ترجمات

إيران بين الصمود والاستنزاف: قراءة في “العقل الاستراتيجي” للجمهورية الإسلامية

في خضم التصعيد العسكري المتسارع ضد إيران، يتكرر سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل تعقيدًا استراتيجيًا عميقًا: لماذا لا ينهار النظام الإيراني رغم سنوات من العقوبات، والضغوط الداخلية، والحروب المتتالية؟

الإجابة، كما تكشفها قراءة تحليلية حديثة للبروفيسور  ولي نصر،  أستاذ العلوم السياسية الشهير، والخبير في الشأن الإيراني، ضمن سلسلة ندوات مركز شارمين وبيجان موسافار-رحماني لعام ٢٠٢٦ في جامعة برينستون الأمريكية، لا تكمن في اللحظة الراهنة، بل في مسار طويل من التكوين التاريخي والسياسي، صاغ ما يمكن وصفه بـ“عقل الدولة الإيرانية”، الذي يتعامل مع الصراع الحالي بوصفه امتدادًا لمعركة أقدم بكثير من الجمهورية الإسلامية نفسها.

ففي الرواية التي تتبناها النخبة الحاكمة في طهران، لا يُنظر إلى المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها نزاعًا سياسيًا أو حتى عسكريًا محدودًا، بل باعتبارها صراعًا وجوديًا مرتبطًا بفكرة “الاستقلال”. هذا التصور يعود إلى قرون من التدخلات الخارجية في إيران، من الضغوط الإمبراطورية في القرن التاسع عشر، مرورًا باحتلال البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى انقلاب عام 1953 الذي أطاح بحكومة محمد مصدق.

هذه الأحداث، وفق هذا الفهم، رسّخت قناعة عميقة بأن إيران لم تكن دولة ذات سيادة كاملة، وأن الثورة الإسلامية عام 1979 لم تكن مجرد تحول أيديولوجي، بل محاولة لإعادة تأسيس الاستقلال الوطني. ومن هنا، يصبح الحفاظ على هذا الاستقلال أولوية تتقدم على كل شيء، حتى على الاستقرار الداخلي أو الرفاه الاقتصادي.

لكن هذا التصور وحده لا يفسر قدرة إيران على الصمود. فالتجربة التي يُنظر إليها داخل النظام باعتبارها اللحظة المؤسسة الحقيقية، هي الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. تلك الحرب، التي استمرت ثماني سنوات وخلفت مئات آلاف القتلى، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكلت مدرسة كاملة لإدارة الدولة تحت الضغط.

خلال تلك الفترة، وجدت إيران نفسها معزولة بالكامل، دون دعم دولي يُذكر، وهو ما دفعها إلى تطوير نموذج يعتمد على الاكتفاء الذاتي، سواء في الاقتصاد أو في القدرات العسكرية. هذا النموذج لم يكن خيارًا بقدر ما كان ضرورة، لكنه تحول مع الوقت إلى عقيدة ثابتة.

ومن هذه التجربة أيضًا، خرجت النخبة الحالية التي تدير الدولة. فعدد كبير من القادة العسكريين والسياسيين في إيران اليوم هم في الأصل نتاج تلك الحرب، وتكوّنت خبرتهم في ظروف قاسية جعلتهم يميلون إلى استراتيجيات تقوم على الصبر والاستنزاف بدلًا من الحسم السريع.

هذا ما يفسر التحول في العقيدة العسكرية الإيرانية، التي لا تسعى إلى مواجهة تقليدية مع قوى كبرى، بل تعتمد على ما يمكن وصفه بـ“الحرب غير المتكافئة”. ففي ظل إدراكها لتفوق خصومها عسكريًا، طورت إيران أدوات مختلفة، تقوم على استخدام الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والصواريخ، وتكتيكات الإغراق العددي، بهدف إرهاق الخصم بدلًا من هزيمته مباشرة.

كما نقلت طهران جزءًا كبيرًا من معركتها خارج حدودها، من خلال شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدة دول في المنطقة، وهو ما أتاح لها، لسنوات، خلق خطوط دفاع متقدمة، وإبعاد المواجهة المباشرة عن أراضيها.

لكن البعد الأكثر حساسية في هذه الاستراتيجية يتمثل في إدراك إيران لطبيعة الاقتصاد العالمي، خصوصًا في ما يتعلق بالطاقة. فبدلًا من الاكتفاء بالدفاع العسكري، ترى طهران أن بإمكانها التأثير على استقرار الأسواق العالمية، عبر أدوات مثل تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، ما يمنحها قدرة على توسيع نطاق التصعيد خارج الإطار العسكري المباشر.

في المقابل، تشير التحليلات إلى أن الحرب الحالية لم تترك النظام الإيراني دون تغيير. فداخل بنية السلطة، يبدو أن هناك تحولًا متسارعًا نحو تعزيز دور المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، على حساب الطابع الديني التقليدي للنظام، بمعنى أن النظام قد تغير بالفعل، ولكن إلى صورة أكثر تشددًا في سياساتها، داخليًا وخارجيًا.

ورغم صورة التماسك التي يظهر بها النظام، لا يمكن تجاهل التوترات الداخلية. فقد شهدت البلاد في السنوات الأخيرة موجات احتجاج واسعة، تعكس حالة من الاستياء الشعبي، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وبينما ترى القيادة أن الحفاظ على الاستقلال يبرر التضحيات، يبدو أن قطاعًا من المجتمع لم يعد يتبنى هذه الرؤية بنفس الحماسة.

وهنا، يبرز التحدي الأكبر أمام طهران: كيف يمكنها الاستمرار في نهج المواجهة الخارجية، دون أن يؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة مع الداخل؟

في النهاية، توحي القراءة التحليلية بأن إيران لا تتحرك بردود فعل آنية، بل وفق منطق استراتيجي متماسك، حتى وإن كان هذا المنطق لا يتوافق مع التصورات الغربية التقليدية؛ فالصراع، من وجهة نظرها، لا يدور حول اتفاق نووي أو توازن قوى إقليمي فحسب، بل حول مسألة أعمق تتعلق بمكانة الدولة وهويتها.

وبينما تستمر المواجهة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيبقى هذا النموذج قادرًا على الصمود في وجه الضغوط المتزايدة، أم أن التحديات الداخلية ستفرض في النهاية مسارًا مختلفًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى