائم الأكثر حساسية، لأنه كان لسنوات أحد أهم ممرات النفوذ الإيراني البرية بين العراق وسوريا ولبنان. ومن خلاله انتقلت أسلحة ومقاتلون وأموال إلى الجماعات الموالية لطهران، كما تعرضت المنطقة مرارًا لغارات أميركية وإسرائيلية استهدفت مستودعات وقوافل مرتبطة بهذه الشبكات.
أما محور التنف–الوليد، فيقع عند نقطة اتصال بين سوريا والعراق والأردن. وقد تسلم الجيش السوري قاعدة التنف من القوات الأميركية في فبراير/شباط 2026، ما جعله مسؤولًا بصورة مباشرة عن منطقة كانت لسنوات حاجزًا أمام تحرك المجموعات الإيرانية عبر البادية السورية.
وفي الشمال، يربط معبر اليعربية–ربيعة بين الحسكة ونينوى، ويكتسب أهمية بسبب قربه من مناطق كانت تخضع لقوات سوريا الديمقراطية ومن آخر المواقع التي حافظت فيها الولايات المتحدة على وجود عسكري محدود قرب الحدود العراقية، رغم بدء انسحابها من عدة قواعد سورية.
ما علاقة التصعيد الأميركي الإيراني؟
لا يمكن فصل التحركات السورية عن الحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. ففي أواخر يوليو/تموز، نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات ضد مواقع للحشد الشعبي في العراق، بعد اتهام فصائل عراقية موالية لإيران بتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة على منشآت سعودية. وأسفرت الغارات عن مقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلًا، وأثارت تهديدات بالرد من مجموعات مسلحة عراقية.
وتضع هذه التطورات العراق أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحكومة العراقية تسعى إلى منع أراضيها من التحول إلى منصة لهجمات ضد دول الجوار، لكنها في الوقت نفسه تواجه فصائل مسلحة قوية ترفض نزع سلاحها وتعتبر نفسها جزءًا من محور إقليمي تقوده إيران. وقد أعلنت بغداد مهلة لنزع سلاح الجماعات غير التابعة بالكامل للدولة، لكن بعض الفصائل، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، رفضت الامتثال.
ومن منظور دمشق، يمثل هذا الوضع خطرًا مزدوجًا: احتمال أن تستخدم الفصائل العراقية الأراضي السورية للضغط على الولايات المتحدة أو إسرائيل أو السعودية، واحتمال أن تحاول إيران إعادة بناء نفوذها في شرق سوريا بعد خسارتها جزءًا كبيرًا من مواقعها عقب سقوط نظام الأسد.
هل التحركات استعداد لهجوم سوري داخل العراق؟
حتى الآن، لا توجد دلائل موثوقة على أن الجيش السوري يستعد لعبور الحدود أو شن عملية داخل الأراضي العراقية. التصريحات العراقية الرسمية، وطبيعة الانتشار المعلن، تشير إلى أن التحركات تتركز على «مسك الحدود» ورفع الجاهزية ومنع التسلل.
كما أن دمشق لا تبدو راغبة في فتح مواجهة مباشرة مع بغداد، التي تمثل شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا مهمًا، خصوصًا بعد إعادة فتح المعابر واستئناف نقل النفط والتجارة البرية بين البلدين خلال الأشهر الماضية.
لكن استبعاد هجوم سوري واسع لا يعني استبعاد ردود محدودة. فإذا تعرضت مواقع سورية لقصف أو تسلل مسلح انطلاقًا من العراق، فقد ترد دمشق على نقاط إطلاق النار أو القوافل القريبة من الحدود، وهو السيناريو الذي ألمحت إليه رسالتها التحذيرية لبغداد.
هل الخطر هو داعش أم الفصائل الإيرانية؟
يظل تنظيم داعش خطرًا قائمًا في البادية والحدود، وقد استخدم تاريخيًا الفراغات الأمنية بين العراق وسوريا للتحرك وتهريب الأفراد والسلاح. لكن توقيت الاستنفار والرسائل السياسية المرافقة له يشيران إلى أن القلق الحالي يتعلق بدرجة أكبر بالفصائل الموالية لإيران، وليس بالتنظيم وحده.
مع ذلك، فإن انتشار الجيش على الحدود يخدم الهدفين معًا: منع تسلل المجموعات المسلحة، ومراقبة طرق التهريب، ومنع داعش من استغلال أي صدام بين الدول والفصائل لإعادة تنشيط خلاياه.
ما الذي تريد دمشق تحقيقه؟
يمكن قراءة التحرك السوري ضمن أربعة أهداف مترابطة:
- أولًا، توجيه رسالة إلى الفصائل العراقية بأن الحدود لم تعد مفتوحة كما كانت خلال عهد الأسد، وأن أي عبور مسلح سيواجه بالقوة.
- ثانيًا، الضغط على الحكومة العراقية لإحكام السيطرة على الحشد الشعبي ومنع استخدام أراضيها ضد سوريا.
- ثالثًا، إثبات قدرة الدولة السورية الجديدة على إدارة حدودها الشرقية بعد سنوات من تعدد القوى المتحكمة فيها.
- رابعًا، طمأنة الأردن والسعودية والولايات المتحدة بأن دمشق لن تسمح بعودة الممر الإيراني البري عبر البوكمال والتنف.
السيناريوهات المحتملة
- السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء الاستنفار في إطار الردع، مع استمرار التنسيق العسكري بين دمشق وبغداد، وتشديد العراق الرقابة على تحركات الفصائل قرب الحدود.
- أما السيناريو الثاني، فيتمثل في وقوع احتكاك محدود، مثل استهداف قافلة مسلحة أو تبادل إطلاق نار على نقطة حدودية، وهو أمر قد يؤدي إلى تصعيد قصير قبل تدخل بغداد لاحتوائه.
- السيناريو الأخطر هو تنفيذ فصيل عراقي هجومًا كبيرًا داخل سوريا أو استخدام الأراضي السورية لاستهداف الأردن أو السعودية أو القوات الأميركية. عندها قد تتحول الحدود إلى ساحة تدخل متعددة الأطراف، تشمل الجيش السوري والعراقي والفصائل والحشد الشعبي، وربما الولايات المتحدة وإسرائيل.
التقدير النهائي
المعلومات المتاحة تؤكد وجود استنفار وتحركات عسكرية سورية حقيقية على الحدود، لكنها لا تشير حتى الآن إلى استعداد لحرب مع العراق. الأقرب أن دمشق تنفذ انتشارًا وقائيًا ورسالة ردع ضد فصائل موالية لإيران، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
التطمينات العراقية تقلل احتمالات مواجهة بين الدولتين، لكنها لا تلغي الخطر الناتج عن ضعف سيطرة بغداد الكاملة على بعض الفصائل. ولذلك، فإن مستقبل الوضع سيتوقف على قدرة الحكومة العراقية على ضبط هذه الجماعات، وعلى ما إذا كانت إيران ستستخدمها لفتح جبهة جديدة ضد خصومها عبر الأراضي السورية.
تفجير جرمانا يعيد ملف السويداء إلى الواجهة… استهداف أمني أم رسالة سياسية ضد مسار عودة الدولة؟
أعاد انفجار عبوة ناسفة داخل حافلة ركاب في مدينة جرمانا بريف دمشق ملف التوتر الدرزي–الدرزي والخلاف حول مستقبل العلاقة بين السويداء والدولة السورية إلى الواجهة، بعدما جاء الهجوم في توقيت حساس تزامن مع صدور موقف واضح عن وجهاء ومشايخ جرمانا يؤكد التمسك بوحدة سوريا وسلطة الدولة على المدينة.
وبحسب مديرية صحة ريف دمشق، أسفر الانفجار الذي وقع في 6 أغسطس/آب عن إصابة 14 شخصًا، بينهم 3 في حالة حرجة، من دون تسجيل وفيات في الحصيلة النهائية. وكانت معلومات أولية قد تحدثت عن سقوط قتلى، قبل أن تصحح وزارة الصحة البيانات لاحقًا.
وتكمن أهمية الحادث في أنه لا يأتي في فراغ أمني. فالمدينة شهدت خلال الفترة الماضية توترات مرتبطة بالصراع الأوسع في الجنوب السوري، بينما جاءت العملية بعد ساعات من بيان أصدره وجهاء جرمانا شددوا فيه على وحدة البلاد ورفض منطق المليشيات، وهو ما دفع محللين سوريين إلى قراءة توقيت الانفجار باعتباره محاولة محتملة للرد على هذا التموضع السياسي الجديد.
هل يحمل الهجوم رسالة إلى وجهاء جرمانا؟
ترى قراءة طرحتها قناة الجزيرة، استنادًا إلى محللين سوريين، أن الهجوم قد يكون مرتبطًا بالصراع السياسي داخل البيئة الدرزية نفسها، خصوصًا بين التيار الذي يدعو إلى بقاء المناطق الدرزية ضمن سلطة الدولة السورية، والتيارات التي تطرح أشكالًا من الحكم الذاتي أو الانفصال في السويداء.
ويعتبر الباحث السياسي مؤيد قبلاوي أن بيان وجهاء جرمانا مثّل عمليًا نوعًا من العزل السياسي للتيار المرتبط بالشيخ حكمت الهجري، الذي يتبنى خطابًا أكثر صدامًا مع دمشق، وأن استهداف المدينة بعد ساعات من البيان قد يكون محاولة لخلق حالة من الخوف والانقسام داخل بيئة عرفت تاريخيًا بتنوعها الطائفي والاجتماعي.
لكن هذه القراءة تبقى فرضية تحليلية وليست نتيجة تحقيق أمني حتى الآن؛ إذ لم تعلن وزارة الداخلية السورية هوية الجهة التي زرعت العبوة، ولم تتبنَّ أي جماعة معروفة العملية حتى لحظة صدور البيانات الأولى.
لماذا جرمانا تحديدًا؟
تمثل جرمانا حالة مختلفة عن السويداء. فالمدينة الواقعة عند المدخل الجنوبي الشرقي لدمشق تضم خليطًا من الدروز والمسيحيين والمسلمين، وترتبط اقتصاديًا واجتماعيًا بالعاصمة أكثر بكثير من ارتباطها بمحافظة السويداء.
ولهذا فإن نجاح الدولة في إعادة تثبيت سلطتها داخل جرمانا يحمل دلالة سياسية تتجاوز المدينة نفسها، لأنه يقدم نموذجًا مختلفًا عن الطروحات التي تدعو إلى بناء منظومات أمنية محلية منفصلة أو مناطق حكم ذاتي.
ومن هذه الزاوية، فإن أي عملية أمنية كبيرة داخل المدينة يمكن أن تخدم سياسيًا الأطراف التي تريد إثبات أن الدولة غير قادرة على حماية السكان، وأن الحل يكمن في بناء «أمن ذاتي» أو تشكيلات مسلحة محلية.
وهذه تحديدًا إحدى النقاط التي ركز عليها الكاتب والمحلل عمر إدلبي، الذي اعتبر أن التفجير يمكن أن يهدف إلى إظهار المؤسسات الأمنية السورية بمظهر العاجز عن حماية المناطق المتنوعة طائفيًا، وبالتالي تعزيز الحجج التي تستخدمها القوى المطالبة بإدارة أمنية مستقلة.
السويداء في خلفية المشهد
لا يمكن فصل الحادث عن التوتر المستمر في محافظة السويداء، حيث ظهر خلال العامين الماضيين خلاف متزايد حول العلاقة مع دمشق، وتعددت القوى المسلحة المحلية والمرجعيات الدينية والسياسية.
ويعد حكمت الهجري أحد أبرز الأصوات الرافضة للسياسات الحكومية السورية في المحافظة، بينما تتمسك قوى ووجهاء دروز آخرون بوحدة سوريا وترفض الانتقال إلى مشروع انفصالي أو إدارة منفصلة.
وبهذا المعنى، لم يعد الانقسام في الجنوب السوري يدور فقط بين دمشق والسويداء، بل أصبح أيضًا خلافًا داخل المجتمع الدرزي نفسه حول مستقبل المحافظة وموقعها داخل الدولة السورية.
ومن هنا تكتسب جرمانا أهمية خاصة؛ فإذا نجحت دمشق في بناء نموذج تعاون مع وجهاء المدينة وقواها المحلية، فقد تستخدمه لإظهار أن الخلاف مع بعض القوى في السويداء سياسي وليس طائفي، وأن المجتمع الدرزي لا يتبنى موقفًا واحدًا تجاه الحكومة.
العامل الإسرائيلي
يضاف إلى ذلك البعد الإسرائيلي، الذي أصبح أكثر حضورًا في ملف الدروز السوريين بعد تدخل إسرائيل عسكريًا وسياسيًا في أحداث الجنوب، وتقديمها نفسها باعتبارها طرفًا معنيًا بحماية الدروز.
وقد اتهم مسؤولون ومحللون سوريون إسرائيل بمحاولة استغلال الانقسامات الداخلية وتقديم دعم لبعض القوى المعارضة لعودة سلطة دمشق إلى السويداء، وهي اتهامات تنفي تل أبيب أنها تستهدف من خلالها تقسيم سوريا، وتقول إن تحركاتها مرتبطة بحماية أمنها والحدود والمجتمع الدرزي.
ولا توجد حتى الآن أدلة علنية تربط إسرائيل بتفجير جرمانا، ولذلك فإن إدخال هذا العامل في تفسير العملية ينبغي أن يبقى في إطار الخلفية السياسية المحيطة بالصراع لا باعتباره اتهامًا مثبتًا.
لماذا تحذر الداخلية من ردود الفعل؟
لفت بيان وزارة الداخلية السورية إلى ضرورة تجنب أي ردود فعل قد تؤثر في السلم الأهلي، وهو أمر له دلالة في منطقة شديدة الحساسية طائفيًا.
فالهدف من العمليات من هذا النوع قد لا يكون عدد الضحايا فقط، بل إنتاج سلسلة من ردود الفعل: اتهامات متبادلة، تعبئة مسلحة، أعمال انتقامية، ثم اشتباكات يمكن أن تجعل وجود أجهزة الدولة أكثر تعقيدًا.
وهذا السيناريو سبق أن ظهر في أكثر من منطقة سورية خلال المرحلة الانتقالية، حيث تحولت حوادث أمنية محدودة إلى مواجهات أوسع بسبب سرعة انتشار الشائعات وتعدد الجماعات المسلحة وضعف الثقة بين المجتمعات المحلية.
التحدي الأمني للدولة الجديدة
يكشف التفجير أيضًا مشكلة أوسع تواجه الحكومة السورية: إعادة بناء جهاز أمني قادر على مواجهة شبكات سرية وعبوات وتفجيرات بعد سنوات طويلة من الحرب وتفكك المؤسسات.
وقد حققت الأجهزة السورية خلال الأشهر الماضية نجاحات في تفكيك خلايا مرتبطة بتنظيم الدولة وجماعات متشددة أخرى، لكن الانتقال من حرب مفتوحة إلى مكافحة الإرهاب والعمل الاستخباراتي داخل المدن يحتاج إلى قدرات مختلفة، تشمل جمع المعلومات، ومراقبة الشبكات الصغيرة، والتحقيق الجنائي، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية.
ولهذا لا ينبغي قراءة انفجار جرمانا باعتباره مجرد اختبار أمني، بل كاختبار لمدى قدرة دمشق على تحويل عودتها السياسية إلى سيطرة مؤسساتية فعلية.
التقدير النهائي
حتى الآن، لا يوجد دليل يسمح بالجزم بأن «الانفصاليين» يقفون خلف تفجير جرمانا، كما لم تكشف التحقيقات الرسمية عن هوية المنفذين. لكن التوقيت والمكان والسياق السياسي تجعل هذه الفرضية جزءًا مشروعًا من النقاش.
فالهجوم وقع بعد موقف سياسي واضح من وجهاء المدينة ضد أي مشروع يفصل جرمانا عن الدولة، وفي لحظة يتصاعد فيها الخلاف حول مستقبل السويداء، ويُطرح فيها مفهوم «الأمن الذاتي» كبديل عن المؤسسات المركزية.
لذلك، قد يكون الهدف الأبعد لأي جهة تقف خلف العملية هو ضرب الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي وإثبات أن عودة المؤسسات الرسمية لا تجلب الأمن، وهو سيناريو يخدم موضوعيًا القوى التي تريد إبقاء مناطق الجنوب خارج السيطرة الكاملة لدمشق، سواء شاركت في التفجير أم لم تشارك.
لكن الحكم النهائي سيبقى مرهونًا بما تكشفه التحقيقات السورية بشأن نوع العبوة، ومسار إدخالها، وهوية الشبكة المنفذة، وما إذا كانت لها صلات بتنظيمات جهادية أو جماعات محلية أو أطراف خارجية.
وزير الطاقة الإسرائيلي يلوّح بإقامة قواعد داخل سوريا إذا عززت تركيا وجودها العسكري
صعّد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين لهجته تجاه تركيا، محذرًا من أن إسرائيل لن تقبل بتعزيز الوجود العسكري التركي في سوريا، ومشيرًا إلى أن تل أبيب قد تتجه إلى إنشاء قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية إذا أقدمت أنقرة على خطوة مماثلة.
وجاءت تصريحات كوهين خلال مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية، حيث قال : “علينا أن نتأكد من أن تركيا لا ترسخ وجودها العسكري في سوريا. وقلت في المجلس الوزاري: إذا أرادت تركيا إقامة قواعد عسكرية في سوريا، فإننا سنقيم قواعد هناك أيضًا.” وقد جاءت تصريحاته في سياق حديث عن التنافس الإقليمي في الساحة السورية ومخاوف إسرائيل من تنامي النفوذ التركي.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات بين أنقرة وتل أبيب توترًا متزايدًا على خلفية التطورات في سوريا، إذ ترى إسرائيل أن أي توسع عسكري تركي، خصوصًا في القواعد الجوية أو مراكز التدريب، قد يحد من حرية تحركها العسكري داخل الأراضي السورية، بينما تؤكد تركيا أن تعاونها الأمني مع دمشق يهدف إلى دعم الاستقرار ومكافحة التنظيمات التي تصنفها إرهابية.
ورغم أن تصريحات كوهين أثارت اهتمامًا واسعًا، فإن منصات متخصصة في تدقيق المعلومات أشارت إلى أن بعضها نُقل بصورة غير دقيقة على وسائل التواصل الاجتماعي. فالتصريح لم يكن إعلانًا رسميًا عن نية إسرائيل إنشاء قواعد داخل سوريا، بل جاء بصيغة رد افتراضي مشروط على احتمال إقامة تركيا قواعد عسكرية هناك، وهو ما يختلف عن إعلان خطة عسكرية قائمة أو قرار حكومي نهائي.
وتنسجم تصريحات وزير الطاقة مع مواقف صدرت خلال الأيام الماضية عن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، الذي حذر بدوره من توسيع النفوذ العسكري التركي في سوريا، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح بقيام واقع أمني تعتبره مهددًا لمصالحها، في ظل ما تصفه بتغير موازين القوى بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الإدارة السورية الجديدة.
في المقابل، نفت وزارة الدفاع التركية تقارير تحدثت عن إنشاء قواعد عسكرية جديدة أو نشر طائرات مقاتلة تركية داخل سوريا، مؤكدة أن أنقرة تواصل تعاونها الأمني مع الحكومة السورية ضمن إطار دعم الاستقرار، ودعت إلى التعامل بحذر مع التقارير التي وصفتها بأنها تهدف إلى تضليل الرأي العام.
ويرى مراقبون أن تبادل التصريحات بين الجانبين يعكس تصاعد التنافس الجيوسياسي في سوريا، حيث تسعى كل من إسرائيل وتركيا إلى حماية مصالحها الأمنية في ظل إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، بينما لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على وجود مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين، رغم استمرار الخطاب التصعيدي من مسؤولين في البلدين.
متابعات عربية
اتفاق مكة.. وإعادة هندسة أمن المنطقة ماذا يضيف تحالف تركيا–السعودية–باكستان العسكري على خريطة الصراع الدولية؟
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس/آب 2026، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» خلال قمة جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في خطوة تؤسس لإطار أمني ودفاعي جديد يقوم على مبدأ «الردع الجماعي» بين الدول الثلاث.
وبحسب البيان الختامي للقمة، تنص الاتفاقية على اعتبار أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الموقعة هجومًا على الجميع، مع توسيع التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية، ومكافحة الإرهاب، وتطوير مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية.
كما أكدت الدول الثلاث أن الاتفاق يستند إلى حق الدفاع عن النفس الوارد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وأنه لا يستهدف دولة بعينها.
وأوضح مسؤولون سعوديون أن الاتفاقية لا تمثل نواة لتحالف طائفي أو محور عسكري مغلق، ولا ترتبط بمساع نووية أو بسباق تسلح، بل تهدف إلى بناء قدرات دفاعية ذاتية ومستدامة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى تتوافق مع أهدافها.
تحليل المعهد المصري
يأتي توقيع الاتفاق في مرحلة تشهد تحولات حادة في البيئة الأمنية للشرق الأوسط، خصوصًا في ظل الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتوتر المستمر حول مضيق هرمز وأمن إمدادات الطاقة.
وتمنح الدول الثلاث الاتفاقية عناصر قوة متكاملة نسبيًا؛ فالسعودية تملك ثقلًا اقتصاديًا وماليًا وموقعًا محوريًا في الخليج والعالم العربي، بينما تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وعضوية في حلف شمال الأطلسي، في حين تمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة وتمتلك ترسانة ووية وقدرات صاروخية متطورة.
وتشير الاتفاقية، من حيث بنيتها، إلى انتقال التعاون بين الدول الثلاث من مستوى التنسيق السياسي والصفقات الدفاعية الثنائية إلى صيغة مؤسسية للردع والتنسيق العسكري، وهو ما قد يمنحها وزنًا أكبر في معادلات الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
الإنضمام التركي
كانت السعودية وباكستان قد وقعتا اتفاقًا دفاعيًا ثنائيًا في 2025، قبل أن تبدأ مباحثات خلال الأشهر التالية بشأن توسيع الإطار ليشمل تركيا.
وقبل أشهر، كان انضمام تركيا إلى الاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني مجرد احتمال تطرحه إسلام آباد، وسط حديث عن إمكانية توسيع الترتيبات لتشمل دولًا أخرى. اليوم انتقلت الفكرة إلى مستوى مختلف، مع توقيع تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك تقوم على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على جميعها. وبذلك، لم يعد الحديث يدور عن تعاون عسكري أو صفقات تسليح منفصلة، بل عن محاولة لتأسيس مفهوم للردع الجماعي بين ثلاث قوى تمتد جغرافيًا من شرق المتوسط والخليج إلى جنوب آسيا.
دلالة التوقيت
يصعب فصل الاتفاق عن اللحظة الإقليمية التي وُلد فيها. فالحرب مع إيران، واتساع المخاطر التي تطال أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية، كشفت حدود النظام الأمني الذي حكم المنطقة لعقود، والقائم بدرجة كبيرة على الضمانة العسكرية الأميركية. ولا يعني ذلك أن السعودية تتجه إلى فك ارتباطها بواشنطن، أو أن تركيا تعيد النظر في عضويتها الأطلسية، بقدر ما يشير إلى اتجاه متزايد نحو بناء طبقات إضافية من الردع، بحيث لا يبقى أمن الدول الإقليمية مرهونًا بالكامل بقرار قوة خارجية واحدة.
عناصر قوة الإتفاق
بالنسبة للسعودية، تعكس التحولات الأخيرة توجهًا نحو توسيع أدوات القوة وتنويع الشراكات الأمنية في بيئة إقليمية تشهد تغيرات متسارعة. فالرياض لا تريد عودة إيران إلى موقع يسمح لها بتهديد أمن الخليج، كما لا تبدو معنية بترسيخ معادلة إقليمية تنفرد فيها إسرائيل بالتفوق العسكري والسياسي دون وجود قوى قادرة على موازنة هذا النفوذ. ومن هنا، يمكن قراءة التقارب مع تركيا وباكستان باعتباره جزءًا من سياسة سعودية أوسع لبناء شبكة متعددة من الشراكات الاستراتيجية؛ تحافظ من خلالها المملكة على علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة، وتدير علاقتها مع إيران وفق حسابات الاستقرار والردع، بالتوازي مع تعزيز قدرتها على التأثير في شكل النظام الأمني الإقليمي بدل الاكتفاء بالتكيف مع التحولات التي تفرضها القوى الأخرى.
ويمنح دخول باكستان الاتفاق ثقله الأكثر حساسية. فإسلام آباد ليست مجرد قوة عسكرية كبيرة، بل دولة نووية تقع عند نقطة التقاء الخليج وإيران وأفغانستان والهند والصين، وهو ما يجعل أمنها جزءًا من توازن يتجاوز حدود جنوب آسيا. لكن باكستان نفسها تواجه ضغطًا استراتيجيًا متزايدًا على أكثر من جبهة، ولذلك يمنحها الارتباط بالرياض وأنقرة عمقًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، مثلما يمنح الطرفين شريكًا عسكريًا يمتلك قدرات لا تتوافر لأي دولة عربية منفردة.
أما تركيا فتدخل الاتفاق من موقع مختلف. فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، إلى جانب قاعدة صناعية دفاعية توسعت بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، وخبرة عملياتية تمتد من سوريا والعراق إلى ليبيا وشرق المتوسط ومناطق أخرى. وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الصيغة الجديدة: السعودية تمتلك الثقل المالي والجغرافي، وباكستان توفر كتلة عسكرية وردعًا نوويًا، فيما توفر تركيا الصناعة الدفاعية المتطورة والخبرة العملياتية والدبلوماسية الناجحة. وإذا تحولت هذه العناصر إلى منظومة متكاملة، فقد تصبح النتيجة أكبر بكثير من مجموع قدرات الدول الثلاث منفردة.
هل يمثل الإتفاق بناء محور سني جديد؟
سيكون من السهل اختزال الاتفاق باعتباره محاولة لبناء «محور سني» في مواجهة إيران، لكن هذه القراءة لا تفسر تعقيدات العلاقات بين الأطراف. فتركيا وباكستان تشتركان بحدود مباشرة مع إيران ولا مصلحة لهما في تحويلها إلى جبهة دائمة، كما استثمرت السعودية خلال السنوات الماضية في استعادة قنوات التواصل مع طهران. لذلك قد يكون الهدف الأوسع ليس تطويق إيران بقدر ما هو منع أي قوة إقليمية، سواء إيران أو إسرائيل، من امتلاك قدرة منفردة على فرض قواعد النظام الإقليمي، مع تقليص الحاجة إلى انتظار التدخل الأميركي كلما تعرض هذا التوازن للاهتزاز.
مستقبل الإتفاق
ويبقى الاختبار الحقيقي للاتفاق هو ما إذا كانت الدول الثلاث ستنتقل إلى إنشاء مؤسسات وآليات دائمة للتنسيق العسكري والاستخباراتي، وربط منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وإجراء تدريبات مشتركة منتظمة، وتطوير مشاريع تصنيع وتسليح تتجاوز الصفقات الثنائية. فإذا حدث ذلك، فلن نكون أمام اتفاق دفاع مشترك جديد فحسب، وإنما أمام البنية الأولى لمنظومة أمنية تمتلك قدرًا متزايدًا من الاستقلال عن الترتيبات التي قادتها القوى الكبرى في المنطقة طوال العقود الماضية.
صراع الممرات التجارية يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط
لم تعد التحولات الجارية في الشرق الأوسط مرتبطة فقط بالحروب والتحالفات العسكرية، بل أصبحت الممرات التجارية وخطوط الطاقة والربط بين آسيا وأوروبا جزءًا أساسيًا من الصراع على النفوذ. فالمشاريع الجديدة التي يجري طرحها للربط بين الهند والخليج وأوروبا لا تعيد تنظيم حركة البضائع فحسب، بل يمكن أن تعيد تحديد الدول التي ستكون في مركز الاقتصاد الإقليمي وتلك التي ستجد نفسها على هامشه.
ويأتي في مقدمة هذه المشاريع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC)، الذي ينطلق من الهند ويصل إلى الخليج، ثم يمر عبر السعودية والأردن باتجاه إسرائيل، ومنها إلى أوروبا. ويمنح نجاح هذا المشروع إسرائيل موقعًا مهمًا بوصفها نقطة عبور بين الخليج والبحر المتوسط، ويعزز في الوقت نفسه أهمية السعودية كمركز لوجستي داخل شبكة التجارة الجديدة.
لكن هذا المسار يحمل تداعيات مباشرة على دول أخرى، وفي مقدمتها تركيا، التي بنت جزءًا مهمًا من استراتيجيتها الاقتصادية والجيوسياسية على موقعها بوصفها حلقة الوصل الطبيعية بين آسيا وأوروبا. تجاوز الأراضي التركية في مشروع بهذا الحجم يعني أن القضية بالنسبة إلى أنقرة لا تتعلق بخسارة عوائد تجارية فقط، بل باحتمال تراجع إحدى أهم أوراق القوة التي تمتلكها: الجغرافيا.
ومن هنا يتقاطع التنافس حول الممرات مع الخلاف التركي–الإسرائيلي المتنامي في شرق المتوسط، ومع مساعي أنقرة لتعزيز طرق بديلة تربط الخليج والعراق بتركيا ثم أوروبا، إضافة إلى ارتباطها بمشروعات النقل الممتدة من الصين وآسيا الوسطى.
في المقابل، تبدو السعودية في موقع أكثر تعقيدًا. فهي مرشحة للاستفادة مباشرة من الممر الجديد باعتبارها نقطة عبور رئيسية، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في أن تتحول بنية الأمن والتجارة في المنطقة إلى منظومة تعتمد بصورة مفرطة على الولايات المتحدة أو تمنح إسرائيل موقعًا مهيمنًا على حركة التجارة الإقليمية. وهو ما يجعل توسيع علاقاتها الدفاعية والسياسية مع تركيا وباكستان وقوى أخرى جزءًا من سياسة أوسع لتنويع الخيارات والتحالفات.
أما مصر، فإن إعادة رسم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا تمثل بالنسبة إليها قضية استراتيجية، لأن مكانتها الاقتصادية ترتبط تاريخيًا بموقعها الجغرافي وقناة السويس. وكلما ظهرت طرق برية وبحرية جديدة قادرة على نقل جزء من التجارة بعيدًا عن المسارات التقليدية، ازدادت حاجة القاهرة إلى الحفاظ على دورها في منظومة النقل والطاقة الإقليمية وعدم السماح بتحولها إلى مجرد طرف جانبي في الشبكات الجديدة.
وفي قلب هذه المنافسة تظهر مفارقة جغرافية مهمة: العراق وسوريا ولبنان تقع طبيعيًا على أحد أقصر المسارات بين الخليج والبحر المتوسط، لكنها تكاد تكون غائبة عن المشاريع الكبرى الجديدة. فهذه المنطقة كانت تاريخيًا معبرًا رئيسيًا للتجارة والطاقة؛ إذ امتدت خطوط النفط من العراق عبر سوريا إلى الساحل اللبناني، كما وصلت خطوط سعودية عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط. لكن الحروب والانقسامات والقطيعة السياسية أدت إلى تفكيك هذه الشبكة، ودفعت القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن مسارات تلتف على المنطقة بدل المرور عبرها.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات الاستراتيجية: إذا استمرت حالة الضعف في سوريا والعراق ولبنان، فقد تخسر هذه الدول تدريجيًا القيمة الجيوسياسية التي منحها لها موقعها الجغرافي. وفي المقابل، فإن إعادة بناء شبكة طرق وسكك حديد وأنابيب طاقة واتصالات تربط البصرة وبغداد والموصل بحلب ودمشق وحمص وبيروت وطرابلس، ثم تصل شمالًا إلى تركيا وجنوبًا إلى الأردن ومصر والخليج يمكن أن يعيد المشرق العربي إلى قلب التجارة الإقليمية.
ولا يتعلق الأمر بخطوط نقل فقط. فالممر الاقتصادي الناجح يخلق حوله استثمارات ومدنًا صناعية وموانئ ومراكز لوجستية وشبكات طاقة واتصالات، وبالتالي يتحول إلى بنية سياسية طويلة المدى تربط مصالح الدول التي يمر بها. ومن يسيطر على هذه الشبكات يستطيع التأثير في سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة، وهو ما يجعل الصراع على الممرات جزءًا من الصراع على شكل النظام الإقليمي نفسه.
وبذلك، قد تكون واحدة من أهم معارك الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة أقل ظهورًا من الحروب العسكرية، لكنها لا تقل عنها أهمية: معركة تحديد الطريق الذي ستسلكه التجارة بين آسيا والخليج وأوروبا. فمن ينجح في فرض مساره لن يحصل على مكاسب اقتصادية فقط، بل سيكتسب نفوذًا استراتيجيًا يمكن أن يعيد ترتيب العلاقات بين السعودية وتركيا ومصر وإيران وإسرائيل، ويحدد في الوقت ذاته ما إذا كان العراق وسوريا ولبنان سيستعيدون دورهم التاريخي كجسر بين الشرق والغرب، أم ستتجاوزهم الخريطة الاقتصادية الجديدة بالكامل.
أزمة سبتة: هجرة عفوية أم ورقة ضغط في صراعات مختلفة ؟
أعادت موجة العبور الجماعي غير المسبوقة إلى مدينة سبتة فتح نقاش أوسع من مسألة الهجرة نفسها. فالمشهد لا يتعلق فقط بآلاف الشباب الذين اندفعوا نحو الجيب الإسباني بحثًا عن فرصة للانتقال إلى أوروبا، بل تزامن مع لحظة سياسية حساسة تشهد إعادة تموضع في علاقات إسبانيا مع الجزائر، وتوترًا واضحًا بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، مقابل تعمق الشراكة المغربية مع الطرفين.
وخلال أيام قليلة في أواخر يوليو/تموز 2026، دخل عشرات الآلاف إلى سبتة من الأراضي المغربية سيرًا أو سباحة، في واقعة أسفرت عن عشرات الوفيات وأغرقت المدينة الصغيرة في أزمة إنسانية وأمنية. وأعلنت مدريد لاحقًا عودة غالبية الوافدين إلى المغرب، بينما بقي آلاف داخل سبتة، من بينهم نحو ألف قاصر غير مصحوبين بذويهم.
سبتة: أرض إسبانية في أفريقيا بوضع أوروبي خاص
تقع سبتة في أقصى شمال أفريقيا وتخضع للسيادة الإسبانية، بينما يطالب المغرب باستعادتها ويعتبرها من بقايا الوجود الاستعماري. وهي قانونيًا جزء من إسبانيا ومن الاتحاد الأوروبي، لكن وضعها لا يطابق وضع البر الإسباني؛ إذ تخضع لنظام خاص داخل فضاء شنجن، وتُجرى عمليات تدقيق على المسافرين عند الانتقال منها بحرًا أو جوًا إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
لذلك، لم يكن دخول سبتة يعني تلقائيًا الوصول الحر إلى مدريد أو بقية أوروبا. وقد أكدت المفوضية الأوروبية أن الوافدين بصورة غير نظامية لم يتمكنوا من الانتقال إلى البر الأوروبي، فيما أوضحت الخارجية الإسبانية أن سبتة ومليلية تخضعان لنظام حدودي خاص يشمل التفتيش عند الخروج منهما.
هذه الحقيقة القانونية تجعل الخطاب الذي وصف ما حدث بأنه «غزو لأوروبا» مبالغًا فيه، لكنها لا تقلل من خطورة الاختراق الذي تعرضت له الحدود ولا من أثر صوره سياسيًا. فالحدث تحول فورًا إلى مادة في الصراع الأوروبي حول الهجرة، واستخدمته قوى يمينية لاتهام حكومة بيدرو سانشيز بالتساهل، رغم أن معظم الوافدين لم يغادروا سبتة وعاد قسم كبير منهم سريعًا إلى المغرب.
كيف بدأت الموجة؟
تشير الرواية الأكثر توثيقًا إلى أن الانتشار الواسع لمقاطع مصورة ورسائل عبر تيك توك وإنستغرام وواتساب لعب دورًا محوريًا في تحريك الناس. وروجت منشورات لفكرة أن الحدود باتت مفتوحة، وأن الوصول بحرًا يمنع الإعادة الفورية، أو يتيح الاستفادة من تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا.
وتبين أن بعض هذه الرسائل استند إلى تفسير خاطئ لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، يمنع الإعادة التلقائية لبعض الوافدين بحرًا من دون إجراءات قانونية. كما ظهرت مجموعات رقمية قدمت معلومات عن طرق العبور ومواقع قوات الأمن والتوقيت الأنسب للتحرك.
لكن القول إن التضليل الرقمي هو السبب الوحيد لا يفسر كيف تمكن عشرات الآلاف من التحرك خلال وقت قصير، ولا لماذا كانت الاستجابة الأمنية المغربية محدودة في الساعات الأولى. وهنا تبدأ المنطقة الرمادية التي غذت الشكوك السياسية.
هل كانت هناك جهة تدفع الناس نحو الحدود؟
لم يظهر حتى الآن دليل علني مباشر يثبت أن الحكومة المغربية أو جهازًا استخباراتيًا أو جهة أجنبية نظمت العبور. وقد رفض مسؤولون مغاربة الربط بين الحادث والخلافات السياسية، فيما قالت الخارجية الإسبانية إن علاقاتها مع الرباط «ممتازة» وإن تحسن العلاقة مع الجزائر لم يؤثر فيها.
مع ذلك، فإن غياب الدليل لا ينهي الأسئلة. فالسوابق تجعل فرضية استخدام الهجرة كورقة ضغط قابلة للنقاش، وإن لم تكن مثبتة في هذه الواقعة. ففي أزمة عام 2021، عبر ما بين ستة آلاف وتسعة آلاف شخص إلى سبتة بعد تدهور العلاقات بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. واعتُبر تخفيف الرقابة المغربية حينها رسالة سياسية واضحة إلى مدريد.
وفي أزمة 2026، لاحظت تقارير أن القوات المغربية بدت في البداية أقل تدخلًا، قبل أن تتحرك لاحقًا بالعصي والغاز المسيل للدموع لمنع مزيد من العبور. هذا التسلسل لا يثبت وجود قرار سياسي مسبق، لكنه يبرر طرح سؤال حول ما إذا كانت السلطات فوجئت بالحشود فعلًا، أم سمحت بتناميها فترة محدودة قبل استعادة السيطرة.
وتضيف شهادات نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” بعدًا جديدًا للأزمة، إذ نقلت عن عدد من المهاجرين قولهم إن عناصر من الشرطة المغربية وجهوهم نحو سبتة وشجعوهم على مواصلة العبور. وإذا صحت هذه الشهادات، فإنها تشير إلى أن الأزمة لم تكن مجرد نتيجة لشائعات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، بل ربما شهدت درجة من التساهل أو التوجيه الميداني. ومع ذلك، لا تقدم هذه الشهادات وحدها دليلًا قاطعًا على وجود قرار سياسي مركزي من الرباط، لكنها تجعل فرضية توظيف أزمة الهجرة كورقة ضغط سياسية أكثر جدية، خاصة عند وضعها في سياق التوترات الإقليمية بين المغرب وإسبانيا، والتقارب الإسباني مع الجزائر، وتعاظم الشراكة المغربية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
زيارة سانشيز إلى الجزائر والتوقيت الحساس
ويكتسب توقيت الأزمة دلالة سياسية إضافية عند النظر إلى سلسلة الأحداث التي تزامنت معها. فبعد ساعات من أزمة سبتة، بعث الرئيس الأميركي دونالد ترامب برسالة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس جدد فيها اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مؤكداً أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع، وأن واشنطن ستواصل الدفع نحو إنهاء الملف. وجاء ذلك في وقت كانت فيه حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تعيد فتح قنواتها مع الجزائر، بينما تشهد علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل توتراً غير مسبوق. وقد دفع هذا التزامن بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه التطورات تعكس إعادة تموضع جيوسياسية أوسع في غرب المتوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ظل تعمق الشراكة المغربية مع واشنطن وتل أبيب.
ولا توجد حتى الآن أدلة مباشرة تربط بين رسالة ترامب وأزمة سبتة أو تثبت وجود تنسيق مسبق بين هذه الأحداث، إلا أن تقاربها الزمني، إلى جانب التطورات السياسية الأخرى، جعلها محور نقاش واسع بين محللين يرون أن ملفات الهجرة، والصحراء الغربية، والعلاقات المغربية الأميركية، باتت تتداخل بصورة متزايدة ضمن معادلة إقليمية واحدة.
من هنا نشأت قراءة ترى أن موجة سبتة ربما مثلت إنذارًا غير معلن لإسبانيا بشأن حدود تحركها بين الطرفين. وهذه القراءة لا تزال استنتاجًا سياسيًا، لا واقعة مثبتة، لكنها تستند إلى توقيت الحدث وإلى تاريخ استخدام ملف الحدود والهجرة في لحظات التوتر بين مدريد والرباط.
أزمة سبتة تكشف خلافًا أوروبيًا أعمق حول نموذج الهجرة الإسباني
لم تتوقف تداعيات أزمة سبتة عند الحدود المغربية الإسبانية، بل امتدت سريعًا إلى داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تحولت إلى مواجهة سياسية حول سياسة مدريد تجاه الهجرة. فقد أعادت إيطاليا مؤقتًا فرض ضوابط حدودية على القادمين من إسبانيا جوًا وبحرًا، في خطوة قدمتها حكومة جورجيا ميلوني باعتبارها إجراءً أمنيًا بعد التدفق الكبير إلى سبتة، بينما ردت مدريد لاحقًا بإجراءات مماثلة تجاه القادمين من إيطاليا. كما ظهرت داخل أوروبا دعوات إلى تشديد التعامل مع إسبانيا، في مؤشر على أن الأزمة أصبحت اختبارًا جديدًا لوحدة فضاء شنغن وللتباين المتزايد بين الحكومات الأوروبية حول ملف الهجرة.
ويأتي هذا التصعيد فوق خلاف أوروبي أوسع بشأن النموذج الإسباني نفسه في التعامل مع الهجرة. ففي الوقت الذي تتجه فيه حكومات أوروبية عديدة نحو تشديد الحدود واللجوء والترحيل، اختارت حكومة بيدرو سانشيز مسارًا مختلفًا يقوم بدرجة أكبر على استيعاب المهاجرين الموجودين داخل البلاد وإدخالهم إلى سوق العمل. وأقرت مدريد في 2026 برنامجًا استثنائيًا لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، تقدم إليه نحو 1.2 مليون شخص، بالتوازي مع توسيع مسارات الإقامة المرتبطة بالعمل والتدريب والاندماج.
ولا تنطلق هذه السياسة من اعتبارات إنسانية فقط، بل من حسابات اقتصادية وديموغرافية واضحة. فإسبانيا، مثل كثير من أوروبا، تواجه شيخوخة سكانية ونقصًا متزايدًا في العمالة، لكن مدريد اختارت التعامل مع الهجرة باعتبارها جزءًا من الحل. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المهاجرين أسهموا في زيادة عرض العمل ودعم قطاعات تعاني نقص العمال، وقدرت مساهمتهم بنحو 0.7 نقطة مئوية سنويًا في نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي بين 2022 و2024. كما بلغت مشاركة المهاجرين في سوق العمل 69.3% في الربع الثالث من 2025، مقارنة بـ57.6% للسكان المحليين.
وتزامن ذلك مع أداء اقتصادي إسباني أقوى من معظم الاقتصادات الأوروبية الكبرى؛ فقد نما الناتج المحلي بنحو 2.8% في 2025، وتتوقع المفوضية الأوروبية استمرار نموه بوتيرة قوية نسبيًا خلال 2026. ولا يمكن إرجاع هذا الأداء إلى الهجرة وحدها، إذ أسهمت السياحة والاستثمار والطلب الداخلي وأموال التعافي الأوروبية أيضًا، إلا أن المؤسسات الاقتصادية الأوروبية نفسها تقر بأن تدفقات المهاجرين ساعدت في توسيع قوة العمل وتخفيف الاختناقات الديموغرافية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من حدة الانتقادات الأوروبية لسانشيز. فالأزمة لا تدور فقط حول قدرة إسبانيا على حماية حدود سبتة، بل حول نموذجين متعارضين للهجرة داخل أوروبا: نموذج يتجه نحو الإغلاق والتشديد والحد من الهجرة، ونموذج إسباني يرى أن الاقتصاد يحتاج إلى مهاجرين جدد لتعويض تراجع السكان في سن العمل. وقد جعلت أزمة سبتة هذا الخلاف النظري قضية أمنية مباشرة، ومنحت خصوم سانشيز فرصة للقول إن سياسة التسوية والاستيعاب تعمل كعامل جذب للمهاجرين، وهو اتهام ترفضه مدريد.
لكن من المهم عدم اختزال رد الفعل الأوروبي في البعد الاقتصادي وحده. فإيطاليا والقوى المحافظة ترى أن أي تسوية واسعة للأوضاع داخل دولة عضو قد تكون لها آثار على بقية فضاء شنغن مستقبلًا، حتى لو كان الوافدون إلى سبتة غير قادرين تلقائيًا على الانتقال إلى البر الإسباني أو بقية الاتحاد. وتؤكد مدريد أن الدخول غير النظامي إلى سبتة لا يمنح حق الإقامة أو التنقل إلى أوروبا، وأن المدينة تخضع لترتيبات حدودية خاصة.
وبذلك، كشفت أزمة سبتة عن صراع أوروبي يتجاوز المهاجرين الذين وصلوا إليها: هل تعالج أوروبا شيخوختها ونقص العمالة عبر دمج مزيد من المهاجرين، كما تفعل إسبانيا، أم عبر تشديد الحدود وتقليص الهجرة، كما تطالب حكومات أوروبية أخرى؟ ومن هذه الزاوية، وفرت الأزمة فرصة سياسية لخصوم النموذج الإسباني للضغط على حكومة سانشيز وإظهار سياستها باعتبارها خطرًا أوروبيًا مشتركًا، حتى وإن كانت نتائجها الاقتصادية حتى الآن أكثر تعقيدًا من هذه الصورة.
العامل الإسرائيلي والأميركي
تزداد الشكوك لأن الأزمة وقعت أيضًا في وقت تمر فيه إسبانيا بعلاقات متوترة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فقد تحولت حكومة سانشيز إلى واحدة من أشد الحكومات الأوروبية انتقادًا للعمليات الإسرائيلية، وطالبت بتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، كما عارضت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وأعادت فتح سفارتها في طهران. وأثارت هذه المواقف ردودًا غاضبة وتهديدات أميركية بعواقب سياسية واقتصادية.
في المقابل، عمق المغرب خلال السنوات الأخيرة علاقاته العسكرية والسياسية مع إسرائيل، كما حافظ على شراكة استراتيجية وثيقة مع واشنطن. وتمنح هذه البيئة الرباط وزنًا إضافيًا في حسابات إقليمية تشمل الصحراء الغربية والأمن البحري والهجرة والتجارة.
لكن الربط بين هذه المصالح وبين تنظيم أحداث سبتة يظل غير مثبت. الممكن قوله هو أن الأزمة خدمت موضوعيًا عدة أطراف تعارض سياسات سانشيز، لأنها أضعفت حكومته داخليًا، وعززت خطاب اليمين الأوروبي، ووضعت إسبانيا في مواجهة مع شركائها داخل الاتحاد. أما القول إن واشنطن أو تل أبيب خططتا لها، فيتطلب معلومات استخباراتية أو وثائق لا توجد في المجال العام.
من استفاد سياسيًا؟
حتى من دون افتراض وجود مخطط مركزي، فإن نتائج الأزمة جاءت واضحة:
- أولًا، تعرض سانشيز لضغط داخلي وأوروبي حاد، وربط خصومه بين موجة العبور وسياسة حكومته في تسوية أوضاع المهاجرين.
- ثانيًا، أعادت الأزمة تقديم المغرب بوصفه شريكًا لا غنى عنه للاتحاد الأوروبي في ضبط الحدود، وأظهرت مدى اعتماد إسبانيا على التعاون الأمني المغربي.
- ثالثًا، استفاد اليمين الأوروبي من صور الحشود لتغذية خطاب «الغزو» وفرض قيود أشد، رغم أن الوافدين ظلوا محصورين إلى حد كبير داخل سبتة.
- رابعًا، تراجع الاهتمام بالأسباب الاجتماعية التي دفعت آلاف الشباب إلى المخاطرة، مثل البطالة والفوارق الاقتصادية وانسداد طرق الهجرة القانونية، لصالح الروايات الأمنية ونظريات المؤامرة.
وقد حذرت تحليلات أوروبية من أن الأزمة أظهرت قابلية الهجرة للتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي، كما كشفت هشاشة التضامن الأوروبي مع إسبانيا وسهولة توظيف الأزمة في الصراعات الحزبية.
هل لمضيق جبل طارق علاقة بالأزمة؟
يكتسب موقع سبتة حساسية خاصة لقربه من مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وعلى الضفة الجنوبية يملك المغرب ميناء طنجة المتوسط، بينما تتحكم إسبانيا وبريطانيا في مواقع استراتيجية على الضفة الشمالية.
وقد أثار تصاعد التعاون المغربي الإسرائيلي تكهنات بأن إسرائيل تسعى إلى تعزيز حضورها اللوجستي والاستخباراتي عند مدخل المتوسط، خصوصًا بعد اضطراب خطوط الشحن في البحر الأحمر ورفض إسبانيا استقبال بعض السفن المرتبطة بشحنات عسكرية متجهة إلى إسرائيل.
هذه المصالح حقيقية وتمنح الأزمة خلفية استراتيجية أوسع، لكنها لا تعني وجود خطة للسيطرة على المضيق. فالممر يخضع لقواعد الملاحة الدولية وتشرف عليه دول متعددة وتستخدمه قوات حلف شمال الأطلسي، ولا تستطيع دولة واحدة التحكم فيه بصورة منفردة.
القراءة الأرجح
الأقرب أن أزمة سبتة نتجت عن تفاعل ثلاثة مستويات في وقت واحد:
- المستوى الأول اجتماعي وإنساني، ويتمثل في آلاف الشباب الذين تحركوا بدافع الفقر والإحباط والأمل في الوصول إلى حياة أفضل.
- المستوى الثاني رقمي وأمني، ويتمثل في التضليل الواسع، ومجموعات التنسيق عبر الإنترنت، والانهيار المؤقت في منظومة السيطرة على الحدود.
- أما المستوى الثالث فهو سياسي واستراتيجي، ويتمثل في توقيت الأزمة بعد زيارة سانشيز للجزائر، والتوتر الإسباني مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسابقة توظيف الحدود في الأزمات المغربية الإسبانية، والسياسات الأوروبية تجاه استيعاب الهجرة.
لا توجد حتى الآن أدلة تكفي للجزم بأن موجة العبور كانت عملية مدبرة من دولة بعينها. لكن من الصعب أيضًا فصلها بالكامل عن البيئة السياسية التي أحاطت بها أو تجاهل احتمال أن تكون جهات ما قد استثمرت في الشائعة، أو تركتها تتوسع، أو ضختها رقميًا لتحقيق أهداف سياسية.
وبذلك، فإن الرواية الأكثر توازنًا ليست اعتبار ما حدث مؤامرة مكتملة، ولا اختزاله في اندفاع عفوي بحت. الأرجح أنه انفجار اجتماعي حقيقي أشعلته معلومات مضللة، ثم وجد طريقه داخل شبكة من المصالح والصراعات الإقليمية، فاستفادت منه أطراف متعددة حتى لو لم تكن هي التي أطلقته. (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)
ضغوط أميركية غير مسبوقة على بغداد لنزع سلاح الفصائل.. هل يقترب العراق من مواجهة داخلية؟
تواجه الحكومة العراقية ضغوطًا متزايدة من الولايات المتحدة وحلفائها لاتخاذ خطوات حاسمة تجاه الفصائل المسلحة الموالية لإيران، في وقت تتحدث فيه تقارير عن مهلة غير معلنة تمتد حتى نهاية سبتمبر/أيلول لإنجاز خطة تقضي بحصر السلاح بيد الدولة، وسط مخاوف من أن يؤدي أي فشل إلى تصعيد عسكري جديد داخل العراق.
وتأتي هذه الضغوط بعد أسابيع من الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وأهدافًا سعودية، واتهمت واشنطن فصائل عراقية مرتبطة بإيران بالوقوف خلفها، قبل أن تشن الولايات المتحدة والسعودية سلسلة ضربات ضد مواقع تابعة للحشد الشعبي في غرب العراق، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من عناصره. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن بغداد تلقت رسائل واضحة بضرورة منع استخدام الأراضي العراقية في أي عمليات إقليمية. (AP News)
تحدٍ يهدد سلطة الدولة
ورغم إعلان الحكومة العراقية مرارًا أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، فإن تنفيذ هذا الهدف يواجه تعقيدات كبيرة، إذ تمتلك بعض الفصائل ترسانة عسكرية واسعة ونفوذًا سياسيًا واقتصاديًا يجعل أي محاولة لنزع سلاحها محفوفة بالمخاطر.
ويرى محللون أن رئيس الوزراء العراقي يسعى إلى تجنب الصدام المباشر، عبر دمج بعض الفصائل تدريجيًا داخل المؤسسات الرسمية، مع فرض رقابة أكبر على تحركاتها وتمويلها. لكن هذا المسار يصطدم برفض جماعات تعتبر نفسها جزءًا من “محور المقاومة”، وترفض التخلي عن سلاحها طالما استمر الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
العراق بين واشنطن وطهران
تكمن صعوبة الموقف في أن العراق يجد نفسه مجددًا بين ضغوط متعارضة؛ فمن جهة تحتاج بغداد إلى استمرار التعاون الأمني والاقتصادي مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع إيران التي تتمتع بنفوذ واسع داخل عدد من الفصائل.
ويحذر خبراء من أن أي مواجهة مباشرة مع تلك الجماعات قد تدفع البلاد إلى اضطرابات داخلية جديدة، بينما قد يؤدي التراخي إلى فرض عقوبات أميركية أو تنفيذ ضربات إضافية ضد أهداف داخل العراق.
ويبدو أن الحكومة العراقية تحاول كسب الوقت عبر الحوار مع قادة الفصائل، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش على الحدود السورية لمنع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل العراقي.
السيادة لم تعد علمًا وحدودًا: نموذج جديد يقيس قدرة الدول على اتخاذ القرار بعيدًا عن الإكراه الخارجي
تقترح دراسة للباحث في العلاقات الدولية د. وليد عبد الحي، صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، نموذجًا كميًا لقياس ما تسميه «مؤشر السيادة والاستقلال الاستراتيجي»؛ أي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الجوهرية ومتابعة مصالحها من دون أن تضطر إلى تغيير خياراتها تحت ضغط دولة أخرى أو جهة خارجية.
تنطلق الدراسة من أن الاعتراف القانوني بالدولة لم يعد كافيًا للحكم بأنها مستقلة فعليًا. فالدولة قد تمتلك علمًا وحدودًا ومقعدًا في الأمم المتحدة، لكنها تعتمد في غذائها أو تسليحها أو تقنياتها أو تمويلها على الخارج إلى درجة تجعل خياراتها السياسية مقيدة. كما أن تشابك التجارة والتمويل والتكنولوجيا والمنظمات الدولية والشركات العابرة للحدود زاد من وزن العوامل الخارجية في صنع القرار الوطني.
خمسة أبعاد تحدد الاستقلال الفعلي للدولة
يبني الباحث نموذجه على خمسة مؤشرات مركزية، موزعة على 25 مؤشرًا فرعيًا. ويحصل البعدان الاقتصادي والعسكري–الأمني على الوزن الأكبر، بنسبة 30% لكل منهما، بينما يحصل كل من البعدين المجتمعي–الشرعي والتكنولوجي على 15%، ويخصص 10% للسلوك السياسي والدبلوماسي.
الاستقلال الاقتصادي
لا يقيس النموذج حجم الاقتصاد فقط، بل يسأل عن درجة تعرضه للضغط الخارجي. وتشمل المؤشرات: حجم التجارة مع الشريك الأكبر، ونسبة الدين الخارجي، والاعتماد على المساعدات، والواردات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة والدواء، وتنوع الشركاء، والقدرة على تحمل العقوبات، وتوافر سلاسل توريد محلية، وحجم الاحتياطي النقدي القادر على تغطية الواردات.
الدلالة الأساسية هنا أن الدولة الغنية قد لا تكون مستقلة إذا كان اقتصادها أحاديًا أو مرتبطًا بسوق أو مورد واحد. وفي المقابل، قد تمتلك دولة أصغر مساحة قرار أوسع إذا نوعت تجارتها واحتياطياتها ومصادر طاقتها وسلاسل إمدادها.
الاستقلال العسكري والأمني
يتضمن هذا البعد نسبة الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، ووجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، والقدرة على تنفيذ عمليات عسكرية منفردة، ومدى سيطرة الحكومة على كامل أراضيها، ونسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي.
ويعني ذلك أن كثرة الأسلحة ليست دليلًا كافيًا على السيادة. فقد تمتلك دولة ترسانة متقدمة، لكنها تبقى معتمدة على قطع الغيار والذخائر والاستخبارات والصيانة والبرمجيات التي يتحكم فيها مورد خارجي.
الاستقلال المجتمعي والشرعية الداخلية
يربط النموذج بين القدرة الخارجية للدولة وتماسكها الداخلي، من خلال الاستقرار السياسي، وإدارة التنوع الثقافي، وانتشار الهوية الوطنية، وإمكان التداول السلمي للسلطة. ويفترض أن الدولة المنقسمة داخليًا أكثر عرضة للاستقطاب والتدخل والإكراه الخارجي.
السلوك السياسي والدبلوماسي
يقيس هذا المحور مدى توافق تصويت الدولة بصورة متكررة مع قوة عظمى، وتعرضها للعقوبات، ودرجة اندماجها في العولمة، واستقلال نخبها السياسية عن القوى الخارجية. ولا يعد التوافق مع دولة كبرى دليل تبعية تلقائيًا؛ فالمهم هو معرفة إن كان الموقف نابعًا من مصلحة وطنية مستقلة أم من الخوف أو الاعتماد أو الإكراه.
السيادة التكنولوجية
تشمل الإنفاق على البحث العلمي، وبراءات الاختراع، والاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، والقدرات السيبرانية المحلية. وهنا تقدم الدراسة مفهومًا بالغ الصلة بعصر الذكاء الاصطناعي: الدولة التي لا تملك المعرفة والبنية الرقمية لا تستطيع حماية قرارها، حتى لو امتلكت مؤسسات سياسية مستقلة شكليًا.
كيف يُحسب المؤشر؟
اعتمد الباحث على مراجعة نماذج سابقة، ثم استخدم تقنية دلفي للحصول على تقديرات خبراء بشأن الأوزان. وتوضح الدراسة أن استمارة المؤشرات أرسلت إلى ثلاثين أكاديميًا أو باحثًا، وخضعت لخمس مراحل من المراجعة للوصول إلى الأوزان النهائية.
ويُجمع أداء الدولة في المؤشرات الفرعية وفق أوزانها لإنتاج نتيجة كلية. لكن اتجاه المقياس معكوس نسبيًا: ارتفاع النتيجة يعني ارتفاع أثر عوامل التبعية، ولذلك يصنف النموذج النتائج بين سيادة محدودة عند 70–100، ومتوسطة عند 40–69، ومرتفعة عندما تقل النتيجة عن 40 (وبالتالي يمكن أن يكون هذا المؤشر مؤشرًا للتبعية).
السيادة ليست عزلة
تؤكد الدراسة أن الاعتماد المتبادل أو العضوية في المنظمات الدولية أو توقيع الاتفاقيات لا يعني بالضرورة فقدان السيادة. فالدولة قد تقبل قيودًا بإرادتها عندما ترى أن مكاسب العضوية أو الاتفاق تفوق التكاليف. والتمييز الحاسم هو بين اعتماد متبادل يمكن التفاوض بشأنه وتبعية غير متكافئة تمنح الطرف الآخر قدرة على الإكراه.
وتضيف الدراسة أن القياس يجب ألا يكون جامدًا؛ فأهمية الطاقة ترتفع زمن الحروب، وأهمية الغذاء ترتفع خلال الأزمات، كما تتغير قيمة الموقع الجغرافي والموارد والقواعد العسكرية تبعًا لتحولات النظام الدولي. لذلك يقترح الباحث استخدام معاملات ترجيح متغيرة وسلاسل زمنية لرصد اتجاه الدولة نحو مزيد من الاستقلال أو التبعية.
الأمن: للدولة أم للنظام أم للمجتمع؟
تربط الورقة السيادة بثلاثة مستويات من الأمن: أمن الدولة وحدودها ومواردها، وأمن المجتمع وحقوق أفراده ورفاههم، وأمن النظام السياسي وبقاء النخبة الحاكمة.
وتقدم قراءة تفسيرية للشرق الأوسط ترى أن إسرائيل تمنح الأولوية لأمن الدولة، بينما تميل أنظمة عربية إلى تقديم أمن النظام وبقائه على أمن الدولة والمجتمع، في حين تركز الولايات المتحدة والصين بدرجة أكبر على مصالح مجتمعهما الاقتصادية، وتنظر أوروبا إلى الشرق الأوسط من زاوية مزدوجة تشمل أمنها الداخلي والهجرة والتجارة والجوار الجغرافي.
وتخلص الدراسة إلى أن الدول التي تجعل بقاء النظام أولويتها العليا تكون أكثر عرضة للتبعية والفشل، بينما تتمتع الدول التي تقدم أمن المجتمع بقدرة أكبر على التكيف والتطور
تقرير: إسرائيل أنفقت أكثر من مليار دولار لتعزيز نفوذها في الغرب وسط تراجع التأييد الشعبي
كشف تقرير صادر عن معهد كوينسي (Quincy Institute for Responsible Statecraft) عن تحول كبير في استراتيجية إسرائيل للتأثير داخل الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية أنفقت أكثر من مليار دولار منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على أنشطة الدبلوماسية العامة وحملات التأثير الإعلامي والسياسي، في محاولة لاحتواء التراجع المتزايد في الدعم الشعبي الأميركي لسياساتها، خصوصًا بعد الحرب في قطاع غزة.
وتحمل الدراسة، التي أعدها الباحث نيك كليفلاند-ستاوت بعنوان “الجبهة الثامنة: داخل حملة النفوذ الإسرائيلية البالغة مليار دولار”، وصفًا لما تعتبره إسرائيل “الجبهة الثامنة”، في إشارة إلى معركة التأثير على الرأي العام الغربي، ولا سيما في الولايات المتحدة، إلى جانب الجبهات العسكرية التقليدية.
وبحسب التقرير، انتقلت الحكومة الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة من الاعتماد بصورة رئيسية على جماعات الضغط الأميركية التقليدية، مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، إلى بناء شبكة مباشرة من الشركات والمتعاقدين المسجلين كوكلاء أجانب بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي (FARA)، تتولى تنفيذ حملات إعلامية وإعلانية وسياسية ممولة من الحكومة الإسرائيلية.
ويشير التقرير إلى أن الاستراتيجية الجديدة ركزت بصورة خاصة على التيار المسيحي الإنجيلي داخل الولايات المتحدة، والذي يُعد من أكثر قواعد الدعم التقليدية لإسرائيل. ويقول الباحث إن تل أبيب رأت مؤشرات على تراجع التأييد حتى داخل الأوساط المحافظة، ما دفعها إلى توجيه جزء كبير من الإنفاق نحو الحفاظ على هذا التأييد واستعادته.
ووفقًا للدراسة، تعاقدت وزارة الخارجية الإسرائيلية مع شركة Show Faith by Works مقابل 3.2 ملايين دولار لتنفيذ حملات تستهدف الإنجيليين الأميركيين، تضمنت خططًا لاستخدام الإعلانات الرقمية الموجهة حول الكنائس الكبرى، والاستعانة بقساوسة ومؤثرين وشخصيات عامة لإنتاج محتوى يربط إسرائيل الحديثة بالرواية التوراتية.
كما يذكر التقرير أن الوزارة موّلت في ديسمبر/كانون الأول 2025 زيارة ضمت نحو 1000 قس ومؤثر مسيحي إلى إسرائيل، تلقوا خلالها لقاءات مع مسؤولين وإحاطات أمنية وعسكرية، بينما قال أحد المشاركين إن البرنامج بدا أقرب إلى “رحلة تلقين” منه إلى زيارة دينية.
ويضيف التقرير أن إسرائيل اعتمدت أيضًا على شركات علاقات عامة وتسويق كبرى، من بينها Havas Media، التي أدارت توزيع الحملات على شركات متخصصة تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع الأميركي، بما في ذلك المحافظون والشباب والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن بين العقود التي سلط التقرير الضوء عليها اتفاق مع شركة Clock Tower X، التي يقودها براد بارسكيل، المدير السابق لحملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بقيمة قد تصل إلى 46.5 مليون دولار لتنفيذ حملات إعلامية واستراتيجية داخل الولايات المتحدة.
كما يتناول التقرير محاولات للتأثير في نتائج أنظمة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى رعاية مئات الوفود الأجنبية، من بينها وفود ضمت موظفين في الكونغرس وصحفيين ومؤثرين، بهدف تقديم الرواية الإسرائيلية مباشرة إلى صناع القرار والرأي العام.
ورغم ضخامة الإنفاق، يخلص التقرير إلى أن النتائج السياسية جاءت محدودة، إذ تشير استطلاعات الرأي الأميركية إلى استمرار تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، وخاصة بين الشباب والديمقراطيين والمستقلين. ويرى الباحث أن المشكلة لا تتعلق بضعف الحملات الإعلامية بقدر ما ترتبط بالسياسات الإسرائيلية نفسها، معتبرًا أن تحسين أدوات الاتصال لا يكفي لتغيير المواقف إذا بقيت السياسات محل انتقاد واسع.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تعتزم زيادة مخصصات أنشطة “الهسبارا” (الدبلوماسية العامة والترويج للرواية الإسرائيلية)، لتصل إلى نحو 750 مليون دولار خلال عام 2026، في واحدة من أكبر حملات التأثير التي تمولها حكومة أجنبية داخل الولايات المتحدة.
القيادة المركزية الأمريكية تطلق أول قوة مهام مشتركة مع الإمارات لتسريع توظيف الذكاء الاصطناعي عسكريًا
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) إطلاق أول قوة مهام ثنائية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تعكس تنامي الشراكة الدفاعية بين البلدين، وتسعى إلى تسريع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية والأمنية بالمنطقة.
وقالت القيادة المركزية إن القوة الجديدة، التي تحمل اسم Task Force Talon Synapse، ستتخذ من العاصمة الإماراتية أبوظبي مقرًا لها، وستضم نحو 20 خبيرًا أمريكيًا وإماراتيًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، بهدف تطوير حلول تقنية تدعم القدرات العسكرية المشتركة.
وأوضح قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، أن إنشاء القوة يمثل “محطة تاريخية” في التعاون الدفاعي بين واشنطن وأبوظبي، مشيرًا إلى أن المشروع يهدف إلى تسريع إيصال أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى القوات العسكرية، وتعزيز الابتكار في مواجهة التحديات الأمنية المتغيرة.
وأضاف كوبر أن دولة الإمارات أصبحت من أبرز الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة في مجال التقنيات المتقدمة، مؤكدًا أن التعاون الجديد سيتيح تطوير حلول أكثر سرعة وكفاءة لدعم العمليات العسكرية في منطقة مسؤولية القيادة المركزية.
وجاء الإعلان بعد سلسلة من الاجتماعات التي عقدها الأدميرال كوبر مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، إضافة إلى مسؤولين في وزارتي الدفاع والذكاء الاصطناعي الإماراتيتين، حيث ناقش الجانبان خلال الأشهر الماضية آليات توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا العسكرية والأنظمة الذكية.
ووفقًا للقيادة المركزية، ستركز قوة المهام الجديدة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات، من بينها تحليل المعلومات الاستخباراتية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحسين الوعي الميداني، ومراقبة البيئة الأمنية الإقليمية، بما يسهم في رفع سرعة اتخاذ القرار ودعم العمليات المشتركة.
ويرى مراقبون أن المشروع يعكس التوجه المتسارع لدى الجيوش الكبرى نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف المهام العسكرية، بدءًا من تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتهديدات، وصولًا إلى دعم أنظمة القيادة والسيطرة والعمليات اللوجستية، في ظل احتدام المنافسة العالمية على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما يأتي الإعلان في وقت توسع فيه الولايات المتحدة تعاونها مع حلفائها الإقليميين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، ومواكبة التطور السريع في استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية.
الجيش السوداني يعزز تقدمه في شمال كردفان ويعيد رسم خريطة العمليات غرب البلاد
حقق الجيش السوداني تقدماً ميدانياً جديداً في ولاية شمال كردفان، بعد إعلانه بسط السيطرة على مدينة بارا وعدد من المناطق المحيطة بها، في خطوة ينظر إليها مراقبون باعتبارها من أبرز التحولات العسكرية في الإقليم منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.
وبحسب مصادر عسكرية ومسؤولين سودانيين، شملت العمليات السيطرة على بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، إلى جانب مناطق أخرى، عقب معارك مع قوات الدعم السريع. وتعد هذه المناطق ذات أهمية استراتيجية لوقوعها على محاور تربط العاصمة أم درمان بمدينة الأبيض وإقليم دارفور، ما يمنح القوات المسيطرة عليها قدرة أكبر على التحكم في طرق الحركة والإمداد بين وسط وغرب السودان.
ويرى محللون عسكريون أن أهمية هذه التطورات لا تقتصر على استعادة مدن بعينها، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المشهد العملياتي في شمال كردفان، إذ تمثل بارا نقطة ارتكاز رئيسية على طريق الصادرات الذي يربط الأبيض بأم درمان، بينما تشكل جبرة الشيخ عقدة اتصال باتجاه شرق دارفور، وهو ما قد يؤثر على خطوط الإمداد التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع خلال الفترة الماضية.
كما يُتوقع أن يسهم هذا التقدم في تعزيز تأمين مدينة الأبيض، التي تعرضت خلال الأشهر الماضية لضغوط عسكرية من عدة محاور، إذ يتيح فتح الطريق البري بين الأبيض والعاصمة تحسين حركة الإمدادات العسكرية والمدنية، وتقليص مخاطر الحصار الذي واجهته المدينة في مراحل سابقة من القتال.
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن خسارة هذه المناطق قد تحد من قدرة قوات الدعم السريع على المناورة في شمال كردفان، خاصة مع فقدان عدد من نقاط التجمع والانطلاق التي استخدمتها سابقاً لدعم عملياتها في الإقليم. غير أن خبراء عسكريين يؤكدون أن الحفاظ على هذه المكاسب سيظل مرهوناً بقدرة الجيش على تأمين المناطق المستعادة والتصدي لأي هجمات مضادة قد تستهدف استعادة مواقع استراتيجية أو تعطيل خطوط الإمداد الجديدة.
ويعتقد مراقبون أن نجاح الجيش في تثبيت سيطرته على هذا المحور قد يمهد لمرحلة جديدة من العمليات العسكرية باتجاه غرب كردفان وتخوم إقليم دارفور، حيث تتركز أهمية المعارك المقبلة على السيطرة على شبكات الطرق ومحاور الإمداد أكثر من السيطرة على المدن نفسها.
سياسياً، قد يمنح هذا التقدم الحكومة السودانية زخماً إضافياً في أي تحركات دبلوماسية أو مسارات تفاوضية مستقبلية، إذ غالباً ما ينعكس ميزان القوى الميداني على مواقف الأطراف في أي جهود للتوصل إلى تسوية للنزاع، بينما يبقى مسار الحرب مرهوناً بالتطورات العسكرية على الأرض وإمكانية تثبيت المكاسب الأخيرة..
وزير الدفاع الإسرائيلي يهاجم تركيا وإيران ويتباهى بعمليات الجيش في غزة ولبنان
أدلى وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بسلسلة من التصريحات المثيرة للجدل خلال مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، تناول فيها ملفات إقليمية عدة، بينها العلاقات مع تركيا، والحرب في غزة، والمواجهة مع إيران، والدور الأميركي في المنطقة.
واتهم كاتس ما وصفه بـ”محور الإخوان المسلمين” بأنه يشكل تهديدًا متزايدًا لإسرائيل، معتبراً أن تركيا وقطر تمثلان جزءًا من هذا المحور. كما زعم أن جماعة الإخوان المسلمين لا تستهدف إسرائيل فقط، بل تعمل أيضًا على تقويض الأنظمة السياسية في مصر والأردن، في إشارة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
وفي حديثه عن تركيا، وجّه وزير الدفاع الإسرائيلي تحذيرات مباشرة للرئيس رجب طيب أردوغان، قائلاً إن إسرائيل لن تسمح لتركيا بتعزيز نفوذها العسكري في سوريا بما يضر بالمصالح الإسرائيلية. وأضاف أن تل أبيب لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع أنقرة، لكنها “تعرف كيف تدافع عن مصالحها” إذا اقتضى الأمر.
وتضمنت المقابلة تصريحات حادة تجاه الرئيس التركي، إذ قال كاتس إن على أردوغان “ألا يحاول استفزاز إسرائيل”، مضيفًا أن إسرائيل “ليست خائفة”، وأن عليها الدفاع عن مصالحها كما فعلت في ساحات أخرى. كما استخدم تعبيرات تاريخية وسياسية حول القدس والإمبراطورية العثمانية أثارت اهتمام المتابعين.
وفي الملف الإيراني، كشف كاتس أن إسرائيل كانت ترغب في استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، لكنه قال إن الولايات المتحدة لم تؤيد هذا الخيار خشية اندلاع أزمة عالمية في أسواق النفط إذا ردت طهران باستهداف دول مجاورة. وأضاف أن التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب مستمر، مشيرًا إلى أن الطائرات الأميركية أقلعت من إسرائيل خلال العمليات العسكرية ضد إيران، وأن السلطات الإيرانية كانت على علم بذلك، بحسب قوله.
كما تحدث عن التهديدات الأمنية التي تواجه القيادة الإسرائيلية، مؤكدًا أن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) يعمل على إحباط ما وصفه بتهديدات إيرانية تستهدف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعددًا من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين.
وفي ما يتعلق بالحرب في قطاع غزة، قال كاتس إن الجيش الإسرائيلي ألحق دمارًا واسعًا بالبنية التحتية فوق الأرض وتحتها، مشيرًا إلى أن نحو 70% من القطاع تعرض للتدمير، وفق تقديره. وأضاف أن أحياء مثل الشجاعية ومخيم جباليا شهدت عمليات عسكرية واسعة، واصفًا حجم الدمار بأنه غير مسبوق.
كما تطرق إلى العمليات العسكرية في جنوب لبنان، قائلاً إن الجيش الإسرائيلي دمّر عشرات القرى الحدودية، وإن ما بين 15 ألفًا و20 ألف منزل دُمّر خلال العمليات، معتبرًا أن ذلك جاء في إطار إزالة ما وصفه بالبنية العسكرية المعادية على الحدود الشمالية.
واختتم وزير الدفاع الإسرائيلي تصريحاته بالإشادة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنه نجح في تعزيز التعاون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن التعامل مع إيران، واصفًا هذا التنسيق بأنه خطوة استراتيجية لمنع هجوم محتمل ضد إسرائيل.
ولم يصدر حتى الآن رد رسمي من الحكومتين التركية أو القطرية على التصريحات المتعلقة بهما، كما لم تعلق القاهرة أو عمّان على الاتهامات التي وردت في المقابلة. كذلك لم تؤكد الولايات المتحدة بصورة مستقلة بعض الادعاءات التي أوردها كاتس بشأن العمليات العسكرية أو طبيعة التنسيق مع واشنطن.
متابعات إفريقية
النيجر تبدأ إجراءات لسحب وثائق الجنسية من عرب المحاميد وسط مخاوف من ترحيلهم إلى تشاد
بدأت السلطات في النيجر تنفيذ إجراءات لسحب وثائق الهوية والجنسية من أفراد قبيلة المحاميد العربية في المناطق الشرقية من البلاد، في خطوة أثارت مخاوف من احتمال ترحيلهم إلى تشاد، بينما رفض ممثلو القبيلة تسليم الوثائق، مطالبين بإجراء حوار مباشر مع الحكومة في نيامي لحل الأزمة.
وبحسب مصادر نقلت عنها سكاي نيوز عربية، شرعت السلطات المحلية في جمع بطاقات الهوية ووثائق الجنسية من أبناء القبيلة، ضمن إجراءات تقول الحكومة إنها تتعلق بمراجعة الأوضاع القانونية لبعض السكان في المناطق الحدودية. إلا أن ممثلين عن المحاميد يعتبرون الخطوة تمهيدًا لعملية ترحيل جماعي، وهو ما دفعهم إلى رفض تسليم الوثائق والدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع السلطات المركزية.
وأفادت المصادر بأن قبيلة المحاميد، المنتشرة في مناطق من النيجر وتشاد والسودان وليبيا، تتمسك بحق أفرادها في الاحتفاظ بالجنسية النيجرية، مؤكدة أن كثيرًا منهم يقيمون في البلاد منذ عقود ويمارسون أنشطتهم التجارية والرعوية بصورة طبيعية، ويرفضون أي إجراءات قد تؤدي إلى اعتبارهم أجانب أو تجريدهم من حقوقهم القانونية.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع أمنية معقدة تشهدها منطقة الساحل، حيث كثفت السلطات في النيجر خلال الأشهر الماضية إجراءاتها المتعلقة بالحدود والسكان في المناطق الشرقية، في إطار مساعيها لتعزيز الرقابة الأمنية ومواجهة التحديات المرتبطة بحركة الجماعات المسلحة والتهريب عبر الحدود.
ولم تصدر الحكومة النيجرية، حتى الآن، بيانًا رسميًا يوضح تفاصيل الإجراءات أو يؤكد وجود خطة لترحيل أفراد من قبيلة المحاميد إلى تشاد، كما لم يصدر تعليق رسمي من السلطات التشادية بشأن ما أوردته التقارير الإعلامية حول احتمال استقبال المرحلين.
ويرى مراقبون أن أي خطوة تمس أوضاع القبائل العابرة للحدود في منطقة الساحل قد تحمل أبعادًا إنسانية وأمنية معقدة، نظرًا لامتداد الروابط القبلية بين عدة دول، ولارتباط حياة كثير من السكان بالتنقل الموسمي والرعي والتجارة عبر الحدود.
متابعات دولية
احتجاجات «الصراصير» تهزّ الهند.. جيل الشباب يحوّل الإهانة إلى حركة سياسية واسعة
تحولت كلمة «الصراصير»، التي استُخدمت في الأصل لوصف فئات من الشباب الهندي العاطل عن العمل، إلى شعار لحركة احتجاجية واسعة نجحت في إحراج حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وفرضت ملفي التعليم والبطالة في صدارة النقاش السياسي داخل البلاد.
وانطلقت الاحتجاجات على خلفية تسريب أوراق امتحانات قبول وطنية، بينها امتحانات مرتبطة بالالتحاق بكليات الطب، وسط اتهامات بانتشار الفساد وضعف الرقابة على منظومة الاختبارات. وتجمع آلاف الطلاب والشباب في العاصمة نيودلهي، مطالبين باستقالة وزير التعليم وإجراء إصلاح شامل يضمن نزاهة الامتحانات ومحاسبة المسؤولين عن عمليات التسريب.
وتصاعدت الحركة بعد تصريحات مثيرة للغضب نُسبت إلى مسؤول قضائي بارز، شبّه فيها قطاعات من الشباب العاطل عن العمل بـ«الصراصير». وبدلاً من رفض الوصف فقط، تبناه المحتجون بصورة ساخرة، وأطلقوا على حركتهم اسم «حزب الصراصير الشعبي»، ليصبح المصطلح رمزاً لقدرة الشباب على الصمود والانتشار ومواجهة محاولات التقليل من شأن مطالبهم.
واعتمدت الحركة بصورة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي والمقاطع الساخرة والصور المولدة رقمياً، ما ساعدها على الوصول إلى ملايين المستخدمين، خصوصاً بين أبناء الجيل الجديد. ولم تقتصر منشورات المحتجين على قضية تسريب الامتحانات، بل امتدت إلى انتقاد البطالة، وانعدام تكافؤ الفرص، وضعف الشفافية داخل المؤسسات الحكومية.
وشهدت نيودلهي مظاهرات حاشدة ومحاولات للتقدم باتجاه مؤسسات حكومية، قابلتها قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، وفق تقارير إعلامية. كما نظم بعض المشاركين إضرابات عن الطعام، بينما تحدى عشرات الآلاف القيود التي فرضتها الشرطة على التجمعات، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشبابي المناهضة للحكومة خلال السنوات الأخيرة.
وأثمر الضغط الشعبي استقالة وزير التعليم وتعهداً حكومياً بمراجعة منظومة الامتحانات وتشديد العقوبات المرتبطة بتسريب الأسئلة. وأظهرت هذه الاستجابة حجم التأثير الذي حققته الحركة، في وقت اعتادت فيه حكومة مودي إظهار قدر محدود من التراجع أمام الاحتجاجات الشعبية.
و قالت الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي روي إن الاحتجاجات الشبابية التي قادتها حركة «حزب الصراصير الشعبي» أحدثت شرخاً واضحاً في الصورة السياسية التي بناها رئيس الوزراء ناريندرا مودي على مدى أكثر من عقدين، معتبرة أن الحركة نجحت، خلال فترة قصيرة، في إعادة الاعتبار للاحتجاج الشعبي غير المسلح داخل الهند.
وجاءت تصريحات روي في مقابلة تناولت فيها صعود الحركة الشبابية التي بدأت احتجاجاً على تسريب أوراق الامتحانات وأزمة منظومة التعليم، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل البطالة والفساد وغياب المساءلة وتراجع فرص الشباب.
وأكدت روي أن أهمية الحركة لا تكمن فقط في عدد المشاركين في التظاهرات، وإنما في قدرتها على كسر حاجز الخوف والسخرية من السلطة باستخدام الرسوم الساخرة والمقاطع القصيرة والمحتوى الرقمي. ووصفت ما جرى بأنه شكل من أشكال «الديمقراطية غير المسلحة والخطيرة»، في إشارة إلى قدرة المحتجين على إرباك الحكومة دون امتلاك تنظيم حزبي تقليدي أو أدوات قوة مادية.
وشهدت العاصمة نيودلهي اعتصامات وتظاهرات استمرت لأسابيع، شارك فيها طلاب وشبان من خلفيات اجتماعية مختلفة. كما انضمت روي إلى عدد من الفعاليات التضامنية مع المحتجين، الذين طالبوا بمحاسبة المسؤولين عن تسريب الامتحانات وإصلاح النظام التعليمي وتوفير فرص عمل أكثر عدالة.
وبعد أن تمكنت الحركة من تحقيق أول انتصار سياسي بارز لها بعد استقالة وزير التعليم، في خطوة اعتُبرت تنازلاً نادراً من حكومة مودي أمام ضغط الشارع، وبعد أن أعلنت الحكومة مراجعة منظومة الامتحانات واتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمواجهة تسريب الأسئلة، رأت روي أن رد فعل الحكومة أظهر أن الاحتجاجات أصابت واحدة من أكثر النقاط حساسية لدى الحزب الحاكم، وهي صورته أمام الشباب. وقالت إن الحكومة التي اعتمدت لسنوات على خطاب القوة والاستقرار وجدت نفسها في مواجهة جيل يستخدم الفكاهة والإنترنت لرفض الرواية الرسمية وتقويض هيبة السلطة.
ويقود الحركة الناشط الشاب أبهيجيت ديبكي، الذي برز بوصفه أحد أبرز وجوهها، لكنه يؤكد أن هدفها الحالي ليس التحول المباشر إلى حزب يخوض الانتخابات، وإنما بناء حركة ضغط مستقلة تركز على مساءلة المؤسسات والدفاع عن مصالح الشباب.
ورغم ابتعادها المعلن عن الأحزاب التقليدية، بدأت آثار الحركة تظهر في الساحة الانتخابية، بعدما مني حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بخسارة في انتخابات فرعية بدائرة كان يسيطر عليها منذ عقود. ويرى مراقبون أن الاحتجاجات كشفت تراجعاً محتملاً في تأييد الحكومة بين الناخبين الشباب، وقد تتحول إلى عامل مؤثر في الانتخابات العامة المقررة عام 2029 إذا نجحت الحركة في الحفاظ على زخمها وتنظيمها. غير أن الحركة تؤكد حتى الآن أنها لا تسعى إلى التحول فوراً إلى حزب انتخابي، بل تريد الاحتفاظ بدورها كقوة ضغط اجتماعية مستقلة.
ويثير هذا التوجه تساؤلات بشأن مستقبل الاحتجاجات وقدرتها على الاستمرار حتى الانتخابات العامة المقررة عام 2029. ففي حال نجحت الحركة في بناء تنظيم أوسع وربط مطالب الطلاب بقضايا العمال والفئات المهمشة، فقد تتحول إلى تحدٍّ سياسي حقيقي للحزب الحاكم.
أما إذا بقيت حركة رقمية مرتبطة بلحظة غضب عابرة، فقد تتراجع مع مرور الوقت. ومع ذلك، ترى روي أن الإنجاز الأهم تحقق بالفعل، إذ أثبت الشباب أن صورة السلطة القوية ليست عصية على التصدع، وأن السخرية والاحتجاج السلمي يمكن أن يتحولا إلى أداة سياسية فعالة في مواجهة واحدة من أكثر الحكومات الهندية إحكاماً للسيطرة.
ضغوط سياسية تحاصر بنك اليابان وسط معركة الين والفائدة.. هل بات استقلاله مهددًا؟
عادت استقلالية بنك اليابان إلى واجهة الجدل الاقتصادي، بعد تصاعد الضغوط السياسية على البنك للتنسيق بصورة أكبر مع حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، في وقت تواجه فيه البلاد ضعفًا حادًا في قيمة الين، وارتفاعًا في التضخم وعوائد السندات الحكومية.
وتفجّر النقاش عقب تشديد تاكايتشي على أن قانون بنك اليابان يلزمه بالحفاظ على اتصال وثيق مع الحكومة، وضمان انسجام سياسته النقدية مع التوجهات الاقتصادية العامة للدولة. غير أن هذه العبارة لا تمثل قرارًا جديدًا، ولا تعني إلغاء استقلال البنك، بل تشير إلى المادة الرابعة من قانون قائم منذ التسعينيات، تنص على تبادل الآراء والتنسيق بين الجانبين. وفي المقابل، يؤكد القانون نفسه استقلال البنك في اتخاذ قرارات السياسة النقدية.
وتزايدت المخاوف بشأن تدخل الحكومة بعدما كشفت تقارير أن تاكايتشي طلبت من محافظ البنك كازو أويدا خلال اجتماع عقد في مايو/أيار زيادة مشتريات السندات الحكومية عند الضرورة، بهدف كبح الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة طويلة الأجل واستقرار الأسواق المالية.
وكان بنك اليابان قد بدأ منذ عام 2024 تقليص مشترياته من السندات ضمن عملية خروج تدريجي من سياسة التحفيز النقدي الاستثنائية، لكنه أبطأ لاحقًا وتيرة التقليص مع ارتفاع العوائد واضطراب الأسواق. ويرى محللون أن مطالبة الحكومة بتوسيع المشتريات قد تزيد الشكوك بشأن قدرة البنك على مقاومة الضغوط السياسية، خصوصًا مع اعتماد اليابان على الاقتراض لتمويل برامج إنفاق واسعة.
ومع ذلك، لا تدعم التطورات الميدانية الادعاءات بأن بنك اليابان أُجبر على إبقاء الفائدة منخفضة بصورة دائمة. فقد رفع البنك سعر الفائدة في يونيو/حزيران 2026 إلى 1%، وهو أعلى مستوى في نحو 31 عامًا، بينما ناقش عدد من أعضاء مجلسه الحاجة إلى زيادات إضافية لمواجهة التضخم وضعف الين.
كما أبقى البنك الباب مفتوحًا أمام رفع جديد للفائدة خلال اجتماعاته المقبلة، في ظل تحذيرات من أن التأخر في تشديد السياسة النقدية قد يؤدي لاحقًا إلى زيادات أكثر حدة واضطرابًا في الأسواق.
وفي تطور يناقض رواية أن واشنطن ضغطت لإبقاء «المال الياباني الرخيص» متدفقًا نحو الأسواق الأميركية (الضغط لعدم رفع سعر الفائدة)، دعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اليابان إلى استكمال تدخلها لدعم الين بسياسة نقدية أكثر تشددًا، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة.
وجاء ذلك بعد تدخل منسق ونادر بين طوكيو وواشنطن لشراء الين ووقف تراجعه إلى مستويات متدنية تاريخيًا. وتخشى الولايات المتحدة أن يؤدي ضعف الين إلى زعزعة أسواق العملات الآسيوية والإضرار بالقدرة التنافسية للصادرات الأميركية.
وتكتسب السياسة اليابانية أهمية عالمية بسبب ما يعرف بـ«تجارة الفائدة» أو الـCarry Trade، حيث يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة ثم يوجهون الأموال إلى سندات وأسهم وأصول مرتفعة العائد في الخارج.
ومن الناحية النظرية، قد يؤدي رفع الفائدة اليابانية بسرعة إلى دفع المستثمرين لإغلاق هذه الصفقات وبيع أصول عالمية لسداد ديونهم المقومة بالين، ما قد يسبب تقلبات حادة وشحًا مؤقتًا في السيولة. لكن الحديث عن سحب «تريليونات الينات بين عشية وضحاها» أو وقوع زلزال مالي حتمي يظل تقديرًا مضخمًا، لأن التأثير يتوقف على سرعة الرفع وحجم المراكز المالية ورد فعل البنوك المركزية والأسواق.
كما لا توجد أدلة معتبرة على أن اليابان تبنت العملات المشفرة بوصفها «خطتها الوحيدة» للخروج من الأزمة أو لإعادة توزيع الثروة. وتظل الأصول الرقمية قطاعًا استثماريًا وتنظيميًا منفصلًا، وليست بديلًا رسميًا للين أو للسياسة النقدية التقليدية.
ويتمثل الخطر الحقيقي أمام اليابان في التناقض بين ثلاثة أهداف يصعب تحقيقها معًا: دعم النمو من خلال الإنفاق الحكومي، وحماية الين من الانخفاض، ومنع ارتفاع تكلفة خدمة واحد من أكبر أعباء الدين العام في العالم.
لذلك، لا يبدو أن استقلال بنك اليابان انتهى قانونيًا، لكن البنك يواجه بالفعل تضييقًا في مساحة حركته بين ضغوط الحكومة، وتوقعات الأسواق، والمطالب الأميركية، والحاجة إلى السيطرة على التضخم. وتبقى القضية الأساسية ليست وجود «انقلاب صامت»، بل مدى قدرة البنك على اتخاذ قراراته وفق متطلبات الاقتصاد الياباني، من دون أن يتحول إلى أداة لتمويل السياسات الحكومية أو استقرار الأسواق العالمية.
موجة بيع تمحو نحو 300 مليار دولار من الأسهم اليابانية قبل ارتداد قوي في بورصة طوكيو
تعرضت الأسهم اليابانية لموجة بيع حادة قادتها شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، ما أدى إلى تراجع مؤشر نيكاي بأكثر من 4% ومحو مئات المليارات من الدولارات من القيمة السوقية للشركات المدرجة، قبل أن تستعيد البورصة جزءًا من خسائرها خلال الجلسات اللاحقة.
وهبط مؤشر نيكاي 225 يوم 28 يوليو/تموز 2026 بنحو 4.3%، ليصل إلى أدنى مستوياته في قرابة شهرين، وسط تراجع واسع لأسهم الشركات المرتبطة بصناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي. وقدّرت منشورات مالية متداولة القيمة السوقية المفقودة خلال الجلسة بنحو 300 مليار دولار، رغم أن هذا الرقم يتأثر بطريقة احتساب القيمة السوقية وسعر صرف الين مقابل الدولار.
وجاءت موجة البيع امتدادًا لتراجع أسهم التكنولوجيا في وول ستريت، مع إعادة المستثمرين تقييم التوقعات المرتفعة للإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وقدرة الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق إلى أرباح مستدامة.
وتعرضت أسهم شركات يابانية بارزة لضغوط قوية، خصوصًا الشركات المرتبطة بسلسلة توريد أشباه الموصلات، ومنها طوكيو إلكترون وأدفانتست وكيوكسيا، في ظل مخاوف من أن تكون تقييمات القطاع قد ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات والأرباح الفعلية.
كما زاد ترقب قرارات البنوك المركزية ونتائج شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى من حذر المستثمرين. وتخشى الأسواق أن يؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو تشديد السياسة النقدية إلى زيادة تكلفة التمويل وتقليص جاذبية الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، وفي مقدمتها شركات الذكاء الاصطناعي.
غير أن الهبوط لم يتحول حتى الآن إلى انهيار مستمر في السوق اليابانية. ففي 5 أغسطس/آب، ارتد مؤشر نيكاي بقوة وسجل ارتفاعًا بنحو 3.7%، مدعومًا بانتعاش أسهم الرقائق، وتحسن نتائج عدد من الشركات، وتراجع المخاوف المتعلقة بأسعار النفط والتضخم العالمي.
وسجلت شركات التكنولوجيا اليابانية مكاسب كبيرة خلال جلسة الارتداد، إذ ارتفعت أسهم أدفانتست وكيوكسيا وسوفت بنك، في مؤشر على عودة المستثمرين إلى شراء بعض الأسهم التي تراجعت بشدة خلال موجة البيع السابقة.
ويشير هذا الارتداد إلى أن ما حدث أقرب، حتى الآن، إلى تصحيح حاد داخل قطاع التكنولوجيا منه إلى انهيار شامل للاقتصاد الياباني أو الأسواق العالمية. إلا أن سرعة انتقال الخسائر بين وول ستريت وطوكيو وسيول تكشف مدى اعتماد الأسواق الآسيوية على أداء شركات الرقائق الأميركية واتجاهات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وتبقى الأسواق معرضة لمزيد من التقلبات، خصوصًا مع استمرار التساؤلات بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا، ومسار أسعار الفائدة الأميركية واليابانية، وحجم الإنفاق المستقبلي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وعليه، فإن خسارة نحو 300 مليار دولار خلال جلسة واحدة تعكس حجم موجة البيع، لكنها لا تعني أن هذه الأموال خرجت فعليًا من الاقتصاد أو أن أزمة مالية عالمية بدأت بصورة مؤكدة. فالقيمة السوقية قد تتراجع بسرعة ثم تستعيد جزءًا كبيرًا منها مع ارتداد الأسعار، وهو ما حدث بالفعل في السوق اليابانية خلال الجلسات التالية.
اضطرابات تضرب أسواق التكنولوجيا العالمية مع تصاعد المخاوف من الفائدة والذكاء الاصطناعي
شهدت أسواق المال العالمية موجة بيع واسعة طالت أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية، وسط تزايد المخاوف بشأن مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي، وترقب المستثمرين قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ونتائج أعمال كبرى شركات التكنولوجيا، في تطورات أعادت التقلبات بقوة إلى الأسواق العالمية.
وتراجعت أسهم عدد من أبرز شركات صناعة الرقائق، حيث انخفض سهم إنفيديا بنحو 4.4%، بينما خسر سهم ميكرون قرابة 5%، فيما هبط سهم سان ديسك بأكثر من 10%، في ظل عمليات بيع مكثفة استهدفت أسهم القطاع الذي قاد موجة الصعود خلال العامين الماضيين. كما امتدت الضغوط إلى الأسواق الآسيوية، ليتراجع مؤشر نيكي 225 الياباني بأكثر من 4%، بينما شهدت بورصة كوريا الجنوبية هبوطاً حاداً دفع السلطات إلى تفعيل آلية إيقاف التداول المؤقت للحد من خسائر السوق. وفي سوق العملات الرقمية، انخفض سعر بيتكوين إلى ما دون مستوى 63 ألف دولار مع تراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
ويرى محللون أن موجة التراجع جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها تصاعد الشكوك حول تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي بعد الارتفاعات القياسية التي سجلتها خلال الأشهر الماضية، إلى جانب تنامي المخاوف من أن بعض الشركات باتت تعتمد على تمويل عملائها بصورة قد تزيد من المخاطر المالية في القطاع.
كما زادت التقارير عن إحراز الصين تقدماً في تطوير معدات محلية لصناعة أشباه الموصلات من قلق المستثمرين بشأن مستقبل المنافسة العالمية في هذا القطاع، رغم أن خبراء الصناعة يؤكدون أن الشركات الصينية ما زالت تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى التقنيات الأكثر تقدماً التي تحتكرها شركات غربية، وفي مقدمتها الهولندية ASML.
وفي الوقت نفسه، وفي ظل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير ، برزت التخوفات بأن ذلك قد يضغط على أسهم التكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها المرتفعة على توقعات النمو المستقبلي.
وتتزامن هذه التطورات مع انتظار نتائج أعمال شركات التكنولوجيا العملاقة، وفي مقدمتها مايكروسوفت وميتا وآبل وأمازون، والتي ينظر إليها على أنها اختبار حقيقي لقدرة قطاع الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تبرر الاستثمارات الضخمة التي ضُخت فيه خلال الفترة الأخيرة.
ويرى خبراء أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة للأسواق العالمية، إذ سيحدد مزيج قرارات الاحتياطي الفيدرالي ونتائج الشركات الكبرى ما إذا كانت موجة التراجع الحالية تمثل تصحيحاً مؤقتاً بعد صعود استثنائي، أم بداية مرحلة جديدة من الضغوط على أسهم التكنولوجيا والأصول عالية المخاطر.
ورغم حدة التقلبات، يؤكد اقتصاديون أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للحديث عن أزمة مالية عالمية شاملة، مشيرين إلى أن الأسواق لا تزال تتفاعل مع مجموعة من العوامل المتزامنة، تشمل السياسة النقدية، وأرباح الشركات، والتطورات الجيوسياسية، ومستقبل المنافسة في صناعة أشباه الموصلات، وهي عوامل ستحدد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
خسائر ثقيلة تضرب أسهم الرقائق والذاكرة مع تقدم الصين في تصنيع معدات أشباه الموصلات
تعرضت أسهم شركات الرقائق والذاكرة والتخزين لموجة بيع حادة، وسط مخاوف المستثمرين من أن يؤدي تقدم الصين في تصنيع معدات محلية لإنتاج أشباه الموصلات إلى زيادة طاقتها الإنتاجية وتقليص اعتمادها على التكنولوجيا الغربية، بما قد يغير موازين العرض والطلب في سوق شرائح الذاكرة العالمية.
وطالت موجة التراجع عددًا من أبرز الشركات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إذ انخفض سهم إنفيديا بأكثر من 4%، وهبطت أسهم ميكرون وسان ديسك وويسترن ديجيتال وسيغيت، بينما تراجعت أسهم شركة SK Hynix الكورية بنحو 9% خلال إحدى جلسات البيع القوية.
وقدرت منشورات متداولة في الأسواق أن الشركات الست فقدت مجتمعة أكثر من 500 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال موجة الهبوط. لكن هذه التقديرات تستند إلى التغير اللحظي في أسعار الأسهم، ولا تعني خروج المبلغ فعليًا من الشركات أو الاقتصاد، كما أن الرقم يتغير باستمرار مع تحرك الأسعار وأسعار الصرف.
وجاءت الضغوط بعد تقارير أفادت بأن الصين بدأت إنتاج أولى آلات الطباعة الضوئية المحلية من نوع الغمر بالأشعة فوق البنفسجية العميقة، المعروفة باسم DUV. وتعد هذه المعدات من العناصر الأساسية في تصنيع الرقائق الإلكترونية، وكانت الصين تعتمد بصورة كبيرة على الآلات التي تنتجها شركة ASML الهولندية.
ومن المنتظر تسليم الدفعات الأولى من الآلات الصينية خلال عام 2026 إلى شركات محلية، بينها SMIC وHua Hong وChangXin Memory Technologies . ويُنظر إلى التطور باعتباره خطوة مهمة ضمن مساعي بكين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعة أشباه الموصلات، خصوصًا في ظل القيود الأميركية والهولندية على تصدير معدات الرقائق المتقدمة إلى الصين.
ومع ذلك، لا تزال الآلات الصينية في مرحلة الإنتاج والاختبار، ولم تثبت بعد قدرتها على العمل بالكفاءة والموثوقية نفسها التي تتمتع بها معدات ASML. كما تشير تقديرات القطاع إلى أن الإنتاج الصيني الأولي سيظل محدودًا، مع استهداف تصنيع نحو خمس آلات فقط خلال 2026، مقارنة بعشرات الآلات التي تشحنها ASML سنويًا.
وتتركز مخاوف المستثمرين على احتمال أن تساعد المعدات المحلية الصين في بناء مزيد من مصانع الرقائق والذاكرة، بما يسمح لشركات مثل CXMT بزيادة الإنتاج ومنافسة ميكرون وSK Hynix وسامسونج. وإذا ارتفع المعروض العالمي بوتيرة أسرع من الطلب، فقد تتراجع أسعار شرائح DRAM وذاكرة التخزين، وهي الأسعار التي ساهم ارتفاعها خلال الفترة الماضية في تعزيز أرباح شركات القطاع.
لكن تأثير التطور الصيني لن يكون فوريًا بالضرورة. فإدخال معدات جديدة إلى خطوط الإنتاج يحتاج إلى اختبارات طويلة، وتحقيق معدلات تشغيل مرتفعة، وضمان جودة الإنتاج على نطاق تجاري. كما أن الصين لا تزال تعتمد على موردين أجانب في بعض المكونات الحساسة، ولا تزال بعيدة عن امتلاك بديل كامل لتقنيات الطباعة المتقدمة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى EUV.
وتزامنت المخاوف المرتبطة بالصين مع ضغوط أخرى تواجه قطاع الرقائق، من بينها تقييمات الأسهم المرتفعة، والمخاوف من تباطؤ الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وعمليات تصفية المراكز الاستثمارية الممولة بالاقتراض. وأظهرت تقارير السوق أن مؤشر أشباه الموصلات الأميركي تراجع بصورة واضحة من مستوياته القياسية، رغم استمرار شركات عديدة في تسجيل أرباح قوية.
كما أن وصف جميع الشركات المتراجعة بأنها «أسهم ذاكرة أميركية» غير دقيق. إنفيديا تنتج معالجات الرسوميات ومسرعات الذكاء الاصطناعي، بينما SK Hynix شركة كورية جنوبية، في حين تتركز أعمال سيغيت وويسترن ديجيتال بدرجة كبيرة في أقراص التخزين ووحداته.
وبذلك، فإن ما حدث يعكس إعادة تقييم واسعة لقطاع أشباه الموصلات، وليس انهيارًا ناجمًا عن آلة صينية واحدة. ومع أن تقدم الصين يمثل خطرًا استراتيجيًا طويل الأجل على المصنعين الغربيين والآسيويين، فإن قدرته على إحداث فائض فوري في سوق الذاكرة لا تزال غير مؤكدة، وستعتمد على نجاح تشغيل المعدات الجديدة وتوسيع الإنتاج بجودة تجارية مستقرة.
تراجع حاد في قيمة SpaceX السوقية يقلص ثروة إيلون ماسك بعد موجة بيع لأسهم التكنولوجيا
تعرضت شركة SpaceX لضغوط قوية في أسواق المال، بعدما واصلت أسهمها التراجع عقب إعلان أول نتائج مالية منذ إدراجها في البورصة، ما أدى إلى انخفاض قيمتها السوقية بأكثر من تريليون دولار مقارنة بأعلى مستوياتها المسجلة بعد الطرح العام، وأثر بشكل مباشر على ثروة مؤسسها إيلون ماسك.
وأغلقت أسهم الشركة على انخفاض جديد بعد أن أبدى المستثمرون قلقهم من الارتفاع الكبير في الإنفاق الرأسمالي، رغم تسجيل الشركة نموًا قويًا في الإيرادات. وأظهرت النتائج الفصلية ارتفاع الإيرادات بنسبة 92% على أساس سنوي لتصل إلى 7.8 مليارات دولار، بينما تقلصت الخسائر الصافية إلى نحو 541 مليون دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم تحسن الأداء التشغيلي، أثار إعلان الشركة إنفاق أكثر من 15 مليار دولار خلال ربع واحد على مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لمراكز البيانات مخاوف المستثمرين بشأن حجم الاستثمارات وسرعة تحقيق عوائد منها، ما دفع السهم إلى مزيد من التراجع.
وكانت SpaceX قد سجلت قفزة تاريخية عقب إدراجها في البورصة خلال يونيو الماضي، لترتفع قيمتها السوقية إلى مستويات قياسية تجاوزت 2.7 تريليون دولار في ذروة التداولات. إلا أن موجة بيع أسهم التكنولوجيا خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب المخاوف من ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ الحماس لقطاع الذكاء الاصطناعي، أدت إلى فقدان الشركة أكثر من تريليون دولار من قيمتها السوقية مقارنة بالقمة التي بلغتها.
وانعكس هذا التراجع بصورة مباشرة على ثروة إيلون ماسك، الذي يمتلك الحصة الأكبر في الشركة. فبعد أن أصبح أول شخص في التاريخ تتجاوز ثروته تريليون دولار عقب الاكتتاب، فقد جزءًا كبيرًا من مكاسبه مع انخفاض سعر السهم، لتتراجع ثروته إلى ما دون ذلك المستوى. وتشير تقديرات حديثة إلى أن ثروته تقلصت بمئات المليارات من الدولارات مقارنة بذروتها، إلا أنه لا يزال يحتفظ بلقب أغنى شخص في العالم بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
وفي الوقت نفسه، تؤكد إدارة الشركة أن استثماراتها الضخمة تستهدف بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، وتوسيع شبكة ستارلينك، وتسريع تطوير مركبة ستارشيب، وهي مشاريع تتطلب إنفاقًا رأسماليًا مرتفعًا قبل أن تحقق أرباحًا مستقبلية.
ويرى محللون أن ما حدث لا يعني أن SpaceX تكبدت «خسائر بقيمة 1.3 تريليون دولار»، كما تتداول بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل إن المقصود هو انخفاض القيمة السوقية للشركة مقارنة بأعلى مستوياتها، وهو أمر يختلف عن الخسائر المحاسبية أو التشغيلية.
كما أن الادعاء بأن ثروة ماسك أصبحت 718.8 مليار دولار بعد خسارة 600 مليار دولار خلال شهر واحد لا يتطابق مع جميع مؤشرات الثروات المعروفة، إذ تختلف التقديرات بين الجهات المتخصصة بحسب أسعار الأسهم في لحظة القياس، لكنها تتفق على أن ثروته تراجعت بشكل كبير مع انخفاض سهم SpaceX، دون أن يفقد مكانته كأغنى شخص في العالم.
صعود شركات معدات الرقائق الصينية يفاقم مخاوف الغرب من اتساع الفجوة التنافسية
تتزايد المخاوف في الأسواق الغربية من انتقال المنافسة التكنولوجية مع الصين إلى مرحلة جديدة، بعدما حققت شركات صينية تقدمًا في مجالات كانت لسنوات خاضعة لهيمنة شركات أميركية وأوروبية، بدءًا من السيارات الكهربائية والبطاريات، وصولًا إلى معدات تصنيع الرقائق والذكاء الاصطناعي والفضاء.
وجاء أحدث مؤشرات هذا التحول من قطاع أشباه الموصلات، حيث سجلت أسهم شركات صينية تعمل في معدات تصنيع الرقائق أداءً قويًا، بالتزامن مع تقارير عن بدء الصين إنتاج آلات محلية للطباعة الضوئية بتقنية الأشعة فوق البنفسجية العميقة الغاطسة، المعروفة باسم DUV.
وتقود المشروع شركة شنغهاي آيشينغنا للتكنولوجيا الإلكترونية، وهي مجموعة مدعومة من الدولة جمعت فرقًا وخبرات من شركات صينية متخصصة في معدات الطباعة الضوئية. ومن المقرر تسليم أولى الآلات خلال عام 2026 إلى شركات صينية كبرى، بينها SMIC وHua Hong وشركة الذاكرة CXMT.
وأثارت الأنباء موجة بيع قوية في أسهم شركة ASML الهولندية، التي تهيمن على سوق آلات الطباعة الضوئية المتقدمة، إذ تراجع سهمها بنحو 10% خلال يومين، وفقدت الشركة قرابة 60 مليار يورو من قيمتها السوقية. وتعتمد ASML بدرجة كبيرة على السوق الصينية في مبيعات آلات DUV، بعدما حُظر عليها تصدير معدات EUV الأكثر تقدمًا إلى الصين.
وفي المقابل، استفادت أسهم شركات المعدات الصينية مثل AMEC وNaura من توقعات اتساع الطلب المحلي وسياسات إحلال التكنولوجيا الصينية محل المعدات المستوردة. كما بدأت شركات كورية كبرى، بينها سامسونغ وSK Hynix، اختبار معدات حفر صينية من إنتاج AMEC في مصانعها داخل الصين، تحسبًا لمزيد من القيود الأميركية على توريد المعدات الغربية.
غير أن الحديث عن انهيار وشيك للشركات الغربية لا يزال مبالغًا فيه. فالآلات الصينية الجديدة لم تدخل بعد مرحلة التشغيل التجاري واسع النطاق، ولا تزال متأخرة عن معدات ASML في سرعة الإنتاج والدقة والاستقرار ومعدلات العائد. وتخطط الصين لإنتاج عدد محدود من هذه الآلات خلال المرحلة الأولى، مقابل أكثر من مئة آلة مماثلة تشحنها ASML سنويًا.
ويظهر التحدي الصيني بصورة أوضح في قطاع السيارات الكهربائية، حيث استفادت الشركات المحلية من انخفاض التكاليف، وسلاسل توريد البطاريات المتكاملة، والدعم الصناعي، وقدرتها على طرح سيارات بأسعار يصعب على بعض الشركات الأوروبية منافستها. وقد أجبر هذا التحول شركات غربية على خفض إنتاجها أو إعادة النظر في خطط مصانعها، لكنه لا يعني أن شركات السيارات الألمانية باتت أمام خيار وحيد بين البيع للصينيين أو الخروج من السوق.
أما في قطاع الفضاء، فقد حققت الصين تقدمًا مهمًا بعد نجاحها في استعادة المرحلة الأولى من صاروخ «لونغ مارش-10 بي» باستخدام منصة بحرية وشبكة التقاط. وتمثل العملية خطوة كبيرة نحو تطوير صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام وخفض تكاليف الإطلاق. لكنها لا تفسر وحدها أي تراجع في تقييم SpaceX، إذ لا تزال الشركة الأميركية تتفوق بفارق كبير في عدد الإطلاقات، وخبرة إعادة استخدام الصواريخ، وحجم شبكة ستارلينك.
وتكشف التطورات الراهنة أن الصين لا تحاول فقط منافسة المنتجات الغربية في أسواقها النهائية، بل تسعى إلى امتلاك الأدوات التي تُنتج بها هذه التكنولوجيا. وهذا ما يجعل تقدمها في معدات الرقائق أكثر حساسية من مجرد إطلاق هاتف أو سيارة جديدة، لأنه يستهدف الحلقة الأساسية في سلسلة الإنتاج العالمية.
وتكمن قوة النموذج الصيني في الجمع بين السوق المحلية الضخمة، والتمويل الحكومي، وسرعة توسيع الإنتاج، والأسعار المنخفضة. لكن استمرار هذا التقدم سيعتمد على قدرة الشركات الصينية على إثبات الجودة والموثوقية، وليس فقط على تقديم بدائل أرخص.
وعليه، فإن ما يجري لا يمثل حتى الآن «خروجًا جماعيًا» للشركات الأميركية والأوروبية من الأسواق، بل بداية إعادة توزيع محتملة للقوة الصناعية والتكنولوجية. وإذا نجحت الصين في تحويل اختراقاتها الحالية إلى إنتاج واسع ومستقر، فقد تتحول المنافسة خلال السنوات المقبلة من تهديد نظري إلى تغيير حقيقي في موازين التكنولوجيا العالمية.
الصين تبدأ الإنتاج التجاري لآلات DUV المحلية في خطوة تقلص اعتمادها على التكنولوجيا الغربية
بدأت الصين الإنتاج التجاري لأول دفعة من آلات الطباعة الضوئية المحلية بتقنية DUV (الأشعة فوق البنفسجية العميقة)، في تطور يُعد من أبرز الإنجازات التي حققتها بكين في سعيها لبناء صناعة مستقلة لأشباه الموصلات، وتقليل اعتمادها على الموردين الغربيين في واحدة من أكثر الصناعات حساسية على المستوى العالمي.
وبحسب تقارير متخصصة، تستعد الشركات الصينية لتسليم أولى هذه المعدات إلى مصانع الرقائق المحلية خلال عام 2026، بعد سنوات من الاستثمار المكثف في تطوير تقنيات الطباعة الضوئية، التي تُعد حجر الأساس في تصنيع الشرائح الإلكترونية المستخدمة في الهواتف الذكية ومراكز البيانات والسيارات والذكاء الاصطناعي.
ويمثل هذا التطور تحولًا مهمًا بالنسبة للصين، التي اعتمدت لسنوات على شركة ASML الهولندية للحصول على معدات الطباعة الضوئية المتقدمة، قبل أن تؤدي القيود الأميركية والهولندية إلى الحد من وصول الشركات الصينية إلى أحدث التقنيات، ولا سيما آلات EUV المستخدمة في إنتاج الشرائح الأكثر تطورًا.
وتشير التقارير إلى أن المعدات الصينية الجديدة تعتمد على تقنية DUV الغاطسة (Immersion DUV)، وهي أقل تقدمًا من تقنية EUV، لكنها قادرة على إنتاج شريحة واسعة من الرقائق المستخدمة في التطبيقات الصناعية والإلكترونية، كما يمكن استخدامها لإنتاج بعض الشرائح المتقدمة عبر تكرار عمليات الطباعة، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى وكفاءة أقل.
ومن المتوقع أن تستفيد من المعدات الجديدة شركات صينية كبرى، بينها SMIC وHua Hong وChangXin Memory Technologies (CXMT)، في إطار خطة حكومية واسعة لتعزيز الاكتفاء الذاتي في قطاع أشباه الموصلات، الذي أصبح محورًا رئيسيًا في المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة.
ويرى خبراء الصناعة أن دخول الصين مرحلة الإنتاج التجاري لا يعني أنها أصبحت قادرة على منافسة ASML بشكل كامل، إذ لا تزال الشركة الهولندية تحتكر عمليًا سوق معدات EUV، التي لا غنى عنها لإنتاج أحدث المعالجات المستخدمة في الهواتف الرائدة وخوادم الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن امتلاك الصين لمعدات DUV محلية يقلل من تأثير القيود الغربية، ويمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على توسيع طاقتها الإنتاجية في الشرائح متوسطة ومتقدمة المستوى، وهو ما قد يزيد المنافسة العالمية في سوق أشباه الموصلات خلال السنوات المقبلة.
وانعكست هذه التطورات سريعًا على الأسواق المالية، حيث تعرضت أسهم عدد من شركات الرقائق والمعدات الغربية لضغوط بيعية، وسط مخاوف المستثمرين من أن يؤدي توسع الإنتاج الصيني إلى زيادة المعروض العالمي من شرائح الذاكرة وبعض أنواع الرقائق، وهو ما قد يضغط على الأسعار وهوامش الأرباح مستقبلاً.
ويؤكد محللون أن الإنجاز الصيني يمثل خطوة استراتيجية أكثر منه تحولًا فوريًا في ميزان القوى، إذ إن نجاح المشروع سيعتمد على قدرة المعدات المحلية على تحقيق مستويات عالية من الدقة والاستقرار والإنتاج التجاري المستدام. لكنهم يرون في الوقت نفسه أن دخول الصين هذا المجال يضع نهاية لمرحلة الاعتماد الكامل على الموردين الغربيين، ويؤسس لمرحلة جديدة من المنافسة في واحدة من أهم الصناعات التكنولوجية في العالم.
انهيار حاد يضرب بورصة كوريا الجنوبية مع اتساع موجة بيع أسهم الرقائق
شهدت الأسواق المالية في كوريا الجنوبية موجة بيع عنيفة دفعت مؤشر كوسبي (KOSPI) إلى تسجيل واحدة من أسوأ جلساته منذ أشهر، مع استمرار الضغوط على أسهم شركات أشباه الموصلات، وفي مقدمتها سامسونغ للإلكترونيات وSK Hynix، وسط مخاوف متزايدة بشأن مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي والمنافسة الصينية.
وتراجع مؤشر كوسبي بأكثر من 10% خلال جلسة 28 يوليو/تموز، ما دفع السلطات إلى تفعيل آلية وقف التداول المؤقت (Circuit Breaker) للمرة الثامنة هذا العام، في محاولة للحد من التقلبات الحادة. واستمر الضغط في الجلسة التالية، مع تسجيل خسائر إضافية أوصلت المؤشر إلى واحدة من أكبر موجات الهبوط المتتالية في تاريخه الحديث.
وقادت شركات الرقائق موجة التراجع، إذ هبط سهم SK Hynix بأكثر من 14% في السوق الكورية، بينما تراجعت أسهم سامسونغ للإلكترونيات بأكثر من 13%. كما تعرضت شركات مرتبطة بسلسلة توريد أشباه الموصلات، مثل Hanmi Semiconductor، لخسائر كبيرة، في ظل خروج المستثمرين من أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويرجع المحللون هذا التراجع إلى عدة عوامل متزامنة، أبرزها تنامي المخاوف من تباطؤ العائد على الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى القلق من احتدام المنافسة الصينية بعد إعلان بكين تقدمًا في تطوير معدات تصنيع الرقائق محليًا، وهو ما أثار مخاوف بشأن مستقبل شركات الذاكرة العالمية. كما زادت الضغوط مع اقتراب إعلان نتائج كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية وترقب قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وفي 29 يوليو/تموز، تعرضت الأسهم الكورية لضغوط إضافية بعد إعلان SK Hynix نتائجها الفصلية، فرغم تحقيق الشركة أرباحًا قياسية مدفوعة بالطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، فإن النتائج جاءت دون توقعات بعض المستثمرين، ما عزز عمليات البيع في القطاع.
ويرى خبراء الأسواق أن جزءًا من حدة الهبوط يعود إلى اعتماد عدد كبير من المستثمرين الأفراد على التمويل بالهامش خلال موجة الصعود السابقة، ما أدى إلى تسارع عمليات التصفية الإجبارية مع انخفاض الأسعار، وهو ما ضاعف الخسائر في الأسهم القيادية.
ورغم هذا التراجع الحاد، يشير عدد من بيوت الاستثمار العالمية إلى أن أساسيات قطاع الرقائق لا تزال قوية على المدى الطويل، مدفوعة باستمرار الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي، معتبرين أن الأسواق تمر بمرحلة إعادة تقييم بعد موجة صعود استثنائية أكثر من كونها بداية انهيار دائم للقطاع.
بورصة كوريا الجنوبية تتجه لتسجيل أسوأ خسائر شهرية في تاريخها وسط انهيار أسهم الذكاء الاصطناعي
تتجه سوق الأسهم في كوريا الجنوبية إلى تسجيل أسوأ أداء شهري في تاريخها، بعدما فقد مؤشر كوسبي (KOSPI) أكثر من ثلث قيمته خلال شهر يوليو/تموز، متجاوزًا خسائر أزمتي الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 والأزمة المالية العالمية عام 2008، في واحدة من أعنف موجات البيع التي شهدتها الأسواق الكورية.
وبحسب بيانات الأسواق، تجاوزت خسائر المؤشر خلال الشهر 33%، بينما تشير بعض التقديرات إلى أن التراجع لامس 40% من القمة المسجلة في يونيو، مع تبخر أكثر من تريليوني دولار من القيمة السوقية للأسهم الكورية خلال أسابيع قليلة.
وقادت أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات موجة الهبوط، إذ تعرضت شركتا سامسونغ للإلكترونيات وSK Hynix، اللتان تمثلان نحو نصف وزن مؤشر كوسبي، لخسائر حادة وسط مخاوف من تباطؤ زخم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، واشتداد المنافسة من الشركات الصينية، إضافة إلى موجة واسعة من تصفية المراكز الممولة بالاقتراض.
وأدت حدة التراجعات إلى تفعيل آلية وقف التداول المؤقت (Circuit Breaker) عدة مرات خلال الشهر، في ظل عمليات بيع مكثفة من المستثمرين الأجانب والمؤسسات، بينما تكبد المستثمرون الأفراد خسائر كبيرة بعد اعتماد كثير منهم على القروض وصناديق الاستثمار ذات الرافعة المالية خلال موجة الصعود السابقة.
وفي محاولة لاحتواء التقلبات، بدأت السلطات الكورية مراجعة إجراءات طارئة لدعم السوق، شملت دراسة تشديد القيود على المنتجات الاستثمارية عالية المخاطر، ومراجعة جاهزية تعليق البيع على المكشوف إذا استدعت الظروف ذلك، مع تأكيد عدم اتخاذ قرار رسمي حتى الآن.
ويرى محللون أن الانخفاض الحاد لا يعكس تدهورًا مفاجئًا في الاقتصاد الكوري بقدر ما يعبر عن انفجار فقاعة المضاربات التي تشكلت حول أسهم الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الماضية، إذ سبق للمؤشر أن سجل واحدًا من أقوى الارتفاعات عالميًا قبل أن تتسارع عمليات جني الأرباح والتصفية الإجبارية للمراكز المدينة.
ورغم موجة البيع العنيفة، لا تزال مؤسسات مالية عالمية، من بينها غولدمان ساكس، ترى أن أساسيات قطاع الرقائق الكوري ما زالت قوية على المدى الطويل، مدفوعة باستمرار الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن الهبوط الحالي قد يكون مبالغًا فيه مقارنة بالأساسيات الاقتصادية للشركات الكبرى.
أوبك+» تقرر زيادة إنتاج النفط في سبتمبر وتختتم إلغاء التخفيضات الطوعية
وافقت دول «أوبك+» المشاركة في التخفيضات الطوعية للإنتاج على زيادة حصصها النفطية بنحو 188 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من سبتمبر/أيلول، في خطوة تمثل المرحلة الأخيرة من خطة إعادة جزء من الإمدادات التي كانت قد سحبتها من السوق منذ عام 2023، وسط ترقب واسع لتأثير القرار على أسعار النفط والتضخم والأسواق المالية العالمية.
وجاء القرار خلال اجتماع افتراضي للدول الرئيسية المشاركة في التخفيضات، وهي السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عمان، حيث أكدت المجموعة استمرارها في اتباع سياسة “المرونة والحذر”، مع احتفاظها بحق تعديل مستويات الإنتاج أو إيقاف الزيادات إذا تغيرت أوضاع السوق بصورة جوهرية.
وتُكمل زيادة سبتمبر عملية التراجع التدريجي عن التخفيضات الطوعية البالغة 1.65 مليون برميل يوميًا، والتي بدأ تطبيقها في عام 2023 لدعم أسعار النفط. ومع ذلك، لا تزال تخفيضات أخرى منفصلة، تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا، سارية حتى نهاية عام 2026، ما يعني أن سياسة أوبك+ لا تزال تميل إلى إدارة المعروض بحذر رغم زيادة الإنتاج.
ويرى محللون أن تأثير الزيادة الجديدة على أسعار النفط قد يكون محدودًا في المدى القصير، إذ لا تزال الإمدادات الفعلية مقيدة بعوامل جيوسياسية، أبرزها الاضطرابات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، إضافة إلى أن بعض الدول الأعضاء تنتج بالفعل أقل من حصصها الرسمية، ما يجعل جزءًا من الزيادة المعلنة “على الورق” أكثر منه نفطًا إضافيًا يصل إلى الأسواق.
وتراقب الأسواق العالمية القرار عن كثب، لأن أسعار النفط تؤثر بصورة مباشرة في معدلات التضخم العالمية. فزيادة المعروض قد تخفف الضغوط على أسعار الوقود والنقل، وهو ما قد يدعم جهود البنوك المركزية في السيطرة على التضخم ويمنح أسواق الأسهم والأصول عالية المخاطر، بما فيها العملات المشفرة، دفعة إيجابية.
في المقابل، يشير خبراء الطاقة إلى أن العلاقة ليست تلقائية، إذ يعتمد مسار الأسعار أيضًا على قوة الطلب العالمي، والتوترات الجيوسياسية، ومستوى المخزونات، وقدرة المنتجين على تصدير الكميات الإضافية. ولهذا، فإن أي انخفاض مستدام في أسعار النفط سيظل مرتبطًا بعودة تدفقات الخام بصورة طبيعية، وليس فقط بزيادة الحصص الإنتاجية.
كما تنتظر الأسواق اجتماع «أوبك+» المقبل في السادس من سبتمبر، حيث سيُبحث مستوى إنتاج أكتوبر، في وقت تستمر فيه المنظمة بمراجعة القدرات الإنتاجية للدول الأعضاء تمهيدًا لإعادة رسم خطوط الأساس التي ستحدد حصص الإنتاج اعتبارًا من عام 2027.
ويرى مراقبون أن القرار يبعث برسالة مزدوجة؛ فمن جهة تؤكد «أوبك+» استعدادها لضخ مزيد من النفط عند الحاجة، ومن جهة أخرى تحافظ على أدوات التدخل السريع إذا تعرض السوق لاضطرابات جديدة، وهو ما يعكس استمرار سياسة إدارة السوق بدل تركها لقوى العرض والطلب وحدها.
ضربة روسية تدمر مصنعًا أميركيًا للمسيّرات في كييف وتفتح مرحلة جديدة في استهداف الصناعات الدفاعية الغربية
دمرت ضربة صاروخية روسية مصنعًا للطائرات المسيّرة في العاصمة الأوكرانية كييف تديره شركة Terminal Autonomy المسجلة في الولايات المتحدة، في واقعة قالت صحيفة الغارديان إنها تبدو أول استهداف معروف لشركة دفاع أميركية بصورة مباشرة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وبحسب الصحيفة، تعرض المصنع لصاروخ باليستي روسي خلال هجوم وقع في 24 يوليو/تموز، وأدى إلى تدمير منشأة تنتج مسيّرات هجومية بعيدة المدى مصممة للعمل في بيئة تشهد تشويشًا إلكترونيًا كثيفًا. ولم تُسجَّل وفيات داخل المصنع، وفق مصدر مطلع على نشاط الشركة.
وتنتج الشركة طرازي AQ-400 Scythe وAQ-100 Bayonet، وهما من الذخائر الجوالة والمسيّرات الهجومية المستخدمة من القوات الأوكرانية. وتقول Terminal Autonomy إن أنظمتها تعتمد على التوجيه الذاتي والذكاء الاصطناعي، بما يسمح للمسيّرة بمواصلة الاقتراب من هدفها عندما تُعطَّل إشارات الاتصال أو الملاحة بفعل الحرب الإلكترونية الروسية. كما تصف الشركة طراز AQ-400 بأنه مخصص للضربات بعيدة المدى داخل البيئات المتنازع عليها، بينما صُمم AQ-100 للإنتاج الواسع والاستخدام الميداني السريع.
وأظهرت سجلات الشركات أن Terminal Autonomy سُجلت في ولاية ديلاوير الأميركية عام 2023، رغم أن جانبًا كبيرًا من عملياتها الإنتاجية وتطويرها يجري داخل أوكرانيا. وتشير الشركة إلى أن ذخائرها الموجهة بالذكاء الاصطناعي دخلت الخدمة الفعلية ضد أهداف روسية على الجبهة.
وكانت وكالة «تاس» الروسية قد تحدثت عن الضربة قبل الكشف عن ملكية المنشأة، مستندة إلى وزارة الدفاع الروسية، وقالت إن المصنع يعمل فيه مختصون من شركة أوكرانية أميركية وينتج مسيّرات Scythe وBayonet. ولم توضح الرواية الروسية أن المنشأة مملوكة لشركة مسجلة في الولايات المتحدة.
وتحمل الضربة دلالة تتجاوز تدمير خط إنتاج واحد، لأنها توضح أن موسكو تتعامل مع منشآت التصنيع الدفاعي داخل أوكرانيا باعتبارها أهدافًا عسكرية، بصرف النظر عن جنسية مالكيها. ونقلت الغارديان عن مسؤول استخباراتي أميركي سابق قوله إن روسيا لا تنظر إلى ملكية المصنع بقدر ما تنظر إلى وظيفته في تزويد القوات الأوكرانية بالأسلحة.
كما تأتي العملية في وقت تسعى فيه كييف إلى توسيع تصنيع الأسلحة الغربية محليًا، بدل الاعتماد الكامل على الشحنات الخارجية. ولذلك قد تمثل الضربة رسالة تحذير للشركات الأميركية والأوروبية التي تفكر في نقل خطوط إنتاجها إلى أوكرانيا، ومفادها أن الحماية القانونية أو الملكية الأجنبية لن تمنع روسيا من استهداف المنشآت إذا اعتبرتها جزءًا من البنية العسكرية الأوكرانية.
ولا يعني استهداف شركة أميركية داخل أوكرانيا وقوع هجوم على الأراضي الأميركية أو تفعيل مواجهة مباشرة بين موسكو وواشنطن. إلا أن الواقعة ترفع مستوى المخاطر بالنسبة إلى الشركات الدفاعية الغربية وموظفيها، وقد تدفعها إلى تشتيت منشآت الإنتاج، وزيادة التحصين، ونقل بعض المراحل الحساسة إلى مواقع سرية أو تحت الأرض.
وتعكس العملية أيضًا أهمية حرب المسيّرات في الصراع، إذ أصبحت المصانع وخطوط التجميع ومراكز تطوير أنظمة التوجيه أهدافًا ذات أولوية، إلى جانب المطارات ومستودعات الذخيرة. فالمسيّرات الأوكرانية بعيدة المدى تُستخدم في ضرب منشآت عسكرية وصناعية داخل روسيا، بينما تسعى موسكو إلى تعطيل القدرة الأوكرانية على إنتاجها قبل وصولها إلى ساحات القتال.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




