نحن والعالم عدد 4 يوليو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 22 يونيو 2026 – 4 يوليو 2026.
يرصد التقرير تحولات سياسية وأمنية متسارعة تتقاطع فيها الحرب مع إعادة تشكيل التحالفات وصعود تحديات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية.
في الولايات المتحدة، تموج الساحة الداخلية بالتفاعلات والاضطرابات، وتتعمق الانقسامات الحزبية والسياسية بسبب إيران وإسرائيل، ويتنامى الحديث الجاد عن فساد ترامب واستغلاله للسلطة، وذلك بالتوازي مع صعود اليسار الديمقراطي واتساع التمرد على المؤسسات السياسية التقليدية بعد انحدار الثقة بها.
وتدخل العلاقات الأمريكية التركية اختباراً دفاعياً جديداً، فيما تواجه سوريا تحديات تثبيت الأمن وبناء مؤسسات المرحلة الانتقالية وإعادة صياغة علاقتها مع لبنان.
إقليمياً، يتحول مضيق هرمز إلى ساحة صراع مستمرة على النفوذ والرسوم وطرق الطاقة، بينما يثير الاتفاق اللبناني الإسرائيلي جدلاً حول السيادة والسلاح ومستقبل حزب الله.
وتكشف التطورات، من بغداد إلى الخليج، عن إعادة توزيع للقوة والثروة والاستثمارات، وسط اتجاه متزايد لربط الأمن بالتكنولوجيا والموارد والممرات الاستراتيجية.
أمريكا
تكشف التطورات المتصاعدة في الساحة الأمريكية عن تصدع متزايد داخل الحزبين ومعسكر ترامب، في ظل الخلاف حول الحرب مع إيران والعلاقة بإسرائيل ومستقبل التدخل العسكري في الشرق الأوسط، بينما يتنامى الحديث عن فساد ترامب واستغلاله للسلطة في التربح له ولعائلته.
وفي الحزب الديمقراطي، يعزز صعود زهران ممداني وحلفائه نفوذ اليسار الشعبوي متمثلًا في الاشتراكيين الديمقراطيين، بينما تتراجع الثقة بالمؤسسات الحزبية الليبرالية التقليدية ويتسع الانتماء إلى المستقلين، وكذلك الحديث عن احتمالات أحزاب جديدة.
كما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة سياسية وأمنية، من رفض مراكز البيانات ونفوذ شركات التكنولوجيا، إلى المخاوف الأوروبية من الاعتماد على “بالانتير” والسيطرة الأمريكية على البيانات.
كما تثير القدرات الإيرانية المسيّرة والحديث عن السيطرة على مضيق هرمز أسئلة بشأن كلفة المواجهة العسكرية وحدود التفوق الأمريكي في الحروب الحديثة.
وفي الداخل، تتواصل المعارك حول الهجرة وأصل فيروس كوفيد، والتضليل السياسي وخصخصة الأمن، في مؤشر إلى أزمة أوسع في الثقة بالمؤسسات وبنية القرار الأمريكي
خطة السيطرة على مضيق هرمز تشعل انقسامًا داخل معسكر ترامب
عاد مضيق هرمز إلى قلب الجدل السياسي والعسكري في الولايات المتحدة، بعدما طرح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام تصورًا تصعيديًا يقوم على سيطرة أميركية مباشرة على المضيق في حال فشل المسار الدبلوماسي مع إيران، في خطوة من شأنها أن تنقل المواجهة من مرحلة الضغوط والتهديدات إلى احتمال صدام عسكري واسع في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وقال غراهام، في مقابلة مع برنامج Face the Nation على شبكة CBS، إنه أمضى أربع ساعات ونصف الساعة مع الرئيس دونالد ترامب، مضيفًا أن واشنطن ستتجه، إذا فشلت المفاوضات مع طهران، إلى “السيطرة على مضيق هرمز بالقوة” وفرض رسوم على السفن العابرة لتمويل العملية. كما ربط غراهام هذا التصور بمحاولة توسيع اتفاقات أبراهام وضم السعودية إليها خلال عام 2026.
تأتي هذه التصريحات بعد أيام من إعلان ترامب أن المرور عبر مضيق هرمز سيبقى من دون رسوم خلال فترة وقف إطلاق النار البالغة 60 يومًا، لكنه ألمح إلى إمكانية فرض رسوم لاحقًا “من قبل الولايات المتحدة ولصالحها” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، معتبرًا أن ذلك قد يأتي تعويضًا عن دور واشنطن كـ“حارس” لأمن دول المنطقة.
وتكمن خطورة الطرح في أن مضيق هرمز ليس ممرًا بحريًا عاديًا، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز، مع محدودية الخيارات البديلة في حال تعطله، ما يجعل أي توتر عسكري فيه قابلًا للانعكاس سريعًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن داخل واشنطن، لا تبدو الخطة موضع إجماع. فالنقاش الذي يعرضه النص المرسل يكشف عن انقسام واضح داخل الدائرة المؤيدة لترامب بين تيار يدفع نحو التشدد العسكري، يمثله غراهام وصقور السياسة الخارجية، وتيار آخر يحاول الدفاع عن المسار التفاوضي مع إيران أو على الأقل تجنب حرب برية أو بحرية مفتوحة.
في هذا السياق، برز نائب الرئيس جي دي فانس بوصفه أحد الوجوه السياسية المرتبطة بمحاولة تسويق الاتفاق أو وقف التصعيد. وقد تحدثت تقارير عن تباينات بين فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو بشأن إيران وإسرائيل، إذ بدا فانس أقرب إلى خطاب يفضّل ضبط التدخل الأميركي، بينما حافظ روبيو على نبرة أكثر تشددًا تجاه طهران وأكثر قربًا من الموقف الإسرائيلي.
وتحوّل هذا التباين إلى مادة صدام داخل اليمين الأميركي نفسه، خصوصًا بعد انتقادات وجّهتها المعلقة المحافظة باتيا أونغار-سارغون إلى مسار التفاوض، واعتبارها أن الاتفاق يمثل “إهانة” للولايات المتحدة. وردّ البيت الأبيض عليها بلهجة حادة، في مؤشر على أن إدارة ترامب باتت أقل تسامحًا مع حلفائها الإعلاميين عندما ينتقدون خطها الحالي في ملف إيران.
أما قانونيًا، فإن أي محاولة أميركية للسيطرة بالقوة على المضيق ستفتح أسئلة شديدة التعقيد حول قانون البحار وحرية الملاحة. وتشير تحليلات قانونية إلى أن الولايات المتحدة وإيران ليستا طرفين في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكن واشنطن تعتبر حق العبور في المضائق الدولية قاعدة عرفية ملزمة، بينما تتبنى طهران قراءة أكثر تقييدًا لمرور السفن، خصوصًا العسكرية منها.
ويخشى منتقدو الخطة أن يؤدي تحويل المضيق إلى منطقة سيطرة عسكرية أميركية مباشرة إلى حرب استنزاف لا يمكن احتواؤها بسهولة. فإيران، حتى من دون السيطرة الكاملة على الممر، تملك أدوات متعددة للضغط، من الطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية إلى الجماعات الحليفة في المنطقة، ما يجعل أي وجود عسكري أميركي موسّع هدفًا دائمًا في بيئة إقليمية شديدة الاشتعال.
في المحصلة، يكشف الجدل حول مضيق هرمز أن الصراع داخل معسكر ترامب لم يعد يدور فقط حول إيران، بل حول معنى السياسة الخارجية الأميركية نفسها: هل تعود واشنطن إلى منطق السيطرة العسكرية المباشرة على الممرات الاستراتيجية، أم تكتفي باستخدام التهديد والقوة التفاوضية؟ وبينما يدفع الصقور نحو الخيار الأول، يبدو أن أي خطوة ميدانية في هرمز قد تحوّل الأزمة من اختبار دبلوماسي إلى مواجهة مفتوحة يصعب ضبط حدودها.
ملف فساد ترامب.. ثروة ترامب تفتح ملف تضارب المصالح في البيت الأبيض – مليارات العملات الرقمية وصفقات الخليج
أعادت الإفصاحات المالية السنوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح الجدل بشأن الحدود الفاصلة بين ممارسة السلطة وتحقيق الأرباح الخاصة، بعدما أظهرت أن العملات الرقمية أصبحت المصدر الأكبر لدخله، بالتزامن مع توسع أعمال عائلته في الخارج، وخصوصاً في منطقة الخليج، وتصاعد التساؤلات حول دخول مستثمرين أجانب إلى مشروعات مرتبطة بالرئيس وعائلته.
وبحسب مراجعة أجرتها وكالة رويترز للإفصاح المالي السنوي لترامب عن عام 2025، سجلت مشروعات العملات الرقمية المرتبطة بعائلته دخلاً تجاوز 1.4 مليار دولار خلال العام، وهو تحول كبير في مصادر ثروته مقارنة بأعماله التقليدية في العقارات والفنادق وملاعب الغولف.
وجاء الجزء الأكبر من هذه الإيرادات من مشروعين رئيسيين: شركة World Liberty Financial، التي شارك ترامب وأبناؤه في تأسيسها، وعملة $TRUMP الرقمية.
وأظهرت الإفصاحات أن الشركات المرتبطة بترامب تلقت قرابة 800 مليون دولار من World Liberty Financial، بينها أكثر من 520 مليون دولار من مبيعات العملات الرقمية، وأكثر من 250 مليون دولار من بيع حصص في الشركة. كما أبلغ ترامب عن 635 مليون دولار إضافية من مبيعات عملة $TRUMP.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول سريع في نموذج أعمال العائلة. ففي الإفصاح السابق، بلغ الدخل المعلن من مبيعات رموز World Liberty Financial نحو 57 مليون دولار فقط، قبل أن يقفز بصورة كبيرة خلال عام 2025، في الوقت الذي تبنت فيه الإدارة الأمريكية سياسات اعتبرها قطاع العملات الرقمية أكثر ملاءمة لنشاطه.
ولا تقتصر القضية على حجم الأرباح، بل تمتد إلى الطريقة التي أصبحت بها المكانة السياسية للرئيس متداخلة مع مشروعات مالية يمكن للأفراد والشركات والمستثمرين الأجانب ضخ الأموال فيها.
فقد خلص تحقيق منفصل لوكالة رويترز إلى أن عائلة ترامب حققت منذ عودته إلى البيت الأبيض أرباحاً لا تقل عن 2.3 مليار دولار من أبرز مشروعاتها المرتبطة بالعملات الرقمية، بينما تعرض مستثمرون خارجيون لخسائر تقدر بمبالغ مماثلة.
وبحسب التحقيق، اتبعت المشروعات نموذجاً منح عائلة ترامب القدرة على تحقيق أرباح كبيرة مع تحمل قدر محدود من المخاطر المالية المباشرة، اعتماداً على العلامة التجارية والاسم والنسب المرتفعة من مبيعات العملات والحصص.
وتقدر رويترز خسائر المستثمرين بنحو 674 مليون دولار في رموز World Liberty، وأكثر من 700 مليون دولار في عملة $TRUMP، إضافة إلى خسائر بمئات الملايين في شركات أخرى مرتبطة بمشروعات العائلة الرقمية.
وأثار هذا التباين بين أرباح العائلة وخسائر المستثمرين انتقادات واسعة، خصوصاً أن قيمة بعض الرموز هبطت بصورة حادة بعد ارتفاعها، بينما استمرت الشركات المرتبطة بالعائلة في جني عوائد من عمليات البيع والترخيص والحصص.
صفقة إماراتية بقيمة 500 مليون دولار
لكن الصفقة الأكثر إثارة للجدل جاءت من الإمارات، فقد كشفت «وول ستريت جورنال» أن مجموعة يقودها الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان اشترت حصة تبلغ 49% في World Liberty Financial مقابل 500 مليون دولار، في صفقة أُبرمت قبل أيام من تنصيب ترامب لولاية جديدة.
ووفقاً للصحيفة، ذهبت نحو 187 مليون دولار من الصفقة إلى كيانات مرتبطة بعائلة ترامب، بينما حصلت جهات مرتبطة بعائلة المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف على عشرات الملايين الأخرى.
وتكتسب الصفقة حساسية خاصة لأن طحنون بن زايد يعد من أبرز الشخصيات في منظومة الأمن والذكاء الاصطناعي والاستثمار الإماراتية، بينما كانت أبوظبي تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع قدرتها على الوصول إلى الرقائق الأمريكية المتقدمة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي.
وأثارت الوقائع لاحقاً مطالبات داخل مجلس الشيوخ الأمريكي بعقد جلسات استماع للتحقيق في الصفقة، بعدما طالب ديمقراطيون مسؤولين في الإدارة بتوضيح ما كانوا يعرفونه بشأن الأموال التي دفعت إلى شركات مرتبطة بعائلتي ترامب وويتكوف. ولم تثبت حتى الآن مخالفة جنائية أو صفقة مقايضة، فيما نفت الإدارة وجود أي تضارب في المصالح.
ولهذا فإن وصف القضية بأنها «فساد مثبت» يتجاوز ما تسمح به الأدلة المنشورة حتى الآن، لكن الصفقة تطرح بصورة مباشرة سؤالاً عن تضارب المصالح عندما تصبح جهة أجنبية مرتبطة بحكومة دولة أخرى مالكة لنصف شركة تقريباً ترتبط بعائلة الرئيس الأمريكي.
وقد أثار السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي ضجة كبرى عندما عرض ما وصفه بتسلسل زمني لفساد ترامب على مدار 500 يوم منذ تولى الرئاسة، وذلك بشكل غير مسبوق في تاريخ أمريكا.
الخليج يتحول إلى مصدر متزايد لإيرادات العائلة
لا تقف العلاقات التجارية لعائلة ترامب مع الخليج عند العملات الرقمية. فقد أظهرت الإفصاحات المالية أن ترامب حصل على عشرات الملايين من الدولارات من اتفاقيات ترخيص عقاري خارج الولايات المتحدة، وكان الشرق الأوسط أحد أبرز مصادرها.
وذكرت رويترز أن دخل ترامب من ترخيص اسمه لمشروعات عقارية في الخارج بلغ 52 مليون دولار خلال 2025، مدفوعاً بصورة أساسية باتفاقيات مع شركاء في الشرق الأوسط.
كما أفادت «فايننشال تايمز» بأن إيرادات الترخيص من المشروعات العقارية الخارجية تجاوزت 58 مليون دولار، وشملت مشروعات في السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب دول أخرى.
وتأتي هذه الأرباح في وقت شهدت فيه عائلة ترامب توسعاً سريعاً في مشروعاتها الخليجية، ما عزز الانتقادات بشأن قدرة جهات أجنبية على إقامة علاقات مالية مع عائلة الرئيس، في الوقت الذي تتخذ فيه الإدارة قرارات سياسية وعسكرية وتجارية تؤثر مباشرة في تلك الدول.
غير أن الإفصاحات نفسها لا تثبت أن القرارات الأمريكية اتُخذت مقابل هذه الاستثمارات أو نتيجة لها. وما تكشفه هو وجود تداخل غير مسبوق في الحجم بين المصالح الخاصة للرئيس وعائلته وبين أطراف أجنبية تتعامل في الوقت نفسه مع حكومته.
ترامب: لا أتدخل في إدارة أموالي
رفض ترامب الانتقادات الموجهة إليه، وقال بعد نشر الإفصاحات إنه لا يتدخل في إدارة أمواله، وإن جهات مستقلة تدير استثماراته.
كما ربط أرباحه بالأداء القوي للأسواق، قائلاً إن «الجميع يربح» عندما ترتفع سوق الأسهم.
وأكد البيت الأبيض أن ترامب وعائلته لم ينخرطوا في أي تضارب في المصالح، وأن سياسات الإدارة تجاه العملات الرقمية اتُخذت لمصلحة الولايات المتحدة لا لتحقيق مكاسب شخصية.
لكن هذا الدفاع لا ينهي الجدل القانوني والأخلاقي، فالرؤساء ونوابهم لا يخضعون بالطريقة نفسها لقواعد تضارب المصالح المفروضة على بقية موظفي السلطة التنفيذية، وهي ثغرة يقول خبراء أخلاقيات إنها أصبحت أكثر وضوحاً في عهد ترامب.
ويظل ترامب، رغم إسناد إدارة المصالح التجارية إلى أبنائه، المستفيد النهائي من الأصول التي تستقبل هذه الإيرادات، وهو ما يجعل الفصل بين الرئاسة والثروة الخاصة موضع شك دائم لدى منتقديه.
من العقارات إلى «آلة أموال» رقمية
تكشف الإفصاحات الجديدة عن تحول أعمق في إمبراطورية ترامب المالية، فالرجل الذي بنى صورته لعقود على العقارات والفنادق وملاعب الغولف بات يحصل على الجزء الأكبر من دخله من أصول رقمية يمكن بيعها عالمياً وبسرعة، ولا تحتاج إلى بناء برج أو منتجع جديد.
وفي الوقت نفسه، حافظت أعماله التقليدية على إيرادات كبيرة. فقد تجاوزت إيرادات منشآت الجولف والمنتجعات 500 مليون دولار خلال 2025، فيما ارتفعت إيرادات منتجع مارالاغو إلى 77 مليون دولار.
لكن هذه الأرقام أصبحت أقل من عوائد العملات الرقمية التي حولت اسم ترامب نفسه إلى أصل مالي يمكن تداوله وشراؤه من جانب مستثمرين داخل الولايات المتحدة وخارجها.
فالمشكلة لم تعد فقط أن رئيساً ثرياً يواصل امتلاك شركات خلال وجوده في السلطة، بل أن نموذج الأعمال الجديد يسمح بتحويل الشهرة السياسية والوصول إلى البيت الأبيض إلى منتجات مالية قابلة للشراء من مستثمرين مجهولي الهوية أو جهات أجنبية.
وفي حالة World Liberty Financial، لم يعد الأمر مجرد شراء عملة رقمية تحمل اسم الرئيس، بل وصل إلى امتلاك مجموعة يقودها مسؤول إماراتي بارز حصة تبلغ 49% من الشركة.
في المحصلة، لا تثبت الإفصاحات المنشورة أن ترامب ارتكب جريمة فساد أو قدم قراراً سياسياً مقابل منفعة مالية. لكنها تكشف حجماً استثنائياً من التداخل بين السلطة والثروة، وتظهر أن عائلة الرئيس حققت مكاسب ضخمة من قطاعات تتأثر مباشرة بقرارات إدارته، ومن صفقات مع أطراف أجنبية لها مصالح كبرى في واشنطن. دعا ذلك إلى إثارة الكثير من القضايا الأخرى المتعلقة بتضارب المصالح، ومنها مثلا ما كشفه النائب الديمقراطي مايك ليفين عن تعاقد حكومي مع كازخستان في صفقة بمليار دولار للحصول على معدن التنجستن المهم، في الوقت الذي ارتبط فيه هذا الأمر بشركة مملوكة لعائلة ترامب، ما حدا بليفين لوصف إدارة ترامب بأنها أكثر الإدارات فسادًا في التاريخ الأمريكي.
ولهذا لا يدور الجدل الحقيقي فقط حول مقدار ما كسبه ترامب، بل حول سؤال أكثر حساسية: هل ما تزال القواعد الأمريكية الحالية قادرة على الفصل بين رئيس الدولة ورجل الأعمال، عندما تصبح الرئاسة نفسها جزءاً من القيمة التجارية للمنتج؟ وهل سيتحول هذا الملف لقنبلة موقوتة تنفجر في وجه ترامب في أعقاب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس؟
(انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)
تصدّع الولاء الحزبي في واشنطن: إسرائيل وإيران تدفعان أصواتًا بارزة إلى خارج الاصطفاف التقليدي
لم يعد التوتر السياسي في الولايات المتحدة محصورًا في الصراع المعتاد بين الجمهوريين والديمقراطيين. خلال الأيام الأخيرة، برز مؤشر جديد على أزمة أعمق داخل النظام الحزبي الأميركي، بعدما أعلن المعلّق المحافظ تاكر كارلسون أنه لم يعد قادرًا على دعم الحزب الجمهوري، في موقف أعقبه إعلان مماثل من مارجوري تايلور غرين، فيما ظهرت أصوات من داخل المعسكر الديمقراطي تعبّر عن قطيعة مشابهة بسبب الموقف من إسرائيل. (شاهد)
كارلسون، الذي قدّم نفسه لسنوات بوصفه أحد أبرز المدافعين عن الحزب الجمهوري، قال في مقابلة حديثة إنه بات خارج الحزب، معتبرًا أن أي حزب سياسي في دولة ديمقراطية يجب أن يمثل ناخبيه ومواطنيه لا مصالح دولة أجنبية. ووفق ما نقلته مجلة تايم، ربط كارلسون موقفه بتصاعد الخلاف حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران وما تلاها من حرب إقليمية.
ولم يبقَ موقف كارلسون فرديًا. فقد كتبت مارجوري تايلور غرين، العضوة الجمهورية السابقة في الكونغرس، أن كارلسون “ليس الوحيد” الذي انتهى من دعم الحزب الجمهوري، مؤكدة وجود كثيرين “سئموا” من حزب قالت إنه خان ناخبيه وبلده، من دون أن يعني ذلك انتقالهم إلى المعسكر الديمقراطي. ووصفت غرين الحزب بأنه بات حزب “أميركا أخيرًا”، في إشارة إلى انقلاب واضح داخل تيار كان يُحسب سابقًا على قاعدة “أميركا أولًا”.
هذا التصدّع لا يقتصر على اليمين الأميركي. على الضفة الديمقراطية، أعلنت الإعلامية السابقة في MSNBC جوي ريد أنها لم تعد قادرة على التصويت لأي ديمقراطي لا يتعهد بإنهاء العلاقة الأميركية الخاصة مع إسرائيل. وجاء موقفها خلال حوار مع الكاتب تا-نهيسي كوتس، حيث ربطت ريد رفضها للحزب الديمقراطي بموقفه من إسرائيل والحرب في غزة.
تعكس هذه المواقف تحوّلًا أوسع في المزاج السياسي الأميركي. فبحسب غالوب، سجّلت نسبة الأميركيين الذين يعرّفون أنفسهم كمستقلين رقمًا قياسيًا بلغ 45% في عام 2025، مقابل 27% فقط لكل من الديمقراطيين والجمهوريين. هذا يعني أن أكبر كتلة سياسية في الولايات المتحدة لم تعد تشعر بالانتماء الصريح إلى أي من الحزبين الكبيرين.
في خلفية هذا المشهد، يتحول ملف إسرائيل إلى نقطة اختبار حادة داخل الحزبين. داخل الحزب الديمقراطي، أصبحت العلاقة مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “AIPAC” محورًا متكررًا في الانتخابات التمهيدية، مع تصاعد عدد المرشحين الديمقراطيين الذين يجعلون رفض دعم اللوبي المؤيد لإسرائيل جزءًا من حملاتهم. وتشير رويترز إلى أن أكثر من 100 مرشح ديمقراطي حظوا بدعم مجموعات مناهضة لـAIPAC، في حين تدافع المنظمة عن دورها بوصفه دعمًا لشراكة أميركية ـ إسرائيلية قوية.
كما أظهرت استطلاعات حديثة تراجعًا في صورة إسرائيل داخل الرأي العام الأميركي، خصوصًا بين الديمقراطيين والمستقلين المائلين للحزب الديمقراطي. فقد نقلت ABC News عن مركز بيو أن 80% من الديمقراطيين والديمقراطيين المائلين للحزب لديهم نظرة غير مؤيدة لإسرائيل، وهو رقم يعكس عمق التحول داخل قاعدة الحزب.
لكن اللافت في الأزمة الحالية أنها لا تنتج اصطفافًا بديلًا واضحًا. فكارلسون وغرين لا يعلنان تحولهما إلى الديمقراطيين، وجوي ريد لا تقترب من الجمهوريين. ما يظهر هو ميل متزايد إلى الانسحاب من الولاء الحزبي نفسه، والبحث عن موقف سياسي خارج الثنائية التقليدية التي حكمت السياسة الأميركية لعقود.
ما يبدو هو أن هذا السخط لا يُقدَّم فقط بوصفه خلافًا حول إسرائيل، بل كاعتراض أوسع على بنية القرار السياسي في واشنطن: من تمويل الحملات، إلى نفوذ جماعات الضغط، إلى استخدام القضايا الثقافية لصرف الانتباه عن الاقتصاد والحروب والسياسة الخارجية. غير أن تحويل هذه الاتهامات إلى حقائق نهائية يبقى بحاجة إلى تدقيق مستقل، خصوصًا حين تتداخل الانتقادات السياسية مع لغة حادة يمكن أن تنزلق إلى تعميمات دينية أو عرقية.
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة أمام لحظة سياسية مختلفة: ليست مجرد منافسة انتخابية بين حزبين، بل أزمة ثقة في معنى التمثيل نفسه. فحين يخرج رموز من اليمين واليسار في الوقت ذاته ليقولوا إن أحزابهم لم تعد تمثلهم، فإن السؤال لم يعد: من سيربح الانتخابات المقبلة؟ بل: هل ما زال النظام الحزبي الأميركي قادرًا على احتواء ناخبيه؟
ممداني يختبر حدود نفوذه في نيويورك.. اليسار الديمقراطي يتقدم داخل معاقل الحزب
كشفت الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في نيويورك عن تحوّل لافت داخل الحزب الديمقراطي، بعدما حقق مرشحون تقدميون مدعومون من عمدة نيويورك زهران ممداني فوزًا واسعًا في سباقات مجلس النواب، في نتيجة بدت أقرب إلى استفتاء سياسي على صعود التيار اليساري داخل المدينة وتأثيره المتزايد على خريطة الحزب. وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن قائمة المرشحين المدعومين من ممداني أطاحت بديمقراطيين مدعومين من المؤسسة الحزبية، بينهم عضوان حاليان في الكونغرس (شاهد).
لم يكن فوز المرشحين الثلاثة مجرد نتيجة محلية، بل إشارة إلى قدرة ممداني على تحويل شعبيته في نيويورك إلى نفوذ انتخابي مباشر داخل الحزب الديمقراطي. فقد دعم العمدة مرشحين يطرحون خطابًا اقتصاديًا يساريًا يركز على الطبقة العاملة، العدالة الاجتماعية، كلفة المعيشة، ومساءلة أصحاب الثروة والنفوذ. ووصفت تقارير أمريكية النتيجة بأنها “اكتساح” للتيار التقدمي في عدد من الدوائر الديمقراطية الآمنة.
في الدائرة السابعة، فازت كلير فالديس على أنطونيو رينوسو، رئيس منطقة بروكلين، في سباق كان يحمل رمزية واضحة؛ إذ حصلت فالديس على دعم ممداني، بينما جاء رينوسو مدعومًا من النائبة المتقاعدة نيديا فيلاسكيز. أما في الدائرة الثالثة عشرة، فقد حققت دارياليزا أفيلا شوفالييه واحدة من أبرز المفاجآت بإطاحتها النائب أدريانو إسبايات، وهو من الوجوه الديمقراطية البارزة في نيويورك.
وفي سباق آخر شديد الأهمية، تمكن براد لاندر، المراقب المالي السابق للمدينة، من هزيمة النائب دان غولدمان، في نتيجة عكست تنامي وزن القضايا المرتبطة بالعدالة الاقتصادية والسياسة الخارجية داخل قواعد الحزب. وذكرت “أكسيوس” أن دعم ممداني كان عاملًا مهمًا في انتصار لاندر، كما وضع السباق في إطار مواجهة أوسع بين جناح ممداني التقدمي وقيادات ديمقراطية تقليدية فضّلت حماية النواب الحاليين.
الحرب في غزة حضرت أيضًا في خلفية هذه السباقات، خصوصًا في المنافسة بين لاندر وغولدمان، حيث برزت مواقف المرشحين من إسرائيل وحقوق الفلسطينيين كعامل مؤثر داخل جزء من القاعدة الديمقراطية في نيويورك. وذكرت “الغارديان” أن انتصار لاندر (وهو يهودي الأصل)جاء مدفوعًا بطاقة انتخابية شبابية وتقدمية، مع إبراز مواقفه المنتقدة لسياسات إسرائيل في غزة.
لكن نيويورك لم تكن وحدها ساحة التحولات. ففي مانهاتن، تحوّل سباق آخر إلى اختبار غير مباشر لنفوذ شركات الذكاء الاصطناعي في السياسة الأمريكية. فقد أصبح ترشح أليكس بوريس إلى الكونغرس محور مواجهة بين مجموعات ممولة من أطراف مختلفة داخل قطاع التكنولوجيا، بسبب مواقفه المؤيدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي وخلفيته السابقة في شركة بالانتير. ووصفت أسوشيتد برس السباق بأنه خلاف داخلي في صناعة الذكاء الاصطناعي حول مستقبل التنظيم الفيدرالي للقطاع.
ورغم الإنفاق الكبير في هذا السباق، خسر بوريس أمام ميكا لاشر، الذي قدّم فوزه بوصفه رفضًا لمحاولة شركات التكنولوجيا الكبرى فرض نفوذها على القرار السياسي. وقالت تقارير أمريكية إن لاشر وجّه بعد فوزه رسالة حادة إلى عمالقة التكنولوجيا، مؤكدًا أنه لن يسمح لها بإملاء مواقفه في قضايا حماية الأطفال والوظائف والبيئة.
خارج نيويورك، أظهرت الانتخابات التمهيدية صورة أكثر تعقيدًا للمشهد الأمريكي. ففي كارولاينا الجنوبية، حاول الرئيس دونالد ترامب تجنب انتكاسة جديدة بعد خسارة مرشحين سبق أن دعمهم في سباقات حكام الولايات، فاختار دعم طرفين في جولة الإعادة بدل الاكتفاء بمرشح واحد. أما في يوتا، فقد فاز النائب الديمقراطي السابق بن ماك آدامز في دائرة جديدة ذات أغلبية ديمقراطية، متقدمًا على مرشحين أكثر يسارية، في مؤشر على أن صعود اليسار لا يعني بالضرورة تراجع التيار المعتدل في كل الولايات.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن الحزب الديمقراطي يدخل مرحلة إعادة تشكيل داخلية، لا تدور فقط حول أسماء المرشحين، بل حول طبيعة الخطاب السياسي نفسه. ففي نيويورك، يتقدم خطاب ممداني القائم على الطبقة العاملة والاشتراكية الديمقراطية وانتقاد المال السياسي. وفي المقابل، تبقى ولايات أخرى أكثر ميلًا إلى اختيار وجوه معتدلة قادرة على مخاطبة ناخبين أوسع.
الرسالة الأبرز من هذه الانتخابات أن ممداني لم يعد مجرد عمدة تقدمي لمدينة كبرى، بل أصبح لاعبًا قادرًا على التأثير في تركيبة الوفد الديمقراطي القادم إلى الكونغرس. وإذا فاز حلفاؤه في الانتخابات العامة كما هو متوقع في دوائر ديمقراطية آمنة، فإن يناير المقبل قد يشهد دخول كتلة جديدة أكثر قربًا من خطه السياسي إلى مجلس النواب، بما يمنح اليسار الديمقراطي حضورًا أكبر داخل واشنطن.
ممداني يتحول إلى مركز ثقل في نيويورك.. انتصارات اليسار تهز المؤسسة الديمقراطية
لم تعد نتائج الانتخابات التمهيدية في نيويورك مجرد انتصار لمرشحين تقدميين، بل تحولت إلى إعلان سياسي واضح عن صعود عمدة المدينة زهران ممداني كأحد أبرز مراكز النفوذ داخل الحزب الديمقراطي المحلي، بعدما ساعدت تأييداته ثلاثة مرشحين على تحقيق انتصارات كبيرة، بينها إسقاط نائبين حاليين في الكونغرس.
فبعد عام واحد فقط من فوزه المفاجئ في الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك على أندرو كومو، عاد ممداني ليؤكد أن لحظة صعوده لم تكن استثناءً عابرًا. وقال خلال إحدى الفعاليات الانتخابية إن ما جرى في حزيران/يونيو الماضي “لم يكن النهاية، بل البداية”، في إشارة إلى انتقال مشروعه السياسي من البلدية إلى سباقات الكونغرس.
أبرز نتائج هذه الجولة تمثلت في فوز دارياليزا أفيلا شوفالييه على النائب أدريانو إسبايات، رئيس الكتلة اللاتينية في الكونغرس، رغم أن إسبايات كان من بين الديمقراطيين الذين دعموا ممداني بعد فوزه على كومو في الانتخابات التمهيدية العام الماضي. كما فازت كلير فالديس في السباق على مقعد النائبة المتقاعدة نيديا فيلاسكويز، متقدمة على رئيس منطقة بروكلين أنطونيو رينوسو، الذي حظي بدعم فيلاسكويز نفسها.
وفي سباق ثالث، دعم ممداني المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك براد لاندر ضد النائب دان غولدمان، الذي كان قد رفض تأييد ممداني في سباق البلدية بسبب مواقفه المنتقدة لإسرائيل. وانتهى السباق بفوز واضح للاندر، في نتيجة عززت صورة ممداني بوصفه لاعبًا قادرًا على تغيير موازين القوى داخل الدوائر الديمقراطية الآمنة.
لكن هذه الانتصارات فتحت في المقابل مواجهة داخلية حادة مع المؤسسة الديمقراطية التقليدية. فزعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، المنتمي إلى بروكلين، بات يواجه واقعًا جديدًا بعد خسارة نائبين حاليين وصعود مجموعة من الوجوه اليسارية المرتبطة بممداني ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا DSA.
ورغم أن جيفريز قال إن علاقته بممداني “جيدة جدًا”، فقد أقر بوجود خلافات واضحة حول بعض التأييدات الانتخابية. كما أشار إلى أن ممداني سيكون مطالبًا بإجراء محادثات مع أعضاء الكونغرس بعد هذه المعارك، في محاولة لاحتواء آثار الانقسام داخل الوفد الديمقراطي في نيويورك.
أما داخل مجلس المدينة، فتبدو العلاقات أكثر توترًا. فقد نقلت CNN عن أحد أعضاء المجلس أن بعض الحلفاء السابقين لممداني يشعرون بأنه لا يقبل الشراكة إلا وفق شروطه، وأن هناك نقاشات حول كيفية الضغط عليه سياسيًا، سواء عبر تعطيل تمويل بعض أجندته أو بطرق أصغر لإضعاف نفوذه داخل المدينة.
من جهته، يدافع فريق ممداني عن هذه المعارك باعتبارها نموذجًا جديدًا للسياسة في نيويورك. وقالت مديرة اتصالاته آنا بحر إن العمدة يقدم سياسة لا تعتمد على المليارديرات أو المستشارين، بل تضع احتياجات الطبقة العاملة في المركز. وترى حملة ممداني أن فوز المرشحين الثلاثة دليل على أن الناخبين يريدون خطابًا أكثر التصاقًا بقضايا السكن، المعيشة، العدالة الاجتماعية، والإنفاق العام.
غير أن ملف السياسة الخارجية، وخاصة الحرب في غزة والموقف من إسرائيل، ظل حاضرًا بقوة في هذه السباقات. فقد رفع عدد من المرشحين شعارًا مفاده أن “فلسطين على ورقة الاقتراع”، وربط ممداني بين قضية القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ومعارضة الدعم الأمريكي لإسرائيل، معتبرًا أن ناخبي نيويورك يريدون سياسيين يتحدثون عن “الأطفال لا القنابل”.
هذا الخطاب زاد من حدة التوتر مع شخصيات ديمقراطية ويهودية في المدينة، خصوصًا بعد انتقادات وجهت إلى ممداني بسبب وصفه جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، بينها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، ضمن خطاب انتقادي حاد للمال السياسي. واتهمه منتقدون بتغذية بيئة سياسية أكثر استقطابًا، بينما يقول أنصاره إن الهجوم عليه يهدف إلى إسكات نقد النفوذ المالي والسياسي في الحملات الانتخابية.
ولم تقتصر الانتقادات على النواب الخاسرين أو المؤيدين لإسرائيل. فقد أعربت المدعية العامة في نيويورك ليتيسيا جيمس، التي كانت من داعمي ممداني في حملته، عن خيبة أملها من بعض تأييداته، معتبرة أن بعض المرشحين الذين دعمهم لا يفهمون التعقيدات العرقية والطبقية والتاريخية في دوائر نيويورك. وحذرت من أن الإحباط من الحزب الديمقراطي لا يعني “تفجيره من الداخل”.
تكشف هذه النتائج عن تحول أعمق في سياسة نيويورك. فممداني لم يعد مجرد عمدة تقدمي وصل إلى السلطة عبر موجة احتجاجية ضد المؤسسة، بل بات قادرًا على صناعة مرشحين وإسقاط آخرين، وإعادة تعريف حدود القوة داخل الحزب الديمقراطي. وفي المقابل، تواجه المؤسسة الحزبية سؤالًا صعبًا: هل تتكيف مع هذا الصعود اليساري، أم تدخل في مواجهة مفتوحة معه؟
في المحصلة، أظهرت الانتخابات التمهيدية أن نيويورك أصبحت مختبرًا لصراع أوسع داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي: صراع بين سياسة التحالفات التقليدية والمؤسسات القديمة من جهة، وسياسة يسارية شعبوية ترى أن الطريق إلى السلطة يمر عبر تحدي تلك المؤسسات لا مهادنتها. وبينما يحتفل ممداني وحلفاؤه بثلاثية انتخابية لافتة، تبدو معركة النفوذ داخل الحزب قد بدأت للتو.
فريد زكريا: الليبرالية تخسر لأنها تحولت من تمرد على السلطة إلى أيديولوجيا المؤسسة
في لحظة يتقدم فيها الاشتراكيون الديمقراطيون داخل مدن أمريكية كبرى، ويتوسع فيها الخطاب الشعبوي على ضفتي الأطلسي، يدعو الكاتب فريد زكريا الليبراليين إلى مراجعة جذرية لموقعهم السياسي. فالمشكلة، كما يطرحها في مقال رأي في واشنطن بوست، ليست أن الليبرالية انتهت، بل أنها فقدت طبيعتها الأصلية كقوة متمردة على الامتياز والاحتكار والسلطة المتكلسة.
يرى زكريا أن الليبرالية وُلدت تاريخيًا بوصفها مشروعًا راديكاليًا، لا أيديولوجيا محافظة على الوضع القائم. فقد هاجمت الامتيازات الموروثة، وسلطة الأرستقراطية، والرقابة، والاحتكارات، والنقابات المغلقة، وهيمنة رجال الدين. لكن الليبرالية الحديثة، وفق هذا التشخيص، أصبحت مرتبطة بالمؤسسات الكبرى: الجامعات، الإعلام، الشركات، البيروقراطيات، والمنظمات الوقفية، أي بالمنظومة التي كان يفترض بها مساءلتها لا تمثيلها. ويستند زكريا في ذلك إلى كتاب أدريان وولدريدج الجديد “المركز الثوري”، الذي يعيد قراءة تاريخ الليبرالية بوصفها قوة تغيير لا قوة إدارة.
وتأتي أطروحة زكريا في سياق سياسي متحرك. ففي بريطانيا، برز آندي بيرنهام بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة كير ستارمر، حاملًا خطابًا يجمع بين العدالة الاجتماعية والانفتاح على الأعمال، فيما وصفته رويترز بأنه “مانشستريزم”، أي رؤية لإعادة توزيع السلطة بعيدًا عن لندن وتعزيز التنمية المحلية.
أما في الولايات المتحدة، فقد أظهرت الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في نيويورك تقدمًا واضحًا للتيار اليساري، بعدما فاز مرشحون مدعومون من عمدة نيويورك زهران ممداني ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا على شخصيات محسوبة على المؤسسة الحزبية. ووصفت الغارديان هذه النتائج بأنها مؤشر على أن ممداني وحلفاءه احتفظوا بزخم سياسي قادر على التأثير في مستقبل الحزب الديمقراطي داخل المدن الكبرى.
لكن زكريا لا يقدم هذه التطورات باعتبارها دليلًا على أن اليسار كله يتجه نحو الاشتراكية. فخارج نيويورك، لا يزال الديمقراطيون المعتدلون قادرين على الفوز في دوائر تنافسية، كما أن شخصيات وسطية أو ذات خلفيات أمنية وعسكرية حققت نتائج مهمة في بعض السباقات. المشكلة، في رأيه، تخص نوعًا محددًا من الليبرالية فقد ثقته بنفسه وصلته بالناس الذين يدعي تمثيلهم.
ويحدد زكريا إخفاقين رئيسيين لليبرالية المعاصرة. الأول هو السلبية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، احتفت الليبرالية بالأسواق الحرة والحريات الفردية، لكنها غالبًا تعاملت مع النتائج السلبية بوصفها ثمنًا طبيعيًا للحرية. في الاقتصاد، سمح ذلك بتمدد الاحتكارات واتساع اللامساواة. وفي الحياة الاجتماعية، جعل الليبراليين مترددين في تسمية بعض السلوكيات المدمرة بأسمائها، سواء تعلق الأمر بالإدمان، أو التفكك الاجتماعي، أو هيمنة شركات التكنولوجيا والغذاء على سلوك الأفراد.
من هنا يستعيد زكريا، عبر وولدريدج، فكرة “الأبوية الليبرالية”، وهي عبارة صادمة للأذن الحديثة، لكنها تعني في هذا السياق أن المجتمع الليبرالي لا يكتفي بحماية الحقوق الفردية، بل يطالب أيضًا بالمسؤولية الفردية. فالحرية لا تتهدد فقط من تدخل الدولة، بل قد تتهدد كذلك من الاحتكار، والإدمان، والجريمة، والجهل، والاعتماد المرضي على الآخرين.
أما الإخفاق الثاني فيتعلق بتحول الجدارة إلى أرستقراطية جديدة. فالليبرالية دافعت تاريخيًا عن صعود الناس بجهدهم وموهبتهم لا بميلادهم أو طبقتهم أو عرقهم. لكن النخب الليبرالية، بمرور الزمن، بنت لنفسها أنظمة حماية ناعمة: جامعات مغلقة، أحياء ترفض بناء مساكن جديدة، بيروقراطيات تنوع تقيس الأفراد عبر هويات جماعية، ونظام تعليمي يعيد إنتاج الامتياز بدل كسره.
وفي هذا الفراغ تحديدًا، يجد الاشتراكيون الديمقراطيون والشعبويون اليمينيون فرصة للنمو. فالناس، كما يقول زكريا ضمنيًا، لا يبحثون فقط عن خطاب عقلاني، بل عن قوة تبدو مستعدة للقتال من أجلهم. اليسار يقدم صراع الطبقات وسيطرة الدولة، واليمين يقدم الحماية والحنين والاستياء، لكن كليهما يظهر بمظهر الخارج على المؤسسة، بينما تبدو الليبرالية وكأنها تدافع عن نظام لم يعد يقنع كثيرين.
ولا يعني ذلك، في قراءة زكريا، التخلي عن الأسواق أو الجدارة أو الفردانية. بل يعني استعادتها من صورتها المشوهة. فالسوق الليبرالية الحقيقية ليست سوقًا تحتكرها أربع شركات كبرى، بل ساحة يستطيع فيها الداخلون الجدد الصعود، والمستهلكون الاختيار، والعمال الانتقال، والشركات الفاشلة السقوط. والجدارة الحقيقية ليست نظامًا يخفي الامتيازات تحت لغة الاستحقاق، بل مسارًا يمنح الطفل الفقير فرصة فعلية للمنافسة.
لذلك، يدعو زكريا إلى ليبرالية أكثر صدامًا مع الاحتكار، والامتياز الموروث، والأنظمة المغلقة، والألعاب المزوّرة. ليبرالية تواجه سلطة الشركات حين تخنق المنافسة، وسلطة الدولة حين تحمي أصحاب المصالح، والسلطة الثقافية حين تستبدل كرامة الفرد بتصنيفات جماعية جامدة.
في المحصلة، لا يرى زكريا أن إنقاذ الليبرالية يكون بتحويلها إلى نسخة مخففة من الاشتراكية أو الشعبوية، بل بإعادتها إلى أصلها: مشروع تمرد على السلطة المتكلسة. فالمركز، كما يوحي عنوان وولدريدج، لا يمكن أن يكون مجرد نقطة وسط بين اليمين واليسار؛ عليه أن يكون “ثوريًا” بطريقته الخاصة. فالليبرالية بدأت كقوة لتحرير الإنسان من الامتياز والوصاية والاحتكار، ولن تنجو اليوم إلا إذا استعادت تلك الروح.
حديث عن حزب ثالث يهز اليمين الأمريكي.. هل يغادر كارلسون وجرين عباءة الجمهوريين؟
تتسع داخل اليمين الأمريكي دائرة التمرد على الحزب الجمهوري، مع انتقال الخلاف من مجرد انتقاد لقيادته وسياساته الخارجية إلى نقاش أكثر جدية بشأن تأسيس حزب ثالث يجمع شخصيات من اليمين واليسار تحت شعار مواجهة المؤسسة السياسية والحروب ونفوذ المال.
وجاءت أحدث المؤشرات من مارجوري تايلور جرين، التي أكدت وجود محادثات جدية مع شخصيات سياسية وإعلامية بشأن بناء حركة أو حزب جديد يركز على المصالح الأمريكية، ويبتعد عن الاصطفاف التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين.
ورأت جرين أن الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون يمكن أن يشكل تهديداً حقيقياً للحزبين، نظراً إلى قدرته على جذب مستقلين وجمهوريين، وربما بعض الديمقراطيين أيضاً. لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن إنشاء حزب ثالث لا يمكن إنجازه خلال دورة انتخابية أو اثنتين، بل يتطلب بناء حركة سياسية طويلة الأمد وقاعدة تنظيمية قادرة على منافسة الحزبين الكبيرين.
ويتقاطع هذا الطرح مع تحول واضح في خطاب كارلسون نفسه. فبعد عقود من الانتماء إلى الحزب الجمهوري، أعلن أنه لم يعد قادراً على دعمه، معتبراً أن الحزبين يتفقان في القضايا التي يراها الأكثر أهمية، خصوصاً الحروب ومصادر المال ووجهة الإنفاق ومن يدفع الثمن.
وبالنسبة إلى كارلسون، فإن تشابه الجمهوريين والديمقراطيين في ملفات السياسة الخارجية، ولا سيما بعد عودة الولايات المتحدة إلى حروب تغيير الأنظمة، يجعل النظام السياسي أقرب إلى حزب واحد بواجهتين مختلفتين.
ورغم تأكيده أنه لا يريد الترشح للرئاسة، أعلن استعداده للمساهمة في بناء حزب ثالث، في خطوة تعكس عمق القطيعة المتزايدة بين جزء من قاعدة “أمريكا أولاً” والمؤسسة الجمهورية.
غير أن الطريق أمام أي حزب جديد يبدو شديد الصعوبة. فالنظام الانتخابي الأمريكي يمنح الحزبين الكبيرين أفضلية هائلة، ليس فقط بسبب المال وشبكات التمويل، بل أيضاً بسبب الولاءات الحزبية الصلبة التي تضمن لكل منهما قاعدة ثابتة من الناخبين.
وفي ظل هذا النظام، قد يؤدي خروج جزء من الجمهوريين إلى حزب جديد إلى تفتيت أصوات اليمين أكثر مما يؤدي إلى إسقاط الثنائية الحزبية، الأمر الذي قد يجعل الحزب الجديد مجرد عامل ترجيح يسمح للديمقراطيين بالفوز.
وتزداد هذه المعضلة رغم ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين يعرفون أنفسهم كمستقلين إلى مستويات تاريخية. فوجود كتلة كبيرة خارج الحزبين لا يعني بالضرورة قدرتها على التحول إلى قوة انتخابية موحدة، خصوصاً أن المستقلين أقل انتظاماً في التصويت، بينما يتمتع الحزبان بقواعد منظمة ومعتادة على المشاركة في الانتخابات.
لهذا يبرز خيار آخر قد يكون أكثر واقعية: بدلاً من تأسيس حزب جديد، يمكن للتيارات المتمردة محاولة السيطرة على أحد الحزبين من الداخل وتغيير اتجاهه.
وتدعم التجربة الأمريكية هذا الاحتمال. فقد نجح دونالد ترامب في السيطرة على الحزب الجمهوري من داخله، كما حاولت حركة “حزب الشاي” قبله إعادة تشكيل هوية الحزب، بينما يعمل الاشتراكيون الديمقراطيون وحلفاؤهم اليوم على تغيير الحزب الديمقراطي عبر الانتخابات التمهيدية.
وتظهر المقارنة بين الحزب الأخضر والاشتراكيين الديمقراطيين الفارق بين المسارين. فالحزب الأخضر بقي محدود التأثير رغم استمراره لعقود، بينما استطاع اليسار الذي يعمل داخل الحزب الديمقراطي إيصال مرشحين إلى الكونغرس وبناء قواعد محلية مؤثرة.
من هنا، قد يكون الحديث عن حزب ثالث أداة ضغط على الجمهوريين بقدر ما هو مشروع انفصال حقيقي عنهم.
فالهدف المحتمل لكارلسون وجرين وشخصيات أخرى، مثل النائب توماس ماسي، قد يكون إعادة توجيه الحزب الجمهوري نحو سياسة خارجية أقل تدخلاً، ورفض الحروب، والعودة إلى خطاب “أمريكا أولاً” الذي يشعر جزء من القاعدة بأن ترامب نفسه ابتعد عنه.
لكن تجربة “حزب الشاي” تقدم تحذيراً مهماً. فالحركة بدأت بوصفها تمرداً واسعاً على المؤسسة السياسية والإنفاق الحكومي، لكنها افتقرت إلى رؤية أيديولوجية متماسكة، وانتهت عملياً داخل ظاهرة ترامب.
فالغضب وحده لم يكن كافياً لبناء حركة مستقلة، وتحولت القضايا التي رفعتها الحركة إلى ولاء لشخص واحد، حتى عندما تبنى ترامب سياسات تتناقض مع بعض شعاراتها الأصلية، خصوصاً في الإنفاق والعجز المالي.
وهذه التجربة تفتح نقاشاً أوسع حول قدرة الحركات السياسية على البقاء بعد قادتها. فالتحول إلى “عبادة شخصية” يجعل الحركة مرتبطة بشعبية فرد، ويترك مستقبلها غامضاً بمجرد غيابه.
وفي المقابل، ينظر بعض المراقبين إلى صعود اليسار الديمقراطي في نيويورك بوصفه نموذجاً مختلفاً. فرغم أهمية الشخصيات القيادية والكاريزما السياسية، يجري توظيف الشعبية لبناء شبكة أوسع من المرشحين والتنظيمات والبرامج المشتركة.
وتكمن أهمية هذا النموذج في القدرة على نقل الناخبين من مرشح إلى آخر، بدلاً من بقاء التحالف مرتبطاً بشخص واحد. فإذا نجح التيار في تكرار النموذج في ولايات ومدن أخرى، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير الحزب الديمقراطي من الداخل بصورة أكثر استدامة.
أما داخل الجمهوريين، فلا تزال المشكلة أن التحالف الذي بناه ترامب يبدو شديد الارتباط بشخصه. فقد استطاع جذب ناخبين لم يكن الجمهوريون التقليديون قادرين على الوصول إليهم، لكن لا توجد ضمانات بأن تنتقل هذه القاعدة إلى خليفته.
ويزيد الغموض حول موقف كارلسون نفسه، الذي أعلن خروجه من الحزب الجمهوري لكنه لا يزال يبدي تعاطفاً مع نائب الرئيس جي دي فانس، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الانفصال نهائياً بالفعل، أم أنه محاولة للضغط على الحزب وتغيير اتجاهه.
في المحصلة، لا يبدو تأسيس حزب ثالث منافس للجمهوريين والديمقراطيين مشروعاً قريباً أو سهلاً، رغم وجود محادثات جدية واتساع السخط على الحزبين.
لكن أهمية النقاش لا تكمن فقط في احتمال ظهور حزب جديد، بل في ما يكشفه من أزمة أعمق داخل السياسة الأمريكية. فجزء من اليمين لم يعد يثق بالجمهوريين، وجزء من اليسار يرى الحزب الديمقراطي هيكلاً فارغاً يمكن السيطرة عليه، بينما تتسع كتلة المستقلين وتضعف الثقة بالمؤسسات التقليدية.
وقد يكون السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان كارلسون وجرين سيؤسسان حزباً ثالثاً، بل ما إذا كانا يحاولان بناء قوة جديدة خارج الحزب الجمهوري، أم استخدام تهديد الانفصال لإعادة تشكيله من الداخل.
سويسرا وألمانيا تضيقان الطريق أمام بالانتير.. السيادة الرقمية تتحول إلى ملف أمني أوروبي
يتسع في أوروبا الجدل حول الاعتماد على برمجيات شركة بالانتير الأمريكية في القطاعات الحكومية والأمنية، بعدما كشفت تقارير حديثة عن تحفظات سويسرية وألمانية متزايدة تجاه استخدام أدوات الشركة في معالجة البيانات الحساسة، وسط مخاوف تتصل بسيادة البيانات، والأمن القومي، والاعتماد على مزودين أمريكيين في ملفات أمنية داخلية.
في سويسرا، لا تشير المعطيات المتاحة إلى إنهاء عقود حكومية قائمة مع بالانتير، بل إلى أن الشركة فشلت في الحصول على عقود اتحادية رغم محاولات امتدت لسنوات. وذكرت منصة Swissinfo أن الحكومة والجيش السويسريين تجنبا حتى الآن التعاون مع الشركة، وأن “أي اتفاق لم يتم” رغم اهتمام الشركة بالسوق السويسرية.
كما كشفت مجلة Republik السويسرية، في تحقيق استند إلى وثائق داخلية وطلبات حرية معلومات، أن عروض بالانتير قوبلت بالرفض من جهات حكومية وعسكرية سويسرية. ووفق التقرير، لم يكن الاعتراض مرتبطًا فقط بكفاءة البرنامج، بل بمخاوف أعمق تتعلق باحتمال نشوء تبعية طويلة الأمد لمزود أجنبي، وبمدى قدرة سويسرا على حماية بياناتها السيادية من النفوذ القانوني والاستخباراتي الأمريكي.
وتحول الملف إلى قضية قضائية وإعلامية بعدما رفعت بالانتير دعوى ضد مجلة Republik مطالبة بنشر ردود على تحقيقاتها. غير أن المحكمة التجارية في زيورخ رفضت معظم طلبات الشركة، إذ خسرت بالانتير 22 طلبًا من أصل 23، في حكم زاد من تسليط الضوء على القلق الأوروبي من استخدام تقنيات أمريكية في وظائف حكومية حساسة.
في ألمانيا، اتخذت المخاوف مسارًا أكثر وضوحًا داخل المؤسسة العسكرية. فقد نقلت رويترز عن مسؤول في القوات المسلحة الألمانية أن الجيش لا يخطط لمنح عقود لشركة بالانتير في مشاريع مرتبطة بالبيانات والتحليل العسكري، في مؤشر إلى تفضيل برلين حلولًا أوروبية أو محلية في الملفات الدفاعية الحساسة.
كما أفادت وكالة الأناضول بأن الجيش الألماني استبعد الشركة من مشروع سحابة عسكرية بسبب مخاوف أمنية وسيادية، مشيرة إلى أن برلين تتجه نحو بدائل ألمانية وأوروبية لتقليل الاعتماد على شركات تكنولوجيا أمريكية مرتبطة بعقود أمنية واستخباراتية واسعة.
ولا يعني ذلك أن ألمانيا أغلقت الباب كليًا أمام بالانتير في كل المستويات. فبعض الولايات الألمانية تستخدم أو ناقشت استخدام أدوات مشابهة في عمل الشرطة، لكن الاتجاه الاتحادي يبدو أكثر حذرًا، خصوصًا في القطاعات السيادية. وذكرت صحيفة لوموند أن جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني اختار منصة Argonos التابعة لشركة ChapsVision الفرنسية، في خطوة فسّرتها الصحيفة بأنها جزء من توجه أوسع لتقليل الاعتماد على بالانتير في العمل الأمني.
وتعكس هذه التحركات تحولًا أوروبيًا أوسع في مفهوم “السيادة الرقمية”. فلم تعد القضية مقتصرة على حماية البيانات الشخصية أو الالتزام بقوانين الخصوصية، بل أصبحت مرتبطة بمن يملك البنية التقنية التي تعالج بيانات الجيش، والشرطة، والاستخبارات، والصحة، والإدارة العامة.
بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية، تطرح بالانتير معضلة مزدوجة: فهي تقدم أدوات متقدمة لتحليل البيانات وربط المعلومات، لكنها في الوقت ذاته شركة أمريكية ذات صلات عميقة بالمؤسسة الأمنية والعسكرية في الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل استخدامها في مؤسسات أوروبية حساسة موضع تساؤل سياسي وقانوني، خصوصًا في ظل تصاعد المخاوف من النفوذ الأمريكي على البيانات العابرة للحدود.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر برفض التكنولوجيا الأمريكية من حيث المبدأ، بل بإعادة تعريف حدود الاعتماد عليها. فسويسرا اختارت عدم منح بالانتير موطئ قدم داخل بنيتها الحكومية الحساسة، بينما تتحرك ألمانيا نحو بدائل أوروبية في المجالين العسكري والاستخباراتي. وبين الحالتين، تظهر رسالة أوروبية واضحة: البرمجيات التي تدير بيانات الدولة لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي.
مع تنامي المعارك السياسية في أمريكا…مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تشعل معركة سياسية في ميشيجان
في خضم المعارك السياسية الحادة الجارية الآن في الولايات المتحدة، تتحول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من قضية تقنية واستثمارية إلى ملف سياسي متصاعد، مع تنامي المخاوف من تأثيرها على أسعار الطاقة وقيمة العقارات والوظائف، بالتوازي مع جدل أوسع بشأن سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على البيانات وتنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والعمليات العسكرية.
وتبرز هذه القضية بقوة في ولاية ميشيجان، حيث جعل المرشح الديمقراطي للكونغرس ويل لورنس مواجهة توسع مراكز البيانات محوراً أساسياً في حملته عن الدائرة السابعة، إحدى أبرز الدوائر المتأرجحة التي قد تسهم في تحديد الحزب المسيطر على مجلس النواب الأمريكي.
ولم تكن مراكز البيانات في البداية ضمن القضايا الأساسية لحملة لورنس، إلا أن موجة من المشروعات المقترحة في أنحاء ميشيغان، مستفيدة من حوافز ضريبية أقرتها الولاية بدعم من الحزبين، دفعت الملف إلى صدارة الاهتمام المحلي.
وتتركز الاعتراضات بصورة أساسية على الطريقة التي تُدار بها هذه المشروعات، إذ تدخل الشركات في مفاوضات مع السلطات المحلية قبل إطلاع السكان على التفاصيل، وسط انتقادات لتوقيع بعض المسؤولين اتفاقيات عدم إفشاء، ثم تقديم المشروعات لاحقاً باعتبارها فرصة استثمارية لا يمكن رفضها.
ويقول معارضو هذه المشروعات إن المجتمعات المحلية تُوضع أمام خيار قسري: إما استقبال الاستثمارات الضخمة أو المخاطرة بالتخلف عن سباق التكنولوجيا، رغم المخاوف من ارتفاع فواتير الطاقة والضغط على البنية التحتية وتراجع قيمة المنازل.
وقد استثمر لورنس هذا المزاج في أول إعلان تلفزيوني لحملته، ظهر فيه أمام أرض مهددة بالتحول إلى مركز بيانات ضخم، محذراً من أن المشروع قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الطاقة والإضرار بقيمة العقارات، ومقدماً نفسه مرشحاً في مواجهة نفوذ الشركات الكبرى ومليارديرات التكنولوجيا.
ولا تقتصر القضية على ميشيجان. فقد شهدت مناطق أخرى من الولايات المتحدة احتجاجات مماثلة، ووصل الغضب في ولاية يوتا إلى صناديق الاقتراع، حيث خسر مسؤولون محليون مناصبهم بعد دعمهم البيئة التنظيمية اللازمة لإقامة مركز بيانات ضخم رفضه السكان.
ويكشف هذا التحول عن قدرة قضية مراكز البيانات على تجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار. فالمعارضة تجمع ناخبين من خلفيات مختلفة يتشاركون القلق من دخول شركات ضخمة إلى مجتمعاتهم واتخاذ قرارات تمس حياتهم من دون مشاركة حقيقية منهم.
ويرى لورنس أن هذا الغضب يعكس أزمة ثقة أوسع بالحزبين الجمهوري والديمقراطي، اللذين يتهمهما قطاعات من الناخبين بتقديم مصالح وادي السيليكون و وول ستريت على مصالح الطبقة العاملة والمجتمعات المحلية.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتصاعد فيه الأسئلة داخل قطاع التكنولوجيا نفسه بشأن طبيعة النموذج الذي تقوده الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.
فقد أثار الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير”، أليكس كارب، قضية ملكية البيانات والسيطرة عليها، محذراً من أن اعتماد الشركات والدول على نماذج ذكاء اصطناعي مغلقة قد يجعلها تنقل أهم ما تملكه من معرفة وبيانات وقيمة تجارية إلى جهات خارجية.
ويقوم هذا الطرح على أن الكلفة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على المبالغ التي تدفعها المؤسسات مقابل استخدام النماذج، بل تشمل أيضاً ما يمكن أن تخسره عندما تصبح أسرار عملها وبياناتها مرتبطة بمنصة لا تسيطر عليها.
وأعاد ذلك إلى الواجهة النقاش حول الفرق بين النماذج الأمريكية المغلقة والنماذج المفتوحة، خصوصاً مع تزايد المخاوف في عدد من الدول من الاعتماد على تقنيات أمريكية داخل قطاعات حساسة.
وترتبط هذه المخاوف بمسألة السيادة على البيانات، وباحتمال أن تجد المؤسسات أو الدول نفسها معتمدة على شركات أجنبية تتحكم في التكنولوجيا التي تقوم عليها أعمالها أو خدماتها الأساسية.
كما يتداخل النقاش مع سباق بناء مراكز البيانات، إذ إن بعض النماذج المفتوحة قد تقلل الحاجة إلى قدرات حاسوبية هائلة مقارنة بالنهج الذي يعتمد على أنظمة ضخمة ومغلقة، في وقت تنفق فيه الولايات المتحدة مبالغ غير مسبوقة على بناء بنية تحتية جديدة للذكاء الاصطناعي.
لكن الاعتراض على هذا التوسع يتجاوز الكلفة الاقتصادية؛ فلورنس يرى أن الذكاء الاصطناعي، في ظل منظومة المصالح الحالية، يتجه بصورة متزايدة نحو ثلاث مجالات مثيرة للقلق: المراقبة، والحروب، وإلغاء الوظائف.
وتزداد هذه المخاوف مع دخول الذكاء الاصطناعي بصورة أعمق إلى المجال العسكري، واحتدام النقاش حول الحد الفاصل بين استخدامه في تحليل البيانات وتحديد الأهداف وبين منحه القدرة على اتخاذ القرار النهائي في العمليات القتالية.
وفي المقابل، لا ينفي لورنس الإمكانات الإيجابية للتكنولوجيا، خصوصاً في المجالات الطبية والبحثية، لكنه يرى أن المشكلة تكمن في الجهة التي تسيطر عليها وفي نظام الحوافز الذي يحدد استخداماتها.
ويشكل الخوف من فقدان الوظائف محوراً آخر في هذا الجدل، خاصة أن بعض أبرز قادة الصناعة أنفسهم يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إقصاء أعداد كبيرة من العاملين.
وقد حذر كارب من أن المبالغة في الحديث عن بطالة جماعية قد تخلق رد فعل شعبياً ضد أصحاب الثروات الكبرى وتدفع باتجاه فرض ضريبة على المليارديرات.
لكن لورنس يتبنى الموقف المعاكس، إذ يؤيد صراحة فرض ضريبة على الثروات، معتبراً أن التفاوت الحالي لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل أزمة الإسكان وارتفاع الإيجارات وتكاليف الرعاية الصحية وتزايد ديون الأسر.
ويستند في ذلك إلى تجربته في العمل على أزمة السكن في وسط ميشيغان، حيث شهد حالات عجز فيها السكان عن مواكبة ارتفاع الإيجارات، واضطر بعضهم إلى الانتقال أكثر من مرة بسبب زيادات كبيرة لا يستطيعون تحملها.
ويقدم لورنس هذه القضايا ضمن برنامج شعبوي أوسع يركز على تكاليف المعيشة والإسكان والرعاية الصحية وحماية الضمان الاجتماعي، مستفيداً من دعم السيناتور بيرني ساندرز، الذي يرى أن شعبيته امتدت إلى ناخبين لم يكونوا من مؤيديه في حملتي 2016 و2020.
ويخوض لورنس الانتخابات التمهيدية الديمقراطية على أمل مواجهة النائب الجمهوري توم باريت في واحدة من أكثر دوائر البلاد تنافساً، ساعياً إلى إثبات أن برنامجاً تقدمياً يمكنه الفوز في منطقة متأرجحة.
ويقول إن المؤسسة السياسية طالما استخدمت هذه الدوائر لتبرير التراجع عن سياسات اجتماعية وخارجية، بحجة أن ناخبيها لن يقبلوا بتوسيع برامج الدعم أو الرعاية الصحية الشاملة أو وقف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل.
ويرى أن هذه الافتراضات لا تعكس بالضرورة مواقف السكان، وأن الفوز في دائرة مثل ميشيغان السابعة يمكن أن يعيد تعريف السياسات القابلة للنجاح انتخابياً.
ويمتد هذا الطرح إلى السياسة الخارجية، حيث يدعو لورنس إلى تقليص النزعة العسكرية الأمريكية وإعادة الاعتبار للدبلوماسية.
ورغم تأييده لاستثمارات إدارة جو بايدن في الصناعة الخضراء ودعمها النقابات، فإنه ينتقد ربط السياسة الصناعية بمواجهة الصين والحفاظ على الهيمنة الأمريكية، محذراً من أن تحول المنافسة إلى حرب فعلية في المحيط الهادئ سيكون كارثياً على الولايات المتحدة والصين والعالم.
كما يوجه انتقادات حادة للدعم الأمريكي لإسرائيل خلال حرب غزة، معتبراً أن السياسة الخارجية لإدارة بايدن ساهمت في إضعاف التحالف الانتخابي للحزب الديمقراطي.
ويقول إن الموقف من فلسطين تغير بصورة واضحة حتى داخل مناطق ريفية في ميشيغان، مشيراً إلى أن ناشطين ديمقراطيين مسنين ناقشوا مطولاً في أحد الاجتماعات كيفية التعبير عن رفض حصار غزة ومعاناة الأطفال الفلسطينيين، وهو نقاش كان من الصعب تخيله في المنطقة قبل سنوات قليلة.
ويرى أن الحرب مع إيران أعادت أيضاً إلى الواجهة النقاش بشأن ارتباط الولايات المتحدة بالسياسة الإسرائيلية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى قلب السباق السياسي.
ويهاجم لورنس منافسيه في الانتخابات التمهيدية لرفضهما تقديم إجابة واضحة حول اعتبار ما يحدث في غزة إبادة جماعية، معتبراً أن موقفهما مرتبط برغبتهما في إبقاء الباب مفتوحاً أمام دعم “إيباك“.
وهكذا، يجمع سباق الدائرة السابعة في ميشيغان ملفات تبدو متباعدة في معركة سياسية واحدة: الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ونفوذ الشركات الكبرى، وأزمة الوظائف والسكن، وضريبة الثروة، والسياسة تجاه الصين، والحروب في الشرق الأوسط، ورفض الإبادة الجماعية في غزة.
ويحاول لورنس بناء حملته على فرضية أن القلق الاقتصادي والرفض المتزايد لنفوذ الشركات والحروب يمكن أن يصنعا تحالفاً يتجاوز الانقسامات التقليدية بين الناخبين، وأن القضية التي بدأت باعتراض محلي على مركز بيانات قد تتحول إلى اختبار أوسع لمستقبل الجناح الشعبوي داخل الحزب الديمقراطي.
رواية “أسراب قنديل البحر” تفتح نقاشًا داخل واشنطن حول قدرات إيران المسيّرة
أثارت إفادة منسوبة إلى طيار أمريكي أُسقطت طائرته من طراز F-15 فوق إيران في نيسان/أبريل الماضي جدلًا واسعًا داخل الأوساط الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية، بعدما تحدث الطيار عن مشاهدته تشكيلًا غير مألوف من الطائرات الإيرانية المسيّرة يتحرك في الجو ككتلة واحدة، على هيئة تشبه “قنديل البحر”.
وبحسب تقرير نشرته CNN نقلًا عن أربعة مصادر مطلعة، قال الطيار خلال جلسة استخلاص معلومات بعد إنقاذه إن عدة طائرات مسيّرة إيرانية كانت تحلّق معًا وتتحرك بتناغم، مع طائرات أصغر أسفلها، في مشهد وصفه أحد المصادر بأنه أقرب إلى “حقل ألغام جوي”. وأكد التقرير أن الرواية أثارت نقاشًا لم يُحسم بعد داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكية بشأن ما إذا كان الطيار شاهد فعلًا قدرة تقنية متقدمة، أم أن الأمر كان نتيجة التباس في ظروف قتالية شديدة التعقيد.
وتكمن أهمية الرواية في أنها، إذا صحت، قد تشير إلى تطور نوعي في قدرة إيران على تشغيل أسراب مسيّرة مترابطة، أو ما يعرف بتقنيات الشبكات المتداخلة التي تسمح لعدة طائرات بلا طيار بتبادل المعلومات والتحرك بقدر عالٍ من التنسيق. ووفق تحليل نشره موقع The Aviationist، فإن مثل هذه المنظومات قد تمنح الأسراب المسيّرة قدرة أكبر على مقاومة التشويش والعمل حتى في بيئات اتصال مضطربة، إلا أن مدى امتلاك إيران لهذه القدرة لا يزال غير مؤكد من خلال المصادر المفتوحة.
لكن الشكوك لا تزال حاضرة بقوة. فالمصادر التي تحدثت إلى CNN أشارت إلى أن بعض المسؤولين الاستخباراتيين تساءلوا عن دقة رواية الطيار، خصوصًا أنه أصيب بارتجاج خلال الحادث، كما أن ظروف الإسقاط والنجاة والإنقاذ كانت شديدة الضغط. كما لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي يثبت أن تشكيل المسيّرات، إن وُجد، كان السبب المباشر في إسقاط الطائرة.
وتعود الواقعة إلى مطلع نيسان/أبريل، عندما أسقطت إيران طائرة أمريكية من طراز F-15 خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، في حادثة استدعت عملية إنقاذ واسعة داخل الأراضي الإيرانية. وذكرت رويترز حينها أن القوات الأمريكية نفذت مهمة عالية المخاطر لإنقاذ أحد أفراد الطاقم، بينما واجهت العملية مقاومة إيرانية، في واحدة من أبرز حوادث الحرب الجوية خلال ذلك النزاع.
وفي حال تأكدت رواية “السرب القنديلي”، فإنها ستعيد فتح النقاش حول كلفة الحرب الجوية الحديثة. فالميزة التقليدية للطائرات المقاتلة المتطورة، التي تصل كلفتها إلى عشرات الملايين من الدولارات، باتت تواجه تحديًا متزايدًا من المسيّرات الرخيصة نسبيًا، القادرة على إرباك الدفاعات الجوية أو إجبار الخصم على استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن.
ويقول مراقبون إن الحروب الأخيرة أظهرت أن المسيّرات لم تعد مجرد أدوات استطلاع أو هجمات محدودة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تغيير ميزان القوة، خصوصًا عندما تُستخدم بأعداد كبيرة أو ضمن شبكات منسقة. ويجعل ذلك القوات الجوية التقليدية أمام معضلة متنامية: كيف يمكن حماية طائرات باهظة الثمن من تهديدات صغيرة، مرنة، ومنخفضة الكلفة؟
كما يعكس الجدل بُعدًا أوسع في الحرب بين واشنطن وطهران. فإيران، رغم تعرضها لضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة، أظهرت وفق تقارير غربية أنها لا تزال تحتفظ بجزء مهم من قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وهو ما يجعل أي تقدير استخباراتي لقدراتها أكثر تعقيدًا من مجرد حساب الخسائر المعلنة.
في المقابل، لا تخلو الرواية من توظيف سياسي وإعلامي داخل الولايات المتحدة، حيث استخدمها معلقون لانتقاد الحرب نفسها، معتبرين أن القوات الأمريكية تخوض مواجهة عالية المخاطر في خدمة أجندات إقليمية لا تحظى بإجماع داخلي. غير أن هذا الجدل السياسي لا يلغي الحاجة إلى تحقيق عسكري مستقل يحدد بدقة ما شاهده الطيار، وما إذا كان الأمر يتعلق بتكنولوجيا إيرانية متقدمة، أم بتقدير خاطئ في لحظة قتال وانهيار طائرة.
في المحصلة، لا تقدم رواية “قنديل البحر” إجابة نهائية بقدر ما تطرح سؤالًا خطيرًا على واشنطن وحلفائها: هل دخلت الحرب الجوية مرحلة تصبح فيها الطائرات المقاتلة المتقدمة أكثر عرضة للإرباك بفعل أسراب مسيّرة منخفضة الكلفة؟ وحتى صدور تقييم رسمي واضح، ستبقى الحادثة واحدة من أكثر الروايات إثارة للقلق حول مستقبل القتال الجوي في الشرق الأوسط.
وثائق غابارد عن كوفيد وفاوتشي تعيد الجدل إلى واشنطن من دون حسم أصل الوباء
أعاد نشر وثائق استخباراتية أمريكية مرتبطة بجائحة كوفيد-19 والدكتور أنتوني فاوتشي فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الولايات المتحدة: أصل الفيروس، وتمويل الأبحاث في معهد ووهان، ودور المسؤولين الصحيين والاستخباراتيين في تقييم فرضية التسرب المختبري. لكن الوثائق التي أفرجت عنها تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة، لا تقدم دليلًا حاسمًا يثبت الاتهامات الثقيلة التي وُجهت إلى فاوتشي، وفق تحليل نشره دانيال ديل في CNN.
كانت غابارد في أخر يوم لها في الوظيفة قد عرضت الوثائق بوصفها دليلًا على أن فاوتشي موّل أبحاثًا في ووهان أدت إلى تفشي كوفيد-19، وأنه عمل مع مسؤولين استخباراتيين لـ“إخفاء الحقيقة” والتأثير في تقييمات الأجهزة الأمريكية. ونشر مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية بيانًا استخدم لغة اتهامية مباشرة، قال فيه إن الوثائق تكشف دور فاوتشي في “التأثير والتلاعب” بتقييمات الاستخبارات حول منشأ الفيروس.
غير أن مضمون الوثائق يبدو أقل حسمًا من العناوين السياسية التي رافقت نشرها. فبحسب النص، تتضمن الوثائق نقاشات داخلية في مجتمع الاستخبارات حول احتمالات منشأ الفيروس، بما في ذلك فرضية التسرب المختبري، لكنها لا تقدم جوابًا نهائيًا حول ما إذا كان الفيروس قد نشأ طبيعيًا أو تسرب من مختبر، ولا تثبت أن أبحاثًا موّلها فاوتشي كانت سببًا مباشرًا في الجائحة.
وتبرز في الوثائق نسخة من تحليل أُعد في أيار/مايو 2020 من مختبر ممول اتحاديًا في كاليفورنيا، أشار إلى أن الظروف اللازمة لتسرب عرضي لفيروس معدل مختبريًا كانت متوافرة في معهد ووهان في النصف الثاني من عام 2019. غير أن التحليل نفسه لم يرجح فرضية واحدة بشكل قاطع، بل وضع فرضية التسرب المختبري في مستوى مقارب لفرضيات أخرى، بينها التفشي الطبيعي أو تسرب فيروس طبيعي غير معدل.
وتشير الوثائق أيضًا إلى وجود اعتراضات داخلية لاحقة على قوة ذلك التحليل. ففي رسالة تعود إلى عام 2023، قال مسؤول حُجب اسمه إن التحليل لم يثبت امتلاك معهد ووهان فيروسًا سابقًا يصلح أن يكون مقدمة مباشرة لفيروس كوفيد-19. كما تضمنت الوثائق رسالة من أيلول/سبتمبر 2020 تفيد بأنه لم تكن هناك أدلة مقنعة على أن الصين صنعت الفيروس عمدًا، ولا إجماع استخباراتي حول ما إذا كان التسرب المختبري أو المنشأ الطبيعي أكثر ترجيحًا.
وبذلك، يمكن القول إن الوثائق تعطي أنصار فرضية التسرب المختبري مادة جديدة للقول إن هذه الفرضية كانت تؤخذ بجدية داخل بعض الدوائر الأمريكية منذ وقت مبكر. لكنها لا ترقى إلى مستوى إثبات أن الفيروس خرج فعلًا من مختبر، ولا أنها تثبت مسؤولية فاوتشي عن تمويل أبحاث أدت إلى الجائحة.
الشق الثاني من الجدل يتعلق بشكوى مُبلّغ مجهول اتهم فاوتشي بأنه ضلل الكونغرس عام 2021 عندما قال إن المعاهد الوطنية للصحة لم تموّل أبحاث “اكتساب وظيفة” في معهد ووهان. وتكشف الوثائق نقاشات داخلية حول كيفية التعامل مع الشكوى، بما في ذلك ما إذا كان ينبغي إحالتها إلى جهة رقابية صحية أو إلى وزير الصحة آنذاك خافيير بيسيرا. لكن الوثائق لا تُظهر أن فاوتشي نفسه تدخّل لدفن الشكوى أو منع التحقيق فيها.
كما تكشف الوثائق أن فاوتشي شارك في اجتماع مع مسؤولين من وكالة الاستخبارات المركزية عام 2021 لمناقشة منشأ الفيروس. ووفق الملخصات الداخلية، قدّم فاوتشي آراءه، واقترح قراءة ورقة أكاديمية تؤيد فرضية المنشأ الطبيعي، وأوصى بالتواصل مع علماء يتابعون الملف. لكن هذه الملخصات لا تُظهر أنه أصدر أوامر للاستخبارات أو غيّر تقييماتها الرسمية، بل تشير إلى أنه كان يقدم رأيًا علميًا لمسؤولين استخباراتيين.
وفي المقابل، يرى منتقدو فاوتشي أن مجرد مشاركته في نقاشات مع الاستخبارات حول منشأ الفيروس يطرح أسئلة حول دقة إفاداته اللاحقة أمام الكونغرس. فقد قالت غابارد إن الوثائق تثبت أن فاوتشي كذب عام 2024 عندما نفى حديثه مع وكالات استخباراتية بشأن أبحاث فيروسية. لكن مراجعة نص جلسة الكونغرس، كما يعرضها تحليل CNN، تظهر أن التبادل كان معقدًا ومتداخلًا بين أسئلة عن الأسلحة البيولوجية، وأبحاث الفيروسات، وكوفيد-19، ما يجعل معنى إجابة فاوتشي محل تأويل لا دليلًا قاطعًا على الكذب.
وقد أعاد نشر الوثائق تحريك المعركة السياسية حول فاوتشي. إذ أصدر السيناتور الجمهوري راند بول مذكرة استدعاء لفاوتشي للمثول أمام لجنة في مجلس الشيوخ بشأن منشأ كوفيد-19، في امتداد لصراع طويل يتهم فيه بول فاوتشي بتضليل الكونغرس بشأن أبحاث ووهان.
لكن النقاش القانوني يظل أكثر تعقيدًا من الخطاب السياسي. فالنص يشير إلى أن الرئيس جو بايدن منح فاوتشي عفوًا عن أي مخالفات اتحادية محتملة مرتبطة بمناصبه الحكومية خلال الفترة من 2014 حتى 19 كانون الثاني/يناير 2025، ما يضعف عمليًا أي حديث عن ملاحقة جنائية مرتبطة بشهادته أو عمله الرسمي خلال تلك المدة.
في المحصلة، لا تنهي وثائق غابارد الجدل حول منشأ كوفيد-19، لكنها تنقله إلى مرحلة سياسية جديدة. فهي تكشف أن فرضية التسرب المختبري لم تكن هامشية داخل كل الدوائر الأمريكية، وتطرح أسئلة حول كيفية تعامل الاستخبارات مع الشكاوى والتقييمات العلمية. لكنها، في الوقت نفسه، لا تقدم الدليل القاطع الذي يربط فاوتشي بتمويل بحث تسبب في الجائحة، ولا تثبت أنه تلاعب بالاستخبارات أو كذب عمدًا أمام الكونغرس.
ولهذا، تبدو القضية اليوم أقل حسمًا مما توحي به العناوين السياسية: وثائق جديدة، اتهامات قديمة، وأسئلة لا تزال معلقة حول أصل الوباء وحدود المسؤولية داخل المؤسسات الأمريكية.

المحكمة العليا تُسقط أمر ترامب بشأن الجنسية بالولادة.. هزيمة قانونية كبرى لسياسة الهجرة
وجّهت المحكمة العليا الأمريكية ضربة بارزة لأجندة الرئيس دونالد ترامب في ملف الهجرة، بعدما قضت بأن الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة لأبوين موجودين بصورة غير قانونية أو مؤقتة يتمتعون بالجنسية الأمريكية منذ الولادة بموجب التعديل الرابع عشر للدستور.
وجاء الحكم في قضية Trump v. Barbara، بعد طعن في الأمر التنفيذي رقم 14160 الذي أصدره ترامب في 20 كانون الثاني/يناير 2025 تحت عنوان “حماية معنى وقيمة المواطنة الأمريكية”. وكان الأمر ينص على أن الأطفال المولودين في الولايات المتحدة لأبوين غير موجودين قانونيًا أو بصورة مؤقتة لا يُعدّون “خاضعين لاختصاص” الولايات المتحدة، وبالتالي لا يحق لهم الحصول على الجنسية الأمريكية تلقائيًا.
لكن المحكمة رفضت هذا التفسير، وأكدت أن عبارة “خاضعين لاختصاص الولايات المتحدة” في التعديل الرابع عشر تشمل هؤلاء الأطفال، ما يجعلهم مواطنين أمريكيين عند الولادة. وأبقت المحكمة بذلك على قرار المحكمة الأدنى التي كانت قد أوقفت تنفيذ الأمر التنفيذي ومنحت حماية مؤقتة لفئة وطنية من الأطفال الذين كان القرار سيحرمهم من الجنسية.
وكتب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس رأي الأغلبية، وانضم إليه القضاة سونيا سوتومايور، إيلينا كاغان، إيمي كوني باريت، وكيتانجي براون جاكسون. أما القاضي بريت كافانو فوافق على النتيجة لكنه خالف جزءًا من التحليل الدستوري، معتبرًا أن الأمر التنفيذي يخالف القانون الفيدرالي الحالي، لا التعديل الرابع عشر بالضرورة. في المقابل، عارض الحكم القضاة كلارنس توماس، صامويل أليتو، ونيل غورساتش.
واعتمدت المحكمة في تفسيرها على السياق التاريخي للتعديل الرابع عشر، الذي أُقر بعد الحرب الأهلية لإسقاط إرث حكم ديرد سكوت الذي حرم السود من المواطنة. كما أكدت أن النص الدستوري لا يتضمن كلمات من نوع “الأم”، “الأب”، “قانوني”، أو “مؤقت”، وهي مفردات استند إليها الأمر التنفيذي لتقييد الجنسية.
ويُعد الحكم انتصارًا كبيرًا للمدافعين عن حقوق المهاجرين، لأنه يحافظ على القاعدة الدستورية المعمول بها منذ عقود: كل من يولد على الأراضي الأمريكية يحصل على الجنسية، باستثناء حالات محدودة مثل أبناء الدبلوماسيين الأجانب. كما يمثل انتكاسة مباشرة لمحاولة ترامب إعادة تعريف المواطنة عبر السلطة التنفيذية بدل تعديل الدستور أو تغيير القانون عبر الكونغرس.
ورغم أن القرار أغلق الباب أمام تنفيذ الأمر التنفيذي بصيغته الحالية، فإنه لم ينهِ الجدل السياسي. فقد أوضح رأي كافانو أن الكونغرس يستطيع، من وجهة نظره، تعديل قانون الجنسية الفيدرالي لفرض استثناءات جديدة، ما يفتح الباب أمام معركة تشريعية محتملة إذا حاول الجمهوريون إعادة طرح الملف من داخل الكونغرس.
في المحصلة، أعادت المحكمة العليا تثبيت أحد أقدم مبادئ المواطنة الأمريكية: الولادة على الأرض الأمريكية تمنح الجنسية. وبينما يرى أنصار القرار أنه دفاع عن النص الدستوري والمساواة القانونية، يعتبره خصومه استمرارًا لسياسة تشجع الهجرة غير النظامية. لكن المؤكد أن الحكم نقل معركة الجنسية بالولادة من مكتب الرئيس إلى ساحة أوسع: الدستور والكونغرس والرأي العام الأمريكي.
ادعاءات “الميكروفون المتفجر” تعيد مقتل تشارلي كيرك إلى ساحة التضليل السياسي
عادت قضية مقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك إلى دائرة الجدل الإعلامي، بعد انتشار ادعاءات على مواقع هامشية ومنصات التواصل تزعم أن “قراصنة إيرانيين” كشفوا ملفات تربط أرملته إيريكا كيرك بالموساد، وتدّعي أن كيرك لم يُقتل برصاصة، بل عبر “ميكروفون متفجر”. غير أن هذه الرواية لا تستند حتى الآن إلى أي دليل موثوق أو إعلان رسمي إيراني، وتتناقض مع المسار القضائي المعلن في الولايات المتحدة.
ظهرت الصيغة الأبرز لهذه الادعاءات في موقع The People’s Voice، الذي نشر تقريرًا يتهم إيريكا كيرك بأنها عميلة للموساد ومتورطة في التخطيط لاغتيال زوجها. لكن الموقع لم يقدم وثائق قابلة للتحقق من صحتها، ولم تُنشر المواد المزعومة عبر جهة رسمية إيرانية أو مؤسسة قضائية أو أمنية معروفة.
في المقابل، تقول السلطات الأمريكية إن القضية تسير في مسار قضائي مختلف تمامًا. فالمشتبه به في قتل كيرك هو تايلر روبنسون، المتهم بإطلاق النار عليه خلال فعالية عامة في جامعة يوتا فالي في 10 أيلول/سبتمبر 2025. ووفق وكالة أسوشيتد برس، يواجه روبنسون اتهامات بالقتل العمد، فيما يستعد الادعاء لتقديم أدلة تتضمن تحليلًا جنائيًا، وتسجيلات مراقبة، وشهادات، ونتائج تشريح، وأدلة DNA مرتبطة بالسلاح المستخدم.
كما أفادت رويترز بأن القضية لا تزال أمام القضاء في ولاية يوتا، وأن القاضي رفض طلب الدفاع استبعاد عقوبة الإعدام رغم توجيهه انتقادات حادة للادعاء بسبب تصريحات إعلامية اعتبرها مخالفة لقواعد المحكمة. ويعني ذلك أن الخلافات القضائية الحالية تدور حول إجراءات المحاكمة وطريقة عرض الأدلة، لا حول فرضية “الميكروفون المتفجر” أو تورط إيريكا كيرك.
وتأتي هذه الروايات ضمن موجة أوسع من نظريات المؤامرة التي أعقبت مقتل كيرك. فقد ذكرت Politico، نقلًا عن مرصد NewsGuard، أن وسائل وشبكات مرتبطة بروسيا والصين وإيران ضاعفت تداول روايات مضللة بعد الحادث، بهدف استغلال الصدمة السياسية وتعميق الانقسام داخل الولايات المتحدة. وشملت هذه الروايات اتهامات متضاربة حول هوية القاتل ودوافعه وجهات خارجية مزعومة تقف خلف العملية.
كما نقل موقع Iran International الإيراني المعارض للنظام أن شبكات إعلامية وإلكترونية قريبة من إيران ساهمت في تضخيم روايات غير موثقة بعد مقتل كيرك، بينها اتهامات تربط الحادث بإسرائيل أو بجهات أمريكية داخلية، من دون تقديم أدلة مستقلة تؤكد هذه المزاعم.
وتكتسب نظرية “الميكروفون المتفجر” رواجًا لأنها تقدم رواية بديلة مثيرة وسهلة الانتشار، لكنها تواجه مشكلة أساسية: لا توجد حتى الآن وثيقة موثقة، أو تقرير جنائي رسمي، أو شهادة قضائية تثبت أن الميكروفون كان مفخخًا. كما أن الرواية القضائية المعلنة تتحدث عن إطلاق نار من مسافة بعيدة، وعن سلاح ناري وأدلة مادية مرتبطة بالمشتبه به، لا عن جهاز متفجر شخصي.
وتزيد خطورة هذه الادعاءات لأنها لا تكتفي بإعادة تفسير حادثة قتل سياسية، بل توجه اتهامًا مباشرًا بالقتل والتجسس إلى شخص محدد هو إيريكا كيرك، من دون سند قضائي. مثل هذه الاتهامات قد تتحول من مادة جدل سياسي إلى حملة تشهير رقمية، خصوصًا عندما تُنشر بصيغة تقرير “استخباراتي” مزعوم لا يمكن التحقق من مصدره أو أصالته.
في المحصلة، لا تبدو رواية “ملفات إيرانية تكشف ميكروفونًا متفجرًا” خبرًا مؤكدًا، بل مثالًا على كيف تتحول القضايا السياسية الدموية إلى بيئة خصبة لنظريات المؤامرة. فالمسار القضائي الأمريكي يشير إلى مشتبه به محدد وأدلة جنائية قيد الفحص، بينما تبقى الاتهامات ضد إيريكا كيرك والموساد بلا إثبات موثوق حتى الآن. وبين القضاء والدعاية الرقمية، تظل القاعدة الصحفية الأساسية: الاتهام لا يصبح حقيقة لمجرد أنه انتشر.
إلا أن الدلالة المهمة لانتشار هذه الرواية، تكمن في تنامي الروح المعادية لإسرائيل وتأثيرها على الولايات المتحدة، ما يجعل انتشارها وتصديقها بين الكثيرين ممكنًا ومقبولًا لدى البعض.
إريك برينس يعود من بوابة الدول الفاشلة.. من “بلاك ووتر” إلى خصخصة الأمن والضرائب
عاد إريك برينس، مؤسس شركة بلاك ووتر العسكرية الخاصة، إلى واجهة النقاش الدولي عبر نموذج جديد يتجاوز فكرة “المرتزقة” التقليدية، ليقترب من خصخصة وظائف سيادية داخل دول ضعيفة أو منهارة: الأمن، السيطرة على الأرض، حماية الموارد، وحتى تحصيل الضرائب.
برينس، البالغ 57 عامًا، لم يعد يقدّم نفسه فقط كرجل أعمال أمني أو مقاول عسكري سابق، بل كصاحب نموذج عملي لما يسميه “حلًا للحكومات الفاشلة”. فبدل بناء شركة دفاعية تعمل بعقود محدودة، يسعى اليوم إلى دخول المناطق المضطربة وتأمينها بما يسمح باستخراج الموارد أو استعادة عوائد الدولة، مقابل حصة من المكاسب أو عقود طويلة الأمد. وقد عرضت فايننشال تايمز هذا التحول في مقابلة حديثة معه، واصفة عودته بأنها انتقال من إرث “بلاك ووتر” إلى مشروع أوسع يمزج الأمن بالاقتصاد والسيادة.
يحمل اسم برينس إرثًا ثقيلًا منذ حرب العراق. فقد ارتبطت بلاك ووتر بحادثة ساحة النسور في بغداد عام 2007، التي أدت إلى مقتل مدنيين عراقيين وأثارت غضبًا واسعًا من استخدام الشركات العسكرية الخاصة في الحروب الأمريكية. وأدين أربعة من حراس الشركة لاحقًا في الولايات المتحدة، قبل أن يصدر الرئيس دونالد ترامب عفوًا عنهم عام 2020، في قرار أثار انتقادات حقوقية ودولية واسعة.
بعد بيع بلاك ووتر وتغيير اسمها ثم اندماجها لاحقًا ضمن شركة كونستيليس، اختار برينس مسارًا مختلفًا: مقاولًا أمنيًا عابرًا للقارات، يظهر حيث تتقاطع الفوضى مع المال والموارد. عمل في ملفات مرتبطة بأبوظبي والصومال والصين، وطرح خدمات أمنية ولوجستية لدول وشركات تعمل في مناطق عالية المخاطر، مع حرص دائم على تقديم نفسه بوصفه مدافعًا عن “الحضارة الغربية” لا مجرد تاجر حرب.
أبرز واجهاته الحالية هي شركة Vectus Global، التي ظهرت بقوة في هايتي وجمهورية الكونغو الديمقراطية. في هايتي، قال برينس إن شركته أبرمت اتفاقًا لعشر سنوات مع الحكومة الانتقالية لمكافحة العصابات ثم المساعدة في إنشاء نظام لتحصيل الضرائب على الحدود مع جمهورية الدومينيكان. وتحدث عن هدف يتمثل في استعادة الطرق والمناطق التي تسيطر عليها العصابات خلال نحو عام، بينما أشارت تقارير إلى أن الشركة تعمل هناك منذ آذار/مارس 2025 وتستعد لتوسيع وجودها بمقاتلين أجانب وطائرات مسيّرة ومروحيات وقوارب.
لكن هذه العودة لا تمر بلا اعتراض. فمنتقدو الاستعانة ببرينس في هايتي يرون أن دخول شركة عسكرية خاصة إلى بلد يعاني انهيارًا أمنيًا ومؤسساتيًا قد يضعف ما تبقى من الدولة، ويخلق قوة مسلحة تعمل خارج رقابة كافية، خصوصًا في ظل سجل بلاك ووتر السابق في العراق. كما حذر خبراء من أن تحويل الأمن والضرائب إلى مجال تعاقد خاص قد يعمق هشاشة المؤسسات بدل إنقاذها.
في الكونغو الديمقراطية، يبدو النموذج أكثر التصاقًا بالموارد. فقد كشفت رويترز أن برينس توصل إلى اتفاق لمساعدة كينشاسا في تأمين ثروتها المعدنية وتحصيل الضرائب المرتبطة بها، في بلد يملك احتياطيات هائلة من الكوبالت والنحاس والمعادن الحرجة. ووفق تقارير لاحقة، انتقل دور رجاله من تحصيل الضرائب وتأمين قطاع التعدين إلى دعم عمليات ميدانية للجيش الكونغولي، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة في مواجهة متمردي M23 المدعومين من رواندا.
هذا التحول يعكس معادلة جديدة: لم تعد الشركات العسكرية الخاصة تقدم حراسة أو تدريبًا فقط، بل تدخل في صميم العلاقة بين الأمن والموارد. في الكونغو، يعني ذلك أن السيطرة على التعدين والضرائب تصبح جزءًا من الحرب، وأن حماية المعادن الاستراتيجية تتحول إلى ساحة تنافس بين حكومات، متمردين، شركات خاصة، وقوى دولية تبحث عن موطئ قدم في سوق المعادن الحرجة.
ولا يفصل برينس بين هذا النموذج ورؤيته لمستقبل الحروب. فهو يرى أن ساحة أوكرانيا أثبتت صعود المسيرات الرخيصة، خصوصًا طائرات FPV الانتحارية، باعتبارها سلاحًا قادرًا على تدمير معدات بملايين الدولارات بكلفة محدودة. وينتقد البيروقراطية الدفاعية الأمريكية بوصفها بطيئة ومركزية، مقابل خصوم يتعلمون بسرعة من ساحة المعركة.
في نظره، الحرب المقبلة لن تُحسم فقط بالجيوش الضخمة، بل بمجموعات صغيرة مرنة، وشركات قادرة على الابتكار، وأنظمة روبوتية ومسيرات منخفضة الكلفة. هذه الرؤية ليست تقنية فقط، بل سياسية أيضًا: كلما عجزت الدول عن الحركة بسرعة، تفتح الباب أمام الشركات الخاصة لتقديم نفسها كبديل أكثر فاعلية.
وتتسع طموحات برينس إلى ملفات سياسية شديدة الحساسية. فقد عرض سابقًا خطة لوجستية مرتبطة بترحيل المهاجرين غير النظاميين في الولايات المتحدة، وتحدث عن تصورات خاصة للتعامل مع إيران، وعن تراجع محتمل لاعتماد دول الخليج على الجيش الأمريكي لصالح شركات أو أطراف أكثر مرونة. كما قال إن تعاملاته السابقة مع الصين اقتصرت على الطيران واللوجستيات والإخلاء الطبي، نافيًا أن يكون قد أدى دورًا عسكريًا خاصًا لصالح بكين.
تضع عودة برينس العالم أمام سؤال أوسع من شخصه: ماذا يحدث عندما تصبح وظائف الدولة نفسها قابلة للتعاقد؟ في هايتي، الشركة تقاتل العصابات وتفكر في الضرائب. في الكونغو، تؤمّن المعادن وتدعم الدولة في مواجهة التهريب والمتمردين. وفي الحالتين، تبدو الحدود بين الأمن، الاقتصاد، والسيادة أكثر غموضًا من أي وقت مضى.
في المحصلة، لا يمثل إريك برينس مجرد رجل عسكري سابق عاد إلى السوق، بل نموذجًا جديدًا لزمن تتراجع فيه قدرة بعض الدول على احتكار العنف والضرائب والحدود. وبين من يراه مقاولًا قادرًا على إنجاز ما تفشل الحكومات في تحقيقه، ومن يعتبره تجسيدًا خطيرًا لخصخصة الحرب والسيادة، يبقى السؤال الأهم: هل تنقذ شركات مثل Vectus Global الدول الفاشلة، أم تحول فشلها إلى سوق مربحة جديدة؟
خطاب مسيحي يستدعي موسى بن ميمون لتغذية صراع ديني جديد حول إسرائيل وإيران
أعاد مقطع سياسي متداول اسم الحاخام والفيلسوف والطبيب اليهودي الأشهر موسى بن ميمون، المعروف في التراث الغربي باسم ميمونيدس، إلى واجهة الجدل الديني والسياسي في الولايات المتحدة، عبر خطاب يتجاوز النقاش التاريخي إلى اتهامات واسعة ضد اليهودية المعاصرة ومحاولة ربطها بالصراعات الحالية في الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب المحتملة بين إسرائيل وإيران، والأهم هو دحض الرواية السائدة منذ سنوات حول ما يسمى “بالحضارة اليهودية -المسيحية” و”قيمها المشتركة” التي تحارب البرابرة والإرهابيين من اليساريين والمسلمين.
ينطلق المقطع من مناخ أمريكي مشحون بتصاعد الجدل حول أسس “الصهيونية المسيحية”، ومواقف شخصيات إعلامية يمينية مثل تاكر كارلسون وكانديس أوينز، ثم يستخدم هذا السياق لشن هجوم واسع على موسى بن ميمون، باعتباره شخصية مركزية في التاريخ الديني اليهودي. غير أن المعالجة لا تقف عند النقد الفكري، بل تبني سردية تقول إن إرث ابن ميمون، المرجعية الأولى عند اليهود المتدنيين في الوقت الراهن، يحمل عداءً جوهريًا للمسيحية والغرب، وأن هذا الإرث ما زال مؤثرًا في السياسة الإسرائيلية والأمريكية اليوم.
يعرض النص سيرة ابن ميمون منذ ولادته في قرطبة عام 1138 ميلادية، وانتقال عائلته إلى شمال أفريقيا بعد الاضطرابات التي رافقت حكم الموحدين، ثم بروزه في مصر كفقيه وطبيب وفيلسوف، حيث عمل طبيبا خاصًا لصلاح الدين الأيوبي. كما يشير إلى أعماله الكبرى، خصوصًا “مشناه توراه”، الكتاب الأشهر حاليًا لدى اليهود، بوصفها محاولة لتقنين الشريعة اليهودية ووضعها في إطار عملي وتوحيد ممارساتها بعد قرون من التشتت الفقهي.
لكن المقطع يستخدم هذه السيرة لبناء اتهام أوسع. فهو يركّز على نصوص دينية يهودية تتعلق بالموقف من “المرتدين” أو “الهراطقة”، ويقدمها باعتبارها دليلًا على عداء ممتد للمسيحيين والغرب. كما يحاول ربط مفاهيم دينية قديمة مثل “أدوم” و ”روما” بالصراع السياسي الحديث، ليخلص إلى أن إسرائيل وحلفاءها يستخدمون لغة دينية تاريخية في معاركهم المعاصرة مع إيران والعالم الإسلامي، ويروجون مفاهيم كاذبة حول مشتركاتهم مع المسيحيين بينما هم في واقع الأمر يلعنونهم في صلواتهم اليومية الواردة في مشناة توراة بن ميمون.
هنا تكمن أهمية الخطاب: فهو لا يكتفي بمساءلة نصوص دينية أو تفكيك أثرها التاريخي، بل ينتقل إلى تعميمات واسعة عن جماعة دينية كاملة، ويقدّمها بوصفها خصمًا حضاريًا للغرب والمسيحية، وظفها الكيان الصهيوني، خاصة مجموعاته المتشددة، في تقديم أساطير وروايات تبرر ممارساته من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في الأراضي المحتلة.
ويظهر في النص سعي واضح إلى دحض سردية “الخطر الإسلامي” المتداولة في بعض الأوساط اليمينية الأمريكية. فالمتحدث يقول إن المسلمين لم يدفعوا الولايات المتحدة إلى حروب العراق وأفغانستان وليبيا، بينما يحمّل جماعات ضغط وشخصيات مؤيدة لإسرائيل مسؤولية الدفع نحو حروب جديدة، خصوصًا ضد إيران.
كما يربط الخطاب بين رموز يهودية معاصرة وجوائز ومؤسسات تحمل اسم ابن ميمون، في محاولة للقول إن الاحتفاء به اليوم ليس مجرد تقدير لشخصية فلسفية ودينية، بل استمرار لإرث عدائي ضد المسيحية والغرب تخفيه أكاذيب وادعاءات غير صحيحة.
وتزداد حساسية هذا الخطاب في لحظة يتصاعد فيها التوتر بين إسرائيل وإيران، ويتعمق الانقسام داخل اليمين الأمريكي بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل. ففي هذا السياق، تتحول النقاشات اللاهوتية القديمة إلى أدوات تعبئة سياسية معاصرة، وتُستخدم أسماء شخصيات من العصور الوسطى لإعادة تعريف الخصومات الحالية بين “الغرب” و ”إسرائيل” و ”الإسلام” و ”إيران”.
في المحصلة، لا يبدو المقطع مجرد قراءة تاريخية لموسى بن ميمون، بل جزءًا من معركة سرديات أوسع داخل الولايات المتحدة تتنامى باضطراد، حول إسرائيل، الدين، الحرب، والهوية الغربية، بشكل متصاعد، استدعاها النقد المشروع للصهيونية واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، والدعم الأعمى لحكومة يمينية إسرائيلية، حتى على حساب مصالح الولايات المتحدة، الأمر الذي بدأ يظهر في شكل زيادة نسبة الرأي العام المناهض لإسرائيل، في اليسار واليمين على حد سواء، خاصة بين جيل الشباب الذي يمثله معد المقطع الذي قمنا باستعراضه.
تركيا
واشنطن تمهّد لصفقة محركات تركية قبل قمة الناتو.. اختبار جديد للعلاقة مع أنقرة
تمضي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صفقة بيع محركات نفاثة لتركيا تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار، في خطوة تحمل بعدًا عسكريًا وسياسيًا قبل قمة حلف شمال الأطلسي المقررة في أنقرة الشهر المقبل، وتفتح في الوقت نفسه ملفًا حساسًا داخل واشنطن حول مستقبل التعاون الدفاعي مع أنقرة في ظل استمرار أزمة منظومة S-400 الروسية.
وبحسب رويترز، أخطرت الإدارة الأمريكية الكونغرس رسميًا بنيتها ترخيص تصدير عشرات المحركات النفاثة إلى تركيا، رغم اعتراضات بعض المشرعين على خلفية امتلاك أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400. وتأتي الخطوة بعد تقرير سابق للوكالة أفاد بأن البيت الأبيض قرر المضي في الصفقة قبل قمة الناتو، بوصفها إشارة إيجابية إلى تركيا.
المحركات، التي تنتجها شركة جنرال إلكتريك، ستستخدم في مشروع المقاتلة التركية المحلية KAAN، وهو أحد أبرز مشاريع الصناعات الدفاعية التركية، وأطلقته أنقرة في إطار سعيها لتقليل الاعتماد على الخارج في التسليح الجوي. ووفق رويترز، تبلغ قيمة الحزمة أكثر من 700 مليون دولار.
وتحمل الصفقة أهمية خاصة لأن برنامج KAAN يمثل بالنسبة إلى تركيا بديلًا استراتيجيًا طويل المدى، بعد إخراجها من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35 على خلفية شرائها منظومة S-400 من روسيا. وترى واشنطن أن امتلاك تركيا لهذه المنظومة يشكل تهديدًا أمنيًا لتكنولوجيا F-35، فيما تقول أنقرة إن المنظومة لن تُدمج داخل بنية الناتو الدفاعية.
ورغم أن الصفقة تمثل مكسبًا مهمًا لأنقرة، فإنها لا تحقق الهدف التركي الأكبر: وهو العودة إلى برنامج F-35. فمحللون يرون أن بيع المحركات هو الخيار الأسهل سياسيًا أمام واشنطن، بينما يبقى اختبار العلاقة الحقيقي في ما إذا كان بإمكان الطرفين إيجاد صيغة قانونية وسياسية لمعالجة ملف S-400 وفتح الطريق أمام تعاون دفاعي أوسع.
داخل الكونغرس، أثارت الخطوة اعتراضات جديدة. فقد انتقد النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، ما وصفه بتجاوز الإدارة لآليات المراجعة التشريعية، معتبرًا أنها لم تقدم توضيحات كافية بشأن أثر الصفقة على العلاقات الثنائية وموقف واشنطن من استمرار امتلاك تركيا لمنظومة S-400.
لكن اعتراضات الكونغرس لا تبدو ملزمة إذا قررت الإدارة المضي في الصفقة. وتقول رويترز إن وزارة الخارجية الأمريكية أبلغت الكونغرس بأن الحكومة مستعدة لترخيص التصدير بعد أخذ اعتبارات سياسية وعسكرية واقتصادية وحقوقية ومتعلقة بالحد من التسلح في الحسبان.
وتأتي الصفقة في توقيت بالغ الحساسية داخل الناتو، إذ تستعد تركيا لاستضافة قمة للحلف في أنقرة وسط خلافات حول تقاسم الأعباء الدفاعية، ورفع الإنفاق العسكري، ودور الحلفاء في أزمات الشرق الأوسط، بما في ذلك أمن الممرات البحرية خلال الحرب الأمريكية – الإيرانية. كما تسعى أنقرة إلى استثمار القمة لتعزيز موقعها داخل الحلف وفتح الباب أمام صفقات دفاعية وتعاون صناعي أوسع مع الغرب.
في المقابل، تبدو واشنطن حريصة على إرسال رسالة مزدوجة: إبقاء الضغط القانوني والسياسي قائمًا بسبب S-400، مع عدم ترك تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو، تبتعد أكثر عن المنظومة الدفاعية الغربية. ومن هنا يمكن فهم صفقة المحركات باعتبارها خطوة محسوبة لا تصل إلى مستوى إعادة أنقرة إلى F-35، لكنها تمنح العلاقات الثنائية دفعة محدودة قبل القمة.
في المحصلة، تكشف الصفقة أن العلاقة الأمريكية ـ التركية تدخل مرحلة اختبار جديدة. فأنقرة تريد ترجمة التحسن السياسي مع إدارة ترامب إلى مكاسب دفاعية ملموسة، بينما تحاول واشنطن الموازنة بين احتواء تركيا داخل الناتو وطمأنة الكونغرس بأن ملف S-400 لم يُطوَ بعد. وبين KAAN وF-35، تبقى المسألة الأعمق هي ما إذا كانت العاصمتان قادرتين على تجاوز أزمة الثقة التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
سوريا
تواجه سوريا اختباراً مزدوجاً بين تثبيت الأمن وبناء مؤسسات المرحلة الانتقالية، على خلفية تفجير مقهى المشيرية قرب القصر العدلي واستكمال تشكيل مجلس الشعب بقائمة رئاسية من 70 عضواً.
وفي السياسة الخارجية، تسعى دمشق إلى بناء علاقة جديدة مع لبنان تقوم على التعامل بين دولتين ذواتي سيادة، وإنهاء إرث الوصاية، مع الانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية.
وأظهرت زيارة أسعد الشيباني توجهاً لتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع بيروت، مع تجنب الصدام المباشر مع حزب الله وترك معالجة سلاحه للتوافق اللبناني الداخلي.
في المقابل، يثير الحديث عن دفع سوريا إلى مواجهة الحزب مخاطر كبيرة، بسبب هشاشة البنية العسكرية والضغوط الاقتصادية والتهديدات الداخلية والتوازنات الإقليمية المعقدة.
وتكشف هذه الملفات أن التحدي الرئيسي أمام دمشق هو بناء دولة مستقرة ومؤسسات فاعلة من دون الاستجابة للضغوط و الانجرار إلى صراعات إقليمية تتجاوز قدراتها وتعرقل مسارها الانتقالي.
تفجير مقهى المشيرية في دمشق.. اختبار أمني ورسالة سياسية في قلب المرحلة الانتقالية
أعاد التفجير الذي استهدف مقهى المشيرية قرب القصر العدلي في وسط دمشق، وأسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة 21 آخرين، المخاوف من قدرة جهات معادية للاستقرار في سوريا على اختراق البيئة الأمنية في العاصمة، في توقيت بالغ الحساسية تسعى فيه الحكومة السورية إلى تثبيت مؤسسات المرحلة الانتقالية وتعزيز الانفتاح الخارجي وإعادة تنشيط الاقتصاد.
وبحسب التحقيقات الأولية، نُفذ الهجوم بواسطة عبوة ناسفة وُضعت داخل حقيبة قرب مدخل المقهى، في موقع شديد الازدحام ومحاط برمزية قضائية وسياسية واضحة؛ فالمكان لا يمثل مجرد مقهى شعبي، بل يقع بمحاذاة القصر العدلي، ويُعد ملتقًى يومياً للمحامين والقضاة والمراجعين، ما يجعل استهدافه قادراً على إحداث أثر أوسع بكثير من القوة المادية للعبوة نفسها.
وتعززت المخاوف الأمنية بعد ساعات من التفجير مع وقوع حادث جديد عند حاجز كشكول في منطقة الدويلعة، حيث قالت وزارة الداخلية إن شخصين على دراجة نارية حاولا استهداف الحاجز، قبل أن تنفجر قنبلة بأحدهما أثناء اشتباكه مع عناصر الأمن، ما أدى إلى مقتله وإصابة ثلاثة عناصر.
ورغم عدم وجود ما يثبت ارتباط الحادثين ببعضهما، فإن تتابعهما في فترة زمنية قصيرة أعاد إلى الواجهة مفهوم “التهديدات المركبة” التي تواجهها سورية، في ظل تعدد الجهات القادرة على تنفيذ أعمال تخريبية، ولها مصلحة في ضرب الاستقرار، من بقايا مرتبطة بالنظام السابق إلى خلايا متطرفة أو شبكات مرتبطة بقوى إقليمية.
وتتمثل أخطر الدلالات الأمنية لتفجير المشيرية في قدرة المنفذ على الوصول إلى مكان مكتظ، وزرع العبوة، ثم مغادرة الموقع من دون انكشافه قبل التفجير. ويكشف ذلك عن تحديات تتعلق بالعمل الاستخباري الوقائي، أكثر من مجرد الحاجة إلى تشديد الحواجز والإجراءات الأمنية بعد وقوع الهجمات.
وتفرض هذه الثغرة على الأجهزة الأمنية تطوير أدوات الكشف المبكر وجمع المعلومات ومراقبة أنماط التحرك المشبوهة، خصوصاً أن طبيعة التهديدات التي تواجه البلاد لم تعد تقتصر على تنظيم واحد أو شبكة واحدة يمكن تعقبها، بل تتوزع بين جهات متعددة قد تعمل بصورة مستقلة ومن دون تنسيق مباشر.
ويكتسب اختيار الموقع بعداً سياسياً إضافياً بسبب قربه من المؤسسة القضائية، في مرحلة تشهد نقاشات واسعة حول العدالة الانتقالية ومحاسبة شخصيات من النظام السابق، إلى جانب الحديث عن مراجعة ملفات قضاة متهمين بالفساد ومشاريع قوانين تتعلق بتجريم تمجيد الحقبة السابقة.
ومن هنا يبرز احتمال أن يكون الهدف من التفجير أبعد من مجرد إيقاع أكبر عدد من الضحايا، وأن يكون المقصود توجيه رسالة إلى المسار القضائي نفسه، وخلق شعور بأن المؤسسات المرتبطة بالمحاسبة والعدالة لا تزال قابلة للاستهداف.
كما أن توقيت العملية يمنحها دلالة سياسية واضحة. فالتفجير وقع بالتزامن مع اكتمال تشكيل مجلس الشعب واستعداده لعقد أولى جلساته، وفي وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية السورية وتتسع الاتصالات العربية والدولية، إلى جانب الحديث عن استثمارات جديدة وعودة النشاط الاقتصادي والسياحي.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الهجوم بوصفه محاولة لضرب صورة الاستقرار التي تحاول السلطات ترسيخها في الداخل والخارج، وطرح تساؤلات حول قدرتها على تأمين العاصمة في مرحلة تراهن فيها على جذب الاستثمارات واستعادة الثقة الدولية.
وتبدو هذه الرسالة أكثر وضوحاً لأن استهداف مكان قريب من القصر العدلي يضمن تلقائياً صدى إعلامياً وسياسياً واسعاً، ويتيح للجهة المنفذة تحقيق تأثير نفسي يفوق حجم العملية نفسها.
ولا تزال هوية المسؤولين عن التفجير غير محسومة. فقد طُرحت فرضيات تتعلق بفلول النظام السابق، أو شبكات مرتبطة بإيران، أو خلايا لتنظيم “داعش”، إلا أن السلطات لم تعلن حتى الآن نتائج نهائية تسمح بإسناد العملية إلى جهة محددة.
ويحذر مراقبون من التسرع في توجيه الاتهامات، خصوصاً أن المرحلة الحالية تشهد تعدد مصادر التهديد، وقد تكون بعض العمليات متزامنة من دون أن تكون مرتبطة بقيادة واحدة أو هدف واحد.
لكن فرضية ارتباط التفجير بملف العدالة الانتقالية تظل حاضرة بقوة، خاصة أن المنطقة المستهدفة ترتبط مباشرة بالمحاكم والمحامين والقضاة، وتشهد متابعة قضايا مرتبطة بمحاسبة رموز من الحقبة السابقة.
ويمنح التاريخ القريب للمكان بعداً إضافياً لهذه القراءة. فقد سبق أن تعرض محيط القصر العدلي لهجوم كبير عام 2017، إلا أن السياق السياسي اليوم مختلف جذرياً. حينها وقع التفجير في ظل النظام السابق، أما العملية الجديدة فتأتي في مرحلة انتقالية تسعى إلى بناء مؤسسات جديدة وفتح ملفات المحاسبة.
ومن هذا المنطلق، يرى حقوقيون أن التفجير الحالي قد يستهدف مساراً ناشئاً للعدالة، وليس مجرد مؤسسة قائمة، وأن الرسالة الأساسية قد تكون ترهيب العاملين في القضاء والمحاماة ورفع كلفة الاستمرار في ملاحقة المسؤولين عن انتهاكات المرحلة السابقة.
ويأتي الهجوم أيضاً ضمن سلسلة من الحوادث الأمنية التي شهدتها دمشق ومحيطها خلال الأشهر الأخيرة، بينها انفجار سيارة مفخخة قرب إدارة التسليح التابعة لوزارة الدفاع، إضافة إلى الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في الدويلعة عام 2025، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وتكشف هذه الحوادث أن التحدي الأمني في العاصمة لم ينته مع تغير السلطة السياسية، وأن الجماعات والخلايا القادرة على تنفيذ هجمات نوعية ما تزال تبحث عن أهداف ذات قيمة رمزية أو بشرية مرتفعة.
لكن تأثير التفجير لن يتحدد فقط بحجم الخسائر أو الجهة التي تقف خلفه، بل أيضاً بطريقة تعامل السلطات مع نتائجه.
فالكشف السريع عن ملابسات العملية، والإعلان بشفافية عن نتائج التحقيق، وتوضيح الثغرات التي سمحت بتنفيذها، ستكون عوامل أساسية في الحفاظ على ثقة المواطنين وطمأنة المستثمرين والدول التي تتابع مسار المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، فإن غياب المعلومات أو انتشار روايات متضاربة وغير مؤكدة قد يمنح منفذي الهجوم جزءاً من هدفهم، عبر توسيع دائرة القلق والشك في قدرة الدولة على ضبط الوضع الأمني.
ورغم خطورة التفجير، فإن نتائجه قد لا تصب بالضرورة في مصلحة الجهة التي نفذته. فمثل هذه العمليات غالباً ما تؤدي إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وتسريع ملاحقة الشبكات المشبوهة، وتوسيع التعاون بين المؤسسات الأمنية والقضائية.
ولهذا قد يتحول الهجوم، بدلاً من تعطيل مسار العدالة أو إضعاف مؤسسات الدولة، إلى عامل يدفع نحو تسريع ملاحقة الخلايا المتورطة وتعزيز الحماية حول المواقع الحساسة.
في المحصلة، لا يبدو تفجير مقهى المشيرية حادثاً أمنياً معزولاً، بل اختباراً لقدرة الدولة السورية الجديدة على إدارة مرحلة تواجه فيها تهديدات متعددة في وقت واحد: حماية المؤسسات، وضبط العاصمة، ومواصلة العدالة الانتقالية، والحفاظ على صورة الاستقرار أمام الداخل والخارج.
ومع بقاء هوية المنفذين مجهولة، تظل الدلالة الأوضح أن الجهة التي خططت للهجوم اختارت مكاناً وتوقيتاً يضمنان أكبر أثر سياسي ممكن، في محاولة لإثبات أن مسار الاستقرار لا يزال عرضة للاختراق، وأن معركة تثبيت الدولة الجديدة لم تُحسم بعد.
قائمة الشرع تكمل تشكيل مجلس الشعب السوري بـ70 عضواً والجلسة الأولى الاثنين
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري أسماء القائمة المكملة التي اختارها الرئيس أحمد الشرع لعضوية المجلس، وضمت 70 عضواً، تمهيداً لانعقاد الجلسة الأولى الاثنين المقبل، حيث يؤدي الأعضاء القسم وينتخبون رئيس المجلس (رغم أن هناك حديث نقل عن اللجنة العليا للانتخابات عن تأجيل انعقاد هذه الجلسة لموعد يحدد لاحقًا).
وقال رئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد إن القائمة استكملت عدد أعضاء المجلس، في خطوة تسبق بدء عمل المؤسسة التشريعية بصيغتها الجديدة خلال المرحلة الانتقالية.
وضمت قائمة الرئيس 55 رجلاً و15 امرأة، بينهم خمسة من ذوي الاحتياجات الخاصة و13 معتقلاً سابقاً، فيما توزعت من حيث الصفة الاجتماعية والمهنية بين 47 من أصحاب الكفاءات و23 من الأعيان.
ويكشف توزيع الأسماء المعلنة عن توجه نحو الجمع بين الخبرات الأكاديمية والمهنية والتمثيل الاجتماعي، إذ ضمت القائمة 17 من حملة الدكتوراه، و12 من حملة الماجستير، و18 من حملة الإجازة الجامعية، إلى جانب 17 من حملة الشهادة الثانوية وأربعة من خريجي المعاهد المتوسطة واثنين من حملة الدبلوم.
وعلى مستوى الاختصاصات، شملت القائمة 15 سياسياً وناشطاً، و13 أكاديمياً، وسبعة من العاملين في القطاع الطبي، وستة تربويين وستة رجال أعمال، إضافة إلى خمسة مهندسين وخمسة اقتصاديين وإداريين وأربعة حقوقيين وأربعة رجال دين، فضلاً عن أسماء من مجالات أخرى.
وحصلت محافظة حلب على العدد الأكبر من المقاعد ضمن القائمة المكملة بواقع 14 عضواً، تلتها الحسكة بسبعة، ثم حمص ودير الزور بستة أعضاء لكل منهما.
وضمت القائمة خمسة أعضاء من كل من إدلب وحماة ودمشق وريف دمشق، وأربعة من كل من اللاذقية ودرعا، وثلاثة من الرقة، وعضوين من كل من القنيطرة وطرطوس والسويداء.
وتضمنت الأسماء عدداً من الشخصيات السياسية والعامة المعروفة، من بينها أنس العبدة، وأحمد الجربا، وبدر جاموس، وحسن صوفان، وحسن الدغيم، وناصر الحريري، وعائشة الدبس، إلى جانب شخصيات أكاديمية ومدنية وفعاليات محلية من مختلف المحافظات.
كما شملت القائمة شخصيات من خلفيات دينية وقومية واجتماعية متنوعة، في محاولة لإضفاء قدر أوسع من التمثيل على المجلس الجديد، مع حضور محدود للنساء مقارنة بالرجال رغم وصول عدد العضوات إلى 15.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الشعب جلسته الأولى في السادس من يوليو/تموز، وهي جلسة ستكتسب أهمية سياسية خاصة مع انتقال المجلس من مرحلة التشكيل إلى ممارسة مهامه التشريعية والرقابية.
ويمثل إعلان القائمة المكملة الحلقة الأخيرة في عملية تشكيل المجلس، ويأتي في وقت تدخل فيه مؤسسات المرحلة الانتقالية السورية مرحلة جديدة من إعادة البناء والتنظيم، وسط ترقب لطبيعة الدور الذي سيؤديه المجلس في مناقشة القوانين وترتيب أولويات المرحلة المقبلة.
وتسلط تركيبة القائمة الضوء على محاولة الموازنة بين التمثيل الجغرافي والخبرة المهنية والحضور السياسي، إلا أن الاختبار الأساسي سيبدأ مع انعقاد الجلسة الأولى، وقدرة المجلس على الانتقال من التنوع في الأسماء إلى إنتاج دور تشريعي فعلي داخل المرحلة الانتقالية.
الشيباني في لبنان.. دمشق تطوي إرث الوصاية وتفتح قنواتها مع جميع المكونات
حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان رسائل سياسية تجاوزت إطار العلاقات الثنائية التقليدية، إذ سعت دمشق إلى تثبيت صورة جديدة لعلاقتها مع بيروت تقوم على التعامل بين دولتين مستقلتين، والانفتاح على مختلف القوى اللبنانية، بالتوازي مع إطلاق مسار مؤسسي للتعاون الاقتصادي والأمني.
واختتم الشيباني زيارته في طرابلس، حيث حظي باستقبال شعبي واسع، في أول زيارة لمسؤول سوري إلى المدينة منذ سقوط نظام بشار الأسد. واكتسبت المحطة رمزية خاصة بعدما وصفها الوزير بأنها وفاء لأهالي طرابلس الذين وقفوا إلى جانب الثورة السورية، في إشارة إلى الروابط التي نشأت خلال سنوات الحرب حين استقبلت المدينة لاجئين وناشطين سوريين وأبدت قطاعات واسعة فيها تعاطفاً مع المعارضة.
غير أن زيارة طرابلس لم تقتصر على بعدها الرمزي، إذ جمع اللقاء في دار الفتوى ممثلين عن طوائف واتجاهات سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، في امتداد للرسالة الأوسع التي حملها الشيباني خلال جولته اللبنانية: سوريا الجديدة لا تريد العودة إلى سياسة الاصطفاف مع طرف لبناني ضد آخر، ولا إعادة إنتاج نموذج النفوذ الذي حكم العلاقة بين البلدين لعقود.
وتعززت هذه الرسالة خلال لقاءات الوزير السوري مع الرئيس جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب قيادات دينية وسياسية من اتجاهات مختلفة، شملت مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، والبطريرك الماروني بشارة الراعي، ووليد جنبلاط، وسامي الجميل، وسمير جعجع.
وكان أبرز ما حملته الزيارة تأكيد دمشق عدم وجود نية للتدخل العسكري في لبنان أو التدخل في شؤونه الداخلية، في ظل تكهنات غذتها تصريحات أمريكية بشأن احتمال إسناد دور إقليمي إلى سوريا في مواجهة حزب الله.
وأكدت القيادة السورية، عبر الشيباني، أنها تريد التعامل مع لبنان “من دولة إلى دولة”، وأنها لا تسعى إلى تكرار الدور الذي مارسته دمشق في الماضي. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في بلد لا تزال ذاكرته السياسية مثقلة بعقود من الوجود العسكري والتدخل السوري المباشر في توازناته الداخلية.
وفي السياق نفسه، أظهر الشيباني انفتاحاً على الحوار مع حزب الله إذا اقتضت المصلحة السورية واللبنانية ذلك، في موقف يعكس رغبة دمشق في تجنب المواجهة المباشرة مع البيئة الشيعية، وفتح قنوات اتصال مع مختلف المكونات اللبنانية.
ولا يعني هذا الانفتاح، وفق الاتجاه الذي عكسته الزيارة، استعداد سوريا للانخراط في معالجة عسكرية أو مباشرة لملف سلاح حزب الله، بل تفضيل ترك المسألة لتوافق لبناني داخلي يجري تحت سقف الدولة ومؤسساتها.
وتراهن دمشق في هذا السياق على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه قناة أساسية للتواصل مع المكون الشيعي، وعلى إمكانية معالجة الملفات الحساسة تدريجياً، بدءاً من وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وصولاً إلى نقاش لبناني داخلي حول الأمن والدفاع وحصر السلاح بيد الدولة.
وأبدت سوريا في الوقت نفسه موقفاً حذراً من اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل في 26 يونيو/حزيران الماضي. فبينما رفضت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وأكدت دعم استقراره، اعتبرت أن الاتفاق شأن لبناني داخلي، وأن الموقف منه يجب أن يحدد وفق المصلحة اللبنانية.
ويكشف هذا الموقف عن محاولة سورية للفصل بين دعم لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وبين التدخل في خياراته السياسية، خصوصاً أن الاتفاق أثار انقساماً داخلياً حاداً، إذ اعتبرته الحكومة خطوة نحو استعادة السيادة، بينما رفضه حزب الله وربطه بمحاولات نزع سلاحه.
وبموازاة الرسائل السياسية، دفعت الزيارة نحو إعادة بناء العلاقات على أسس عملية من خلال الاتفاق على تشكيل لجنة سورية لبنانية عليا تضم الوزارات المعنية، وتتولى تطوير التعاون في الاقتصاد والاستثمار والتجارة والأمن.
وتشمل الملفات المطروحة الربط الكهربائي، والنقل، وتبادل البضائع، وتسهيل الحركة عبر الحدود التي تمتد لأكثر من 300 كيلومتر، في محاولة لنقل العلاقة من إدارة الأزمات إلى بناء مصالح مشتركة دائمة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل حاجة البلدين إلى تنشيط التجارة وتحسين البنية التحتية، كما تعكس توجهاً نحو استبدال العلاقات الشخصية والأمنية التي طبعت الماضي بإطار مؤسسي واضح.
ويبدو أن دمشق وبيروت تتقاسمان أيضاً مصلحة أمنية متزايدة في ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح والأشخاص، وفي احتواء التوتر الإقليمي الذي جعل لبنان وسوريا ساحتين متصلتين جغرافياً وأمنياً.
فأي تصعيد في جنوب لبنان يمكن أن يمتد تأثيره إلى الجنوب السوري ودمشق، كما أن الفراغ الذي خلفه سقوط نظام الأسد وإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي يفرض على البلدين البحث عن آليات جديدة للتنسيق.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو زيارة الشيباني مجرد محاولة لتحسين العلاقات الثنائية، بل جزءاً من مقاربة سورية أوسع هدفها منع تحول لبنان وسوريا مجدداً إلى ساحات مفتوحة لصراع إيراني إسرائيلي أو لتدخلات دولية متعارضة.
وتسعى دمشق إلى تثبيت معادلة تقوم على الجمع بين التعاون مع الدولة اللبنانية، والانفتاح على جميع المكونات، وعدم الدخول في صدام مباشر مع حزب الله، مع الحفاظ على مصالحها الأمنية ومنع انتقال التوترات اللبنانية إلى الداخل السوري.
ويكشف الاستقبال الذي حظي به الشيباني في طرابلس بعد جولته بين القيادات السياسية والدينية أن دمشق تحاول العمل على مستويين في الوقت نفسه: بناء علاقة رسمية مؤسسية مع الدولة اللبنانية، وإعادة وصل ما انقطع مع البيئات الاجتماعية والسياسية التي تأثرت بالعلاقة المضطربة بين البلدين خلال العقود الماضية.
وبذلك، تفتح الزيارة مرحلة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية، لا تقوم على العودة إلى زمن الوصاية، ولا على استمرار القطيعة التي أعقبت عام 2011، بل على محاولة صياغة علاقة أكثر توازناً تحكمها المصالح المشتركة.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الطرفين على معالجة ملفات شديدة التعقيد، من أمن الحدود والتجارة والطاقة إلى سلاح حزب الله والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الرسالة السياسية الأبرز من زيارة الشيباني بدت واضحة: دمشق تريد العودة إلى لبنان عبر الدولة والحوار، لا عبر التدخل والهيمنة.
خطة دفع سوريا نحو لبنان تثير القلق.. ست تحديات تعرقل مواجهة محتملة مع حزب الله
عاد ملف الحدود السورية اللبنانية إلى واجهة النقاش السياسي، بعد تداول حديث عن احتمال دفع الحكومة السورية الجديدة إلى لعب دور مباشر في لبنان تحت عنوان “لجم حزب الله”، في طرح نُسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط تساؤلات عن مدى واقعية هذه الخطة وقدرة دمشق على الانخراط في مواجهة عسكرية مع الحزب. (شاهد)
ويكشف النقاش أن الفكرة، رغم غرابتها وصعوبة تنفيذها، لم تعد تُقرأ فقط بوصفها تصريحًا عابرًا، بل باعتبارها احتمالًا تُدرسه بعض الأطراف في سياق أوسع يرتبط بالحرب الإقليمية، وبمحاولة واشنطن الضغط على إسرائيل للخروج من لبنان، مقابل تحميل السوريين مهمة التعامل مع حزب الله لاحقًا.
وبحسب الصحفي السوري أحمد شيخو، فإن أي تدخل سوري في لبنان سيصطدم أولًا بتعقيد البنية العسكرية داخل سوريا. فالجيش الحالي لا يشبه الجيش المركزي السابق، بل يتكون من فصائل متعددة أُعيد تشكيلها ضمن وزارة الدفاع، بينها تشكيلات قادمة من الجيش الوطني السابق الموالي لتركيا، إضافة إلى فرقة تضم مقاتلين أجانب كانت جزءًا من القوة الضاربة لهيئة تحرير الشام سابقًا.
هذا التركيب يجعل قرار الزج بالقوات السورية في مواجهة خارجية مع حزب الله بالغ الصعوبة. فبعض الفصائل لا تتحرك وفق انضباط عسكري كامل، وبعضها مرتبط بحسابات تركية أو بتوازنات داخلية، فيما تعاني الحكومة السورية نفسها من إشكالية ضبط المقاتلين الأجانب الذين يخشون أن يجري استخدامهم كورقة مساومة في التفاهمات مع الغرب.
التحدي الثاني اقتصادي. فعملية عسكرية بهذا الحجم تحتاج إلى تمويل، ولوجستيات، ورواتب، وإمداد طويل المدى، في وقت لا تزال فيه الحكومة السورية تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، رغم الحديث عن رفع عقوبات ووعود دعم دولي. ويشير شيخو إلى أن هذا الدعم لم يتحول حتى الآن إلى موارد ملموسة تكفي لتمويل حرب خارج الحدود.
أما التحدي الثالث فهو أمني داخلي. إذ إن تحريك وحدات سورية باتجاه لبنان قد يترك فراغًا داخل الأراضي السورية، يمكن أن تستفيد منه جماعات مثل تنظيم داعش أو أطراف مناوئة للسلطة الحالية. وهذا يجعل أي مغامرة خارجية مكلفة داخليًا، خصوصًا أن سيطرة الحكومة السورية على كامل الجغرافيا والوضع الأمني لا تزال غير مكتملة.
ويضاف إلى ذلك التحدي الإقليمي. فتركيا، وفق التقدير الوارد في الحوار، لا ترغب في دفع دمشق إلى حرب جديدة في لبنان، لأنها قد تُقرأ إيرانيًا بوصفها تحركًا لوكيل محسوب على أنقرة ضد حليف رئيسي لطهران. وفي هذه الحالة، قد تدخل قوى عراقية شيعية وإيران نفسها على خط المواجهة، ما يحوّل العملية من تدخل محدود إلى صدام إقليمي واسع.
ولا تقل مسألة الشرعية أهمية. فالدخول السوري إلى لبنان عام 1976 جرى في ظروف مختلفة وتحت غطاء عربي وبطلب لبناني، بينما لا يظهر اليوم وجود غطاء عربي أو لبناني أو دولي مماثل. ومن دون موافقة الحكومة اللبنانية، سيبدو أي تدخل سوري عملًا عسكريًا بلا شرعية سياسية واضحة.
كما تطرح المقابلة سؤالًا حساسًا: هل يمكن أن تدخل قوات سورية إلى لبنان تحت غطاء جوي إسرائيلي أو بتنسيق غير مباشر مع إسرائيل؟ هذا السيناريو، إن وقع، سيضع الحكومة السورية في مأزق أخلاقي وسياسي كبير أمام جمهورها، لأنه سيجعل الجيش السوري في موقع المتحرك بريًا بينما تؤمن إسرائيل الغطاء الجوي أو تستفيد من العملية.
ورغم هذه العقبات، لا يستبعد شيخو تمامًا احتمال حصول تحركات محدودة أو منفلتة. فقد أشار إلى وجود زيادة في القوات السورية على الحدود، خصوصًا في ريف حمص، لكن من دون أن تصل هذه الحشود إلى مستوى يدل على استعداد لعملية عسكرية واسعة. وفسرت الحكومة السورية هذه التعزيزات بأنها تهدف إلى ضبط الحدود ومنع التهريب، فيما قرأها بعض المراقبين باعتبارها محاولة للسيطرة على مجموعات أجنبية كانت متمركزة قرب الحدود اللبنانية.
وتبقى تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، كما يعرضها شيخو، محل تأويل. فهو أظهر رفضًا لفكرة الدخول في لبنان من دون تنسيق رسمي، لكنه لم يغلق الباب تمامًا أمام سيناريو يتم بطلب من الدولة اللبنانية. هذا الغموض يعكس، وفق الحوار، محاولة للموازنة بين رفض المغامرة العسكرية وعدم استفزاز واشنطن في ظل ضعف أوراق دمشق.
في خلفية كل ذلك، تبدو فكرة ترامب أقرب إلى ورقة ضغط سياسية على إسرائيل ونتنياهو أكثر من كونها خطة عسكرية مكتملة. فواشنطن قد تسعى إلى إقناع إسرائيل بالانسحاب من لبنان لتسهيل التفاهم مع إيران، مع تقديم تصور بديل يقول إن مهمة التعامل مع حزب الله يمكن أن تُترك لاحقًا للسوريين.
لكن الخطر يكمن في أن الأفكار غير الواقعية قد تتحول، تحت الضغط الإقليمي والدولي، إلى مسارات ميدانية خطيرة. فدفع جماعات سنية ذات خلفيات جهادية إلى مواجهة حزب الله قد يفتح الباب أمام صراع سني ـ شيعي عابر للحدود، تتداخل فيه تركيا وإيران والعراق ودول عربية، بما يجعل لبنان وسوريا ساحة لاشتعال إقليمي جديد.
في المحصلة، تبدو خطة دفع سوريا إلى مواجهة حزب الله محاطة بعوائق عسكرية واقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة. ومع ذلك، فإن هشاشة الوضع السوري، وضغط واشنطن، وتداخل حسابات إسرائيل وتركيا وإيران، تجعل الاحتمال غير مستحيل بالكامل. وبين التصريحات الأمريكية الغامضة والتحركات الحدودية المحدودة، يبقى السؤال الأهم: هل تستخدم دمشق ورقة لبنان للمناورة، أم تُدفع فعلًا إلى مغامرة قد تتجاوز قدرتها على السيطرة؟
إيران
مضيق هرمز يتحول إلى ساحة جباية ونفوذ.. إيران تسعى لتحصيل المليارات والخليج يتحرك نحو البدائل
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر حيوي لتدفق النفط والغاز، بل تحول بعد الحرب الأمريكية ـ الإيرانية إلى محور صراع جديد حول من يملك حق إدارة الملاحة فيه، ومن يستطيع تحويل أمنه إلى مصدر دخل ونفوذ سياسي. فإيران، التي استخدمت المضيق لعقود كورقة تهديد في مواجهة العقوبات والضغط الغربي، تسعى اليوم إلى نقله من خانة “ورقة المساومة” إلى نموذج اقتصادي دائم يقوم على فرض رسوم أو “بدلات خدمات” على السفن العابرة.
وبحسب تقرير لـوول ستريت جورنال، تقدر طهران أن إعادة فتح مضيق هرمز وفق ترتيبات جديدة قد تدرّ عليها، وعلى دول خليجية مشاركة، ما يصل إلى 40 مليار دولار سنويًا. الفكرة الإيرانية لا تُطرح رسميًا باعتبارها “رسوم عبور” مباشرة، لأن ذلك يصطدم بمبدأ حرية الملاحة في المضائق الدولية، بل تُعاد صياغتها باعتبارها رسومًا مقابل خدمات أمنية وبيئية وملاحية تقدم للسفن التي تمر عبر المضيق.
وتحاول طهران، أن تقول إن الوضع السابق للمضيق “لن يعود كما كان”. فقبل الحرب، كانت السفن تعبر من دون دفع مقابل مباشر لإيران، أما اليوم فتطرح طهران أن تأمين الملاحة، ومراقبة التلوث، والإرشاد، والتحقق من هوية السفن وحمولتها، كلها خدمات تستوجب رسومًا إلزامية أو شبه إلزامية.
ولهذا السبب تحظى سلطنة عمان بموقع بالغ الحساسية. فهي الدولة المطلة على الضفة الجنوبية للمضيق، وإشراكها في أي ترتيبات إدارية يمنح الخطة الإيرانية مظهرًا إقليميًا لا أحاديًا. وقد أفادت رويترز بأن عمان وإيران اتفقتا على مواصلة المحادثات بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز، بما في ذلك الخدمات البحرية والتكاليف المرتبطة بها.
غير أن الموقف الخليجي العام لا يبدو مُرحِبًا. فقد عبّرت دول مجلس التعاون، ومعها الولايات المتحدة، عن رفضها فرض رسوم أو ممارسة سيطرة جديدة على المضيق، فيما حذر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أن السماح لإيران بفرض رسوم في هرمز سيخلق سابقة خطيرة يمكن أن تنتقل إلى مضائق أخرى حول العالم.
وتنبع المخاوف الأمريكية من أن قبول نموذج إيراني في هرمز قد يفتح الباب أمام دول أخرى لفرض أمر واقع في ممرات بحرية استراتيجية، من جنوب شرق آسيا إلى البحر الأسود. فالمشكلة لا تتعلق فقط بكلفة إضافية على السفن، بل بسابقة قانونية وسياسية قد تعيد تعريف حرية الملاحة العالمية.
أما إيران، فتبحث عن سوابق دولية لتبرير موقفها. وتشير النقاشات إلى أنها تستحضر نموذج المضائق التركية، حيث تحصل أنقرة رسومًا مقابل خدمات تقدم للسفن العابرة بموجب ترتيبات تاريخية مرتبطة باتفاقية مونترو. لكن الفارق القانوني والسياسي يبقى كبيرًا؛ إذ إن مضيق هرمز ممر طبيعي دولي، بينما تخضع القنوات والممرات الأخرى، التي تقع بالكامل داخل الأراضي التركية، لترتيبات مختلفة بحسب طبيعتها القانونية والسيادية.
ولا تقتصر الخطة الإيرانية على الرسوم. فوفق النقاش الوارد في المقابلة، تسعى طهران أيضًا إلى إنشاء ترتيبات تأمين وتسجيل مسبق للسفن العابرة، بما يمنحها قاعدة بيانات واسعة عن السفن والحمولات والشركات المالكة والوجهات. وهنا يتحول المضيق من مصدر دخل إلى أداة استخبارات اقتصادية وجيوسياسية، تسمح لإيران بمراقبة حركة التجارة والطاقة في أحد أهم شرايين العالم.
وقد زادت التوترات بعد تحذيرات من الحرس الثوري الإيراني ضد مسارات بحرية بديلة جرى بحثها لتجاوز السيطرة الإيرانية على بعض نقاط العبور. وذكرت الجزيرة أن الخلاف حول المسارات ورسوم العبور قد يعقّد جهود الوصول إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران.
في المقابل، تنظر شركات الشحن إلى المسألة من زاوية براغماتية. فإذا كان دفع رسوم محدودة سيضمن العبور الآمن ويخفض مخاطر الاستهداف أو التأخير، فقد تميل بعض الشركات إلى القبول بالأمر الواقع. لكن الحكومات، خصوصًا الخليجية، ترى أن المسألة أبعد من كلفة تجارية؛ لأنها تمنح إيران قدرة دائمة على التأثير في واردات الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.
وتبرز الإمارات كأكثر الدول الخليجية حساسية تجاه الخطة الإيرانية. فقد تحركت أبوظبي خلال السنوات الماضية لتقليل اعتمادها على هرمز عبر خط أنابيب حبشان – الفجيرة وموانئ خارج المضيق. وبعد خروجها من أوبك، سجلت الإمارات مستويات قياسية في صادرات النفط الخام والمكثفات، مستفيدة من استئناف الشحن عبر المضيق وزيادة الإمدادات، وفق رويترز.
أما السعودية، فتسعى إلى الموازنة بين استخدام هرمز طالما بقي مفتوحًا، وتعزيز بدائلها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر وخطوط الأنابيب الممتدة من الشرق إلى الغرب. وتعرض المقابلة المرفقة أن الرياض رفعت نشاط التصدير عبر الموانئ الشرقية والغربية معًا، في محاولة لاستعادة مستويات ما قبل الحرب وتقليل هشاشة الاعتماد على ممر واحد.
وتنعكس أزمة هرمز أيضًا على العراق، الذي تضرر بشدة من اضطراب الصادرات النفطية. فالعراق، ثاني أكبر منتج في أوبك وأحد مؤسسي المنظمة، بدأ يضغط من أجل زيادة حصته الإنتاجية، ولوّح مسؤولون عراقيون بإمكانية دراسة كل الخيارات إذا لم تستجب أوبك لمطالبه، بما في ذلك الانسحاب من المنظمة. وذكرت رويترز أن العراق سعى إلى رفع حصته بعد أن تراجع إنتاجه بفعل اضطرابات الصادرات المرتبطة بالحرب وإغلاق المضيق.
هذا التلويح العراقي يضع أوبك أمام اختبار جديد بعد خروج الإمارات. فإذا بدأ كبار المنتجين في التعامل مع الحصص بوصفها عبئًا على التعافي الاقتصادي بعد الحرب، فقد تفقد المنظمة جزءًا من قدرتها على ضبط السوق. كما أن السعودية، باعتبارها القائد الفعلي لأوبك، ستجد نفسها أمام معضلة: إما منح العراق حصة أكبر، أو المخاطرة بتوسيع موجة التمرد داخل المنظمة.
في المحصلة، تكشف معركة هرمز أن آثار الحرب لم تنتهِ مع وقف إطلاق النار أو الاتفاقات المؤقتة. فقد فتحت الأزمة بابًا كان مغلقًا منذ عقود: هل يمكن لدولة مطلة على مضيق دولي أن تحوله إلى مصدر جباية ونفوذ؟ وإذا نجحت إيران في فرض هذا النموذج، فقد لا يتغير مستقبل هرمز وحده، بل مستقبل المضائق العالمية كلها.
وما بين طهران التي تبحث عن 40 مليار دولار سنويًا ونفوذ إقليمي وعالمي دائم، ودول الخليج التي تخشى دفع ثمن سياسي وأمني لإيران، وواشنطن التي تخشى العدوى القانونية، يبدو مضيق هرمز مقبلًا على مرحلة جديدة: لا حرب مفتوحة بالضرورة، في المدى القصير على الأقل، بل صراع طويل على قواعد المرور والسيادة والمال في أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم.
متابعات عربية
اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل يفتح معركة السيادة والسلاح.. اعتراف متبادل أم وصاية أمنية؟
أثار الاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية نقاشًا سياسيًا حادًا في الداخل اللبناني، بعدما قدّمته واشنطن بوصفه خطوة أولى نحو إنهاء عقود من النزاع، فيما رأى منتقدوه أنه يتجاوز فكرة الهدنة إلى مسار اعتراف سياسي وأمني يحمّل الدولة اللبنانية مهمة نزع سلاح حزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي مشروط ومؤجل من الأراضي اللبنانية.
ونشرت وسائل إعلام لبنانية النص الكامل للاتفاق كما ورد عن الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، وذلك على النحو التالي:
حكومة دولة إسرائيل وحكومة الجمهورية اللبنانية، وبدعم كامل من الولايات المتحدة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ج. ترامب، تؤكدان هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائمين. وانعكاساً لما ورد في هذا الإطار الثلاثي (“الإطار”)، ومن خلال اتفاقات مستقبلية، يعلن البلدان طموحهما لإنهاء النزاع القائم بينهما، وضمان سيادة وأمن كلا البلدين، وإقامة علاقات جوار سلمية بينهما.
1. تؤكد إسرائيل ولبنان حق كل دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما المتبادلة في العيش بأمن كدولتين ذاتي سيادة ومتجاورتين. وتعلن إسرائيل ولبنان بموجب هذا الإطار نيتهما إنهاء النزاع بينهما بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما بصورة رسمية. ويستند هذا الإطار، الذي تم التوصل إليه بعد عدة جولات من المفاوضات المباشرة بين الطرفين، إلى اتفاقات وتفاهمات سابقة ناجحة، ويعبر عن تصميم على إحراز تقدم لا رجعة فيه نحو الحل الشامل لجميع القضايا العالقة بين البلدين. ويؤكد البلدان عزمهما على حل هذه القضايا كدولتين ذواتي سيادة من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة.
2. تلتزم حكومة إسرائيل وحكومة لبنان بعملية متبادلة ومتدرجة، وفق شروط واضحة، تستعيد بموجبها القوات المسلحة اللبنانية سلطة الدولة الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، وذلك بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية المرتبطة بها، مما يتيح لقوات الدفاع الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية. وسيتم تفصيل مكونات هذه العملية في ملحق أمني يُعد بدعم كامل من الولايات المتحدة ويكمل هذا الإطار. وسيحدد الإطار التدابير المطلوبة، والترتيبات الأمنية، وآليات التحقق اللازمة لدفع هذه العملية قدماً. ومن شأن التنفيذ الناجح لهذا الإطار أن يمهد الطريق لعلاقة مستقرة وسلمية بين البلدين، وأن يتيح لقوات الدفاع الإسرائيلية إعادة انتشارها خارج الأراضي اللبنانية.
3. وعملاً بالملحق الأمني، وفي إطار الجهود الأوسع لتحقيق احتكار الدولة اللبنانية للسلاح والسيطرة السيادية على أراضيها، ستتولى القوات المسلحة اللبنانية تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة في مناطق تجريبية، والتي ستشكل آلية لإعادة الانتشار المرحلية والمتحقق منها لقوات الدفاع الإسرائيلية وانتشار القوات المسلحة اللبنانية. وقد تم الاتفاق بين الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني على منطقتين أوليتين، كما سيتم الاتفاق على المناطق التجريبية المستقبلية بالتراضي المتبادل. وبعد التأكد من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق، ستتولى القوات المسلحة اللبنانية المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة فيها، وستبدأ جهود إعادة الإعمار المدعومة دولياً، وسيتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة بأمان إلى هذه المناطق تحت السيطرة الحصرية لسلطات الدولة اللبنانية. وتعتزم الولايات المتحدة العمل بشكل وثيق مع البلدين للتحقق من هذه العملية ودعمها.
4. تؤكد حكومة لبنان مجدداً التزامها الحازم وغير القابل للتراجع باستعادة وممارسة السيادة الكاملة على جميع أراضيها. وستعمل حكومة لبنان على إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقق منه لجميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وضمان عدم اضطلاع هذه الجماعات بأي دور عسكري أو أمني وعدم امتلاكها أي قدرات مسلحة في أي مكان داخل لبنان. وبموجب هذا الإطار، تطلب حكومة لبنان دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة لتحقيق هذه النتيجة.
5. تشدد حكومة إسرائيل على أن عملياتها العسكرية في لبنان هي حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية الصادرة عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، ولا سيما حزب الله. وتؤكد حكومة إسرائيل أن إنهاء هذا التهديد، من خلال نزع سلاح هذه الجماعات وتفكيكها في جميع أنحاء لبنان، إلى جانب ترتيبات أمنية إضافية يتم الاتفاق عليها بين البلدين، سيُلغي أي حاجة مستقبلية لعمل عسكري أو وجود عسكري لقوات الدفاع الإسرائيلية في لبنان. واستناداً إلى ما تقدم، تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تملك أي أطماع إقليمية في لبنان.
6. تؤكد حكومة لبنان، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وممارسةً لسلطتها السيادية، أن قواتها الأمنية تتحمل المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان والدفاع عنه، وأن حكومة لبنان تمتلك السلطة السيادية الحصرية لاتخاذ قرار الحرب والسلم. وترفض حكومة لبنان ادعاءات أي دولة أو جهة غير حكومية استخدام القوة نيابة عنها دون تفويض صريح منها، وتكرر أن أي ادعاء من أي دولة أو جهة غير حكومية بممارسة دور عسكري أو أمني يُعد غير قانوني وفقاً لقرارات الحكومة اللبنانية ومخالفاً للمصالح الوطنية اللبنانية.
7. تؤكد حكومة لبنان وحكومة إسرائيل أن لا شيء في هذا الإطار يمنعهما من ممارسة حقهما الأصيل في الدفاع عن النفس، كما هو معترف به في ميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للقانون الدولي المعمول به، مع التأكيد على أنه لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما. كما تلتزم الحكومتان بإنشاء مجموعة تنسيق عسكرية، بدعم ومشاركة الولايات المتحدة، لضمان التنفيذ الشامل لهذا الإطار.
8. يؤكد البلدان أنهما يشتركان في هدف إقامة لبنان آمن ومعاد بناؤه، تحت السيادة الكاملة للدولة اللبنانية، بحيث لا تشكل أي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تهديداً لإسرائيل أو لبنان أو لمواطني أي من البلدين. كما يعترف البلدان بأن استعادة الأمن في جنوب لبنان من خلال انتشار القوات المسلحة اللبنانية، والعودة الآمنة للسكان المدنيين، وضمان أمن المجتمعات الإسرائيلية الشمالية، تشكل عناصر أساسية لتحقيق الاستقرار والسلام على المدى الطويل.
9. تلتزم حكومة لبنان ببرنامج صارم قائم على الأداء لتمكين القوات المسلحة اللبنانية من فرض السيطرة العسكرية والأمنية الكاملة داخل لبنان وفقاً للترتيبات الأمنية المتفق عليها ضمن إطار المفاوضات، وتنفيذ نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وممارسة سلطة فعالة في جميع أنحاء لبنان. وترحب حكومة لبنان باستعداد الولايات المتحدة لدعم هذه الجهود، مع الإقرار بأن أي مساعدات أمريكية جديدة ستكون مشروطة بشكل صارم بتحقيق مراحل قابلة للتحقق، والشفافية الكاملة، والنتائج الملموسة، والإشراف المستمر. وستُمكّن هذه الجهود من إعادة بسط السيادة اللبنانية بشكل آمن ومنظم، بما يساهم أيضاً في الاستقرار والأمن الأوسع في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
10. وبشكل منفصل ومتزامن، ستعمل الولايات المتحدة على حشد الشركاء الدوليين لدعم حكومة لبنان بصورة فعالة في إعادة بناء البلاد، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة الاقتصاد، وخلق فرص للازدهار. ومن المتوقع أن يشمل ذلك حشد مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية للبنان، وبرامج للتعافي الاقتصادي، ومبادرات استثمارية، بما يمكّن لبنان من التعافي من سنوات النزاع وتوفير مستقبل أفضل لجميع مواطنيه.
11. يلتزم لبنان والولايات المتحدة بمنع تدفق الأموال إلى أي كيان أو منظمة أو فرد مرتبط بالجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، واتخاذ التدابير القانونية المتاحة لحظر أنشطة أي كيان أو منظمة أو فرد من هذا النوع. كما تلتزم حكومة لبنان صراحةً بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة والكيانات المرتبطة بها.
12. عند توقيع هذا الإطار، سيعمل البلدان على إنشاء مجموعات عمل لصياغة اتفاق السلام والأمن الشامل الكامل. وإضافة إلى ذلك، ولتحقيق أهداف الإطار، ستنشئ الحكومتان فوراً مسارات مكمّلة من التواصل المباشر المستمر، بتسهيل من الولايات المتحدة. وتلتزم الحكومتان بالمضي بحسن نية حتى تحقيق سلام كامل ودائم، يجلب الأمن والاستقرار والازدهار لشعبي إسرائيل ولبنان.
13. انسجاماً مع أهدافهما المشتركة الرامية إلى إقامة علاقات مستقرة وسلمية، تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ تدابير بحسن نية تعكس نوايا إيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والتعهد بالعمل على البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين.
14. تقر الحكومتان بالدور الذي تؤديه الولايات المتحدة في دعم جهودهما لإنهاء عقود من النزاع وإرساء استقرار دائم وسلام شامل بين البلدين، وتعربان عن تقديرهما العميق لرؤية الرئيس دونالد ج. ترامب وقيادته.
بدراسة نص الاتفاق فإنه يتكون من 14 بندًا، ويؤكد في مقدمته أن حكومتي لبنان وإسرائيل، بدعم كامل من الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تعلنان هدفهما المشترك في تحقيق “سلام وأمن دائمين”، وإنهاء النزاع بينهما عبر اتفاقات مستقبلية تقود إلى علاقات جوار سلمية.
البند الأكثر حساسية في الوثيقة هو تأكيد الطرفين “حق كل دولة في الوجود بسلام”، والتزامهما العمل على إنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما بصورة رسمية. وبذلك لا يقتصر الاتفاق على ترتيبات أمنية ميدانية في الجنوب، بل يفتح مسارًا سياسيًا أوسع، يبدأ بالاعتراف السياسي بالكيان الصهيوني، وقد يصل إلى اتفاق سلام وأمن شامل، عبر مفاوضات مباشرة بين الحكومتين بوساطة أمريكية.
في المقابل، يربط الاتفاق إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانية بشرط مركزي: نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتفكيك بنيتها العسكرية. وينص على أن الجيش اللبناني سيتولى تدريجيًا المسؤولية الأمنية في “مناطق تجريبية”، بعد التحقق من تفكيك البنية المسلحة في تلك المناطق، على أن تبدأ بعدها عمليات إعادة الإعمار وعودة المدنيين تحت سلطة الدولة اللبنانية وحدها.
وتعطي الوثيقة الجيش اللبناني دورًا محوريًا في تنفيذ الاتفاق، إذ تلتزم الحكومة اللبنانية بإعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وضمان ألا تمتلك أي جماعة غير رسمية قدرات عسكرية أو أمنية داخل لبنان. كما تربط أي مساعدات أمريكية جديدة للجيش والدولة اللبنانية بمراحل قابلة للتحقق، وشفافية كاملة، ونتائج ملموسة، وإشراف مستمر.
أما إسرائيل، فتؤكد في الاتفاق أن عملياتها العسكرية في لبنان جاءت ردًا على تهديدات الجماعات المسلحة، وخصوصًا حزب الله، وتعلن أنها لا تملك أطماعًا إقليمية في لبنان. لكنها تربط غياب أي حاجة مستقبلية لعمل عسكري أو وجود عسكري إسرائيلي بإنهاء تهديد حزب الله ونزع سلاحه، ما يجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بتقييم أمني قد يبقى موضع خلاف.
هذا الشرط أثار مخاوف معارضي الاتفاق، الذين يرون أنه يمنح إسرائيل قدرة دائمة على تبرير استمرار وجودها أو استئناف عملياتها العسكرية بذريعة أن التهديد لم ينتهِ. وزادت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه المخاوف، بعدما زار مناطق لبنانية تحت الاحتلال الإسرائيلي وقال إن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان ما دام حزب الله مسلحًا ويشكل تهديدًا.
وتشير رويترز إلى أن الاتفاق الأمريكي المدعوم ينص على تسليم منطقتين تجريبيتين إلى الجيش اللبناني، بينما لا تزال تفاصيل التطبيق محدودة. كما ذكرت الوكالة أن إسرائيل أقامت منطقة عازلة تمتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان، وأن الحرب منذ آذار/مارس أسفرت عن آلاف القتلى وأكثر من مليون نازح لبناني.
سياسيًا، فجّر الاتفاق موجة اعتراضات في بيروت. فقد خرج متظاهرون للتنديد به، بينما وصفه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بأنه “باطل ولاغٍ”، واعتبره اتفاقًا مهينًا وتنازلًا عن السيادة. كما حذر النائب عن حزب الله حسن فضل الله من احتمال نشوب صراع داخلي، فيما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى التهدئة لكنه وصف الاتفاق بأنه محاولة لإثارة الفتنة.
في المقابل، دافع مسؤولون لبنانيون عن الاتفاق باعتباره محاولة لاستعادة السيادة اللبنانية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وكتب رئيس الوزراء نواف سلام أن الاتفاق يهدف إلى تحقيق انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، فيما وصفه الرئيس جوزيف عون بأنه “خطوة أولى” نحو استعادة سيادة الدولة.
غير أن جوهر الجدل لا يتعلق فقط ببنود الاتفاق، بل بطبيعة الضمانات. فالولايات المتحدة ستكون الوسيط والضامن والمشارك في آليات التحقق والتنسيق العسكري، لكن منتقدين يرون أن واشنطن ليست وسيطًا محايدًا بسبب دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل. وهذا ما يجعل الاتفاق، وفق معارضيه، إطارًا غير متوازن يضع لبنان أمام التزامات واضحة، بينما يترك الانسحاب الإسرائيلي مرهونًا بتقديرات أمنية إسرائيلية وأمريكية.
ويحمل الاتفاق أيضًا بعدًا ماليًا وسياسيًا داخليًا، إذ يلتزم لبنان والولايات المتحدة بمنع وصول الأموال إلى أي كيان مرتبط بالجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، ومنع تسرب أموال إعادة الإعمار إلى هذه الجهات. وهذا يعني أن المساعدات الدولية المقبلة للبنان ستكون مرتبطة ليس فقط بإعادة البناء، بل بإعادة تشكيل ميزان القوة الداخلي ونزع سلاح حزب الله.
في المحصلة، يبدو الاتفاق أكثر من هدنة وأقل من سلام نهائي. فهو إطار سياسي- أمني يمهد لاعتراف متبادل ومسار تفاوض مباشر، ويعطي قدرًا من الشرعية للتواجد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، بل ويجعل الدولة اللبنانية بمثابة شرطي لحماية أمن مستوطنات الكيان الصهيوني، وفي الوقت نفسه يضع لبنان أمام اختبار شديد الحساسية: هل يستطيع فرض احتكار الدولة للسلاح من دون انفجار داخلي؟ وهل ينسحب الجيش الإسرائيلي فعلًا إذا بدأت الدولة اللبنانية تنفيذ التزاماتها؟ أم يتحول الاتفاق إلى آلية جديدة لإدارة الاحتلال والضغط على لبنان تحت عنوان الأمن؟
بين مؤيدين يرونه مدخلًا لاستعادة السيادة، ومعارضين يعتبرونه وصاية أمنية واعترافًا مجانيًا بإسرائيل، بل وتنازلًا فعليًا عن هذه السيادة، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة عنوانها: من يملك قرار الحرب والسلم، الدولة أم السلاح، ومن يضمن أن لا تتحول “السيادة” في النص إلى التزام أمني لصالح طرف أقوى على الأرض؟
اعتقالات المنطقة الخضراء تهز بغداد.. حملة فساد أم إعادة ضبط لشبكات النفوذ؟
دخل العراق مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد حملة اعتقالات واسعة نفذتها قوات أمنية عراقية، بينها جهاز مكافحة الإرهاب، داخل المنطقة الخضراء ومناطق أخرى، مستهدفة مسؤولين ونوابًا ورجال أعمال على خلفية ملفات فساد مالي وإداري. وتُعد العملية واحدة من أكبر التحركات التي شهدتها بغداد منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وفتحت سريعًا باب التأويل حول ما إذا كانت مجرد حملة قانونية ضد الفساد، أم بداية لإعادة هندسة موازين القوة داخل الدولة العراقية.
وذكرت وكالة رويترز أن قوات النخبة في جهاز مكافحة الإرهاب داهمت منازل داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين، واعتقلت سياسيين ومسؤولين كبارًا ضمن حملة أوسع لمكافحة الفساد صدرت بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء الزيدي، بعد إصدار مذكرات توقيف قضائية. ونقلت الوكالة عن وكالة الأنباء العراقية أن عدد الموقوفين بلغ 47 شخصًا، بينهم نواب ومسؤولون حكوميون.
كما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الاعتقالات شملت 12 نائبًا حاليًا، ونائبًا سابقًا، ومستشارًا سابقًا لرئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني، ومسؤولًا رفيعًا في وزارة النفط. وأوضحت أن القضية بدأت بعد إفادات أدلى بها وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي، الذي اعتُقل الشهر الماضي، وأن رئيس البرلمان رفع الحصانة عن النواب المشمولين قبل تنفيذ أوامر القبض.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن ملف النفط كان أحد مفاتيح العملية. فقد ذكرت رويترز أن من بين الموقوفين علي معارج، وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع، الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات في أيار/مايو بتهمة المساعدة في تحويل النفط العراقي لصالح إيران وفصائل مرتبطة بها، وهي اتهامات نفتها وزارة النفط العراقية سابقًا.
في المقابل، بقي الدور الأمريكي في العملية موضع جدل. فبينما تحدثت تقارير عربية عن تنسيق فني مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI في تعقب الأموال والتحويلات والشبكات الخارجية، لم تبرز في تقارير رويترز وأسوشيتد برس تفاصيل حاسمة عن دور مباشر للمكتب داخل المداهمات. وأوردت يورونيوز أن “تقارير” أفادت بتنفيذ العملية بالتنسيق مع الـ FBI، لكنها نسبت ذلك إلى تقارير لا إلى إعلان رسمي أمريكي أو عراقي مفصل.
رسميًا، تصر الحكومة العراقية على تقديم العملية بوصفها ضربة قانونية ضد الفساد لا تصفية سياسية. وقال رئيس الوزراء علي الزيدي، بحسب ما نقلت الجزيرة عن مكتبه الإعلامي، إن ما جرى يمثل “مرحلة أولى” في الحرب على الفساد، مؤكدًا أن الحكومة ستواصل استرداد المال العام والعمل على حصر القوة والسلاح بيد الدولة.
لكن البعد السياسي للعملية لا يمكن فصله عن طبيعة المستهدفين. فالاعتقالات طالت شخصيات من داخل الطبقة السياسية التي حكمت العراق لسنوات، وبعضها قريب من كتل شيعية وسنية نافذة. وترى قراءات سياسية أن العملية تستهدف جزءًا من شبكات المال والنفوذ المرتبطة بالفصائل والقوى القريبة من إيران، لكنها لا تصل بالضرورة إلى كامل البنية التي تمسك بالاقتصاد والأمن والقضاء والسياسة منذ عام 2003.
من هنا جاء التشكيك في الشارع السياسي المعارض. فبعض المراقبين يرى أن ما يجري قد يكون “ضربة انتقائية” تطال جزءًا قابلًا للتضحية من الشبكات العميقة، ربما لإعادة ترتيب المشهد لا لتفكيكه بالكامل. ووفق هذا الرأي، اعتادت الساحة العراقية كل عدة سنوات على موجات حظر وتصنيف واعتقالات تطال بعض الواجهات، بينما تبقى الشبكة الأوسع قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر المال، السلاح، القضاء، والعلاقات الإقليمية.
وتعزز هذه القراءة حقيقة أن الفساد في العراق لا يعمل كملف إداري منفصل، بل كمنظومة حكم موازية. فهو يتداخل مع تمويل الأحزاب، وتسليح الفصائل، وتوزيع المناصب، وعقود الطاقة، والانتخابات، وحتى الولاءات الإقليمية. ولذلك فإن اعتقال عشرات المسؤولين، مهما كان كبيرًا، لا يكفي وحده لإثبات أن الدولة دخلت فعلًا مرحلة تفكيك الشبكة الأخطبوطية.
مع ذلك، تحمل العملية رسالة قوة غير مسبوقة. فإغلاق مداخل المنطقة الخضراء، وتحريك جهاز مكافحة الإرهاب ضد شخصيات من الصفوف العليا، وتنفيذ أوامر قضائية بحق نواب بعد رفع الحصانة عنهم، كلها مؤشرات إلى أن حكومة الزيدي تريد إظهار قدرتها على تجاوز “الخطوط الحمراء” التي كانت تحمي كبار المتنفذين. وقد وصفت الجزيرة العملية بأنها “زلزال المنطقة الخضراء”، مشيرة إلى أنها الأبرز لحكومة عراقية لم يمضِ على تشكيلها سوى شهرين.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الاعتقالات لا قبلها. فالمعيار لن يكون عدد الموقوفين، بل ما إذا كانت الملفات ستصل إلى محاكمات شفافة، واسترداد أموال، وكشف شبكات الحماية السياسية، ومنع إعادة تدوير الفساد داخل تحالفات جديدة. فالعراق شهد سابقًا حملات كثيرة بدأت بشعارات كبيرة وانتهت بتسويات مغلقة أو صفقات صمت.
أما التعليق الشعبي القائل إن “من عيّن الفاسدين يعتقل الفاسدين بالفاسدين”، فيلخص مستوى انعدام الثقة لدى شريحة واسعة من العراقيين تجاه أي حملة تأتي بغطاء أمريكي أو بترتيبات من داخل النظام نفسه. هذا المزاج لا ينفي أهمية الضربة، لكنه يضعها تحت سؤال صارم: هل نحن أمام تفكيك حقيقي للمنظومة، أم أمام إعادة تدوير للنفوذ بوجوه وأدوات جديدة؟
الأهم هو السؤال حول من يمكن أن تطالهم الحملة، إن استمرت، وصولًا لرءوس وقيادات كبيرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالميليشيات المسلحة، ومن وراءها إيران. إن حدث ذلك، فيمكن أن يكون ذلك مؤشرًا على قرارٍ أمريكي بالسعي لتغيير المشهد العراقي بالفعل في غير صالح إيران. لكن بالنظر إلى قوة الميليشيات المسلحة، فسيكون ذلك تصعيدًا كبيرًا يفتح المجال لقدر كبير من الفوضى في العراق، فهل لدى أمريكا خطة للتعامل مع هذه المخاطر؟ أم أن إثارة مثل هذا الصراع، إن حدث، سيكون مقصودًا في حد ذاته، ليرتبط بشكل أو بأخر بجولة جديدة من القتال تعد لها الولايات المتحدة مع إيران، خاصة في ظل بعض التقارير التي تتحدث عن حشد نحو 60 ألف من القوات الأمريكية للمشاركة في غزو بري لاحق للعراق؟
في المحصلة، تبدو اعتقالات المنطقة الخضراء أكبر من حملة فساد عادية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى “ثورة مؤسساتية” مكتملة. إنها لحظة اختبار للدولة العراقية: إما أن تتحول إلى بداية مسار طويل لاستعادة القرار والمال والسلاح، في إطار قرار أمريكي بتغيير شامل يرتبط بالصراع مع إيران، أو تصبح فصلًا جديدًا في تاريخ طويل من تصفية بعض الرؤوس وترك الجسد العميق كما هو؟
صناديق الثروة السيادية تغيّر بوصلتها: أسهم أقل ومراكز بيانات أكثر
تتحرك كبرى صناديق الثروة السيادية في العالم نحو إعادة توزيع واسعة لمحافظها الاستثمارية، عنوانها الخروج النسبي من أسواق الأسهم المدرجة، والتوسع في الأسواق الخاصة والبنية التحتية والائتمان الخاص، مدفوعة بتغيرين متداخلين: تركز غير مسبوق في أسواق الأسهم الأمريكية، وطفرة استثمارية هائلة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خصوصًا مراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها.
وتقود الصناديق الخليجية هذا التحول بوضوح. ففي أبوظبي، تكشف محفظة مبادلة عن ميل متزايد نحو الأصول غير المدرجة؛ إذ شكّلت الاستثمارات الخاصة 42% من محفظة الصندوق في 2025، بينما بلغت حصة العقارات والبنية التحتية 17%، أي أن نحو 59% من أصوله باتت موجهة إلى مجالات بعيدة عن الأسهم العامة التقليدية. كما أعلنت مبادلة ارتفاع أصولها المدارة إلى 385 مليار دولار في 2025، مع استمرار تركيزها على قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات ومراكز البيانات.
ولا يقتصر الاتجاه على الخليج. فشركة تيماسيك السنغافورية، وهي من أكثر الصناديق السيادية نشاطًا في آسيا، أفادت بأن 49% من قيمة محفظتها في نهاية آذار/مارس 2025 كانت في أصول وصناديق غير مدرجة، مقابل 51% في أصول سائلة ومدرجة. وتقول تيماسيك إن نمو محفظتها غير المدرجة يعكس بقاء الشركات الخاصة خارج البورصات لفترات أطول، واتساع الفرص في الأسواق الخاصة.
وتؤكد دراسة إنفيسكو العالمية لصناديق الثروة السيادية 2026 أن هذا التحول لم يعد استثناءً، بل أصبح توجهًا مؤسسيًا. فالدراسة، التي تتابع اتجاهات المستثمرين السياديين، تشير إلى أن الصناديق تعيد التفكير في بناء المحافظ مع تراجع جدوى النماذج التقليدية للتنويع، وتتجه إلى تخصيصات أكثر انتقائية واستخدام أوسع للأسواق الخاصة، مع تركيز أكبر على المرونة والحوكمة والقدرة على تحمل الصدمات.
وبحسب فايننشال تايمز، أظهر مسح إنفيسكو لـ 90 صندوقًا سياديًا تدير مجتمعة 17.2 تريليون دولار أن 17% منها تخطط لخفض انكشافها على الأسهم المدرجة، في تحول معاكس لسنوات سابقة، بينما تعتزم نسب تتراوح بين 28% و35% زيادة مخصصاتها للاستثمار المباشر والائتمان الخاص والبنية التحتية.
السبب الأول لهذا التحول هو أن أسواق الأسهم لم تعد تمنح التنويع الذي كانت تعد به. فالصعود الكبير لعدد محدود من شركات التكنولوجيا الأمريكية جعل الانكشاف الواسع على المؤشرات يشبه، عمليًا، رهانًا مركزًا على مجموعة ضيقة من الشركات العملاقة. ومع ضعف العلاقة التقليدية التي كانت تجعل السندات تعوض خسائر الأسهم في أوقات التراجع، أصبحت المحافظ الكلاسيكية أقل قدرة على امتصاص الصدمات. وتقول رويترز إن دراسة إنفيسكو رصدت تحولًا لدى المستثمرين السياديين والبنوك المركزية، الذين يديرون معًا 29 تريليون دولار، نحو بناء محافظ أكثر قدرة على الصمود في عالم تتداخل فيه التضخم والحروب وتعطل سلاسل الإمداد.
أما السبب الثاني فهو الذكاء الاصطناعي. فالموجة نفسها التي رفعت أسهم التكنولوجيا الكبرى وعمقت تركّز المؤشرات تخلق، في الوقت ذاته، فرصًا ضخمة خارج البورصات: مراكز بيانات، شبكات كهرباء، تبريد صناعي، بطاريات، محطات طاقة، وألياف ضوئية. وتؤكد إنفيسكو أن المستثمرين السياديين باتوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كتحول هيكلي، وأن البنية التحتية والإنتاجية هما الطريقان المفضلان للتعرض لهذه الموجة بدل الاكتفاء بشراء أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى.
وهنا يظهر موقع أبوظبي بوضوح. فقد استثمر جهاز أبوظبي للاستثمار 500 مليون دولار في شركة AlphaGen الأمريكية للبنية التحتية للطاقة، التي تدير واحدة من أكبر محافظ أصول توليد الطاقة المستقلة في الولايات المتحدة بطاقة تتجاوز 11 جيجاوات. وتأتي الصفقة في سياق اندفاع المستثمرين نحو أصول الكهرباء، مع ارتفاع الطلب الناتج عن مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتصنيع.
كما وسّع الجهاز علاقته بشركة Vantage Data Centers في آسيا والمحيط الهادئ، إلى جانب GIC السنغافوري، لدعم استحواذ فانتدج على حرم ضخم لمراكز البيانات في جوهور الماليزية بسعة تزيد على 300 ميغاواط. ووصفت أبوظبي الصفقة بأنها منسجمة مع استراتيجية الاستثمار في البنية التحتية الداعمة للرقمنة، في وقت تقود فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية الطلب الإقليمي على مراكز البيانات.
وفي الهند، شارك جهاز أبوظبي للاستثمار في طرح خاص مؤسسي لشركة KRN Heat Exchanger and Refrigeration، وهي شركة تعمل في معدات التبريد والتكييف والمبادلات الحرارية، وجمعت نحو 350 كرور روبية عبر طرح للمؤسسات. وتكتسب هذه الصفقة دلالة خاصة لأن منتجات الشركة تخدم قطاعات مراكز البيانات والتبريد الصناعي والتحكم المناخي، وهي حلقات أساسية في سلسلة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وفي السعودية، يتحول صندوق الاستثمارات العامة إلى لاعب مباشر في بناء منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة عبر شركة هيوماين. فقد أعلن الصندوق إطلاق الشركة لتعمل عبر كامل سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية إلى النماذج المتقدمة والحلول التطبيقية، في خطوة تعكس رغبة الرياض في بناء منصة سيادية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الاستثمار المالي، بل تشمل البنية التشغيلية نفسها.
بهذا المعنى، لم تعد صناديق الثروة السيادية تشتري التكنولوجيا فقط، بل تموّل البنية التي تجعلها ممكنة. فبدل الاكتفاء بأسهم شركات الرقائق والحوسبة السحابية، تتجه هذه الصناديق إلى امتلاك مراكز البيانات، وتمويل الطاقة، والمشاركة في الائتمان الخاص، والاستحواذ على شركات التبريد والبنية الرقمية. والهدف ليس فقط تحقيق العائد، بل بناء نفوذ طويل الأجل في سلاسل القيمة الجديدة.
ويحمل هذا التحول أبعادًا استراتيجية للشرق الأوسط. فالصناديق الخليجية لا تتحرك كمديري محافظ يبحثون عن عائد أعلى فحسب، بل كأدوات لإعادة تموضع اقتصادي بعد النفط. أبوظبي تراهن على البنية الرقمية والطاقة المرتبطة بها، والسعودية تسعى لبناء منصة ذكاء اصطناعي وطنية، فيما تستخدم الصناديق السيادية حجمها ومرونة حوكمتها للدخول في صفقات يصعب على المستثمرين التقليديين تحمل أفقها الطويل أو مخاطرها التشغيلية.
لكن التحول لا يخلو من مخاطر. فالأسواق الخاصة أقل شفافية وسيولة من البورصات، وتقييماتها أكثر تعقيدًا، والرهان على مراكز البيانات والطاقة قد يتحول إلى سباق مكلف إذا تباطأت عوائد الذكاء الاصطناعي أو ظهرت اختناقات في الكهرباء والتنظيم والبيئة. كما أن نقل جزء أكبر من الثروات السيادية إلى أصول غير مدرجة يعني قبول مستويات أعلى من الغموض مقابل احتمال تحقيق عوائد أطول أجلًا.
في المحصلة، تعيد صناديق الثروة السيادية رسم خريطة الاستثمار العالمي. لم تعد المعادلة هي شراء مؤشرات الأسهم وانتظار صعود الأسواق، بل الدخول إلى العمق التشغيلي للاقتصاد الجديد: الطاقة، البيانات، التبريد، الائتمان الخاص، والبنية التحتية. وإذا كانت موجة التكنولوجيا السابقة قد صنعت ثروات عبر أسهم الشركات المدرجة، فإن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تدفع الصناديق الكبرى إلى سؤال مختلف: من يملك الأرض والكهرباء والمراكز التي سيعمل عليها هذا الذكاء؟
“الخطوط السعودية” تنفي علاقتها بطائرات “بوينغ 777” قيل إنها وصلت إلى إيران
نفت الخطوط الجوية السعودية أي علاقة لها بتسليم طائرات إلى جهة خاضعة للعقوبات، بعد تداول معلومات عن وصول خمس طائرات من طراز “بوينغ 777” كانت مملوكة سابقاً للشركة إلى إيران وخضوعها لأعمال تجديد هناك.
وقالت الشركة إن الطائرات المشار إليها خرجت من ملكيتها منذ السابع من يونيو/ حزيران 2023، بعد بيعها إلى شركة مسجلة خارج المملكة وفق الإجراءات التجارية والقانونية المعتمدة، مؤكدة أن جميع الروابط التشغيلية والتجارية بينها وبين تلك الطائرات انتهت منذ تاريخ البيع.
وجاء التوضيح عقب انتشار أنباء عبر منصات التواصل الاجتماعي وحسابات إخبارية تفيد بأن إيران اشترت خمس طائرات من طراز “بوينغ 777-200” كانت تعمل سابقاً ضمن أسطول الخطوط السعودية، قبل نقلها إلى الأراضي الإيرانية لإعادة تأهيلها.
ولم تكشف الشركة السعودية هوية الجهة التي اشترت الطائرات عام 2023، لكنها شددت على عدم وجود أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة لها بالوضع الحالي للطائرات أو بالجهات التي آلت إليها لاحقاً.
وتكتسب القضية حساسية خاصة بسبب العقوبات المفروضة على قطاع الطيران الإيراني، والتي تحد منذ سنوات من قدرة طهران على شراء طائرات حديثة أو الحصول بصورة طبيعية على قطع الغيار وخدمات الصيانة.
ودفعت هذه القيود شركات الطيران الإيرانية إلى البحث عن مسارات بديلة لتحديث أساطيلها والحفاظ على طائراتها قيد التشغيل، الأمر الذي يجعل أي أنباء عن وصول طائرات غربية الصنع إلى إيران موضع اهتمام، خصوصاً إذا كانت هذه الطائرات مملوكة سابقاً لشركات طيران معروفة في المنطقة.
ويضع بيان الخطوط السعودية فاصلاً بين ملكيتها السابقة للطائرات ومسار انتقالها اللاحق، مؤكداً أن مسؤوليتها القانونية والتجارية عنها انتهت بالكامل منذ إتمام صفقة البيع قبل أكثر من ثلاث سنوات.




