اتفاق جديد يعيد الانتخابات الليبية إلى الواجهة.. هل تنجح الأمم المتحدة هذه المرة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
عادت الانتخابات الليبية إلى واجهة المشهد السياسي بعد توقيع اتفاق جديد برعاية الأمم المتحدة يعالج اثنتين من أبرز العقد التي عطلت الاستحقاق الوطني لسنوات، في خطوة تفتح نافذة جديدة أمام إنهاء الانقسام المؤسسي، لكنها لا تضمن بعد الوصول فعلياً إلى صناديق الاقتراع.
ففي 30 أغسطس/آب 2026، استضافت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مراسم توقيع اتفاق توصلت إليه مجموعة ليبية مصغرة تضم ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي وأعضاء من مجلسي النواب والدولة.
ويتناول الاتفاق أول مرحلتين من خارطة الطريق الأممية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وحل الخلافات العالقة في الإطارين الدستوري والقانوني المنظمين للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وبحسب البعثة الأممية، التزم المشاركون بالعمل على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مدة لا تتجاوز 24 شهراً، على أن تُجرى تحت سلطة تنفيذية واحدة، مع إحالة الاتفاق إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لاعتماده وطنياً خلال شهر.
لكن هل يمثل ذلك بداية العد التنازلي فعلاً لأول انتخابات وطنية منذ سنوات، أم أنه مجرد اتفاق جديد يضاف إلى سلسلة تفاهمات سياسية تعثرت عند مرحلة التنفيذ؟
ماذا يحل الاتفاق؟
تكمن أهمية الاتفاق في أنه يستهدف مشكلتين عطّلتا العملية الانتخابية بصورة متكررة.
الأولى تتعلق بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي الجهة التي يفترض أن تدير أي اقتراع وطني. فقد استمرت الخلافات بشأن مجلس إدارتها ورئاسته لفترة طويلة، ما جعل إصلاح المفوضية شرطاً أساسياً لأي مسار انتخابي جديد.
وكانت المجموعة المصغرة قد توصلت في أبريل/نيسان إلى تصور لإعادة تشكيل مجلس المفوضية، يشمل آلية لاختيار رئيس جديد وترشيح أعضاء من مجلسي النواب والدولة.
أما المشكلة الثانية فهي أكثر تعقيداً، وتتعلق بقواعد الانتخابات نفسها.
فمنذ انهيار محاولة إجراء الانتخابات في ديسمبر/كانون الأول 2021، ظل الخلاف قائماً بشأن شروط الترشح للرئاسة، والعلاقة بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وترتيب الاستحقاقات، ومن يملك سلطة اعتماد القوانين الانتخابية.
ويهدف الاتفاق الجديد إلى معالجة هذه القضايا ضمن إطار واحد يسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تحت سلطة تنفيذية موحدة.
عقدة 2021 ما زالت حاضرة
لم يكن فشل انتخابات 2021 نتيجة مشكلة تقنية.
فقد وصل عدد المسجلين للتصويت حينها إلى الملايين، وكانت المفوضية مستعدة من الناحية التنظيمية إلى حد بعيد، لكن الانقسامات السياسية والقانونية بشأن أهلية المرشحين وقواعد السباق أدت إلى انهيار العملية قبل أيام من موعد التصويت.
ومنذ ذلك الحين، أصبح كل طرف يخشى أن تؤدي الانتخابات إلى تثبيت خصمه في السلطة بدلاً من إنهاء الانقسام.
ولهذا فإن جوهر الأزمة الليبية لم يكن يوماً غياب الرغبة الشعبية في الانتخابات، بل عدم وجود توافق بين مراكز القوة على القواعد التي يمكن أن يخسر بموجبها أحدهم السلطة.
وهذا ما يجعل اتفاق أغسطس مهماً: فهو يحاول نقل الخلاف من سؤال “هل تجري الانتخابات؟” إلى سؤال “وفق أي قواعد وتحت أي سلطة؟”.
سلطة تنفيذية واحدة
من أبرز ما ورد في الاتفاق النص على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة.
وهذه العبارة تحمل أهمية سياسية كبيرة في بلد لا يزال يعاني من تعدد الحكومات ومراكز النفوذ.
فإجراء انتخابات وطنية في ظل وجود سلطتين متنافستين أو مؤسسات منقسمة يفتح الباب أمام رفض النتائج أو التشكيك في تنفيذها في مناطق مختلفة من البلاد.
ومن هنا، يبدو أن المسار الأممي يربط الانتخابات بصورة أوضح بتوحيد مؤسسات الدولة.
وقالت المبعوثة الأممية هانا تيتيه إن الاتفاق ليس نهاية العملية السياسية، بل خطوة نحو استكمال الشروط السياسية والمؤسسية اللازمة لإجراء انتخابات ذات مصداقية وتوحيد مؤسسات الدولة.
لماذا مهلة 24 شهراً؟
قد تبدو مدة عامين طويلة بالنسبة إلى بلد ينتظر الانتخابات منذ 2021، لكنها تعكس حجم التعقيدات التي ما زالت قائمة.
فالعملية لا تتطلب مجرد تحديد يوم للاقتراع، بل تحتاج إلى اعتماد القواعد القانونية، وإعادة تشكيل المفوضية، وضمان الأمن، وتنظيم سجل الناخبين والمرشحين، والتوصل إلى ترتيبات مقبولة بشأن السلطة التنفيذية.
كما أن الانتخابات تحتاج إلى قبول نتائجها من الأطراف المسلحة والسياسية في الشرق والغرب والجنوب.
ولهذا فإن مهلة 24 شهراً تبدو أقرب إلى سقف زمني لخارطة طريق متدرجة منها إلى موعد انتخابي محدد.
وهذه نقطة مهمة: الاتفاق لا يقول إن الانتخابات ستجرى في تاريخ معين، بل يلزم الأطراف بالعمل على عقدها خلال مدة لا تتجاوز عامين.
الخطوة التالية أكثر صعوبة
المشكلة أن الاتفاق الذي وقعته المجموعة المصغرة يحتاج الآن إلى شرعية مؤسسية أوسع.
فبحسب النص، يفترض أن يعتمده مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر.
وهنا قد تظهر أولى العقبات.
فالمجلسان نفسيهما كانا طوال السنوات الماضية جزءاً من الخلاف بشأن القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، وفشلا رغم مفاوضات طويلة في التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بقبول واسع.
وقد قالت المبعوثة الأممية في يونيو/حزيران إن القضايا المتعلقة بتشكيل المفوضية والقوانين الانتخابية لم تُحل عبر المجلسين رغم اتصالات الأمم المتحدة المكثفة معهما، وهو ما دفع البعثة إلى إنشاء صيغة “الاجتماع المصغر” لتجاوز الجمود.
وبالتالي فإن نجاح الاتفاق سيعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كانت المؤسستان ستقبلان عملياً بتسوية جرى التوصل إليها في إطار أصغر.
مشكلة الشرعية المتنافسة
تواجه ليبيا منذ سنوات معضلة أساسية: معظم المؤسسات التي يفترض أن تنظم الانتقال السياسي نفسها موضع خلاف بشأن شرعيتها ومدد ولايتها.
وهذا يخلق دائرة مغلقة.
فالانتخابات مطلوبة لتجديد الشرعية، لكن إجراء الانتخابات يحتاج إلى قوانين ومؤسسات تصدرها أجسام تعاني بدورها من أزمة شرعية.
ومن هنا جاء الرهان الأممي على جمع ممثلين من أهم مراكز القوة السياسية والعسكرية للوصول إلى تسويات قابلة للتطبيق.
وقد شارك في مسار المجموعة المصغرة ممثلون عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي، إلى جانب أعضاء في مجلسي النواب والدولة، بعد سبع جولات من المحادثات بدأت في روما ثم انتقلت إلى تونس.
الانتخابات وحدها لا تكفي
حتى إذا حُسم الإطار القانوني، تبقى المشكلة الأمنية.
فالبلاد ما زالت تضم تشكيلات مسلحة ومناطق نفوذ متباينة، كما شهدت خلال الأشهر الأخيرة توترات واشتباكات وضربات بطائرات مسيرة، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن الجمود السياسي يتزامن مع هشاشة أمنية مستمرة.
ويعني ذلك أن نجاح الانتخابات يحتاج إلى ضمان قدرة المرشحين على العمل في أنحاء البلاد، ووصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع، وقبول القوى المسلحة بالنتائج.
فالانتخابات التي تنتج رئيساً أو برلماناً لا يستطيع ممارسة سلطته في جزء من البلاد قد تعمق الأزمة بدلاً من حلها.
ولهذا تربط خارطة الطريق الأممية بين الانتخابات وبين إصلاح الحكم وتوحيد المؤسسات والتقدم في المسار الأمني والمصالحة الوطنية.
لماذا تهتم القوى الدولية؟
حضر مراسم التوقيع ممثلون عن لجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا التابعة لمسار برلين، في إشارة إلى استمرار الرهان الدولي على العملية الأممية باعتبارها الإطار الرئيسي لمنع العودة إلى الانقسام العسكري الواسع.
وتحظى ليبيا بأهمية تتجاوز حدودها، فهي منتج رئيسي للنفط وتقع على الضفة الجنوبية للمتوسط، كما تمثل أحد المسارات الرئيسية للهجرة نحو أوروبا.
ولهذا يرتبط استقرارها بمصالح أوروبية وإقليمية مباشرة.
لكن التدخلات الخارجية كانت أيضاً جزءاً من المشكلة خلال السنوات الماضية، إذ ارتبطت أطراف ليبية بعلاقات وتحالفات مختلفة مع قوى إقليمية ودولية.
ومن ثم فإن إنجاح أي انتخابات يحتاج ليس فقط إلى توافق داخلي، بل إلى أن تتجنب القوى الخارجية استخدام حلفائها المحليين لتعطيل العملية إذا جاءت النتائج بعكس مصالحها.
ما الذي تغير هذه المرة؟
ليست هذه أول خارطة طريق أممية للانتخابات في ليبيا، ولذلك يظل التشكيك مفهوماً.
لكن هناك ثلاثة عناصر تمنح الاتفاق الجديد أهمية مختلفة.
أولاً، أنه لا يبدأ بتحديد موعد انتخابي ثم البحث عن حلول للمشكلات لاحقاً، وإنما يبدأ بمحاولة معالجة العقبات القانونية والمؤسسية التي أسقطت انتخابات 2021.
وثانياً، إشراك ممثلين عن مراكز نفوذ من الشرق والغرب في صياغة التفاهم، بدلاً من الاعتماد على مسار تشريعي بين مجلسي النواب والدولة فقط.
وثالثاً، وجود آلية متابعة وجدول زمني لاعتماد الاتفاق، بما يسمح للأمم المتحدة بتحديد الجهات التي تعرقل التنفيذ بصورة أوضح.
لكن هذه العناصر لا تلغي الخطر الأكبر: أن تتفق الأطراف على المبادئ ثم تختلف عند تحويلها إلى قوانين وقرارات ملزمة.
ثلاثة اختبارات حاسمة
الاختبار الأول سيظهر خلال شهر: هل يعتمد مجلسا النواب والدولة الاتفاق؟
والثاني يتعلق بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات فعلياً، وليس فقط الاتفاق على الأسماء والآليات.
أما الثالث والأصعب فهو الاتفاق على السلطة التنفيذية التي ستقود البلاد خلال المرحلة الانتخابية.
فإذا أدى هذا الملف إلى صراع جديد حول تشكيل حكومة أخرى، فقد تعود العملية إلى نقطة الصفر.
ولهذا تبدو الأشهر المقبلة أكثر أهمية من توقيع الاتفاق نفسه.
انتخابات أم إدارة جديدة للجمود؟
قالت هانا تيتيه إن توقيع الاتفاق يثبت أن الليبيين قادرون على الوصول إلى حلول عملية عندما ينخرطون في حوار جاد، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن المسؤولية انتقلت الآن إلى التنفيذ.
وهذا ربما يلخص وضع ليبيا بعد أكثر من عقد من المبادرات السياسية.
فالأزمة لم تعد في نقص الاتفاقات أو المبادرات، بل في القدرة على نقلها من قاعات التفاوض إلى مؤسسات الدولة.
لذلك يمكن اعتبار اتفاق 30 أغسطس خطوة مهمة، لكنه لا يمثل بعد اختراقاً نهائياً.
فالطريق إلى الانتخابات أصبح أكثر وضوحاً من الناحية القانونية، لكن العقبات التي أفشلت المحاولات السابقة ما زالت حاضرة: تنافس الشرعيات، والانقسام المؤسسي، والسلاح، والصراع على السلطة التنفيذية، وتضارب مصالح القوى الداخلية والخارجية.
وإذا نجحت الأطراف في تجاوز هذه الملفات، فقد تكون ليبيا أمام أول فرصة جدية منذ فشل انتخابات 2021 لإعادة بناء شرعية سياسية وطنية عبر صناديق الاقتراع.
أما إذا تعثرت مرحلة الاعتماد والتنفيذ، فقد يتحول سقف الـ24 شهراً إلى مهلة جديدة تضاف إلى سنوات الانتظار، ويبقى السؤال الليبي القديم قائماً: الجميع يقول إنه يريد الانتخابات، لكن من يقبل فعلاً بنتائجها إذا خسر؟
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




