انحسار الدور الأمريكي في الشرق الأوسط: نهاية المظلة الأمنية أم إعادة صياغة النفوذ؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
لم يعد النقاش بشأن مستقبل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط مقتصراً على احتمال سحب قوات أو إغلاق قواعد عسكرية، بل بات يتعلق بطبيعة الدور الذي ترغب واشنطن في أدائه، وحدود التزاماتها تجاه حلفائها، وقدرة دول المنطقة على إدارة أمنها في ظل التحولات الدولية المتسارعة.
تطرح مجلة «الإيكونوميست» في مقالها الصادر في 23 سبتمبر/أيلول 2026 قراءة مفادها أن الحرب الأمريكية مع إيران قد تُحدث تغييراً طويل الأمد في العلاقة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط. فبينما اعتادت دول المنطقة التعامل مع واشنطن بوصفها ضامناً أمنياً وشريكاً قادراً على احتواء التهديدات، ترى المجلة أن تداعيات الحرب دفعت حلفاءها، ولا سيما في الخليج، إلى إعادة النظر في جدوى الاعتماد على تلك المظلة وحدود فاعليتها.
من إدارة الإقليم إلى تقليص الالتزامات
منذ حرب تحرير الكويت عام 1991، اضطلعت الولايات المتحدة بدور محوري في تشكيل الترتيبات الأمنية للشرق الأوسط. وقد استند هذا الدور إلى انتشار عسكري واسع، وشبكة من القواعد والشراكات الدفاعية، وقدرة على التدخل المباشر في أزمات المنطقة.
غير أن التدخلات الأمريكية المتعاقبة في العراق وليبيا وسوريا واليمن لم تُنتج، وفق تقييم «الإيكونوميست»، نظاماً إقليمياً مستقراً. وتنطلق المجلة من هذه الحصيلة لتفسير التحول الراهن: فواشنطن تواجه كلفة متزايدة للاستمرار في إدارة أزمات الشرق الأوسط، في وقت تتطلب فيه التحديات الأمنية في أوروبا والمحيط الهادئ توزيعاً مختلفاً لمواردها العسكرية.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الانسحاب العسكري الكامل والتراجع عن دور الضامن الأمني الشامل. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك مصالح استراتيجية في المنطقة، تتصل بمكافحة الإرهاب، والتجارة، ومبيعات السلاح، وأمن إسرائيل، والممرات البحرية. لكن استمرار هذه المصالح لا يعني بالضرورة استعدادها لتحمل المسؤولية الأولى عن كل أزمة إقليمية.
الحرب مع إيران واختبار الثقة الخليجية
تمثل الحرب مع إيران، في قراءة المجلة، نقطة تحول في حسابات الحلفاء الخليجيين. فقد ألحقت المواجهة أضراراً بقطاعات الطاقة والبنية التحتية والسياحة، وأعادت المخاطر العسكرية إلى محيط القواعد والمنشآت الحيوية. والأهم أن الوجود الأمريكي نفسه، الذي يفترض أن يوفر الردع والحماية، أصبح موضع تساؤل بشأن ما إذا كان يحد من المخاطر أم يجعل الدول المستضيفة أكثر تعرضاً لها.
ولا تعني هذه التساؤلات أن الدول الخليجية اتخذت قراراً بإنهاء علاقاتها الدفاعية مع واشنطن. فالمجلة تشير إلى أن النقاش العلني حول مستقبل القواعد الأمريكية ما زال حساساً، لكنها ترصد توجهاً نحو إعادة النظر في حجم هذه القواعد، وطبيعة استخدامها، والقواعد التي تحكم انطلاق العمليات العسكرية منها.
وتورد الإيكونوميست في هذا السياق مثال القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، التي تستبعد عودتها إلى حجمها السابق، وكذلك قاعدة العديد في قطر، التي كانت الدوحة مستعدة لاستثمار نحو عشرة مليارات دولار في تطويرها، بينما أصبح مدى رغبة الجانب الأمريكي في توسعتها موضع تساؤل. كما تشير إلى رغبة مسؤولين إقليميين في التفاوض بشأن ضوابط جديدة لاستخدام القواعد الموجودة على أراضيهم. إلا أنه يجب الانتباه إلى أن هذه تقديرات ومعطيات أوردتها المجلة، وليست قرارات نهائية معلنة بإغلاق تلك المنشآت.
إعادة الانتشار لا تعني اختفاء القوة الأمريكية
يكتسب هذا التحول بعداً عملياً مع إعادة توزيع القوات الأمريكية. فبحسب المقال، استكملت واشنطن انسحابها من قواعد في سوريا خلال ربيع 2026، كما أنه من المقرر إخلاء قواعدها المتبقية في العراق بحلول نهاية سبتمبر/أيلول، مع الإشارة إلى أن خطط الانسحاب تلك سبقت الحرب مع إيران.
لكن قراءة هذه الخطوات بوصفها نهاية للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ستكون غير دقيقة. فالتراجع عن القواعد الكبيرة والدائمة يمكن أن يترافق مع الاحتفاظ بقدرات التدخل من خارج المنطقة، والتعاون الاستخباراتي، والعمليات المحدودة، والشراكات الثنائية.
ويعكس هذا المنحى تحوّلاً في مفهوم النفوذ؛ بدلاً من الانتشار العسكري الواسع الذي يتطلب دفاعاً دائماً عن منشآت وقوات وعائلات عسكرية، تصبح الأولوية لانتشار أكثر مرونة، يسمح لواشنطن بتحريك مواردها تبعاً للمسرح الذي تعتبره أكثر إلحاحاً.
كما أن استنزاف الذخائر الاعتراضية والصواريخ الموجهة، والحاجة إلى حاملات الطائرات والقدرات الدفاعية في مسارح أخرى، يضعان حدوداً عملية أمام استمرار التركيز العسكري المكثف على الشرق الأوسط.
من يملأ فراغ الضامن الأمني؟
تتجاوز آثار هذا التحول العلاقة الثنائية بين واشنطن وحلفائها؛ إذ تطرح سؤالاً يتعلق بالجهة القادرة على بناء ترتيبات أمنية إقليمية بديلة.
ترى «الإيكونوميست» أن القوى الخارجية الأخرى لا تمتلك، في الظروف الراهنة، القدرة أو الاستعداد لتولي الدور الأمريكي بصيغته السابقة. فأوروبا تواجه قيوداً في مواردها العسكرية، وروسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا، فيما لا تمتلك الصين تجربة مماثلة للولايات المتحدة في إدارة عمليات عسكرية واسعة خارج حدودها.
أما إقليمياً، فتتمتع إيران وإسرائيل وتركيا بأدوات متفاوتة للتأثير العسكري والسياسي، لكنها تختلف في مصالحها وعلاقاتها مع الدول العربية، ولا توفر أي منها بمفردها إطاراً أمنياً يحظى بقبول إقليمي شامل. لذلك فإن تراجع الدور الأمريكي لا يؤدي تلقائياً إلى نشوء نظام بديل متماسك، بل يفتح مسألة الترتيبات الأمنية على مفاوضات وتوازنات جديدة.
بالنسبة إلى الدول الخليجية، يضع هذا الواقع مسألة التنسيق الدفاعي في موقع أكثر إلحاحاً. فشراء الأسلحة المتطورة، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء منظومة ردع فعالة إذا لم يترافق مع تكامل أنظمة الإنذار والدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، وتطوير القدرات المحلية، ووضع قواعد مشتركة للاستجابة للأزمات. ويشير المقال إلى تنامي الاهتمام بتنويع موردي السلاح والتصنيع الدفاعي المحلي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة.
ما الذي يتغير في المعادلة الإقليمية؟
تكشف المعطيات السابقة عن ثلاثة تحولات مترابطة. أولها انتقال العلاقة مع واشنطن من افتراض الحماية شبه التلقائية إلى تفاوض أكثر وضوحاً بشأن حدود الالتزام العسكري. وثانيها أن استضافة قاعدة أمريكية لم تعد مسألة ذات بُعد دفاعي فقط، بل باتت ترتبط أيضاً بمخاطر تعرض الدولة المستضيفة لهجمات أثناء المواجهات التي تشارك فيها واشنطن. أما الثالث، فهو اتساع الحاجة إلى ترتيبات أمنية تقودها دول المنطقة نفسها، حتى مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة.
وتبقى طبيعة هذه التحولات مرتبطة بمآلات الحرب مع إيران، وبالقرارات الأمريكية والخليجية اللاحقة. لذلك لا يمكن التعامل مع التراجع الأمريكي باعتباره مساراً مكتملاً أو افتراض أن جميع دول المنطقة ستتبنى استجابة واحدة.
الخلاصة، تشير قراءة «الإيكونوميست» إلى أن التحول الأهم لا يتمثل في عدد القوات التي ستغادر الشرق الأوسط، وإنما في تراجع افتراض أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة الأمن الإقليمي نيابة عن حلفائها.
فواشنطن قد تواصل بيع السلاح، وإجراء العمليات المحدودة، ودعم شركائها، ورعاية المفاوضات، لكنها قد تصبح أقل استعداداً لتحمل الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لحروب المنطقة بصورة مفتوحة. وفي المقابل، تواجه الدول الإقليمية سؤالاً لم يعد بالإمكان تأجيله: كيف يمكن بناء ترتيبات دفاعية وتفاهمات سياسية تخفف الاعتماد على طرف خارجي، من دون أن يؤدي ذلك إلى توسيع دوائر المواجهة؟
بهذا المعنى، لا يقدم المقال إعلاناً عن نهاية النفوذ الأمريكي، بل يناقش احتمال انتهاء الصيغة التي مارس بها ذلك النفوذ طوال العقود الماضية: الولايات المتحدة بوصفها القوة التي يُرجع إليها عند وقوع الأزمات، لا مجرد شريك من بين شركاء آخرين.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




