أوروبا وأمريكاتقديرات

أوروبا على صفيح اجتماعي ساخن.. هل تتشكل موجة احتجاج عابرة للحدود وميلاد ربيع أوروبي؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


تشهد عدة دول أوروبية في الأسابيع الأخيرة موجات احتجاج متزامنة، تختلف أسبابها المباشرة من بلد إلى آخر، لكنها تتقاطع عند مجموعة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي باتت ترهق قطاعات واسعة من الأوروبيين. فمن فرنسا إلى إيطاليا وبلجيكا وألبانيا وإسبانيا والبرتغال، مروراً بألمانيا واليونان وبولندا وهولندا وإيرلندا، ووصولاً إلى صربيا كنموذج مختلف في المألات، تحرك طلاب وعمال ونقابات ومستأجرون وموظفو قطاع عام وعاطلون في مشهد يوحي بأن القارة لا تواجه أزمة واحدة موحدة بقدر ما تواجه تراكم أزمات متعددة تتفجر في الوقت نفسه.

ولا يظهر حتى الأن وجود حركة احتجاج أوروبية موحدة بالمعنى التنظيمي، ولا قيادة عابرة للحدود، ولا برنامج سياسي مشترك بين هذه التحركات، لكن التزامن مهم بحد ذاته. فالمطالب التي تبدأ من تدهور التعليم ونقص المدرسين في بلد، أو زيادة الإيجارات في بلد آخر، أو المعاشات والحقوق الاجتماعية في بلد ثالث، أو الفساد في بلد رابع، تلتقي عند إحساس أوسع بأن جودة الحياة لم تعد كما يأمل الناس، وأن العبء اليومي ينتقل بصورة متزايدة إلى الأسر والشباب والطبقات الوسطى.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع في 24 و25 أكتوبر/تشرين الأول، تجدد هذا المشهد بصورة أوضح: احتجاجات واسعة شارك فيها مئات الألوف في فرنسا وإيطاليا، تحركات في مدريد دفاعاً عن نظام التقاعد، اعتصامات مرتبطة بالسكن في لشبونة، ومواجهات جديدة في بروكسل وتيرانا، وغير ذلك. ومع أن المطالب ليست واحدة، فإن المشهد الأوروبي بات أكثر قابلية للقراءة بوصفه «مناخ احتجاج» متزامن، لا مجرد سلسلة أحداث محلية منفصلة.

ويبرز  من رحم هذه التطورات سؤال بدأ يتردد نتيجة الشكل الذي تأخذه الأحداث: هل نحن على أعتاب “ربيع أوروبي”؟ وهل يمكن أن يؤول الأمر  إلى أكثر من ذلك ويصل إلى حالة من الفوضى والاحتراب الداخلي؟

نحاول من خلال هذه الدراسة استعراض ما يحدث من تطورات، والغوص في بعض التفاصيل والرؤى المصاحبة لها، مع محاولة تفسير خلفياتها وما قاد إليها، كخطوة أولى على طريق استكشاف مألاتها.

فرنسا: من أزمة التعليم إلى انفجار اجتماعي أوسع

تقدم فرنسا النموذج الأكثر انفجاراً في هذه الموجة؛ فالاحتجاجات التي بدأت على خلفية نقص المدرسين وتراجع أوضاع المدارس والخدمات التعليمية، توسعت سريعاً إلى تحركات ذات طابع اجتماعي أوسع، مع دخول نقابات ومجموعات احتجاجية وأطراف سبق أن شاركت في حركات مثل «السترات الصفراء».  ومع اتساع الغضب، لم يعد النقاش محصوراً في الصفوف والمدارس، بل دخلت فيه القدرة الشرائية وأسعار الوقود والخدمات العامة والفجوة بين باريس والمناطق الأقل حظاً، ومواضيع أخرى.

وفي منتصف أكتوبر، تحولت بعض الاحتجاجات في عشرات المدن إلى مواجهات عنيفة وأعمال نهب وتخريب وإحراق، ما دفع السلطات إلى توقيف أعداد كبيرة ونشر قوات أمنية واسعة. وفي 24 أكتوبر خرجت تظاهرات جديدة في مدن فرنسية عدة، وسط إجراءات أمنية مشددة ومواجهات عنيفة. وهنا ظهرت معادلة شديدة التعقيد: شارع يطالب بمزيد من الإنفاق والدعم وتحسين الخدمات، ودولة تواجه في المقابل أزمة مالية وضغوط الدين والعجز وقيوداً تجعل التوسع المالي أقل سهولة من مراحل سابقة، وتفرض عليها اتباع أجندة تقشفية، مما يشعل المزيد من الاحتجاجات.  أيضًا (انظر) (انظر) (انظر).

وتكشف فرنسا أيضاً عن نقطة مهمة في هذه الموجة: الاحتجاج لا يبقى دائماً أسير السبب الذي بدأ منه. فعندما يدخل الشارع في حالة تعبئة مستمرة، تتجمع ملفات التعليم والدخل والطاقة والضرائب والعدالة الاجتماعية داخل ساحة واحدة، ويصبح الاحتجاج تعبيراً عن فقدان الثقة بقدرة الحكومات والسياسات التقليدية على إنتاج تحسن ملموس في الحياة اليومية، ثم تدخل على الخط أعمال فوضوية يعبر من خلالها المئات من المحبطين والمحرومين واللصوص عن إحباطاتهم.

إيطاليا: ضغط المعيشة يمتزج بالاعتراض على أولويات الدولة

في إيطاليا أخذ الغضب شكلاً مختلفاً، لكنه تحرك في البيئة الاقتصادية نفسها. فقد شهدت عدة مدن عدة احتجاجات شارك فيها طلاب وعمال ومجموعات اجتماعية، وبرزت فيها قضايا كلفة المعيشة والطاقة والتعليم، إلى جانب الاعتراض على زيادة الإنفاق العسكري ودور  إيطاليا في النزاعات الخارجية. وفي 24 أكتوبر شهدت مدن من بينها روما وميلانو  وتورينو  ونابولي وبولونيا وفلورنسا تحركات جديدة، تخللت بعضَها مواجهات مع الشرطة وتوقيفات. وقد نقلت وسائط التواصل الاجتماعي عدد من الفيديوهات يظهر منها حجم الفوضى الذي صاحب هذه الاحتجاجات. (انظر أيضا)

ويُظهر المثال الإيطالي كيف يمكن لملف اجتماعي داخلي أن يتقاطع مع نقاش أوسع حول «أولويات الموازنة»: هل تذهب الموارد إلى المدارس والأجور  والخدمات، أم إلى الأمن والدفاع والتزامات الدولة الخارجية؟ هذه المقارنة، سواء كانت عادلة حسابياً أم لا، أصبحت جزءاً من خطاب الاحتجاج في أكثر من بلد، لأنها تقدم للمتظاهرين لغة بسيطة لتفسير شعورهم بأن الدولة تطلب منهم تحمّل كلفة أكبر مقابل خدمات أقل.

ألبانيا: حين تتحول مطالب الطلاب إلى أزمة ثقة بالدولة

في ألبانيا تبدو الصورة أكثر ارتباطاً بأزمة الثقة السياسية. فالطلاب الذين خرجوا للاحتجاج على أوضاع الجامعات وتكاليف التعليم وصعوبة الحصول على فرص عمل بعد التخرج، وسعوا تحركاتهم لتشمل الفساد وعلاقة النخب السياسية بالمؤسسات العامة. وبمرور الوقت تحولت مطالب جامعية في ظاهرها إلى احتجاج على طريقة إدارة الدولة نفسها، ثم تركزت المطالب الأن حول تعديل الدستور، ثم الإطاحة برئيس الحكومة إيدي راما نفسه، الذي يتم تحميله مسئولية كافة الأوضاع السيئة في البلاد منذ سنوات، فضلًا عن تورطه المباشر في الفساد (قضية استثمارات جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي في محميات طبيعية هامة). رفض راما الاستجابة لهذه المطالب، وقال إن احتجاجات المعارضة مشروعة، لكن العنف سيتم مواجهته بكل حسم للدفاع عن الديمقراطية ومؤسسات الدولة. (انظر)

وخلال النصف الثاني من أكتوبر تصاعدت المواجهات في تيرانا، والتي كانت المعارضة قد أطلقت على حركتها منذ شهور إسم “ثورة الفلامنجو”، وهي الطيور التي تمر على المحمية التي استهدفها كوشنر. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه في أكثر من مناسبة، فيما اتسعت قاعدة المحتجين لتضم طلاباً وفنانين وأحزاب معارضة. وازدادت وتيرة العنف بشكل كبير، خاصة بعد انضمام اتحادات الطلاب للحركة بشكل رسمي، وركزوا في احتجاجاتهم على ارتفاع تكلفة المعيشة، وبشكل خاص تكاليف التعليم. وفي 24 أكتوبر تجددت الاحتجاجات العنيفة، وهو ما جعل ألبانيا من أوضح الحالات التي يندمج فيها العامل الاجتماعي مع أزمة شرعية سياسية أوسع. (انظر)

واللافت هنا أن البطالة أو ضعف فرص العمل لا تظهر فقط كرقم اقتصادي، بل كاختبار لفكرة «المستقبل»؛ حين يعتقد الطالب أن التعليم لن يقوده إلى وظيفة مستقرة، وأن الوصول إلى الفرص يخضع لشبكات النفوذ والفساد، يصبح احتجاجه على الجامعة احتجاجاً على الدولة نفسها.

بلجيكا: التقشف والتعليم وانتقال عدوى التعبئة

تقدم بلجيكا مثالاً على سرعة انتقال المزاج الاحتجاجي بين الدول. ففي بروكسل خرجت خلال أكتوبر تحركات طلابية ونقابية ضد سياسات تقشفية والمطالبة بإصلاحات تمس التعليم والخدمات والقدرة الشرائية. وفي 24 أكتوبر وقعت مواجهات محدودة بين الشرطة ومتظاهرين، استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع، فيما ظل جوهر المطالب مرتبطاً بتمويل التعليم والخدمات وبالاعتراض على تآكل القوة الشرائية. (انظر)

ولا يعني التأثر بما يجري في فرنسا أن المحتجين البلجيكيين ينسخون المطالب الفرنسية. ما ينتقل عبر الحدود هو نموذج التعبئة نفسه: صورة الطالب الذي يغلق مدرسة، أو المظاهرة التي تتحول إلى حدث وطني، أو الإحساس بأن الاحتجاج في دولة مجاورة يمنح شرعية للتحرك المحلي. وهكذا تصبح الحدود غير حاجزة لنقل «شكل الاحتجاج»، حتى وإن بقيت أسبابه محلية.

إسبانيا والبرتغال: السكن والمعاشات في قلب القلق الاجتماعي

في إسبانيا والبرتغال يأخذ الاحتجاج مساراً مختلفاً، إذ تتصدر أزمة السكن المشهد منذ فترة، لكن نهاية أكتوبر أظهرت اتساع القضايا الاجتماعية. ففي مدريد خرج عشرات الآلاف في 24 أكتوبر دفاعاً عن نظام التقاعد العام، مطالبين بربط المعاشات بالتضخم ورفع الحد الأدنى وتقليص الفجوة بين الجنسين ورفض الخصخصة. واتصلت هذه المطالب مباشرة بنقاش أوسع حول كلفة المعيشة ومستقبل الحماية الاجتماعية للأجيال الحالية والقادمة (انظر) (انظر).

 كما شهد وسط برشلونة احتجاجاً واسعاً مرتبطاً بأزمة السكن. وقدرت شرطة المدينة المشاركة بنحو 20 ألف شخص، بينما قال المنظمون إن العدد بلغ 120 ألفاً، وطالبت المسيرة بخفض الإيجارات وتوسيع حماية المستأجرين والحد من المضاربة، قبل وقوع مواجهات بعد انتهاء المسيرة. (انظر)

أما في البرتغال، فقد بقي السكن العنوان الأكثر وضوحاً. ففي لشبونة خرجت تحركات للمطالبة بسكن ميسور، قبل أن تزيل الشرطة في الساعات الأولى من 25 أكتوبر مخيماً احتجاجياً وسط العاصمة. وتكتسب الأزمة البرتغالية وزناً إضافياً لأن أسعار المنازل ارتفعت بسرعة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بينما يشعر الشباب بأن الأجور لم تلاحق الإيجارات وأسعار التملك. (انظر)

واللافت أن الأزمة في البلدين لا تعني غياب النمو الاقتصادي. بل على العكس، تكشف التوتر بين المؤشرات الكلية وتجربة الأفراد اليومية. فقد يتحسن الناتج أو ينخفض التضخم، لكن ذلك لا يعيد الإيجار إلى مستواه السابق ولا يجعل شراء منزل أكثر سهولة، ولذلك لا يشعر المواطن بالضرورة أن «التعافي» الذي تعلنه الحكومة وصل إلى حسابه المصرفي أو قدرته على الاستقلال.

هولندا: أزمة السكن ليست مشكلة جنوب أوروبا فقط

تضيف هولندا بعداً مهماً إلى خريطة الغضب الأوروبي، لأنها تكسر الفكرة القائلة إن أزمة السكن محصورة في دول الجنوب أو الاقتصادات الأضعف. ففي 10 أكتوبر/تشرين الأول خرج محتجون في ساحة “دام” بأمستردام تحت شعار «منازل للناس لا للربح»، مطالبين بخفض الإيجارات، وتوسيع السكن الاجتماعي، وتشديد حماية المستأجرين، ومواجهة التشرد. وتأتي التحركات في بلد يتمتع بدخل مرتفع ومؤسسات قوية، ما يكشف أن المشكلة لم تعد مجرد فقر في الدخل، بل فجوة بين أسعار الأصول والسكن من جهة، وقدرة الأجيال الأصغر وذوي الدخل المتوسط على الوصول إليه من جهة أخرى. (انظر)

وتكتسب الحالة الهولندية قيمة تحليلية لأنها تضع أزمة السكن في قلب نموذج دولة الرفاه نفسه: حين يصبح المسكن، وهو الشرط الأساسي للاستقلال والعمل وتكوين الأسرة، غير ميسور في اقتصاد غني، تتحول المشكلة من ملف عقاري إلى أزمة ثقة في قدرة النظام الاقتصادي على توزيع ثمار النمو بصورة مقبولة اجتماعياً.

إيرلندا: من الغلاء إلى شلل القطاع العام

وفي إيرلندا انتقل الغضب من التظاهر إلى الإضراب واسع النطاق. ففي 14 أكتوبر/تشرين الأول شارك نحو 300 ألف من المعلمين والعاملين في الصحة والموظفين الحكوميين وغيرهم من موظفي القطاع العام في إضراب هو الأوسع منذ سنوات، بسبب تعثر مفاوضات الأجور وضغوط كلفة المعيشة. وأدى الإضراب إلى إغلاق مدارس وتعطيل خدمات وإلغاء آلاف المواعيد الطبية. (انظر)

وتكشف إيرلندا عن مفارقة أخرى: الاقتصاد قد يبدو قوياً في المؤشرات الكلية، لكن قوة الناتج لا تمنع شعور العامل بأن دخله الحقيقي يتآكل. وهذا النوع من الاحتجاج أكثر حساسية سياسياً من التظاهر التقليدي، لأنه ينقل الضغط من الشارع إلى الخدمات الأساسية ويجبر الحكومة والنقابات على التفاوض تحت كلفة يومية مباشرة.

بولندا: احتجاج اجتماعي بطابع حقوقي وأزمة وعود سياسية

لا تدخل بولندا في الموجة الاقتصادية نفسها بالمعنى الضيق، لكنها تكشف وجهاً آخر من الأزمة الأوروبية: تآكل الثقة بالوعود السياسية. ففي 22 أكتوبر خرجت احتجاجات في وارسو وأكثر من عشرين مدينة للمطالبة بتوسيع الحق في الإجهاض، وانتقد المشاركون حكومة دونالد توسك لعدم تنفيذ وعودها الانتخابية بصورة كاملة بعد سنوات من القيود الصارمة. (انظر)

أهمية الحالة البولندية في هذه الورقة أنها توضح أن الغضب الأوروبي ليس اقتصادياً فقط. ففي بعض البلدان يتحول الشارع إلى أداة لمحاسبة الحكومات على الفجوة بين الوعود والتنفيذ. وهذا العامل يمكن أن يلتقي بسهولة مع القلق الاقتصادي: فالمواطن الذي يشعر أن الحكومة لا تنفذ وعودها في ملف الحقوق قد يصبح أقل ثقة بها أيضاً عندما تطلب منه الصبر في ملفات الأسعار والسكن والخدمات.

ألمانيا: من الدفاع عن دولة الرفاه إلى تعبئة الجيل الجديد

ألمانيا لم تصل إلى مستوى الاضطراب الذي شهدته فرنسا، لكنها شهدت بالفعل تعبئة اجتماعية واسعة تسبق التحركات الشبابية الأخيرة. ففي 26 سبتمبر/أيلول قال اتحاد النقابات الألماني إن نحو 175 ألف شخص شاركوا في تحركات في 15 مدينة دفاعاً عن دولة الرفاه والتقاعد والرعاية الصحية وحقوق العمال، واعتراضاً على إصلاحات رأى المحتجون أنها تنقل مزيداً من المخاطر والتكاليف إلى الموظفين والمتقاعدين والأسر. (انظر)

إلى جانب ذلك، برزت دعوات شبابية تحت اسم «Gen Z regelt»  – جيل زد ينظم – إلى تظاهرات في مدن ألمانية في نهاية أكتوبر، تربط التعليم وكلفة الحياة والعدالة الاجتماعية بمستقبل الجيل الجديد. وهكذا تبدو ألمانيا أقل كحالة «شبابية» وأكثر كمساحة يلتقي فيها اعتراض نقابي قديم على تقليص الحماية الاجتماعية مع قلق جيل جديد من تراجع فرص الاستقلال والسكن والعمل. (انظر)

وتكتسب ألمانيا أهمية خاصة في التحليل الجيوسياسي أيضاً، لأن أكبر اقتصاد أوروبي مطالب في الوقت نفسه بزيادة الإنفاق الدفاعي، ودعم أمن الجبهة الشرقية، وتحديث الصناعة والبنية التحتية، والحفاظ على شبكة اجتماعية مكلفة في مجتمع يتقدم في السن. أي أن الصراع ليس فقط حول حجم الإنفاق، بل حول ترتيب الأولويات في مرحلة تتزايد فيها المطالب على الموازنة من كل اتجاه.

اليونان: التعليم والسكن والقدرة الشرائية يعيدون الشارع إلى الواجهة

في اليونان تداخلت أزمة التعليم مع السكن والدخل بصورة مباشرة. ففي 20 و21 أكتوبر نصب طلاب جامعيون خياماً قرب ساحة سينتاغما في أثينا احتجاجاً على ارتفاع كلفة السكن، ثم خرج آلاف الطلاب والمدرسين في أثينا ومدن أخرى مطالبين بزيادة تمويل التعليم وتحسين الأبنية المدرسية ورفع أجور المعلمين وملء الشواغر. (انظر)

وقدرت الشرطة عدد المشاركين في أثينا بنحو عشرة آلاف في 21 أكتوبر، بينما شهدت البلاد إضرابات وتحركات موازية لمعلمي المدارس وبعض العاملين في القطاع العام والأطباء. وتكشف الحالة اليونانية مفارقة شديدة الدلالة: الاقتصاد خرج من أسوأ مراحل أزمة الديون وحقق مؤشرات نمو أفضل، لكن آثار سنوات التقشف والأجور الراكدة وارتفاع الإيجارات لا تزال محسوسة بقوة في حياة الأسر. (انظر)

ولهذا تبدو اليونان مثالاً واضحاً على أن التعافي المالي للدولة لا يساوي بالضرورة تعافياً اجتماعياً سريعاً. فالمواطن يقيس نجاح الاقتصاد بقدرته على دفع الإيجار وشراء الطعام وتأمين التعليم، لا فقط بنسبة الدين أو معدل النمو.

عطلة 24 و25 أكتوبر: تزامن أكبر من أن يُتجاهل

أضافت عطلة نهاية الأسبوع في 24 و25 أكتوبر بعداً جديداً إلى الصورة. فقد خرجت احتجاجات في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا خلال فترة زمنية متقاربة جداً، وإن اختلفت مطالبها. ففي فرنسا وإيطاليا كان الأمن حاضراً بقوة خشية تكرار العنف، وفي مدريد تصدرت المعاشات، وفي لشبونة السكن، وفي بروكسل التعليم والقدرة الشرائية، وفي تيرانا الفساد والتعليم والثقة بالحكومة. (انظر) (انظر) (انظر)

هذا التزامن لا يثبت وجود غرفة عمليات أوروبية واحدة، لكنه يكشف أن البيئة الاجتماعية أصبحت متشابهة بما يكفي لإنتاج موجات احتجاج متقاربة زمنياً. ومن هنا يصبح الحديث عن «عدوى احتجاجية» معقولاً إذا فهمناه بوصفه انتقالاً في الإلهام والتوقيت وأدوات التعبئة، لا انتقالاً لبرنامج سياسي موحد.

من الشارع إلى الإضراب العام: هل تدخل أوروبا مرحلة أكثر تنظيماً؟

التطور الأكثر دلالة في نهاية أكتوبر هو انتقال جزء من الغضب من مظاهرات متناثرة إلى أدوات ضغط أكثر تنظيماً تقودها النقابات. ففي فرنسا دعت النقابات إلى يوم إضراب وتحرك وطني في 5 نوفمبر/تشرين الثاني حول الأجور  والخدمات العامة والتوظيف، بعد أن اتسعت الحركة التي بدأت من المدارس والجامعات. وفي إسبانيا دعت أكبر نقابتين إلى إضراب عام في 11 نوفمبر على خلفية أزمة السكن والأجور، في تحرك يسبق الانتخابات المبكرة المقررة في 29 نوفمبر. (انظر) (انظر)

هذه النقلة مهمة لأنها تغيّر طبيعة الاختبار أمام الحكومات. فالمظاهرة تقيس حجم الغضب الرمزي والتلقائي، أما الإضراب فيقيس قدرة الحركة على التنظيم والحشد لتعطيل الاقتصاد والخدمات وبناء تحالفات بين الطلاب والعمال والموظفين. وإذا اتسعت هذه الصيغة خلال الشتاء، فقد يصبح السؤال أقل ارتباطاً بعدد المتظاهرين في يوم واحد، وأكثر ارتباطاً بقدرة الحركات على الاستمرار والتنظيم وفرض كلفة تفاوضية على الحكومات.

 على جانب أخر،وفي خطوة تنسيقية كبيرة، في 29 أكتوبر أفادت رويترز بأن نقابات عمال موانئ في أكثر من 100 ميناء و22 دولة دعت إلى تحرك منسق في 30 أكتوبر ضد استخدام الموانئ في شحن الأسلحة. كما استمرت التحضيرات لتحركات 31 أكتوبر في فرنسا وألمانيا، فيما تصاعد الاحتجاج السياسي في ألبانيا إلى داخل البرلمان في 29 أكتوبر.(انظر) (انظر) (انظر) (انظر)

صربيا: النموذج المختلف… من الاحتجاج إلى صندوق الاقتراع

تستحق صربيا أن تُلحق بهذه الصورة الأوروبية باعتبارها نموذجاً مختلفاً. فهي ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، لكنها تقدم حالة شديدة الدلالة على ما قد يحدث عندما ينجح حراك شبابي طويل في تحويل طاقة الشارع إلى نتيجة انتخابية. بدأت الموجة الإحتجاجية بعد انهيار مظلة محطة القطارات في نوفي ساد في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وهي كارثة أودت بحياة 16 شخصاً وأطلقت احتجاجات طلابية طالبت بالمساءلة والشفافية ومكافحة الفساد. وقد قمنا في المعهد المصري بإصدار ورقة حول تلك التطورات، وإلقاء الضوء على علاقة ما يحدث بشبكة النفوذ الإماراتي في البلقان. تلحق صربيا في هذا المضمار ببلد مجاور، المجر، التي استطاعت المعارضة فيه أن تسقط حكمًا دكتاتوريا شعبويًا لرئيس وزراء المجر القوي فيكتور أوربان، محدثة تغييرا يتجاوز حدود البلاد إلى باقي أوروبا.

وعلى مدى قرابة عامين، حافظت الحركة الطلابية على حضور واسع عبر المسيرات والإغلاقات والتنظيم المحلي، ثم دفعت باتجاه انتخابات مبكرة. وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026 جاءت النتيجة السياسية الأبرز في أعقاب هذه الموجة: فازت «قائمة الطلاب» المدعومة من الحركة الاحتجاجية بنحو 52.7% من الأصوات، مقابل نحو 39.2% لتحالف رجل صربيا القوي ألكسندر فوتشيتش، الرئيس الصربي المتهم بالفساد والمدعوم من إسرائيل والإمارات، وحصلت وفق النتائج الأولية على أغلبية مريحة في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. (انظر)

وهنا يجب الإشارة إلى أن الطلاب لم يتحولوا جميعاً إلى مرشحين مباشرين، بل اختارت المجالس الطلابية قائمة من أكاديميين ومهنيين وشخصيات عامة تمثل برنامج الحراك. ومع ذلك، فإن الفوز يُقرأ سياسياً بوصفه انتقالاً نادراً من احتجاج شبابي بلا قيادة مركزية واضحة، ولا حتى اتفاق حول أجندة أيديولوجية أو سياسية واحدة عدا مناهضة الفساد،  إلى قوة انتخابية قادرة على إسقاط معادلة حكم استمرت أكثر من عقد.  (انظر)

على أي الأحوال، تختلف صربيا عن بقية الحالات الواردة في هذه الورقة. ففي فرنسا أو إيطاليا لا يزال السؤال هو كيف ستتعامل الحكومات مع الشارع، أما في صربيا فقد انتقل السؤال إلى مرحلة ثانية: هل يستطيع الشارع حين يفوز أن يحكم؟ وهل يمكن لحركة تشكلت حول مكافحة الفساد والمساءلة أن تحافظ على وحدتها عندما تضطر إلى اتخاذ قرارات في الاقتصاد والسياسة الخارجية والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين؟ وكيف ستواجه شبكات الفساد المتجذرة في الدولة العميقة، والتي لم يقض عليها التخلص من رأسها؟ (هذه هي الأسئلة الكلاسيكية التي واجهتها مثلا ثورة يناير في مصر، ولم يكن مألها ناجحًا).

النموذج الصربي لا يعني أن النتيجة نفسها ستتكرر في أوروبا الغربية، لكنه يقدم تحذيراً مهماً للحكومات: الاحتجاجات التي تبدو في البداية مطلبية أو شبابية قد تتحول، إذا استمرت أسبابها وأحسن منظموها بناء الثقة، إلى إعادة تشكيل حقيقية للخريطة السياسية.

الحضور الشبابي: جيل يشعر بأن العقد الاجتماعي لم يعد يعمل كما كان

إحدى السمات الأوضح في التحركات الحالية هي الحضور القوي لفئة الشباب. ففي فرنسا وبلجيكا وألبانيا واليونان وإيطاليا وصربيا، يظهر جيل يرى أن الوصول إلى تعليم جيد ووظيفة مستقرة ومسكن ميسور أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه بالنسبة إلى الأجيال السابقة. وفي ألمانيا تقود مجموعات شبابية بالفعل التحضير  لموجة احتجاج جديدة.

وتدعم الأرقام هذا الشعور. ففي أغسطس/آب 2026 بلغت بطالة الشباب دون 25 عاماً في الاتحاد الأوروبي 15.4%، أي أكثر من ضعف معدل البطالة العام البالغ 6.1%. وفي 2025 عاش 26.9% من الشباب بين 15 و29 عاماً في مساكن مكتظة، بينما كانت كلفة السكن تشكل عبئاً يفوق 40% من الدخل لدى نسبة مرتفعة من الشباب في عدد من الدول، خصوصاً اليونان وألمانيا وهولندا والدنمارك. (انظر) (انظر)

لكن القضية ليست البطالة وحدها. فحتى الشاب الذي يعمل قد يجد أن دخله لا يكفي للاستقلال أو شراء أو تأجير منزل أو تأسيس أسرة. وهنا يتولد إحساس بأن «العقد الاجتماعي» الأوروبي، الذي قام لعقود على التعليم الجيد والحماية الاجتماعية وإمكانية الترقي الاقتصادي، لم يعد يضمن الوعود نفسها بالسهولة ذاتها.

ويضاف إلى ذلك عامل ديموغرافي وسياسي: المجتمعات الأوروبية تتقدم في السن، بينما تتركز أزمات السكن وبداية الحياة المهنية والديون التعليمية وعدم اليقين الوظيفي بصورة أكبر لدى الشباب. وهنا يظهر توتر محتمل بين جيل يشعر بأن النظام لا يحقق له ما حققه للأجيال السابقة، وبين أنظمة انتخابية تكون فيها الكتل الأكبر سناً أكثر انتظاماً وثقلاً في التصويت.

وبالفعل، انتشرت في بعض التجمعات منشورات “شبابية” تتحدث عن أن كبار السن يسيطرون على الثروة ويتمتعون بكافة المزايا الإجتماعية على حساب ما تقدمه الحكومات للشباب.هذا لا يعني صراعاً حتمياً بين الأجيال، لكنه يفسر لماذا تحمل قضايا السكن والتعليم والتقاعد شحنة سياسية متزايدة، فضلًا عن أن الدور الشبابي يضيف للاحتجاجات شحنة من القوة والاستدامة.

الجغرافيا السياسية في قلب الأزمة الاجتماعية: حين يصل الخارج إلى ميزانية الأسرة وشعورها بالأمن

لا يمكن تفسير الاحتجاجات الأوروبية باعتبارها نتاجاً مباشراً للحروب أو القوى الخارجية، كما لا توجد أدلة على قيادة خارجية موحدة لهذه التحركات كما يزعم البعض. لكن من الخطأ أيضاً فصل الداخل الأوروبي عن البيئة الجيوسياسية. فمنذ 2022 أصبحت الحرب والطاقة والدفاع والهجرة وسلاسل الإمداد والعلاقة مع الولايات المتحدة والصين والشرق الأوسط عوامل تدخل بصورة متزايدة في أسعار الغذاء والخدمات، وهوامش الموازنات، والوظائف، ومن ثَمَّ في الخطاب السياسي الذي يفسر الغضب. بالتالي فإن الخطوط الفاصلة بين “الخارج” و”الداخل” الأوروبي أصبحت أقل بروزًا، وأصبح تحليل المشهد الداخلي غير منفصل عن نظيره الخارجي.

1. أوكرانيا وروسيا: الحرب كضريبة اقتصادية ممتدة

الحرب الروسية على أوكرانيا لم تخلق وحدها أزمة ارتفاع كلفة المعيشة في أوروبا، لكنها زادت من سرعتها، وغيرت بنية الاقتصاد السياسي الأوروبي. فقد أدى الانفصال التدريجي عن الطاقة الروسية، والعقوبات على روسيا، وإعادة بناء مخزونات الطاقة، ودعم أوكرانيا، وزيادة الإنفاق الأمني، إلى نقل جزء من كلفة الأمن الأوروبي إلى الموازنات والأسواق. وتظهر تحليلات المفوضية الأوروبية أن الدول الأقرب جغرافياً إلى الحرب واجهت آثاراً أكبر على النمو والتضخم والطاقة والتمويل، وأن الدول الحدودية تحملت ضغوطاً إضافية مرتبطة بالنزوح والإنفاق العام.

وهنا تظهر المفارقة: ما تراه الحكومات إنفاقاً ضرورياً للأمن ومنع توسع الحرب، قد يراه المواطن في لحظة الغلاء منافساً للإنفاق على المدرسة أو المستشفى أو السكن. هذه ليست معادلة حسابية بسيطة؛ لأن الإنفاق الدفاعي يمكن أن يخلق وظائف واستثمارات أيضاً ـ لكنها تتحول سياسياً إلى سؤال شديد الحساسية: من يدفع ثمن إعادة تسليح أوروبا؟

يتطور الأمر في الأونة الأخيرة لما هو أبعد من ذلك، حيث بدأ مسئولون أوروبيون يتحدثون صراحة عن “الحرب القادمة” التي يجب الاستعداد لها بتخزين الغذاء والمؤن، وعن أن روسيا تعد لاختبار المنظومة الأمنية في أوروبا، وأن روسيا هي أكبر تهديد لأمن القارة الأوروبية، إلى أخر هذه التصريحات، ما يصيب المواطن الأوروبي بكل تأكيد بالقلق والتوتر  وعدم اليقين بما يخص حاله وحال أسرته في المستقبل، وهو ما اظهرته استطلاعات الرأي حول تقديرات المواطن الأوروبي لاحتمالات اندلاع الحرب، ثم عن مدى مسئولية الطبقة السياسية الحاكمة عن هذا الوضع غير المستقر.  (انظر)

2. واشنطن والناتو: من مظلة الأمن إلى ضغط ترتيب الأولويات

تتداخل الولايات المتحدة مع هذا النقاش عبر حلف شمال الأطلسي. ففي قمة لاهاي عام 2025 التزم الحلفاء بمسار يصل إلى الإلتزام بتخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي والأمني بحلول 2035، منها 3.5% للدفاع الأساسي وما يصل إلى 1.5% للبنية التحتية والمرونة والأمن الأوسع. ويعني ذلك أن الحكومات الأوروبية تدخل عقداً ستكون فيه مطالبة بتوسيع الدفاع بالتزامن مع شيخوخة السكان وارتفاع كلفة التقاعد والصحة والسكن والبنية التحتية. (انظر)

لكن من الضروري تجنب اختزال الأمر في فكرة أن واشنطن «تأخذ» الأموال من الخدمات الاجتماعية. قرارات الموازنات تبقى وطنية، والاتحاد الأوروبي أنشأ مرونة مالية تسمح لبعض الدول بزيادة الإنفاق الدفاعي خارج المسارات العادية لضبط العجز. المشكلة السياسية أعمق: المواطن يرى في النهاية موازنة واحدة ودولة واحدة، ولذلك يصبح ارتفاع الإنفاق الأمني جزءاً من النقاش حول ما إذا كانت الأولوية للدبابات والصواريخ التي تخدم الأهداف الأمريكية، أم للمدارس والمستشفيات والمعاشات. وفي استطلاع للبرلمان الأوروبي في ربيع  2026 ، جاءت كلفة المعيشة أولوية أولى للمواطنين بنسبة 47%، بينما جاء الدفاع والأمن أيضاً بين الأولويات البارزة بنسبة 34%، وهو ما يختصر الازدواجية الأوروبية الحالية: الخوف من الخارج والقلق من الداخل في الوقت نفسه.

3. الشرق الأوسط وإسرائيل وإيران: حين تتحول الحرب البعيدة إلى فاتورة طاقة أوروبية

في 2026 أضاف الصراع في الشرق الأوسط طبقة جديدة من الضغط. فالمفوضية الأوروبية ربطت موجة ارتفاع أسعار الطاقة خلال العام بالتوتر العسكري في المنطقة، وقدرت كلفة إجراءات الدعم التي أعلنتها دول الاتحاد لحماية الأسر والشركات حتى بداية مايو بنحو 14.5 مليار يورو، مع إمكانية ارتفاع الكلفة كثيراً إذا مُددت التدابير حتى نهاية العام. وتشير تقديرات مركز الأبحاث المشترك للمفوضية إلى أن أثر صدمة الطاقة يقع بصورة أشد على الأسر الأفقر، لأن الغذاء والنقل والطاقة تستحوذ على حصة أكبر من دخلها. (انظر) (انظر)

هذا الرابط مهم لفهم الاحتجاجات: حرب تقع خارج أوروبا يمكن أن تظهر بعد أسابيع في فاتورة الوقود والنقل والغذاء، ثم تتحول إلى مطالبة بالأجور أو الدعم. وبذلك تصبح الجغرافيا السياسية جزءاً من التجربة اليومية حتى حين لا يرفع المحتجون شعارات خارجية.

يتفاعل ذلك أيضا مع الصورة السلبية المتنامية عن إسرائيل في المجتمع الأوروبي، وذلك بزيادة القناعة بأن المواطن مضطر لدفع فاتورة حروب تشعلها إسرائيل في المنطقة، ولا تراعي المصالح الأوروبية من قريب أو بعيد. (انظر)

4. غزة وإسرائيل: السياسة الخارجية تتحول إلى انقسام داخلي

إلى جانب الأثر الاقتصادي، تحول ملف غزة وإسرائيل إلى عامل استقطاب سياسي وثقافي داخل مجتمعات أوروبية عدة. فالتظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، ومخاوف معاداة السامية، والجدل حول حدود حرية التعبير، وعلاقة الحكومات الأوروبية بإسرائيل، كلها أصبحت جزءاً من النقاش الداخلي. وفي فرنسا، زاد الأمر حساسية بعد التوتر الدبلوماسي بين باريس والحكومة الإسرائيلية حول القضية الفلسطينية. (انظر)

تصريح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي بأن «الحرب الأهلية بدأت» في فرنسا، وربطه الاضطرابات بما وصفه بـ«خيانة» فرنسا لإسرائيل، وأن بلجيكا وبريطانيا هما التاليتان، يكشف كيف تُقرأ الأزمة الأوروبية من الخارج وتُستثمر داخل سرديات دول أخرى. لكن هذا الاستخدام السياسي لا يثبت أن إسرائيل أو أي دولة أخرى تقف خلف الاحتجاجات؛ بل يوضح أن الاضطراب الأوروبي أصبح مادة في الصراع السردي الدولي، وأن كل طرف يحاول تفسيره بما يخدم أولوياته. ومع ذلك، فإن الانطباعات التي تصل للمواطن الأوروبي نتيجة مثل هذه التصريحات تكرس الصورة السلبية المتنامية لإسرائيل في المجتمع الأوروبي. (انظر)

5. الولايات المتحدة: الاضطراب الأوروبي يدخل السياسة الأميركية

الأمر نفسه ظهر في الولايات المتحدة. فقد استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مشاهد الاضطراب في فرنسا خلال حملته لانتخابات التجديد النصفي لتدعيم خطابه حول الهجرة والأمن، مقدماً ما يحدث في أوروبا كتحذير للناخب الأميركي، وهذا مثال واضح على انتقال الاحتجاج من كونه أزمة داخلية في بلد أوروبي إلى «صورة سياسية» قابلة للتصدير وإعادة الاستخدام في معارك انتخابية خارج القارة. إلا أنه على الجانب الأخر، ترفع مثل هذه التصريحات عند المواطن الأوروبي من مستوى القناعة بأن ارتباط أوروبا وسياساتها مع الولايات المتحدة يرتبط بشكل مباشر بحالة عدم الاستقرار التي يراها. (انظر)

وتتداخل واشنطن مع أوروبا كذلك عبر ملف أوكرانيا والطاقة. فالتباينات بين الإدارة الأميركية وكييف بشأن ضرب منشآت الطاقة الروسية، ومحاولات واشنطن التأثير في مسار الحرب والأسعار، تعني أن قرارات أميركية تتخذ لأسباب استراتيجية خارجية، أو انتخابية داخلية، يمكن أن تترك آثاراً مباشرة في أسواق الطاقة الأوروبية وحسابات الأمن في القارة.

6. الصين والمنافسة الصناعية: الخوف على الوظيفة خلف الخوف على الأسعار

هناك أيضاً طبقة أقل ظهوراً في الشارع لكنها مهمة في خلفية القلق الأوروبي: المنافسة الصناعية مع الصين. الاتحاد الأوروبي يواجه اتساعاً في العجز التجاري وضغطاً على قطاعات السيارات والكيماويات والصناعات التحويلية، فيما يناقش رسوماً وضوابط على المركبات الصينية وسياسات «صنع في أوروبا» لحماية سلاسل الإمداد والوظائف. وفي المقابل، يمكن لأي حرب تجارية أو قيود على المواد الخام أن ترفع كلفة الإنتاج وتضر بالمستهلك أيضاً. (انظر)

وهكذا يجد العامل الأوروبي نفسه بين مطلبين متناقضين جزئياً: يريد سلعة أرخص اليوم، لكنه يريد أيضاً حماية المصنع والوظيفة غداً. ومن هنا تصبح المنافسة مع الصين، مثل العلاقة مع الولايات المتحدة، جزءاً من سؤال أوسع عن قدرة أوروبا على الحفاظ على نموذجها الاجتماعي في عالم أكثر تنافساً وأقل استقراراً، وعن مسئولية الدول والمؤسسات الأوروبية في الوصول لهذا الوضع.

هل المهاجرين والمسلمين بالتحالف مع اليسار الراديكالي يقودون الإحتجاج؟

سرديات الهجرة لا تتصدر كل التحركات الحالية، وفي عدد كبير من الحالات تكون المطالب الأساسية مرتبطة بالسكن أو التعليم أو الأجور. لكن الأحزاب والحكومات تعيد إدخال ملف الهجرة سريعاً عند تفسير الضغوط على السكن والخدمات والأمن. وفي المقابل، فعلى جانب، تحذر قوى اليسار ومنظمات اجتماعية من تحميل المهاجرين مسؤولية أزمات أعمق تتعلق بقلة الاستثمار  وتراجع العرض السكني وضعف الأجور، بينما يقدمها اليمين كدليل على فشل سياسات الهجرة التي تتبناها حكومات الوسط أو يسار الوسط.

لهذا تصبح الهجرة أقل أهمية أحياناً كـ«سبب أولي» للمظاهرة، وأكثر أهمية لاحقًا كأداة في الصراع السياسي على معنى الأزمة. اليمين يقدمها باعتبارها دليلاً على فقدان السيطرة والضغط على الموارد التي يستنفذها المهاجرون، بينما يرى خصومه أن استخدامها يحول الانتباه عن اختلالات اقتصادية واجتماعية. ومع اقتراب الانتخابات في دول عدة، قد تكون هذه المعركة على تفسير الغضب أكثر تأثيراً من بعض المطالب الأصلية نفسها.

موضوع إلقاء مسئولية المهاجرين والمسلمين عن أعمال الشغب أخذ حيزًا كبيرًا من الجدل العام، وأثار قضايا ليست متعلقة بالأسباب والدوافع الأصلية وراء الحراك، حتى أنها تجاوزت أوروبا إلى الولايات المتحدة. من ذلك تصريحات ترامب التي أشرنا إليها سابقًا حول أحداث فرنسا.

من أعلى الأصوات اليمينية التي تبنت هذا الطرح منظّر المؤامرة الأمريكي اليميني المتطرف أليكس جونز، والناشط البريطاني اليميني المتطرف تومي روبينسون، حيث روّج كلاهما لادعاءات مضللة وكاذبة رُبط فيها بين احتجاجات الطلاب في فرنسا وبين المهاجرين المسلمين، وذلك بالتحالف بشكل غير معلن مع اليساريين المتطرفين. (انظر)

 مثلًا زعم جونز عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي أن فرنسا تعيش “حرباً أهلية ضد البيض خطط لها دعاة العولمة”، واستخدم عبارات تحريضية مثل “فرنسا سقطت”. وادعى كذباً وجود “جثث في كل مكان”، وزعم أنه شاهد عشرات مقاطع الفيديو لـ “سحل وقتل واغتصاب أشخاص بيض” واستهداف لرجال دين كاثوليك، وهي ادعاءات لا أساس لها من الصحة مطلقاً ولم تسجل السلطات الفرنسية أي حوادث من هذا القبيل. لدعم روايته المضللة، نشر جونز مقاطع فيديو مجمّعة تدمج أحداثاً قديمة وغير ذات صلة؛ مثل عرض لقطات لحافلة مدرسية محترقة في مدينة نيم الفرنسية تعود لعام 2022 ولا علاقة لها بالاحتجاجات الحالية. (انظر)

في إسبانيا كذلك، يحاول حزب Vox اليميني المتطرف والتيارات المتحالفة معه ربط أي أعمال عنف وشغب في الشوارع بسياسات “الحدود المفتوحة” والمهاجرين، خاصة القادمين من شمال إفريقيا والمغرب. ويستغل هذا التيار التوترات السابقة المتعلقة بأزمة تدفق المهاجرين في جيوب مثل سبتة ليقول إن الهجرة “تسرق الأمن والبلاد.

في إيطاليا تكررت نفس الإدعاءات، وكذلك في عدة دول أوروبية أخرى، لكن المثير للاهتمام منها ما صاحب الإنتخابات الأخيرة في صربيا؛ حيث كان أنصار فوتشيتش يتهمون منافسيهم بأنهم تابعون لأجندة يسارية فوضوية، مع دعم إسلامي، واستخدمت حملات فوتشيتش الإنتخابية مؤثرين غربيين للترويج لهذه الإدعاءات. من المفارقات أنه على الرغم من الإتهامات الموجهة باليسارية والشيوعية الفوضوية التي تتخذ الثورة منهجًا للتغيير، اتبعت حركة الاحتجاجات مسارًا تغييريًا عن طريق الاحتجاجات السلمية الدؤوبة، ثم الاحتكام لصناديق الاقتراع.

لذلك، فإن المؤيدين للحركة الفائزة في الانتخابات يقولون أن ما يجمع هؤلاء المؤثرين هو ارتباطهم بالصهيونية التي لا تريد لهذا التغيير أن يحدث في صربيا، خوفًا على نفوذها الذي على وشك الاندثار. يدعم ارتباط هذه الحملات بإسرائيل ما كشفه تقرير سيتيزين لاب عن استخدام برنامج التجسس الإسرائيلي الشهير “بيجاسوس” في التجسس على الحركة الطلابية في صربيا لاستكشاف تنظيماتهم وتحركاتهم. (انظر)

من الواضح أن هذه الدعاية والتخويف من الفوضى والإسلام لم تفلح في التأثير على خيارات الناخبين في صربيا. لكن من المثير للاهتمام أن هؤلاء “المؤثرين” استخدموا اللغة الإنجليزية في فيديوهاتهم، وليس اللغة الصربية التي يفهمها الناخبون، فإلى من كانت هذه الرسائل موجهة؟!

في إطار كشف زيف هذه الادعاءات، يقوم بعض الباحثين الجادين بالغوص في تفاصيلها. على سبيل المثال، الباحثة والكاتبة الصحفية اليمينية د.كارلين بوريسينكو Karlyn Borysenko، المتخصصة في تتبع اليسار المتطرف والشيوعية وتفكيك سردياتها، قامت باختراق عدد من التنظيمات اليسارية الفوضوية لكي تقوم بدراستها بعمق كاف. ترجع د. بورسينكو، في مقابلة أجرتها مؤخرًا، الكثير من الإحتجاجات، خاصة العنيفة منها، لاستغلال تيارات يسارية فوضوية متطرفة للأسباب الداعية للاحتجاج، مثل اعتراضات الطلاب على مستوى الخدمات التعليمية، عن طريق حشد الجموع الغاضبة بواسطة المدرسين “اليساريين”، أو النقابات العمالية التي يتحكم فيها اليسار، لتصعيد الاحتجاجات. وتقارن أساليب الحشد المستخدمة بما تقوم به المنظمات اليسارية الراديكالية في أمريكا، مثل أنتيفا Antifa، والتي درستها بدقة، في تعبئة الناس ضد الأجندة الرأسمالية.

 وبصرف النظر عن التوجه اليميني للباحثة، الذي قد يدفعها للمبالغة بعض الشئ فيما يقوم به اليسار، فإنها تنفي بشكل قاطع، من خلال دراستها، ومن خلال اختراقها لاجتماعات لمنظمي الإحتجاجات في الفترة الماضية، وجود أي علاقة بين هذه المنظمات وبين المهاجرين الأجانب أو المسلمين كما يروج أخرون من اليمينيين المتطرفين، حيث أن جميع من تحدثت معهم، ممن خططوا للاحتجاجات، ويخططون للتصعيد خلال الأسابيع المقبلة، ينتمون للتيارات اليسارية المعادية للرأسمالية، أو نقابات المدرسين ونقابات العمال ومن يدور في فلكههم، ويستخدمون نفس تكتيكات “أنتيفا” في أمريكا في الحشد والتظاهر.

 وبالتالي، على حد قولها، نحن أمام “ثورة شيوعية مكتملة الأركان”، تسعى للانتشار في شتى أنحاء العالم لقلب الحكومات، “لتخليص العالم من السيطرة الرأسمالية وتحريره من الظلم والقهر والاستعباد”، ولا يهم لهم العرق أو الدين، وإنما سيطرة النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة ودستورها الذي يكرس لهذا النظام. من خلال الاحتجاجات يروج هؤلاء بين المحتجين أن كل مشاكلهم مرتبطة بذلك النظام الرأسمالي، لذلك يجب أن يثوروا لإسقاطه.

بمتابعتنا لما تروج له الدوائر اليمينية المتطرفة، وكذلك الصهيونية، بإقحام المهاجرين أو المسلمين كقادة للاحتجاجات والتخريب في أوروبا، فإنهم في حقيقة الأمر يخدمون على أجنداتهم السياسية الخاصة، حتى خارج أوروبا في الولايات المتحدة وإسرائيل. هناك تخويف من المسلمين الذين يغزون أوروبا وأمريكا، هناك تحالف شيوعي إسلامي يسعى حتى لاختراق الكونجرس (مثلًا ضمن إطار الحملة ضد المرشح عبد الرحمن السيد في ميتشيجان)، أو يسعون حتى لاختراق الانتخابات الإسرائيلية ضمن القوائم العربية لتدمير النموذج الصهيوني، إلى أخر مثل هذه الإدعاءات. (انظر)

هل توجد أيادٍ خارجية؟ ضرورة الفصل بين التأثير والاستغلال والتنظيم

كل هذه التداخلات تفرض تمييزاً ضرورياً بين ثلاثة مستويات مختلفة. الأول هو «التأثير»: أي أن الحرب والطاقة والتجارة والإنفاق الدفاعي تغير الظروف الاقتصادية التي يعيشها الأوروبيون إلى الأسوأ. الثاني هو «الاستغلال السياسي»: حين تستخدم حكومات أو أحزاب خارج أوروبا الاحتجاجات لتدعيم سردياتها وأجنداتها السياسية، كما ظهر في الخطاب الإسرائيلي والأميركي كما أسلفنا. أما المستوى الثالث فهو «التنظيم أو التوجيه الخارجي» للاحتجاجات، مثل الحديث عن التوجيه الروسي من خلف الستار أو غير ذلك، وهو ادعاء يحتاج أدلة مستقلة ومباشرة لا توفرها الوقائع المتاحة حتى الآن. الخلط بين المستويات الثلاثة يحول التحليل الجيوسياسي إلى نظرية مؤامرة ويضعف السرديةبدلاً من تقويتها. هذا ما حدث بالفعل، حيث لم تنجح أي من هذه الإدعاءات، حتى الأن على الأقل، في تحقيق الغرض منها، وانكشفت على نطاق واسع الأجندة التأمرية للأطراف المحركة لها. (انظر) (انظر)

لماذا وصلت أوروبا إلى هذا الحال؟ هل نشهد ربيعًا أوروبيًا؟

لفهم الموجة الحالية لا يكفي النظر إلى كل مظاهرة على حدة. فالأزمة تكونت على طبقات متراكمة خلال سنوات، ثم التقت هذه الطبقات في لحظة واحدة.

 أول هذه الطبقات هو أثر التضخم. ففي الاتحاد الأوروبي ارتفع التضخم السنوي إلى 9.2% في 2022 ثم 6.4% في 2023، قبل أن يتراجع إلى 2.6% في 2024. لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى الوراء؛ بل يعني فقط أنها ترتفع بوتيرة أبطأ. ولذلك بقي المواطن يعيش عند مستوى معيشة أقل بكثير مما اعتاده قبل موجة الغلاء. (انظر)

ويظهر هذا بوضوح في بنية إنفاق الأسر. ففي يناير/كانون الثاني 2026 استحوذت ثلاثة بنود فقط -الغذاء والسكن والمياه والطاقة والنقل – على نحو 46% من إنفاق الأسر في الاتحاد الأوروبي . هذه هي النفقات التي يصعب تقليصها بسهولة، ولذلك فإن أي زيادة فيها تصيب مباشرة شعور الأسر بالأمان الاقتصادي. (انظر)

الطبقة الثانية هي مشكلة السكن. فقد ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنحو 53% بين 2010 و2024، وواصلت الارتفاع في 2026؛ ففي الربع الثاني من العام ارتفعت 4.7% على أساس سنوي، بينما ارتفعت الإيجارات 3%.  وفي دول مثل البرتغال وإسبانيا واليونان، أصبحت أزمة السكن جزءاً من أزمة جيل كامل، لا مجرد مشكلة عقارية؛ فالطالب والعامل الشاب قد يجد وظيفة، لكنه لا يجد سكناً مستقلاً بسعر يسمح له ببناء حياة مستقرة طويلة الأجل. (انظر)

الطبقة الثالثة هي الخدمات العامة؛ فالتعليم والصحة والنقل تواجه ضغوطاً متزايدة في عدة دول، سواء بسبب نقص العاملين أو ارتفاع التكاليف أو تقادم البنية التحتية أو سياسات ضبط الإنفاق. عندما يرى المواطن نقصاً في المدرسين أو ارتفاعاً في رسوم الجامعات أو تراجعاً في جودة الخدمات، بينما يسمع في الوقت نفسه نقاشات حول زيادة الإنفاق الدفاعي أو الالتزامات الخارجية، يصبح من السهل سياسياً تقديم المسألة بوصفها صراعاً على الأولويات.

الطبقة الرابعة هي ضيق هامش الحكومات في التصرف. فبعد جائحة كورونا وأزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا والإنفاق الكبير لحماية الأسر والشركات، دخلت دول كثيرة مرحلة تحاول فيها إعادة ضبط الموازنات وخفض العجز والتعامل مع الديون الضخمة. وهذا يعني أن الحكومات تواجه مطالب اجتماعية أكبر في اللحظة نفسها التي تحاول فيها أن تكون أكثر انضباطاً مالياً. والنتيجة أن قدرتها على «شراء الوقت» بالدعم أو زيادة الإنفاق أصبحت أضعف.

أما الطبقة الخامسة فهي أزمة الثقة مع الحكومات. فاستطلاعات 2026 تظهر أن كلفة المعيشة بقيت القلق الشخصي الأول لدى 52% من الأوروبيين والقلق الوطني الأول لدى 36%. وفي الوقت نفسه، تبدو الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة المواطن اليومية واسعة: الحكومة تقول إن التضخم انخفض، بينما المواطن يقول إن الأسعار لم تنخفض؛ تقول إن البطالة منخفضة، بينما الشاب يقول إن الوظائف المتاحة لا تمنحه استقلالاً؛ وتقول إن الاقتصاد ينمو، بينما المستأجر يقول إن معظم الزيادة في دخله تذهب إلى الإيجار. (انظر)

الطبقة السادسة تكمن في الفساد، الذي بدأ ينتشر  بشكل كبير في بعض الدول، مثل حالات ألبانيا وصربيا التي قمنا باستعراضها، سواءً على المستوى الحكومي أو على مستوى عالم الأعمال الذي تتزايد فيه ثروات الأغنياء على حساب الفقراء والطبقات المتوسطة، ما يجعل الجزء الأكبر من الشعب يعيش في حالة من المظلومية الإجتماعية، وغياب النموذج الصالح في النخب المحيطة به، فلا يجد إلا الاحتجاج الشعبي ليعبر عن ألامه وأماله. وفي بعض الحالات، تستغل بعض الفئات، مثل الحركات اليسارية الراديكالية الداعية للثورة، هذه الحالة للدعوة للثورة على الحكومات لإسقاطها، أو لتخرج بالاحتجاجات عن مسارها السلمي، لتمتد إلى ممارسات شديدة العنف في التخريب والنهب.

الطبقة السابعة تتمثل في المتغيرات الجيوسياسية الحادة، التي أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا لنمط الحياة الأوروبي، بتأثيراتها الكبيرة على كل ما يمس حياة المواطن، فضلًا عن زيادة خوفه مما ينتظره في المستقبل، بما في ذلك ما قد يصل إلى حرب عالمية، قد تكون نووية.

من الطبيعي أن تنشأ نتاج كل ذلك طبقة محصلة، تتمثل في تحول المطالب الإقتصادية والإجتماعية إلى مطالب سياسية تتعلق بالتغيير  والثورة وإسقاط الرموز الحاكمة، مع تصاعد هذه التحركات وازدياد حجمها واكتسابها زخمًا بمرور الوقت.

وأخيراً، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مضاعفاً. فهي لا تخلق كل أسباب الغضب، لكنها تجعل المقارنة فورية. يرى الطالب في بروكسل ما يفعله الطالب في باريس، ويرى الشاب في برلين صور الاعتصامات في لشبونة، وما أنجزته الاحتجاجات في صربيا، وتتحول الشعارات وأدوات التنظيم ومواعيد التظاهر إلى محتوى قابل للانتقال خلال ساعات، خاصة إن بدأت جماعات منظمة متمرسة في الدخول على الخط. لذلك أصبحت الاحتجاجات المحلية تعيش داخل فضاء أوروبي مشترك حتى عندما لا تكون بينها صلة تنظيمية مباشرة.

وإذا تأملنا في الطبقات والعوامل السابقة، نجد أنها لا تختلف كثيرًا عما تمر به شعوب “العالم الثالث”، وبالتالي بدأت حركات الإحتجاج تأخذ طابعًا شبيهًا بما شاهدناه مثلًا في زمن الثورات العربية، وبدأت المشاهد في أوروبا تذكرنا بما كنا نشاهده في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن في العام 2011، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل بدأت أوروبا تعيش حالة “الربيع الأوروبي”؟ وهل يمكن أن تتطور الأمور لما هو أبعد من ذلك بالدخول في نفق من الإحتراب الأهلي الداخلي إذا لم يمكن احتواء الحالة الاحتجاجية والتعامل معها بدرجة من الرشد، وليس مجرد القمع؟

 الأيام والأسابيع القادمة قد تجيب لنا عن هذا السؤال.

السمات المشتركة والسياق السياسي الأوروبي الأوسع

على الرغم من اختلاف العناوين المحلية، يمكن اختصار القاسم المشترك في أربع كلمات: الكلفة، والخدمات، والمستقبل، والثقة. ترتفع كلفة الحياة، تتعرض بعض الخدمات لضغط، يشعر الشباب بأن المستقبل أقل يقيناً، وتضعف الثقة بأن الأحزاب التقليدية والحكومات القائمة قادرة على المعالجة السريعة. وفي هذه البيئة يتحول حدث صغير أحياناً إلى شرارة أكبر لأنه يقع فوق طبقات من الغضب السابق.

وهذا الوضع يخلق حلقة متكررة في عدة دول: ارتفاع في الأسعار أو تراجع في خدمة عامة، يعقبه احتجاج، ثم اضطراب أو مواجهة، ثم تشديد أمني، وهو ما قد يفتح بدوره الباب أمام جولة جديدة من الغضب. كلما تراجعت قدرة الحكومات على تقديم تنازلات مالية واسعة، زاد اعتمادها على إدارة الاحتجاج أمنياً، وكلما غلب البعد الأمني على الصورة، زادت رواية المحتجين بأن الدولة لا تسمعهم.

لكن الأثر الأهم قد لا يظهر في الشارع وحده، بل في صناديق الاقتراع. فالغضب الاجتماعي قابل لأن تستثمره قوى سياسية مختلفة: اليمين القومي يربطه غالباً بالأمن والهجرة وفشل الدولة، واليسار يقدمه بوصفه نتيجة للتقشف وعدم المساواة وتآكل الخدمات، فيما تحاول الحكومات التي تنتمي للوسط التمييز بين المطالب المشروعة والعنف. في حالة صربيا، تشكلت الحالة الأوضح على إمكان انتقال حركة احتجاجية من الشارع إلى أغلبية انتخابية. لكن بقي السؤال عن مدى قدرة هذه الأغلبية الفائزة على تنظيم أنفسها، وتجاوز خلافاتها، ومواجهة شبكات الفساد في الدولة العميقة، وتقديم نموذج للحكم الرشيد القابل للاستدامة. إذا نجحت هذه التجربة، فقد يشجع ذلك حركات الاحتجاج في الدول الأخرى أن تسلك مسارًا مماثلًا. أما إذا لم تنجح، فلن يكون أمام المحتجين إلا مسار العنف والثورة.

هل تتشكل فعلاً موجة احتجاج عابرة للحدود؟

الجواب يحتاج إلى قدر من الحذر. ما يحدث ليس انتفاضة أوروبية موحدة، ولا توجد بنية تنظيمية مركزية أو برنامج سياسي مشترك. كما أن المحتج الفرنسي ليس هو نفسه المحتج الألباني، ومطالب الطالب البلجيكي تختلف عن مطالب المتقاعد الإسباني أو المستأجر البرتغالي أو الناشطة البولندية.

لكن في المقابل، من الخطأ أيضاً التعامل مع كل حالة باعتبارها معزولة تماماً. فالضغوط الاقتصادية متشابهة، ومشكلة السكن عابرة للحدود، والشباب يتشاركون شعوراً متقارباً بصعوبة الاستقلال وضبابية المستقبل، كما أن صور الاحتجاج تنتقل بسرعة وتؤثر في التوقيت واللغة والخيال السياسي. لذلك قد يكون الأدق الحديث عن «موجة احتجاج متزامنة ذات جذور مشتركة» لا عن حركة أوروبية موحدة.

وهذا الفارق مهم لأن خطر المرحلة لا يكمن في أن تتوحد كل الاحتجاجات تحت راية واحدة، بل في أن يصبح الاحتجاج المتكرر جزءاً دائماً من الحياة السياسية الأوروبية، بحيث تدخل الحكومات كل موسم جديد وهي تتوقع إضرابات واعتصامات ومواجهات حول ملف مختلف.

بين توصيف «الحرب الأهلية» وحقيقة الأزمة الاجتماعية

في خضم هذه الأحداث، أثار وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية في الحكومة الإسرائيلية عميحاي شيكلي جدلاً عندما كتب في 17 أكتوبر أن «الحرب الأهلية بدأت بالفعل» في فرنسا، ثم حذر بلجيكا وبريطانيا من أنهما قد تكونان التاليتين. أهمية التصريح لا تكمن في دقته الوصفية بقدر ما تكمن في السردية السياسية التي يمثلها: قراءة الاضطرابات الأوروبية بوصفها دليلاً على انهيار داخلي أوسع. (انظر)

لكن وصف ما يجري بأنه «حرب أهلية» يظل مبالغاً فيه إذا قيس بالمعنى السياسي والأمني للمصطلح. فالدول المعنية لا تشهد أطرافاً مسلحة تتنازع السيطرة على الأراضي، ولا انقساماً عسكرياً أو انهياراً للسلطة المركزية. ما يحدث أقرب إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة، بعضها عنيف، لكنها لا تزال داخل إطار دولة ومؤسسات وقانون وانتخابات.

ومع ذلك، فإن انتشار مثل هذا الوصف يكشف معركة أخرى تدور بالتوازي مع الشارع: معركة تفسير الأزمة. فمن ينجح في تعريف ما يحدث ـ أزمة عدالة اجتماعية، أم أزمة أمن، أم أزمة هجرة وهوية، أم أزمة فساد وتمثيل سياسي ـ يملك فرصة أكبر في تحويل الغضب إلى مكاسب انتخابية لاحقاً. (انظر)

الخلاصة

قد لا تكون أوروبا أمام «حرب أهلية» ولا أمام انتفاضة موحدة، لكنها تبدو أمام مرحلة من الغضب الاجتماعي المتزامن الذي قد يصبح أكثر تكراراً إذا بقيت أسبابه من دون معالجة. والخطر الحقيقي ليس انهيار “الدولة” في أوروبا بالمعنى التقليدي، بل أن يتحول الاحتجاج من حدث استثنائي إلى نمط سياسي دائم، وأن تصبح الثقة بالحكومات أكثر هشاشة من دورة انتخابية إلى أخرى.

وتضيف صربيا إلى هذه الخلاصة بعداً جديداً، ففي بعض الظروف يستطيع الإحتجاج، بعد صبر ومثابرة، أن ينتقل إلى صندوق الاقتراع ويعيد تشكيل السلطة نفسها. وهذا يجعل السؤال الأوروبي المقبل أوسع من «أي دولة ستكون التالية؟» السؤال هو: هل تستطيع الحكومات استعادة الثقة، وضبط كلفة السكن والمعيشة، وإعادة الاستثمار في التعليم والخدمات، وفتح أفق واقعي أمام الشباب قبل أن يتحول الغضب المتفرق إلى قوة انتخابية تعيد رسم المشهد السياسي في القارة؟

وإذا أضيف البعد الجيوسياسي، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع أوروبا تمويل الأمن الخارجي والدفاع والطاقة والتحول الصناعي، وفي الوقت نفسه حماية دولة الرفاه وإقناع الأجيال الأصغر بأن المستقبل لا يزال قابلاً للتحسن؟ هذه هي العقدة التي تربط موسكو وكييف وواشنطن والشرق الأوسط وبكين بشوارع باريس ومدريد وبولونيا وبرلين ودبلن. ليست القوى الخارجية هي التي تصنع كل احتجاج، لكنها تساعد في تشكيل البيئة الاقتصادية والسياسية التي تجعل الاحتجاج أكثر احتمالاً، ثم تعود لتستخدم صورته في صراعاتها وسردياتها الخاصة.

إلا أن الصورة الكلية في أوروبا تدعو للقلق الشديد؛ هواجس من حرب كبرى وشيكة قد تصبح حقيقة واقعة، عدم القدرة على تشكيل منظومة أمنية مستقلة تستطيع الدفاع عن نفسها بعد تراجع مستوى الحماية الأمريكية، أزمات اقتصادية طاحنة ومستويات كبيرة من الديون والعجز المالي، تراجع الثقة في قدرة الحكومات على التعامل مع الأزمات، مرارات اجتماعية كبرى تتحول إلى احتجاجات حول أزمات الإقتصاد وتراجع الخدمات وضبابية المستقبل والمشاكل المتعلقة بالهجرة، مع حالة من الاستقطاب المجتمعي تسمح بكل أنواع الإدعاءات الكاذبة للانتشار، وهو ما يفتت الجبهة الداخلية في ظل التهديدات التي تواجه أمنها واستقرارها، تدخلات من قوى يسارية متطرفة تشعل الاحتجاجات، أو دعاية يمينية أو صهيونية تستغل الأحداث لأجندات أخرى. هذه البيئة، في واقع الأمر، تنذر بمستقبل مظلم للقارة العجوز، من الصعب تصور مخرج قريب أمن منه، في ظل التغيرات والتطورات الحادة التي يشهدها العالم في الوقت الراهن. فإلى أين يتجه المسار الأوروبي؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


د. عمرو درّاج

سياسي وأكاديمي مصري، رئيس المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الرئيس محمد مرسي، 2013.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى