استثمار إماراتي في بنك مرتبط بعائلة ترامب يفتح ملف تضارب المصالح والنفوذ السياسي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تتوسع العلاقة المالية بين شركة العملات المشفرة المرتبطة بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستثمرين إماراتيين نافذين، مع الكشف عن امتلاك كيان مدعوم من مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان حصة كبيرة في الشركة القابضة التي أنشأتها «World Liberty Financial» لإطلاق بنك أميركي جديد متخصص في الأصول الرقمية.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن طحنون وشركاءه يقفون خلف كيان يمتلك حصة تبلغ 49% من الشركة القابضة للبنك الجديد، بعدما كان قد دعم في 2025 استثماراً بقيمة 500 مليون دولار في «World Liberty Financial» مقابل حصة مماثلة في الشركة.
ولا تكمن أهمية الاستثمار في حجمه فقط، بل في تزامنه مع وجود ترامب في البيت الأبيض، وفي وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية-الإماراتية مفاوضات واسعة بشأن التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهو ما أعاد طرح أسئلة في واشنطن حول الحدود الفاصلة بين الأعمال الخاصة للرئيس والسياسة الخارجية الأميركية.
من العملات المشفرة إلى بنك أميركي
كانت «World Liberty Financial» قد دخلت سوق العملات المستقرة من خلال إطلاق عملة «USD1» المرتبطة بالدولار، والتي وصلت قيمتها السوقية إلى نحو 4 مليارات دولار.
وبعد حصول الشركة على موافقة أولية مشروطة من مكتب مراقب العملة الأميركي، باتت تسعى إلى تأسيس بنك ائتماني وطني يخضع للترخيص الفيدرالي، تكون مهمته إصدار عملة «USD1» واستردادها وحفظ احتياطياتها، إضافة إلى تقديم خدمات أخرى مرتبطة بحفظ الأصول المشفرة للعملاء.
وتوفر هذه الخطوة للشركة ميزة اقتصادية مهمة، إذ تسمح لها بإدارة احتياطيات العملة بصورة مباشرة بدلاً من الاعتماد على مؤسسات مالية وسيطة.
وبحسب الصحيفة، فإن الاحتياطيات المرتبطة بـ«USD1» تستثمر في سندات الخزانة الأميركية وأصول نقدية مشابهة، وتولد عوائد سنوية تقدر بنحو 150 مليون دولار، ما يجعل زيادة حجم العملة المتداولة مصدراً مباشراً لزيادة الإيرادات.
حضور إماراتي داخل هيكل الملكية
يكشف هيكل الملكية عن مستوى متقدم من التشابك المالي.
فالكيان المدعوم من طحنون وشركائه يمتلك 49% من الشركة القابضة للبنك، بينما تمتلك جهة مرتبطة بعائلة ترامب نحو 38% منها.
وتقول الصحيفة إن الهيكل الاستثماري للبنك يعكس إلى حد كبير هيكل ملكية «World Liberty Financial»، وإن المستثمرين المرتبطين بطحنون استخدموا شركة تدعى «StringZ Holding RSC» لامتلاك حصتهم في الكيان المصرفي الجديد.
ويمنح ذلك الاستثمار بعداً سياسياً إضافياً، لأن طحنون ليس مجرد رجل أعمال، بل يشغل منصب مستشار الأمن الوطني في الإمارات وهو شقيق رئيس الدولة، كما يشرف على شبكة استثمارية ضخمة تشمل أموالاً خاصة وأصولاً مرتبطة بالدولة.
صفقة سبقت عودة ترامب إلى البيت الأبيض
الجدل الحالي يعود أيضاً إلى توقيت العلاقة المالية بين الطرفين.
فقد كشفت الصحيفة سابقاً أن طحنون وشركاءه استثمروا 500 مليون دولار في «World Liberty Financial» في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أربعة أيام فقط من تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة.
ووفق الإفصاحات المالية التي نقلتها الصحيفة، أدى الاستثمار إلى وصول نحو 263 مليون دولار إلى كيانات مرتبطة بعائلة ترامب.
وهنا يبرز جوهر القضية: الاستثمار تم في شركة مرتبطة بعائلة رئيس أميركي أثناء انتقاله إلى السلطة، ثم تطورت العلاقة لاحقاً إلى مشروع مصرفي يحتاج إلى موافقات من جهات تنظيمية تعمل تحت الإدارة الفيدرالية نفسها.
وهذا لا يثبت بحد ذاته وجود مخالفة أو تأثير سياسي مباشر، لكنه يخلق بيئة تضارب مصالح يصعب فصلها عن النقاش السياسي داخل واشنطن.
رقائق الذكاء الاصطناعي في خلفية المشهد
يزداد الملف حساسية بسبب تزامنه مع مفاوضات أميركية-إماراتية حول تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة.
ففي 2025 أعلنت إدارة ترامب اتفاقاً يسمح للإمارات بالحصول على كميات كبيرة من الرقائق الأميركية، مع تخصيص جزء منها لشركة «G42» المدعومة من أبوظبي والتي يسيطر عليها طحنون.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه لاحقاً تحفظات داخل الإدارة الأميركية بسبب مخاوف من احتمال انتقال بعض التقنيات إلى شركات صينية تتعامل مع الإمارات.
ومع ذلك، وافقت الإدارة لاحقاً على بيع الرقائق مباشرة إلى «G42»، ثم رفعت في يوليو/تموز 2026 بعض القيود المفروضة على حجم مشترياتها.
هذا التزامن بين المصالح التجارية الخاصة والمفاوضات الحكومية هو الذي يجعل الاستثمار الإماراتي أكثر حساسية سياسياً من استثمار مالي عادي.
فالطرف المستثمر هو مسؤول أمني رفيع في دولة أجنبية، والطرف الآخر شركة مرتبطة بعائلة رئيس أميركي، بينما تتفاوض حكومتا البلدين على ملفات استراتيجية تتعلق بالتكنولوجيا والأمن القومي.
واشنطن تحاول وضع حواجز تنظيمية
في محاولة لتقليل مخاطر التأثير المباشر، طلب مكتب مراقب العملة الأميركي من ثلاثة مساهمين رئيسيين توقيع تعهدات باعتبارهم مساهمين «غير نشطين»، أي أنهم لن يسعوا إلى التأثير على إدارة البنك أو السيطرة على قراراته.
وكان من بين هؤلاء كيان مرتبط بعائلة ترامب وكيان «StringZ Holding» المرتبط بطحنون.
وتشير الصحيفة إلى أن مثل هذه التعهدات ليست شائعة في إجراءات الترخيص المصرفي، وأنها المرة الثانية فقط منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض التي يطلب فيها المكتب التزامات مشابهة.
ومع ذلك، فإن البنك لم يحصل بعد على الترخيص النهائي، إذ لا تزال هناك شروط تنظيمية واختبارات يتعين على الشركة اجتيازها قبل أن تبدأ عملياتها بصورة فعلية.
اعتراضات ديمقراطية ومخاوف أمن قومي
أثارت هذه العلاقة انتقادات قوية من أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس.
فقد ضغطت السيناتورة إليزابيث وارن على مكتب مراقب العملة بشأن دور طحنون في البنك، معتبرة أن أي ارتباط مالي بين مسؤول حكومي أجنبي وشركة تسعى للحصول على ترخيص مصرفي وهي مملوكة جزئياً للرئيس، يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
كما تحدث عشرات النواب الديمقراطيين عن مخاوف تتصل بالملكية الأجنبية ونزاهة عملية منح التراخيص المصرفية وإمكانية تعرض القرارات التنظيمية لضغوط سياسية أو جيوسياسية.
في المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن ترامب يتصرف حصراً بما يخدم المصلحة العامة الأميركية وينفي وجود تضارب في المصالح، بينما تقول الشركة إن موظفين مهنيين داخل مكتب مراقب العملة قاموا بمراجعة طلبها وفق القوانين والسياسات المعمول بها.
شبكة مصالح تتجاوز البنك
ولا يتوقف تعقيد الملف عند الاستثمار الإماراتي.
فقد كشفت وثائق طلب الترخيص المصرفي أيضاً عن اتفاق بين «World Liberty Financial» ومنصة «Binance» لتقديم خدمات تسويق ودعم لعملة «USD1».
ويكتسب الأمر حساسية إضافية لأن ترامب كان قد أصدر عفواً عن مؤسس «Binance» تشانغبينغ تشاو، بعد إقراره سابقاً بانتهاكات تتعلق بقواعد مكافحة غسل الأموال.
لكن محامي تشاو والشركة المرتبطة بعائلة ترامب نفوا وجود أي علاقة بين العفو وبين المصالح التجارية المشتركة.
أكثر من استثمار مالي
القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بإطلاق بنك جديد للعملات المشفرة، بل بتشكل شبكة مصالح جديدة تجمع المال الرقمي والسياسة والعلاقات الدولية في مساحة واحدة.
فالولايات المتحدة تتحرك باتجاه دمج العملات المستقرة في النظام المالي الرسمي، وشركة مرتبطة بعائلة الرئيس تحاول أن تكون لاعباً أساسياً في هذا السوق، بينما يأتي جزء كبير من رأس المال من مسؤول نافذ في دولة ترتبط بواشنطن بمفاوضات استراتيجية حول الذكاء الاصطناعي والاستثمار والأمن.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كان الاستثمار الإماراتي قانونياً فقط، بل ما إذا كانت المؤسسات الأميركية قادرة على بناء جدار مؤسسي واضح بين القرارات التي تتخذها الإدارة لمصلحة الدولة، والمصالح التجارية المباشرة لعائلة الرئيس.
ولا توجد في المعلومات المنشورة حتى الآن أدلة تثبت أن صفقة الرقائق أو أي قرار حكومي أميركي اتخذ مقابل الاستثمار الإماراتي. لكن تداخل الأطراف والتوقيت وحجم المصالح المتبادلة يجعل القضية مرشحة للبقاء تحت رقابة الكونغرس والمؤسسات الرقابية.
وكلما اتسعت أعمال «World Liberty Financial» وتحولت من شركة عملات مشفرة إلى مؤسسة مصرفية خاضعة لتنظيم اتحادي، ستزداد صعوبة الفصل بين قصة نجاح مالي في قطاع صاعد وبين سؤال سياسي أوسع: إلى أي مدى يمكن لرئيس أميركي أن يحتفظ بعلاقات تجارية دولية واسعة خلال وجوده في السلطة من دون أن تتحول تلك العلاقات إلى قضية ثقة في السياسة الأميركية نفسها؟
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




