تقارير

هل يفقد الجيش الأمريكي تفوقه العالمي؟ أخر علامات التراجع الإمبراطوري الأمريكي

أثارت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية، بالإشتراك مع إسرائيل، على إيران، العديد من التساؤلات حول تراجع الفعالية العسكرية الأمريكية، على الرغم من القوة الجبارة التي تمتلكها، وعن مدى قدرة الولايات المتحدة في تحقيق أهداف الحرب باستخدام قوتها العسكرية التي لايوجد لها منافس، وعما إذا كانت هذه القوة قد وصلت لذروتها وبدأت في التراجع، وعن مدى فقدان الجيش الأمريكي، بكل قوته، القدرة على خوض غمار الحرب الحديثة والفوز بها؟ كل ذلك بالنظر  لمرور أكثر من شهرين ونصف على بدأ الحرب، ولازالت الأزمات المترتبة عليها تراوح مكانها دون أفق واضح لكيفية الخروج منها أو حسمها(أنظر مثلاً).

أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي الشهير روبيرت بيب ذكر  في تحليل جديد له، أنه “إذا ما كانت حرب الخليج في العام 1991 قد خلقت عالم مابعد الحرب الباردة، فإن حرب إيران في العام 2026 من الممكن أن تكون قد أنهته. على مدى ثلاثين عاماً، كان العالم يفترض أن الولايات المتحدة تستطيع أن تسود عمليات التصعيد العسكري في أي مكان على الأرض تقريباً؛ إلا أن حرب إيران قد تكون الحرب الأولى التي حطمت هذا الإفتراض”.

من المهم، في هذا السياق، إلقاء الضوء على بعض التفاصيل حول ما وصل بنا إلى الوضع الحالي، وعن طبيعة العمليات العسكرية في السنوات الأخيرة، بصرف النظر عن مألات الصراع الجاري في المستقبل؛ وذلك في إطار التحولات الكبرى التي يمر بها العالم، وكذلك التغيرات الحادثة في النظام الدولي بشكل عام.

الولايات المتحدة لازالت قادرة بالطبع على توجيه ضربات تدميرية ساحقة تعيد إيران، كما قال ترامب، “للعصر الحجري”، ولكن، قبل ذلك، يجب البحث في السؤال المتعلق بكيفية تمكن إيران، التي لايمكن مقارنة قوة ألتها العسكرية بالألة التدميرية الأمريكية، ولا حتى الإسرائيلية، من الصمود طيلة هذا الوقت، مما وضع الولايات المتحدة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الإنسحاب المذل الذي يصاحبه بعض الأكاذيب والسرديات حول تحقيق النصر لحفظ ماء الوجه، ما يعني في واقع الأمر نصراً سياسياً ومعنوياً كبيراً لإيران، يساهم في تكريس مكانتها المستقبلية؛ أو اللجوء لخيار  التدمير الشامل لكل مقدرات إيران، حيث ثبت عدم جدوى الضربات والعمليات العسكرية المحدودة في تحقيق أي هدف رئيس من أهداف الحرب، مع ما سيترتب على ذلك من دمار شامل في المنطقة ككل، وتداعيات عالمية غير معروف مداها؟

إلا أنه لايمكن التطرق لهذا الأمر إلا في سياق كلي، يتعلق بتراجع الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية العالمية بشكل عام، يأتي فيه فقدان القدرة على الهيمنة العسكرية التامة كأحدث مظاهر تراجع الهيمنة الإمبراطورية، في ظل التطور السريع لأليات الحروب الحديثة، الذي يبدو  أن الولايات المتحدة، حتى الأن على الأقل، لا تستطيع أن تلاحقه. لذلك سنبدأ هذه الورقة باستعراض سريع جدا لأهم ملامح التراجع الإمبراطوري الأمريكي، دون تفصيل، ثم ندخل بعد ذلك في الموضوع الرئيس حول الأداء العسكري.

أفول الإمبراطورية الأمريكية؟

عالج العشرات من الدراسات الرصينة في العقد الأخير مسألة تراجع النفوذ الإمبراطوري الأمريكي حول العالم، ورُصدت العديد من الدلائل على حدوث ذلك. وقد دعاني الإنسحاب الأمريكي المهين من أفغانستان في العام 2021 للاقتراب من هذه المسألة بالبحث والتحليل من خلال دراسة شاملة قمت بإصدارها لمعالجة هذا الموضوع، وذلك في محاولة لاستكشاف أثر ذلك على مستقبل المنطقة العربية. حاولت من خلال الدراسة التعمق في المراجع الغربية التي تعالج هذا الموضوع حتى أتجنب الوقوع في فخ “التفكير الرغائبي”، وقمت باستعراض العديد من كتابات عدد من أهم الكتاب والمفكرين الذين تصدوا لهذا الموضوع في ذلك الوقت أمثال ألفريد ماكوي، وهنري كيسنجر، و نيال فيرجسون،  وناعوم تشومسكي، وفرانسيس فوكوياما، وكريس هيدجز، وغيرهم. وكان من المثير، بالنسبة لي على الأقل، أن يكون عنوان ما كتبه فوكوياما مثلاً حول الموضوع: “نهاية الهيمنة الأمريكية”، وهو الذي كان قد كتب قبل ذلك بسنوات كتابه الأشهر عن: “نهاية التاريخ والرجل الأخير“! 

بالطبع من أهم من تصدى لهذا الموضوع أيضاً المؤرخ الفرنسي الشهير إيمانويل تود، الذي أنتج العديد من المؤلفات العميقة حول الموضوع منذ سنوات طويلة.

لن أقوم باستعراض تفصيلي لهذه الكتابات، أو للموضوع نفسه، في هذا المقام لأنه ليس الموضوع الرئيس في الورقة، إلا أنه يمكن القول بأن هؤلاء الكتاب، وغيرهم، قد تناولوا الموضوع من زوايا مختلفة ومظاهر متعددة مؤداها جميعاً أن هناك تراجعاً لا يمكن إنكاره في الهيمنة الإمبراطورية على العالم.

يرصد الكثيرون من الباحثين تراجع النفوذ الأمريكي خارج الولايات المتحدة كمظهر رئيس للتراجع الإمبراطوري الأمريكي، إلا أن الدراسة المعمقة للشأن الأمريكي، في واقع الأمر، تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بفشل الأداء الخارجي، وإنما قد يعود بالدرجة الأولى لعوامل داخلية وذاتية أثرت بشكل كبير على التماسك الداخلي للمجتمع، وهو ما أثر بالتأكيد على أدائها الخارجي. فقد ظهرت، خاصة في العقدين الأخيرين مشاكل داخلية جمة تتعلق بالاستقطاب السياسي الحاد، والظلم الإجتماعي البيِّن الذي يتمثل في ارتفاع نسب الفقر والتفاوت الشديد في الدخول والثروة بين الفئات الأغنى والأفقر، فضلاً عن تسارع الانحدار الأخلاقي وتزايد نسب إدمان المخدرات، وانتشار الجريمة والعنف المجتمعي، خاصة في المدارس، فضلاً عن تنامي المثلية وتراجع دور الأسرة السوية، وانخفاض نسب الإنجاب، وزيادة معدلات الطلاق، وغير ذلك من المشكلات الإجتماعية.

بل إن فوكوياما، في دراسته المشار إليها أعلاه، يعتبر أن التحدي الذي يواجه المكانة العالمية للولايات المتحدة بشكل أكبر في الوقت الراهن هو الاستقطاب السياسي داخل أمريكا نفسها، وبناء على ذلك، فإن فوكوياما يرى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى لسنوات عديدة قادمة، إلا أن مدى تأثيرها ونفوذها يعتمد على قدرتها على إصلاح مشاكلها الداخلية، فضلاً عن سياستها الخارجية.

أتفق جزئياً مع هذا التشخيص، إلا إني أرى أن المشاكل التي يعاني منها المجتمع الأمريكي غير قابلة للإصلاح، فهي، من وجهة نظري، ليست سوى أعراض حتمية للمرض الأصلي المتعلق بعدم صلاحية النموذج الحضاري الأمريكي ذاته لإنتاج مجتمع أفضل من الموجود. حيث يستمد هذا النموذج حياته من الجذر العلماني القائم على تغليب المصلحة الفردية، ومركزية الإنسان، وعلى الصراع كوسيلة للترقي وحسم الخلاف، وغير ذلك من الخصائص المعروفة للنموذج الرأسمالي التقليدي، والتي تفاقمت بعد تبني النيوليبرالية المتوحشة منذ الربع الأخير من القرن الماضي، ومحاولة فرض هذا النموذج على العالم بأجندة تبناها المحافظون الجدد على مدار العقود الثلاثة الماضية. 

تراجع القوة الناعمة للولايات المتحدة

الأثر المهم الأخر للمشكلات الداخلية الأمريكية، في سياق تراجع النفوذ الخارجي، أنها تسببت في تراجع جاذبية النموذج الإجتماعي الأمريكي، أو ما يطلقون عليه هناك “الحلم الأمريكي”، الذي تبين للعالم أنه وهم كبير، وأن المجتمع الأمريكي مثله مثل الكثير من مجتمعات العالم الثالث يعاني من الفقر  والظلم الإجتماعي والتفاوت الضخم في مستويات المعيشة والعنف والجريمة والاستقطاب إلى أخر هذه المظاهر.

مؤخراً، فإن مظاهر تراجع الدور الأمريكي العالمي قد تصاعدت بشكل حاد إثر تولي دونالد ترامب ولايته الثانية، بسبب عوامل كثيرة متعلقة بسياساته وجذورها الرئيسية، والتي رصدتها في دراستي التي صدرت عقب عودته للبيت الأبيض مباشرة. كان من النتائج الرئيسية لهذه السياسات التراجع الحاد في القوة الناعمة للولايات المتحدة، والتي طالما اقترنت بالقوة الصلبة في فرض القيادة العالمية، كما يوضح ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي المرموق، في مقال نشره مؤخراً في مجلة “فورين بوليسي، حيث رصد ازدياد اعتمادها بشكل حاد على القوة الخشنة المتمثلة في مزيج من الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية الشديدة، في مقابل تراجع واضح في استخدام أدوات الجذب والتأثير غير المباشر التي ميّزت النفوذ الأميركي لعقود.

يُعرِّف جوزيف ناي، أحد أبرز المفكرين في العلاقات الدولية،  القوة الناعمة على أنها “قدرة الدولة على حث الآخرين على فعل ما تريد، لأنها تمتلك موارد تجعل الآخرين يرغبون في تقليدها أو الارتباط بها أو اتباع نهجها”. أما القوة الصلبة، فهي القوة العسكرية للدولة، وقدرتها على فرض إرادتها على الآخرين بالقوة المطلقة. ولطالما برعت أمريكا في استخدام كليهما، مستخدمةً الطائرات المقاتلة والمساعدات الخارجية بكفاءة متساوية. لكن هذا الوضع آخذ في التغير ، كما أشار  ستيفن والت، حيث أن من أبرز سمات نهج إدارة ترامب في السياسة الخارجية ثقتها المطلقة في القوة الصلبة الأمريكية وازدرائها شبه التام للقوة الناعمة. ومن الصعب إنكار نفور إدارة ترامب من القوة الناعمة بالنظر إلى بعض تصرفاتها.

فقد قلّصت الإدارة الأمريكية المساعدات الأمريكية بشكل كبير، فألغت نحو 86% من برامج المساعدات الخارجية، وخفضت ما يقارب من 60 مليار دولار من التمويل الذي كان يُقدّم المساعدة لشعوب نحو 130 دولة. وتوقعت دراسة حديثة نُشرت في مجلة لانسيت الطبية أنه في حال عدم التراجع عن هذه التخفيضات، فإنّ خفض المساعدات العالمية قد يؤدي إلى وفيات كان يمكن منعها لنحو 22.6 مليون شخص في البلدان القليلة أو متوسطة الدخل بحلول عام 2030، بما في ذلك نحو 5.4 مليون طفل أصغر من 5 سنوات. وإلى جانب الخسائر البشرية، أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذه التخفيضات أضعفت بشكل كبير نفوذ أمريكا في الأمم المتحدة، وجرّدت واشنطن من إحدى أكثر أدواتها الدبلوماسية فعالية.

كما سارعت قوى أخرى إلى سدّ الفجوة في القوة الناعمة التي أحدثتها واشنطن. فعندما جمّدت الولايات المتحدة جميع المساعدات الخارجية تقريباً في يناير2025، أُغلِقَ أكثر من ألف مطبخ إغاثي في ​​السودان، حيث تدور  رحى الحرب منذ عام 2023. ولكن سرعان ما أرسلت روسيا سفناً ضخمة إلى الموانئ الأفريقية، وأرسلت الصين وفوداً زراعية لتعزيز شراكاتها مع دول أخرى في القارة. ووفقاً لموقع “War on the Rocks”، فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تخلّت الولايات المتحدة عن دورها كأول مستجيب عالمي لأزمات الجوع، مما سمح لـ “روسيا” و “الصين” باستبدال المساعدات الطارئة بأنظمة مصممة لخلق تبعيات دائمة.

تمثلت السياسة الخارجية لترامب في فترته الثانية بتقطيع أوصال النظام العالمي الذي كان يُمكِّن الولايات المتحدة من الهيمنة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك من الانسحاب من المنظمات الدولية، والتوسع في فرض الرسوم الجمركية العقابية بما يناقض مبادئ حرية التجارة والعولمة، وتطبيق العقوبات التجارية والاقتصادية على الحليف قبل العدو، وإنهاء أعمال الوكالة الدولية للتنمية، والتي كانت أحد أهم أدوات النفوذ عن طريق المساعدات الواسعة التي كانت تقدمها، وإضعاف حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، والتعامل مع الحلفاء باستخفاف، وعدم القيام بواجبات اتفاقات الحماية الأمنية معها (الخليج، أوروبا).

بل شملت الممارسات التهديد باحتلال أراضي أوروبية إذا لم يتم التوافق على بيعها (جرين لاند)، والحديث عن كندا كالولاية الأمريكية الحادية والخمسين، وتوجيه التهديد للمكسيك، وغير ذلك مما يوجد عليه أمثلة كثيرة كرست لدى هؤلاء الحلفاء أن أمريكا لم تعد الحليف الموثوق به الذي يمكن الإعتماد عليه في تحقيق الأمن والإستقرار، بل أصبحت تصرفات الولايات المتحدة تشكل التهديد الأول للسلم والأمن العالمي (الضربة على إيران، إختطاف الرئيس الفنزويلي، التهديد بغزو كوبا وغيرها كنماذج). كل ذلك يقلص كثيراً من قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم كقوة عظمى أولى، بعد أن تحولت إلى مركز نفوذ يلوح بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية كأدوات خشنة لممارسة الهيمنة.

التدهور في الملفات الداخلية – جاذبية النموذج الصيني؟

صاحب تراجع القوة الناعمة الخارجية للولايات المتحدة الكثير من التدهور  في الملفات الداخلية، سواءً بسبب السياسات الداخلية الرعناء لإدارة ترامب، أو بسبب عواقب التورط في حروب خارجية بالاختيار دون اضطرار  Wars of Choice، مثل حرب إيران، استجابة لضغوط أطراف خارجية لا تراعي مصلحة الولايات المتحدة (إسرائيل)، وأطراف داخلية أهمها اللوبيات الصهيونية وأصحاب المصالح من شن الحروب (شركات السلاح، البترول، شركات إدارة الأصول، إلخ). تمثل ذلك في تفاقم الأزمات الاقتصادية وعودة التضخم وتدهور مستوى معيشة الأمريكيين، وتراجع مستوى الحريات الأساسية، واستهدفت الأراء الحرة في الجامعات وغيرها، ما تسبب في تصدعات عميقة داخل المعسكر اليميني نفسه، الداعم الرئيس لترامب، من حركة الماجا، لمخالفته الصريحة لوعوده الإنتخابية بتقليص التورط في حروب خارجية اتباعاً لأجندة أطراف غير أمريكية (إسرائيل تحديداً)، وإعطاء الأولوية للإصلاح الداخلي في الولايات المتحدة، واتباع السياسات التي تصلح من أحوال الفقراء، وليس العكس.

مؤخراً، ساهمت زيارة ترامب للصين في مايو 2026 في تكريس انطباعات قوية من الإنبهار لدى قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي بما نقلته لهم وسائل الإعلام عن الوضع الحالي الذي تعيشه الصين داخلياً، بما في ذلك قناة فوكس الإخبارية اليمينية، وكانوا مُجَهلين عنه. ظهرت هذه الإنطباعات بقوة من خلال وسائط التواصل الإجتماعي، ووسائل الإعلام بشكل عام، وانتشر الحديث عن المستوى المتنامي لمعيشة الشعب الصيني، والتقدم الاقتصادي والتكنولوجي الملحوظ، وعن المدن الجديدة التي يسكنها الملايين وبها بنية أساسية متميزة، ويستخدم الذكاء الاصطناعي فيها بما ينعكس على تسهيل حياة البشر، وليس كأداة تستخدم فقط لتضخيم ثروات الطبقة التكنولوجية الأوليجاركية الجديدة في الولايات المتحدة. شمل الجدل أيضاً الحديث عن انتهاء الصورة النمطية للبضائع الصينية رخيصة الثمن منخفضة الجودة، إلى الوصول بالمنتجات الصينية لتكون أعلى جودة وأفضل تنافسية سعرية، إلى أخر  مثل هذه المناقشات التي يقارن من خلالها الأمريكيون الرفاهية المتصاعدة للشعب الصيني في مقابل التراجع الحاد لمستوى معيشة أغلب الشعب الأمريكي.

يجادل البعض بأن النموذج الصيني هو نموذج أوتوقراطي يضيق على حياة البشر، الذين لا ينعمون بالحرية الكاملة، لكن المثير أن الكثير من الأصوات الأمريكية تخرج للدفاع عن هذا النموذج، وأنهم يفضلون العيش في رغد مع التنازل عن جزء من حرياتهم، بل أن التضييق على الحريات قد بدأ يتصاعد في الولايات المتحدة نفسها!

يجادل أستاذ الاقتصاد الأمريكي المعروف ريتشارد وولف بأنه في الوقت الذي يتراجع فيه النفوذ الأمريكي حول العالم، يبرز النموذج الصيني ذو الملامح الخاصة، والذي طورته الصين ذاتياً، وتبرز فيه الرأسمالية الهجينة بين القطاعين العام والخاص، تحت إدارة دولة قوية يحكمها الحزب الشيوعي الصيني بسيطرة تامة، ويحقق تصاعدا ملفتاً في مستوى معيشة الصينيين. هذا النموذج، في نظر  الكثيرين الأن “يعمل”، في مقابل النموذج الأمريكي الغربي المتراجع، ما يجعله جاذباً لأعداد متنامية من البشر حول العالم. الملفت أن هذا “الصعود الصيني” يجري بهدوء، في ظل الهيمنة الأمريكية العالمية الراهنة والأوضاع المتعلقة بها، لذلك فالصين ليست في عجلة من أمرها للمزاحمة على قيادة العالم باتخاذ خطوات درامية عنيفة، بل تحقق التقدم بهدوء دون دفع أثمان باهظة في صراعات عسكرية عبثية، ولذلك فإن الصين لازالت حريصة على استمرار النظام القائم وعلى الاستقرار الدولي، وتترك مهمة تدميره ذاتياً لأمريكا والغرب بنفسيهما!

لقد استبطن الرئيس الصيني شي جين بينج هذا المعنى عندما وجه حديثه للرئيس ترامب قائلاً: “أنه يجب على البلدين تجنب الوقوع في فخ ثيوسيديديس لبناء نموذج جديد في العلاقات بين القوى العظمى”. أشك كثيراً في أن ترامب فهم المعنى المقصود بهذا التعبير، الذي يستخدم في السنوات العشر الأخيرة كمصطلح في العلاقات الدولية عندما تدخل قوتان، إحدهما في طريق الأفول والأخرى صاعدة، في صراع عسكري عبثي ممتد بدلاً من ترتيب العلاقة بينهما لتحقيق كل طرف لمصالحه (يستبطن المصطلح ما كتبه المؤرخ الإغريقي ثيوسيديديس عن الحرب التي نشبت بين أثينا، الصاعدة في ذلك الوقت، وإسبرطة القوة الكبرى التي تنازعها أثينا على النفوذ. إسبرطة شنت الحرب خوفاً من تصاعد قوة أثينا، واستمرت الحرب العبثية بينهما 27 عاماً). شي أراد بهذه الإشارة توجيه رسالة مزدوجة لترامب، أن التفاهم أفضل من الحروب العبثية، إضافة إلى، وهو الأهم، أن أمريكا يجب أن تدرك أن الصين ليست قوة على الهامش، بل هي قوة عظمى صاعدة تزاحم أمريكا وقادرة على أن تنافسها كتفاً بكتف.

هذه الرسالة تضيف درجة أخرى من الجاذبية الدولية للصين، التي ظهرت كقوة مسئولة تهدف للحفاظ على الأمن والسلم العالمي والرفاه الاقتصادي لكل الشعوب، بينما أمريكا هي التي تثير الفوضى وعدم الاستقرار هنا وهناك، وتسببت بإعتدائها العبثي على إيران في حدوث الأزمات التي يعاني منها العالم حالياً بدون داع. 

محصلة هذا الحديث، أنه في الوقت الذي يأفل فيه النفوذ الأمريكي الإمبراطوري، يبرز نموذج به قدر كبير من الجاذبية لأطياف شعبية كثيرة(بصرف النظر عن تقييمنا له، فله مشاكله الجمة)، يتجهز للإمساك بزمام القيادة، وهو غير متعجل في هذا الأمر. 

وماذا عن القوة الصلبة؟

إذا كان استخدام القوة الناعمة التقليدية في عهد ترامب قد تراجع كثيراً لصالح القوة الصلبة، باستخدام أداتين رئيسيتين؛ الضغوط الاقتصادية والعمليات العسكرية، سواءً باستخدامهما فعلياً، أو بالتلويح باستخدامهما، فهل استطاعت الولايات المتحدة، حتى الأن على الأقل، باستخدام هاتين الأداتين، الإستمرار في فرض النفوذ والهيمنة الإمبراطورية على العالم؟

توسع ترامب في استخدام الضغوط الاقتصادية، خاصة فرض التعريفات الجمركية والتلويح المستمر بزيادتها، كوسيلة للضغط على الجميع، خصوماً وحلفاءً، للاستجابة لما يراه تحقيقاً للمصالح الأمريكية (من منظوره الخاص). كما استخدم أيضاً الحصار الاقتصادي والعقوبات الاقتصادية الخانقة لتركيع الخصوم، خاصة في حالتي إيران وكوبا. فإلى ماذا آلت نتائج هذه الممارسات؟ بشكل سريع، هذه هي أهم مآلات الضغوط الاقتصادية حتى الآن (كمجرد أمثلة) :

  • لم يمكن بواسطة التعريفات الجمركية المكثفة تحقيق مميزات اقتصادية تذكر للولايات المتحدة، برغم مظاهر تنم عن الخضوع للضغط من بعض الدول في بداية الأمر. إلا أنه في واقع الأمر، لم تسهم هذه الممارسات إلا في زيادة تباعد حلفاء الولايات المتحدة عنها، وقام بعض هؤلاء بإجراءات انتقامية. الصين، الخصم الأول المستهدف أمريكياً، قامت  بمواجهة هذه الإجراءات بضغوط معاكسة تمثلت في تعريفات مماثلة، مع استخدام أوراق مثل التحكم في تصدير المعادن الأرضية النادرة التي تحتكرها، أو التلويح بعدم استيراد فول الصويا الأمريكي بما يمكن أن يحدث تأثيرات سلبية جمة على المزارعين. أدى كل ذلك لتراجع الولايات المتحدة جزئياً، خاصة أمام الصين. الأهم من ذلك أن المحكمة العليا الأمريكية، ومحاكم فيدرالية، قضت بعدم دستورية فرض هذه التعريفات، وألزمت الحكومة بإعادتها بعد تحصيلها.
  • الحصار الخانق على كوبا، برغم الأضرار البالغة التي ألحقها، لم يجبر النظام الكوبي حتى الآن على الانصياع والتسليم، حيث فشلت سياسة “الضغط الأقصى” في إسقاط النظام الكوبي أو دفعه إلى تقديم تنازلات سياسية جوهرية، رغم أشهر من العقوبات الاقتصادية والتضييق المالي والتلويح بالخيار العسكري، ما دفع ترامب بالتهديد بأن غزو الجزيرة عسكرياً أصبح وشيكاً.
  • الحصار الاقتصادي البحري الذي تفرضه أمريكا على الموانئ الإيرانية، لم ينجح حتى الآن في إجبار إيران على الاستسلام للمطالب الأمريكية؛ بل جعل القيادة الإيرانية أكثر تشدداً في التمسك بموقفها التفاوضي، وفاقم من الآثار السلبية لغلق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي.

خلاصة القول أنه حتى الآن، لم يفلح استخدام القوة الاقتصادية في سياق استخدام القوة الخشنة في فرض الإرادة الأمريكية على أي من خصومها.

يبقى في النهاية موضوع التفوق العسكري الأمريكي كملاذ أخير  لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم محتاجاً للتقييم، في ظل ما أشرنا إليه في مقدمة الدراسة عن عدم قدرة هذا التفوق على حسم الصراع مع إيران عسكرياً حتى الآن. لذلك فإنه من المهم تقييم فرص قدرة استمرار التفوق العسكري الأمريكي الضخم على كافة القوى العسكرية في العالم وفرض الأجندة الإمبراطورية المهيمنة، وذلك من واقع المتغيرات التي حدثت في طبيعة الصراعات العسكرية الحديثة في السنوات الأخيرة. هذا هو الموضوع الرئيس لهذه الورقة، وهو ما سنتطرق إليه في الأجزاء الباقية منها.

هل يفقد الجيش الأمريكي تفوقه العالمي؟

للإجابة عن التساؤل حول فقدان الجيش الأمريكي لتفوقه العالمي، سأكتفي هنا باستعراض سريع لوثائقي قدمه سيمون ويسلر، وهو صانع محتوى ومقدم برامج بريطاني شهير  يبث على موقع يوتيوب قناة WarFronts ، في 9 مايو 2026،حيث قدم حلقة هامة يتناول فيها ما يتم تداوله حول تراجع الهيمنة العسكرية الأمريكية العالمية واسبابها، متسائلاً عما إذا كانت تلك الهيمنة قد بلغت الذروة أو الحد الأقصى الذي بعد الوصول إليه لا يمكنها التقدم بعده، ووضع على صدر  عنوان الفيديو  إجابته عن هذا التساؤل: “ربما – MAYBE“! 

بشكل مُجْمَل، يبدأ سيمون ويسلر اقتباس عنوان مقال رأي نُشر في 30 إبريل 2026 لهيئة التحرير بصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية يقول: ” الجيش الأمريكي يفقد تفوقه.. فبعد إيران، أصبح الجميع يعلم ذلك.”؛ مُضيفاً: كان هذا هو العنوان المثير للجدل لمقال الرأي الذي نُشر مؤخراً في صحيفة نيويورك تايمز، والذي تضمن تحديداً ذلك النوع من ’الادعاءات‘ التي قد لا يرغب أحد في الحكومة الأمريكية سماعها.

يقول ويسلر: “جادلت صحيفة نيويورك تايمز في مقالها بأنه نظراً لأن الولايات المتحدة تنفق حوالي تريليون دولار سنوياً على جيشها، أي أكثر من مائة ضعف ما تنفقه إيران، ولديها إمكانية الوصول إلى تقنيات أسلحة متطورة لا يحلم بها الجنرالات الإيرانيون، لذلك كان ينبغي أن تحقق واشنطن نصراً ساحقاً في الحرب.”

ويضيف: “وعلى الرغم من أنه خلال الأسبوع الأول من الحرب، بدت الولايات المتحدة وكأنها كانت على وشك تحقيق ذلك، عندما تمكنت كل من أمريكا وإسرائيل من القضاء على جزء كبير من القيادة الإيرانية العليا وجزء كبير من بنيتها التحتية العسكرية. بل لم يقتصر الأمر على الجيش الإيراني فقط، فقد ألحقت القوات المشتركة دماراً بالاقتصاد الإيراني أيضاً، مستهدفة مراكز تخزين الوقود ومصانع الصلب والمنشآت الصيدلانية على حد سواء؛ إلا أنه مع ذلك، تمكنت إيران من تحقيق مكاسب خاصة بها: فقد هاجمت حلفاء أمريكا، بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى في خضم وقف إطلاق النار. وحرمت إيران العالم أجمع من استخدام مضيق هرمز، وهددت بفرض رسوم على أحد أهم الممرات المائية في العالم. وربما الأهم من ذلك، أن إيران تمكنت من مهاجمة قواعد أمريكية متعددة في أنحاء الشرق الأوسط.” 

ويقول سيمون ويسلر، نقلاً عن نيويورك تايمز أن تحليلاً لصور أقمار صناعية كانت قد أجرته صحيفة واشنطن بوست كشف أن الغارات الجوية الإيرانية، منذ بدء الحرب، ألحقت أضراراً كبيرة ودمرت ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة مهمة من المعدات في المنطقة، بما في ذلك مستودعات وقود وطائرات ومعدات رادار  واتصالات ودفاع جوي رئيسية.

ويضيف ويسلر: “إن حجم الدمار هذا أكبر بكثير مما اعترفت به واشنطن علناً أو مما نُشر سابقاً. وهذا بالإضافة إلى حقيقة أن إيران أجبرت الولايات المتحدة فعلياً على التفاوض لتحقيق أهدافها الحربية، مما دفع الكثيرين، وليس فقط هيئة تحرير صحيفة نيويورك تايمز، إلى التساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة قد فقدت تفوقها العسكري. فهل هذا صحيح؟ هل الجيش الأمريكي غير مستعد للحرب الحديثة؟”

يجادل ويسلر بأنه على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأقوى على وجه الأرض من حيث القوة المطلقة – حيث تنفق مبالغ طائلة على الأنظمة المتطورة، والطائرات النفاثة، والصواريخ، والغواصات، وغيرها من التقنيات التي تُمكّنها، نظرياً، من بسط نفوذها على معظم أنحاء العالم في غضون ثوانٍ معدودة إلا أن طبيعة الحرب تتغير في العالم اليوم بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسة القتالية الأمريكية على التكيف مع ذلك الواقع الجديد

فهذه القدرات العسكرية الهائلة للولايات المتحدة هي بالأحرى “أنسب لساحة معركة الأمس منها لساحة معركة اليوم؛ فساحة معركة اليوم هي ساحة الطائرات المسيّرة، وهو تحوُّل بدأ عقب الحرب الروسية ضد أوكرانيا“.

فالمسألة الرئيسية إذن لا تكمن في أن قوة الجيش الأمريكي تناقصت أو أنه أصبح ضعيفاً، بل في أن نقاط القوة الأمريكية التقليدية – مثل التكنولوجيا المتطورة، وأنظمة الأسلحة باهظة الثمن، والإنفاق الهائل – أصبحت أقل اعتباراً في عالم سادت فيه الطبيعة غير المتماثلة للحروب، ويتسم بالطائرات المسيّرة، وحروب الاستنزاف، والمنافسة الصناعية، والتشرذم الجيوسياسي، وغير ذلك.

إيران كدراسة حالة

يستخدم ويسلر الحرب الأخيرة مع إيران كدراسة حالة رمزية. حيث يجادل بأنه على الرغم من إنفاق الولايات المتحدة وحلفائها ما يقرب من تريليون دولار سنوياً على الدفاع، وامتلاكهم تفوقاً تكنولوجياً لا يُضاهى، إلا أنهم فشلوا في تحقيق نصر حاسم وواضح على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. 

ورغم نجاح القوات الأمريكية والإسرائيلية في استهداف مستويات القيادة الإيرانية العليا والبنية التحتية العسكرية، إلا أن إيران تمكنت من إلحاق خسائر فادحة لأعدائها. فقد ضربت القواعد الأمريكية المتمركزة في الخليج، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية العسكرية الإقليمية، وهددت خطوط الملاحة عبر مضيق هرمز، وأجبرت واشنطن على الدخول في مفاوضات بدلاً من تحقيق نصر حاسم.

ويُشير ويسلر هنا إلى أن هذه النتيجة أثارت تساؤلاً أعمق يدور الآن بين محللي الدفاع والمعلقين حول تساؤل مفاده: هل فقدت الولايات المتحدة التفوق العسكري الذي ميّز حقبة ما بعد الحرب الباردة؟ 

يُقر ويسلر في البداية بالقوة الاستثنائية للجيش الأمريكي، مُسلطاً الضوء على أنظمة شبحية مثل طائرات إف-22 رابتور، وإف-35 لايتنينغ 2، وبي-2 سبيريت، وغواصات فئة فرجينيا، وكذلك صواريخ توماهوك كروز وأنظمة الجيل التالي فائقة السرعة، حيث تُمثل هذه الأنظمة القتالية مجتمعةً عقوداً من التفوق التكنولوجي الأمريكي والاستثمار الدفاعي الضخم . إلا أنه يؤكد في الوقت نفسه أن العديد من هذه الأنظمة صُممت لعصر سابق من الحروب، ويُجادل بأن حروب المستقبل لن تهيمن عليها بالضرورة الطائرات الشبحية باهظة الثمن أو حاملات الطائرات؛ فبدلاً من ذلك، قد تتشكل هذه القدرات بفعل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدقة منخفضة التكلفة، والحرب السيبرانية، وغيرها.

الحرب الأوكرانية نقطة فارقة

ويقول ويسلر إن الحرب في أوكرانيا يتم تصويرها في هذا السياق كنقطة فارقة في هذا التحول الكبير. فقبل الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، توقع العديد من المراقبين أن تُحكم موسكو سيطرتها الجوية بسرعة وتُلحق هزيمة ساحقة بالدفاعات الأوكرانية. لكن المقاومة الأوكرانية، المدعومة بأنظمة دفاع جوي متنقلة وطائرات مسيّرة، حرمت روسيا من السيطرة الكاملة على الأجواء. وتكبدت روسيا خسائر فادحة في الطائرات، ما دفعها إلى الاعتماد بشكل متزايد على الضربات الصاروخية بعيدة المدى بدلاً من العمليات الجوية الهجومية قرب خط المواجهة. 

وفي الوقت نفسه، افتقرت أوكرانيا نفسها إلى القدرة على السيطرة على المجال الجوي نظراً لصغر حجم قواتها الجوية وقدمها. ولذلك، اتجه كلا الجانبين بشكل كبير نحو استخدام الطائرات المسيّرة؛ فوفقاً لويسلر، أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى الأسلحة المحورية في الحرب، ويجادل بأنها مسؤولة عن غالبية الخسائر في ساحة المعركة. وهكذا كان الدرس الكبير، وهو أن الأنظمة غير المأهولة الرخيصة نسبياً قادرة تماماً على تغيير  قواعد القتال الحديث بشكل جذري.

إيران تعلمت الدرس

يشير ويسلر إلى أن إيران قد درست هذه التطورات بعناية. فقد استثمرت طهران بالفعل في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة لعقود كجزء من عقيدتها في الحرب غير المتماثلة. إلا أن حرب أوكرانيا منحت طهران شيئاً أكثر قيمة، وهو أنها أمدتها بمعلومات ميدانية حقيقية. فمن خلال تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة، من طراز “شاهد”، حصلت إيران على معلومات مجانية مباشرة حول أداء أنظمتها في مواجهة الدفاعات الحديثة المدعومة من الغرب، وكيفية تطويرها.

ويؤكد ويسلر في هذا السياق على طائرة شاهد-136 المسيّرة كمثال على هذا المنطق العسكري الجديد. إذ تتراوح تكلفة هذه الطائرة بين 10,000 و50,000 دولار أمريكي، ويمكنها قطع مسافات طويلة وحمل حمولة كبيرة بجزء بسيط من سعر الصواريخ التقليدية. والأهم من ذلك، إمكانية إنتاجها محلياً بكميات هائلة.

ويُقدّم هذا ما يعتبره ويسلر أحد أكبر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة؛ وهو الاختلال الاقتصادي بين الهجوم والدفاع. إذ تُعدّ أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والإسرائيلية، مثل القبة الحديدية، ومقلاع داود، وأرو، وباتريوت، وإيجيس، وثاد، فعّالة للغاية ضدّ التهديدات الصاروخية التقليدية. ومع ذلك، فإنّ تشغيلها مُكلف للغاية؛ فقد يُكلّف صاروخ باتريوت اعتراضي واحد عدة ملايين من الدولارات، وقد تتجاوز تكلفة صاروخ ثاد اعتراضي واحد 12 مليون دولار.

والنتيجة هي اختلال خطير في التوازن. إذ يُمكن لإيران إنتاج عشرات الطائرات المسيّرة بتكلفة صاروخ اعتراضي واحد. وإذا تمّ إطلاق عدد كافٍ من الطائرات المسيّرة في وقت واحد في أسراب مُنسّقة، يُمكنها إغراق حتى شبكات الدفاع الجوي المُتقدّمة. ولا تقتصر المشكلة على الفعالية التكتيكية فحسب، بل على الاستدامة الاقتصادية أيضاً. فقد تخسر دولة تُضطرّ إلى إنفاق ملايين الدولارات لتدمير معدّات تُقدّر قيمتها بآلاف الدولارات في نهاية المطاف بسبب الاستنزاف، حتى مع تحقيقها انتصارات فردية. 

وهنا يؤكد ويسلر أنّ هذا المبدأ إنما يكمن في صميم الحرب غير المتماثلة الحديثة؛ فنظراً لعدم قدرة إيران على منافسة المنصات العسكرية الأمريكية المتطورة بشكل مباشر، فقد استثمرت في أنظمة مصمَّمة خصيصاً لفرض تكاليف باهظة على خصم أقوى. ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على الطائرات المسيّرة فحسب، بل أيضاً على شبكة إيران من الجماعات الوكيلة الإقليمية، بما في ذلك حزب الله، وحماس، والميليشيات العراقية، والحوثيين في اليمن. إذ لا تُصوَّر هذه الجماعات كمجرد منظمات مسلحة معزولة، بل كامتداد لاستراتيجية إيران الأوسع نطاقاً للضغط الإقليمي والتوسع الاستراتيجي. ووفقاً لويسلر، فإنه إذا تصاعد الصراع إلى حرب إقليمية أوسع أو غزو بري لإيران، فإن هذه الجماعات الوكيلة قادرة على فتح جبهات متعددة في آن واحد، مما يُجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على تشتيت جهودهم ومواردهم على مساحة جغرافية شاسعة.

الصين مصدر القلق الحقيقي

ينتقل سيمون ويسلر إلى الحديث عما يُقدّمه باعتباره مصدر القلق الحقيقي للولايات المتحدة على المدى البعيد، وهي: الصين. حيث يُجادل مقدم البرامج البريطاني بأن الحرب الإيرانية ليست سوى تمهيد لنوع الحرب التي قد تواجهها الولايات المتحدة في نهاية المطاف ضد منافس صناعي وعسكري أكثر قدرة بكثير. إذ تمتلك الصين قدرة تصنيعية هائلة، وبنية تحتية تكنولوجية متطورة، وصناعة دفاعية مستقلة سريعة النمو. 

فإذا كانت حرب الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة تُرهق بالفعل مخزونات الصواريخ الأمريكية في مواجهة قوة أضعف نسبياً مثل إيران، فإن تداعيات صراع مستقبلي مع الصين قد تكون أكثر خطورة بكثير. حيث يؤكد ويسلر مراراً على ضعف أمريكا في الحروب طويلة الأمد عالية الكثافة. فخلال الحرب الإيرانية، ووفقاً للمشهد الحالي، استهلكت الولايات المتحدة أجزاءً كبيرة من مخزونها من صواريخ الاعتراض في فترة وجيزة جداً؛ بينما قد يستغرق إعادة ملء هذه المخزونات سنوات. 

ويكشف هذا ما يُحدده ويسلر على أنه ضعف هيكلي أعمق، وهو: تراجع القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية. فبينما اشتهرت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية بقدرتها على الإنتاج الضخم للأسلحة والمركبات والطائرات والسفن بسرعة غير مسبوقة، فعلى النقيض من ذلك، يُركز الإنتاج الدفاعي الأمريكي الحديث على إنتاج كميات أقل من الأنظمة المتطورة للغاية، والتي تتطلب فترات شراء طويلة وسلاسل إمداد عالمية معقدة. هذا النموذج غير مناسب لحروب الاستنزاف؛ فأنظمة الدقة باهظة الثمن تتمتع بقدرات استثنائية، ولكن لا يمكن استبدالها دائماً بالسرعة الكافية خلال النزاعات المطوّلة.

ويتفاقم الوضع ويزداد سوءاً بسبب هشاشة سلاسل الإمداد بهذا الخصوص. حيث يُسلط ويسلر الضوء على الاعتماد على المعادن الاستراتيجية مثل الجاليوم والجرمانيوم، وهي مجالات تلعب فيها الصين دوراً مهيمناً في المعالجة والإمداد العالميين. كما يُشير ويسلر إلى وجود اختناقات في تصنيع وقود الصواريخ وإنتاج الإلكترونيات المتقدمة. وهذا يُؤدي إلى واقع مُقلق يتمثل في اعتماد أجزاء من النظام الصناعي العسكري الأمريكي على مواد أو سلاسل إمداد تتأثر بالخصوم الجيوسياسيين.

هشاشة المنصات العسكرية الحيوية

ومن المواضيع الرئيسية الأخرى التي تناولها ويسلر  ما أشار إليه بـ “هشاشة المنصات العسكرية الحيوية” الأمريكية. حيث يذكر ويسلر في هذا السياق طائرات الإنذار والتحكم،  ولا سيما طائرة بوينج إي-3 سينتري. إذ تعمل هذه الطائرات كمراكز رادار وقيادة طائرة قادرة على تنسيق العمليات الجوية بأكملها. 

ويقول ويسلر إن تدمير طائرة واحدة من طراز E-3 خلال الحرب الإيرانية الحالية كشف عن هشاشة هذه الأنظمة المتخصصة للغاية. فقد تقلص أسطول طائرات E-3 الأمريكية بشكل كبير خلال العقد الماضي، وعانت برامج استبدالها من تأخيرات وجدل واسع النطاق. ونظراً لارتفاع تكلفة هذه الأنظمة وصعوبة استبدالها، فإن فقدان واحدة منها يُمكن أن يُقلل بشكل كبير من القدرة التشغيلية للمنظومة القتالية.

وينطبق هذا المنطق نفسه على حاملات الطائرات؛ حيث يتحدث عن حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد آر فورد” كرمز لكل من هيبة الجيش الأمريكي وهشاشته الاستراتيجية في آن واحد. فتكلفة حاملة الطائرات من فئة “فورد” تُقدر بحوالي 13 مليار دولار، وهي مُجهزة بأحدث التقنيات وقوة قتالية هائلة، لكنها مقيدة بفترة زمنية قصوى، قد لاتزيد عن تسعة أشهر، تستطيع فيها المشاركة في العمليات قبل أن تحتاج لفترة من الصيانة المكثفة وإلا تتأثر كفاءتها كثيرة، وهو ما حدث بالفعل عندما شاركت “فورد” في حصار فنزويلا لعدة أشهر قبل أن تتوجه مباشرة لمسرح عمليات إيران، مما تسبب لها في مشكلات كبيرة. 

وهنا يتساءل ويسلر عما إذا كانت مثل هذه المنصات الضخمة لا تزال قادرة على البقاء في عصر الصواريخ فرط الصوتية والغواصات المتطورة والضربات الدقيقة بعيدة المدى؟ ويعكس هذا أحد أبرز النقاط التي يركز عليها سيمون ويسلر على امتداد حديثه؛ اعتماد الجيش الأمريكي بشكل متزايد على “منصات وأنظمة متطورة للغاية” ولكنها أيضاً باهظة الثمن للغاية ويصعب استبدالها في وقت مناسب.

شركات تصنيع الأسلحة

ثم ينتقل ويسلر إلى مشاكل مؤسسية وإدارية بخصوص الشركات المتعاقدة على تصنيع هذه الأسلحة، حيث تطال الانتقادات هيكل صناعة الدفاع الأمريكية نفسها. إذ ينتقد ويسلر إخفاقات عمليات شراء المعدات الدفاعية، مستخدماً مشروع فرقاطة “كونستليشن” كمثال على الهدر  وعدم الكفاءة. ووفقاً لويسلر، فقد أدت التغييرات المتكررة في التصميم والتعقيدات البيروقراطية إلى إنفاق مليارات الدولارات دون تحقيق نتائج عملية تُذكر.

يقول ويسلر إنه في أوائل التسعينيات، كان لدى الولايات المتحدة 51 شركةً رئيسيةً في مجال الدفاع، إلا أن عمليات الاندماج والاستحواذ قلّصت العدد إلى خمس شركاتٍ كبرى فقط، وهي: لوكهيد مارتن، وآر تي إكس (رايثيون سابقاً)، وجنرال دايناميكس، ونورثروب جرومان، وبوينج. وينقل ويسلر عن صحيفة نيويورك تايمز أن هذا التكتل أدى إلى ظهور شركات متعاقدة ضخمة تتمتع بمهارة عالية في التعامل مع عمليات الشراء الحكومية، لكنها غير مؤهلة للتصنيع السريع، الذي بات مطلباً أساسياً في النزاعات والحروب الحديثة. فهذه الشركات تبني نماذج أعمالها على عقود طويلة الأجل، وإنتاج كميات صغيرة، وأسعار مرتفعة، مما يجعلها عرضة لأن تتفوق عليها شركات في دول مثل أوكرانيا، التي تتميز بمرونة وسرعة أكبر في الإنتاج. ويقول ويسلر إنه في هذا السياق، لا بد من التطرق أيضاً إلى ثقافة المؤسسة العسكرية. إذ يميل كبار الضباط إلى حماية التكتيكات والتقنيات التي ساعدتهم على الوصول إلى أعلى المناصب، مما يجعل إدخال أي تغييرات أمراً بالغ الصعوبة

يقول ويسلر إنه بينما تحدث كل هذه العوامل مجتمعة تُواصل الصين توسعها العسكري التاريخي. فالصين تُشغِّل الآن أكبر أسطول بحري في العالم من حيث عدد السفن، وتُنتج سفناً حربية بمعدل يفوق بكثير معدل إنتاج الولايات المتحدة. ورغم أن السفن الأمريكية قد تظل أكثر كفاءة بشكل فردي، إلا أن الحجم الصناعي نفسه قد يُصبح في نهاية المطاف عاملاً حاسماً.

والحقيقة إن كل هذه العوامل قد تضافرت لخلق الظروف المثالية للصين للشروع في واحدة من أكبر عمليات التوسع العسكري في زمن السلم في التاريخ، وتحدي الهيمنة العسكرية الأمريكية؛ فبكين تنتج حالياً أكثر من ثلاث سفن حربية مقابل كل سفينة تنتجها الولايات المتحدة. وتشغل الآن أكبر قوة بحرية في العالم بأكثر من 370 سفينة حربية مقارنة بـ 296 سفينة أمريكية. نعم ليست سفن الصين بقوة سفن أمريكا أو بنفس كفاءتها، لكن الصين تبني بالفعل سفناً جديدة، والمسألة مسألة وقت فقط قبل أن تبدأ الصين في التفوق على الولايات المتحدة في هذا الأمر بفضل الأعداد الهائلة للسفن التي تنتجها. 

الجغرافيا السياسية والدبلوماسية وتباعد الحلفاء

عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، أثبت جديته الكبيرة في صفقة الاستحواذ على جزيرة “جرين لاند” التي كان قد طرحها إبان فترته الرئاسية الأولى. فلطالما اعتبرت واشنطن جرينلاند ذات أهمية استراتيجية بالغة نظراً لموقعها في القطب الشمالي وقربها من ممرات الشحن والممرات العسكرية الرئيسية. ولكن الدنمارك رفضت البيع، وكان رد ترامب جرّ أوروبا بأجمعها إلى حافة الصراع. 

فوفقاً لمصادر أوروبية، بلغت الأزمة من الخطورة حداً جعل القوات الدنماركية وقوات الحلفاء الأوروبية مستعدة للموت في مقاومة أي غزو أمريكي محتمل. ولم تتمكن أوروبا من إجبار الولايات المتحدة على التراجع إلا بتقديم ما يُشبه اتفاقية انتحار مالي تهدف إلى تدمير الاقتصادين الأمريكي والأوروبي. ولم يكن هذا الخلاف الوحيد بين واشنطن وبروكسل خلال ولاية ترامب الثانية، فقد اختلف الطرفان حول كل شيء، بدءاً من خطاب جي دي فانس أمام القادة الأوروبيين، مروراً باتفاقية تجارية وصفها بعض المراقبين بأنها مُذلّة لأوروبا، وصولاً إلى قرار أوروبا عدم المشاركة في الحرب على إيران.

وبلغ التوتر المتصاعد مع أوروبا ذروته بإعلان واشنطن سحب 5000 جندي من ألمانيا خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر القادمة. ولاحقاً، أعلن ترامب أن التخفيضات ستتجاوز هذا العدد بكثير، مُلمحاً إلى إمكانية سحب القوات من إيطاليا وإسبانيا أيضاً (لاحقاً أيضاً اتخذ وزير الحرب الأمريكي قراراً بسحب 4,000 جندي من بولندا دون سبب مفهوم). لكن سحب القوات ليس سوى جزء من مشكلة أكبر تواجه الأمن الأوروبي. وتكمن المشكلة الأكبر في أن البنتاجون أبلغ حلفاء الناتو في أوروبا بتوقع تأخيرات في توريد الأسلحة، في ظل سعي الولايات المتحدة لإعادة بناء مخزوناتها، حيث من المتوقع أن تشهد المملكة المتحدة وبولندا وليتوانيا اضطرابات في الإمدادات، كما يُتوقع تأثر عمليات تسليم صواريخ باتريوت الاعتراضية. وتُعدّ هذه مشكلة بالغة الخطورة، لا سيما وأن أوكرانيا كانت تعاني من نقص حاد في هذه الموارد حتى قبل اندلاع الحرب. 

وبهذا الخصوص، تعيد أوروبا تقييم اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي والمشتريات العسكرية بشكل متزايد. وتستثمر الدول الأوروبية بكثافة أكبر في الإنتاج الدفاعي المحلي، وفي بعض الحالات، تُفضّل أنظمة غير أمريكية على المعدات الأمريكية.

وعلى مدى عقود، تبادلت الدول المختلفة معلومات استخباراتية حساسة مع الولايات المتحدة، إذ ساهمت المساعدات والدبلوماسية وبناء التحالفات في خلق ثقة كافية تجعل هذا التعاون مجدياً. ورغم أن هذا الترتيب بدا ناجحاً للجميع، إلا أن هناك أدلة متزايدة على أن حلفاء الولايات المتحدة بدأوا في إعادة تقييم عمق تعاونهم الاستخباراتي مع واشنطن. ووفقاً لمركز أبحاث المجلس الأطلسي، ربما تكون المملكة المتحدة وكندا وكولومبيا قد أوقفت أو عدّلت تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن سفن تهريب المخدرات المشتبه بها في منطقة البحر الكاريبي، وذلك بسبب مخاوف بشأن شرعية الضربات العسكرية الأمريكية.

وإذا قررت دول أخرى عدم تبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام وضع تنخرط فيه (بعمليات عسكرية) دون معلومات كافية في أغلب الأحيان، وهو ما سيشكل مشكلة خاصة في المناطق التي لم تتح فيها الفرصة لوكالات استخباراتها لبناء شبكات بها. وإلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية، تحتاج الولايات المتحدة إلى الوصول المادي إلى قواعدها حول العالم، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بقواعد في 49 دولة حول العالم، ولا وجود لهذه الشبكة بأكملها إلا بموافقة الدول المضيفة؛ حيث يحق للدولة المضيفة سحب حق الوصول الأمريكي أو تقييد استخدام قاعدة وقواتها في أي نزاع في أي وقت. وكل حليف يشعر بالإكراه أو عدم الاحترام لديه دوافع جديدة لإغلاق أو تقييد الوجود الأمريكي في بلاده.

الخلاصة

نستطيع القول أن الولايات المتحدة تفقد بشكل واضح تفوقها العسكري العالمي، وقدرتها على حسم الصراعات العسكرية بتحقيق أهدافها السياسية والإستراتيجية في نهاية المطاف. إلا أن هذا التراجع ينبغي قراءته في سياق أوسع يتعلق بتراجع الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية بشكل عام، وليس فقط القدرات العسكرية، وذلك لأسباب حضارية تتعلق بعدم قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار  في القيادة العالمية كامتداد للجذر الحضاري الذي تستمد منه نموذجها في الهيمنة. هذه الأسباب، من وجهة نظرنا، تحتم الوصول للنتائج التي نراها الأن، سواء على الساحة الداخلية الأمريكية أو الساحة العالمية. الضعف الداخلي الذي تظهر علاماته في المجتمع الأمريكي واضحة جلية، يؤثر بكل تأكيد على مدى جاذبية النموذج الأمريكي للقيادة على النحو الذي كان سائداً على مدار العقود الماضية.

ما يزيد الطين بله، النمط القيادي الذي يتبعه دونالد ترامب، خاصة في فترة رئاسته الثانية، من تجريد الولايات المتحدة من أسلحتها التقليدية للقوة الناعمة، والتركيز على استخدام القوة الصلبة، سواء بالضغوط الاقتصادية القصوى على الحلفاء والخصوم على حد سواء، أو باستخدام القوة العسكرية الباطشة لفرض الاستسلام على الخصوم. لم تفلح الضغوط الاقتصادية حتى الآن في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها إدارة ترامب، بل كرست وضعاً تزداد فيه عزلة الولايات المتحدة حول العالم، وبالتالي لم يبقى لها بعد اضمحلال قوتها الناعمة أيضاً إلا استخدام التفوق العسكري الكاسح سعياً لفرض إرادتها على العالم. إلا أن الحرب الأخيرة على إيران، وبصرف النظر عن مألاتها في النهاية، أظهرت حدود ما يمكن أن تحققه قوتها العسكرية من نجاحات.

في الوقت الراهن، تعاني واشنطن من تراجع حاد في صورتها الذهنية. وحتى لو تمكنت الولايات المتحدة من حل المشكلات العسكرية التي تمت الإشارة إليها في هذه الورقة، كاختناقات الإنتاج، ومشاكل سلاسل التوريد، والهدر، وإعادة تصميم أنظمة الجيش اللازمة لإيقاف خصوم قادرين على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة،  فإنها ستفعل ذلك في عالم أمضى سنوات عديدة يعيد تقييم نفسه انطلاقاً من افتراض أن التزامات أمريكا لا قيمة لها. 

وإذا ما استمر هذا التوجه، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها تخوض الحرب القادمة دون الأداة التي لعبت دوراً محورياً في نجاحاتها حتى الآن، ألا وهي دعم بقية العالم؛ وقد يُسرع ذلك بنهاية النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. 

يطلق سيمون ويسلر في حديثه الذي استعرضناه عن تراجع التفوق العسكري للجيش الأمريكي تحذيراً استراتيجياً شاملاً؛ حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إصلاح نظام مشترياتها العسكرية، وإعادة بناء مخزوناتها، والتكيف مع حرب الطائرات المسيّرة، وتحديث الإنتاج الصناعي، فقد تواجه عالماً لم يعد يثق تماماً بالتزاماتها. لذا، لا يقتصر القلق الأكبر على الأداء الميداني للجيش الأمريكي فحسب، بل على استقرار النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية نفسه. 

لطالما اعتمدت القوة العسكرية الأمريكية على مزيج من التماسك الداخلي، والقدرة الصناعية، والريادة التكنولوجية، والتحالفات، والدبلوماسية، والشرعية العالمية. وإذا ما ضعفت عدة ركائز من هذه الركائز في آن واحد، فقد تبدأ أسس القيادة الأمريكية العالمية بالتآكل.

إن مستقبل الحروب سيُكافئ على الأرجح القدرة على التكيف، والإنتاج الضخم، والمرونة الاقتصادية، وتماسك التحالفات، بقدر ما يُكافئ التطور التكنولوجي والأسلحة الجبارة في الوقت الحالي. نعم، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بقوة عسكرية تدميرية هائلة، لكن الافتراضات التي تقوم عليها هذه القوة تُختبر بطرق لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود.

يبدو أن التطورات الأخيرة في طبيعة العمليات العسكرية، والتي تكرست بشكل رئيس مع انطلاق الحرب الأوكرانية، قد فاجأت الولايات المتحدة بطبيعة جديدة ثبت أنها لم تستطع التكيف معها بسرعة، على الأقل في الوقت الراهن، وهو ما أظهرها بمظهر العاجز عن توظيف ألتها العسكرية الجبارة في تحقيق أهدافها من الحروب التي تخوضها. بالطبع لن تبقى الولايات المتحدة ساكنة أمام هذه التطورات، حيث إنها بدأت منذ فترة تُولي موضوع إنتاج واستخدام المسيرات عناية خاصة، وأدرجت عشرات المليارات في موازنتها الدفاعية المقترحة لتطوير ما قد يصبح سلاحاً خاصاً بالمسيرات.

إلا أنه وحتى يستوعب الجيش الأمريكي هذه التعديلات في خططه العسكرية، ستكون القوى الأخرى التي لها الأن باع طويل في إنتاج واستخدام المسيرات على أرض معارك حقيقية (مثل روسيا وأوكرانيا وتركيا وإيران) متقدمة عليها بخطوات. الأهم أن أنواعاً من المسيرات الرخيصة، يمكن أن نطلق عليها مسيرات الفقراء، مثل تلك المعروفة بال FPV، التي يقودها شخص يرتدي نظارة خاصة، كما لو كان يمارس لعبة الأتاري، وتتكلف فقط بضع مئات من الدولارات، والتي ثبتت فعاليتها الكبيرة لدى روسيا وأوكرانيا وقوات حزب الله في لبنان، خاصة تلك التي يتم التحكم فيها بأسلاك من الألياف الزجاجية، لا يوجد حتى الأن حل عملي تكنولوجي يمكن الاعتماد عليه لتحييدها.

هذه التطورات جعلت معايير الانتصار في المعارك غير المتماثلة الحديثة، لا تتمثل في تراكم الأسلحة الضخمة الجبارة المدمرة كالنموذج الذي تعتمده أمريكا، ولكن في حسن توظيف أسلحة بسيطة مؤثرة، مع وجود إيمان بالقضايا التي تتبناها الأطراف الأخرى. بدون شك سيشكل ذلك عاملاً حاسماً، يضاف إلى العوامل الأخرى التي ذكرناها في بداية هذه الورقة، يؤشر على تراجع الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية حول العالم، وقدرة الولايات المتحدة على التأثير العالمي الذي كانت تمارسه على مدار  العقود الماضية فيما بعد الحرب العالمية الثانية.

د. عمرو درّاج

سياسي وأكاديمي مصري، رئيس المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الرئيس محمد مرسي، 2013.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى