أنثروبيك تكشف عملية تأثير مرتبطة بالإمارات استهدفت الإخوان والسودان وآليات الأمم المتحدة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كشف تقرير حديث لشركة أنثروبيك (Anthropic) عن عملية تأثير منظمة قالت إنها تمكنت من تعطيلها، وربطتها بدرجة ثقة مرتفعة بمسؤولين حكوميين في دولة الإمارات العربية المتحدة. ووفق التقرير، استخدمت العملية نموذج الذكاء الاصطناعي Claude ضمن حملة استهدفت جماعة الإخوان المسلمين، وتناولت الحرب في السودان، وامتدت إلى آليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة وشخصيات سياسية وإعلامية أوروبية.
ويعرض تقرير Detecting and countering misuse of AI: September 2026 العملية تحت الرمز GTG-84002، واصفًا إياها بأنها “عملية تأثير موجهة من الإمارات” استهدفت الإخوان المسلمين، والصراع السوداني، وآليات المساءلة الأممية. ويؤكد أن أنثروبيك حددت حسابًا يديره شخص واحد واستخدم بصورة مستمرة لتنفيذ العملية.
شخصية ذكاء اصطناعي ومهمة ممتدة لمئات الجلسات
بحسب التقرير، أنشأ المشغل شخصية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم “Deadshot” واستضافها على منصة خاصة به، فيما احتوى النظام على ملف توجيهي رئيسي يحدد المهمة السياسية للحملة.
ويقول التقرير إن التعليمات المدمجة في هذا الملف كانت تدفع Claude إلى تكرار المهمة نفسها عبر مئات الجلسات، ووُصفت المهمة بأنها عملية منسقة عبر الأطلسي وعلى المستوى الإقليمي تستهدف “تفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالميًا”.
ولم تكن العملية، وفق أنثروبيك، مجرد حملة نشر إلكتروني، بل قسمت إلى خمسة مسارات مترابطة أُديرت بالتوازي، بحيث يجري تنسيق صناعة الرواية السياسية، وإخفاء مصدر النشاط، واختيار الجهات والشخصيات المستهدفة ضمن منظومة واحدة.
300 حساب غير أصيل ومنظمة واجهة
أحد أبرز مكونات الحملة كان إنشاء وإدارة شبكة تضم نحو 300 حساب مؤثر غير أصيل على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف نشر المحتوى وتضخيمه.
وتقول أنثروبيك إن المشغل أنشأ كذلك منظمة غير حكومية واجهة استنسخت هوية منظمة سويسرية حقيقية، واستخدمها لنشر تقارير لحقوق الإنسان يقول التقرير إنها كُتبت من قبل جهة حكومية، بما يمنح المواد السياسية مظهرًا مستقلًا وغير رسمي.
ويشير التقرير إلى أن شبكة التضخيم على وسائل التواصل كانت ممولة ومنسقة مركزيًا. ووفق مواد داخلية اطلعت عليها الشركة، اعتُبرت صورة الشبكة بوصفها “مستقلة” إحدى أهم نقاط قوتها الاستراتيجية، وهو ما تفسره أنثروبيك باعتباره محاولة متعمدة لإخفاء الطبيعة الموجهة من الدولة للحملة.
محاولة الوصول إلى مجلس حقوق الإنسان
ويمثل المسار المرتبط بالأمم المتحدة أحد أكثر جوانب العملية حساسية.
إذ يقول التقرير إن المشغل قام بكتابة شهادات كاملة نيابة عن شخصين بهدف إلقائها خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
واللافت، بحسب أنثروبيك، أن المحتوى صُمم وفق قيود محددة تضمن عدم ذكر دولة الإمارات في أي من الخطابين.
وتضيف الشركة أن المشغل استخدم هوية منظمة سودانية حقيقية لحقوق الإنسان، وصاغ شهادات أممية بحيث يمكن تقديم مواد تخدم طرفًا في الصراع السوداني إلى الأمم المتحدة كما لو أنها صادرة عن شهود محليين مستقلين، وليس عن حملة مرتبطة بدولة.
لكن التقرير يضع قيدًا مهمًا على هذه النتائج: أنثروبيك لم تتمكن من التأكد من أن الشهادات وصلت بالفعل إلى الجهات المستهدفة أو أُلقيت أمام مجلس حقوق الإنسان. كما لم تستطع تأكيد وصول الملفات الأخرى التي أعدتها الحملة إلى الأشخاص المقصودين.
ملفات عن نواب أوروبيين وصحفيين
وتجاوز نشاط الحملة وسائل التواصل والأمم المتحدة إلى جمع معلومات تفصيلية عن شخصيات سياسية وإعلامية.
فبحسب التقرير، أجرى المشغل أبحاثًا موسعة حول 18 عضوًا في البرلمان الأوروبي إلى جانب صحفيين بارزين، وأعد ملفات شخصية مفصلة عن النواب والصحفيين المستهدفين.
كما جُمعت ملفات وصفها التقرير بأنها “ملفات مضادة للمساءلة” حول مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة كانوا قد انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.
ويقول التقرير إن سير العمل استخدم موضوعات وأحداثًا سياسية حقيقية، إلى جانب ملفات عقائدية سياسية معدة مسبقًا، ثم استعان بـClaude لتحويلها إلى تقارير استخباراتية ذات مظهر رسمي، وتقارير تستخدم هويات مستنسخة، وشهادات مكتوبة بالنيابة عن آخرين، وقوائم استهداف مفصلة لأفراد. وأضاف أن عددًا من تلك المواد أُعد للتسليم المباشر إلى مسؤولين إماراتيين كبار.
أنثروبيك: صلة “عالية الثقة” بمسؤولين إماراتيين
ويصل التقرير إلى أهم استنتاجاته عندما يناقش الجهة التي تقف خلف العملية.
فقد قالت أنثروبيك إنه على الرغم من تصميم الحملة بطريقة تهدف إلى منع تتبعها إلى القائمين عليها، فإن تحقيقها ربط العملية بدرجة ثقة مرتفعة بمسؤولين في الحكومة الإماراتية.
وبحسب الشركة، تضمّن ملف التعليمات الداخلي كذلك أسماء مسؤولين إماراتيين كبار باعتبارهم المستفيدين المقصودين من العمل، كما خلص التحقيق إلى أن المشغل موّل أيضًا شبكة الحسابات التي تولت تضخيم المواد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
السودان في قلب الحملة
يظهر السودان كأحد المحاور الأساسية في النشاط. ففي 4 يونيو/حزيران 2026، رصد التقرير حملة منسقة على منصة إكس تحت وسم #SudanIslamists، استخدمت حسابات متعددة لنشر وسوم متقاربة أو شبه متطابقة تربط جماعة الإخوان المسلمين السودانية بعدم الاستقرار الإقليمي.
ويكشف ذلك أن هدف العملية، وفق وصف أنثروبيك، لم يكن محصورًا في بناء صورة سلبية عن الإخوان بصورة عامة، بل امتد إلى صياغة روايات مرتبطة مباشرة بالحرب السودانية وإلى محاولة التأثير في كيفية وصول هذه الروايات إلى المؤسسات الحقوقية والدولية.
ما حجم تأثير العملية؟
صنفت أنثروبيك النشاط ضمن الفئة الثالثة على “مقياس الانتشار” Breakout Scale، موضحة أن العملية امتدت عبر عدة منصات للتواصل الاجتماعي.
لكن الشركة لم ترفع التصنيف إلى مستوى أعلى لعدم وجود دليل كاف على أن الحملة حققت انتشارًا عامًا واسعًا أو تأثيرًا فعليًا في السياسات.
وهذه نقطة أساسية عند قراءة التقرير؛ فهو يقدم أدلة على حجم وتعقيد البنية التشغيلية للحملة، لكنه لا يثبت أن هذه البنية نجحت في تغيير الرأي العام أو قرارات الحكومات والمؤسسات الدولية.
إغلاق الحسابات وتعطيل العملية
تقول أنثروبيك إنها اكتشفت النشاط خلال تحقيقاتها الداخلية، ثم حظرت الحسابات المرتبطة به، وطورت وسائل كشف تستند إلى الأنماط السلوكية التي وثقتها لمنع تكرار النشاط.
وأضافت أنها شاركت مؤشرات مرتبطة بالحملة مع شركاء في القطاع، بهدف إتاحة اتخاذ إجراءات ضد العملية خارج منصتها أيضًا.
حملة تتجاوز “الدعاية الإلكترونية”
تكشف الحالة الإماراتية التي يعرضها تقرير أنثروبيك عن تطور في استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير السياسي. فبدل الاقتصار على إنتاج منشورات أو تشغيل حسابات مزيفة، جمع النشاط -بحسب الوثيقة- بين مئات الحسابات غير الأصيلة، ومنظمات واجهة، واستنساخ هويات مؤسسات حقوقية، وإعداد شهادات للأمم المتحدة، وبناء ملفات عن سياسيين وصحفيين ومقررين دوليين.
ويبدو الدور الأهم للذكاء الاصطناعي هنا في ربط تلك المسارات معًا: تحويل التوجيه السياسي إلى تقارير ومواد ذات مظهر مهني، وتكييف الرسائل وفق الجهة المستهدفة، وإنتاج المحتوى على نطاق واسع مع الحفاظ على خط سياسي موحد.
لكن التقرير يترك سؤالًا أساسيًا بلا إجابة: إلى أي مدى نجحت هذه العملية خارج العالم الرقمي؟ أنثروبيك تقول إنها استطاعت تحديد البنية والأدوات والجهات التي تعتقد أنها تقف وراءها، لكنها لم تتمكن من إثبات وصول الشهادات والملفات إلى جميع أهدافها، ولا من إثبات حدوث تأثير سياسي أو جماهيري واسع نتيجة العملية.
وبذلك، فإن أخطر ما يكشفه هذا الجزء من التقرير ربما لا يكمن في مدى نجاح الحملة، بل في طبيعة البنية التي أصبحت ممكنة باستخدام الذكاء الاصطناعي: عملية تأثير تعمل في آن واحد على وسائل التواصل، وفي المجال الحقوقي، وفي استهداف شخصيات سياسية وإعلامية، وفي محاولة الوصول إلى مؤسسات الأمم المتحدة، مع السعي إلى إخفاء المصدر الحقيقي للرسائل.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




