تقديرات

هل ستصبح سوريا مركزًا إقليميًا للطاقة بعد هرمز؟ بين الطموحات الجيوسياسية والعقبات الواقعية


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


أعاد تصاعد التوترات في الخليج ومخاطر تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز إحياء النقاش حول مستقبل طرق تصدير النفط والغاز، وسط توجه متزايد لدى عدد من دول الخليج لتطوير مسارات بديلة تقلل من الاعتماد على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

وتستند هذه الرؤية إلى مشاريع قائمة بالفعل، وأخرى ما تزال قيد الدراسة، تشمل خطوط أنابيب جديدة، وممرات برية، وشبكات سكك حديدية تمتد من الخليج نحو البحر الأحمر والبحر المتوسط، في محاولة لتقليل المخاطر التي قد تترتب على أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق.

السعودية والإمارات تمتلكان أفضلية نسبية

تعد السعودية والإمارات الأكثر استعدادًا مقارنة ببقية دول الخليج، إذ تمتلك الرياض خط الأنابيب شرق – غرب الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما تمتلك أبوظبي خط أنابيب الفجيرة الذي يسمح بتصدير جزء من النفط مباشرة إلى خليج عُمان دون المرور عبر مضيق هرمز. وقد وفرت هذه المشاريع بدائل استراتيجية خففت من اعتماد البلدين على المضيق، مع استمرار العمل على توسعتها وزيادة طاقتها الاستيعابية.

في المقابل، لا تزال دول مثل العراق وقطر والكويت والبحرين أكثر ارتباطًا بالمضيق بسبب محدودية الخيارات الجغرافية، ما دفع بغداد إلى دراسة توسيع خطوط التصدير عبر تركيا، إلى جانب تسريع مشروع خط البصرة–العقبة الذي يهدف إلى نقل النفط إلى البحر الأحمر عبر الأراضي الأردنية.

سوريا تعود إلى واجهة مشاريع الطاقة

ويمنح الموقع الجغرافي لسوريا أهمية متجددة في عدد من الطروحات الاستراتيجية، باعتبارها ممرًا طبيعيًا يربط الخليج بالبحر المتوسط. وتشمل هذه التصورات إعادة إحياء مشاريع قديمة لخطوط الأنابيب، وربطها بشبكات سكك حديدية وموانئ بحرية، بما يحول الأراضي السورية إلى عقدة لوجستية تربط الخليج وأوروبا. كما تتناول بعض المقترحات إحياء مشروع خط الغاز القطري نحو تركيا وأوروبا، وإعادة تشغيل ممرات نفطية تاريخية مثل “التابلاين” وخط كركوك–بانياس، إضافة إلى مشاريع النقل ضمن ما يعرف بمبادرة “البحار الأربعة”.

وتتزامن هذه الطروحات مع توجهات دولية وإقليمية لدعم إعادة إعمار سوريا واستعادة دورها الاقتصادي، الأمر الذي يدفع بعض مراكز الدراسات إلى اعتبارها حلقة محتملة في أي شبكة إقليمية جديدة للطاقة والنقل.

هل يمكن الاستغناء عن مضيق هرمز؟

رغم جاذبية هذه الرؤية، فإنها لا تعني أن مضيق هرمز سيفقد أهميته الاستراتيجية في المستقبل القريب.

فالمضيق لا يزال يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، كما تعتمد عليه اقتصادات آسيوية كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وحتى في حال تنفيذ جميع مشاريع خطوط الأنابيب المقترحة، فإن جزءًا كبيرًا من تجارة الطاقة سيظل مرتبطًا بالملاحة البحرية عبر الخليج.

تحديات تعرقل تنفيذ الطرح

ورغم أن فكرة تنويع مسارات الطاقة تُعد منطقية من الناحية الاستراتيجية، فإن تحويلها إلى واقع يواجه مجموعة واسعة من التحديات.

أولى هذه العقبات تتمثل في الوضع الأمني داخل سوريا، إذ ما تزال البلاد تعاني من تدمير واسع للبنية التحتية، وانتشار جيوب لتنظيمات مسلحة، وتعقيدات تتعلق بتعدد مناطق النفوذ، وهي عوامل تجعل حماية خطوط الأنابيب والممرات البرية تحديًا طويل الأمد. وتمر مناطق واسعة من مسارات الأنابيب المقترحة عبر مناطق صحراوية يصعب تأمينها بشكل دائم.

كما أن تنفيذ مثل هذه المشاريع يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، فضلًا عن سنوات طويلة من الإنشاءات والتنسيق السياسي بين عدة دول، وهو ما يجعل تحقيقها مرتبطًا باستقرار إقليمي طويل الأمد أكثر من ارتباطه بالاعتبارات الهندسية وحدها.

وتبرز أيضًا عقبة الأسواق؛ إذ إن غالبية صادرات الخليج النفطية والغازية تتجه اليوم شرقًا نحو آسيا، وليس غربًا نحو أوروبا، ما يعني أن إنشاء ممرات عبر سوريا والبحر المتوسط قد يعزز خيارات التصدير، لكنه لن يغير بصورة جوهرية اتجاه التجارة الرئيسي لدول الخليج.

بين الرؤية والواقع

يعكس هذا الطرح توجهًا متزايدًا لدى دول المنطقة نحو تنويع مسارات الطاقة وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، وهو هدف يحظى بقدر كبير من المنطق الاستراتيجي.

إلا أن الحديث عن تحول سريع لسوريا إلى مركز إقليمي للطاقة، أو عن تراجع كبير في أهمية مضيق هرمز خلال سنوات قليلة، يبقى سابقًا لأوانه، ولا يزال بعيدًا عن أن يكون عمليًا أو قابلًا للتحقيق. فنجاح هذه المشاريع يتوقف على توافر الاستقرار السياسي والأمني، وتأمين التمويل اللازم، وتحقيق توافقات إقليمية ودولية معقدة، وهي شروط لم تنضج بالكامل حتى الآن.

وبالتالي، يمكن اعتبار مشاريع خطوط الأنابيب والممرات البرية أدوات لتعزيز مرونة صادرات الطاقة الخليجية وتقليل المخاطر المستقبلية، لكنها لا تمثل بديلًا كاملًا لمضيق هرمز، ولا تلغي مكانته كأحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم خلال المستقبل المنظور.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى