واشنطن تعيد تحريك مفاوضات أوكرانيا.. ويتكوف وكوشنر ينقلان مقترحات من موسكو إلى كييف

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
عادت التحركات الدبلوماسية الأميركية بشأن الحرب في أوكرانيا إلى الواجهة، بعد جولة أجراها مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بين موسكو وكييف في محاولة لإعادة تشغيل مسار المفاوضات المتعثر بين روسيا وأوكرانيا.
ووصل ويتكوف وكوشنر إلى كييف بعد أيام من اجتماعهما بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، في زيارة هدفت إلى نقل ما طرحته القيادة الروسية ومناقشة إمكانات التقدم نحو مفاوضات مباشرة تضم الأطراف الثلاثة.
وعقد المبعوثان الأميركيان ثلاث جولات من المحادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في السادس من سبتمبر/أيلول، وانضم إلى الجولة الأخيرة مستشارون للأمن القومي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، في مؤشر إلى أن واشنطن تريد إبقاء الحلفاء الأوروبيين ضمن الترتيبات السياسية والأمنية المرتبطة بأي اتفاق محتمل.
وجاءت زيارة كييف بعد اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات مع بوتين في الكرملين. ووصف المستشار الرئاسي الروسي يوري أوشاكوف المحادثات بأنها بناءة ومفيدة، فيما قال ويتكوف إن الجانب الروسي طرح أفكاراً جديدة جرى نقلها إلى القيادة الأوكرانية.
ولم تكشف واشنطن أو موسكو تفاصيل المقترحات، لكن المحادثات تناولت القضايا الرئيسية التي تعيق التوصل إلى تسوية، وفي مقدمتها الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، والضمانات الأمنية التي تطالب بها أوكرانيا، ومستقبل العلاقة بين موسكو والغرب بعد انتهاء الحرب.
كما ناقش الوفد الأميركي في موسكو ملفات اقتصادية ومشروعات محتملة بين روسيا والولايات المتحدة، وهو ما يوسع نطاق التفاوض من وقف القتال إلى شكل العلاقات الروسية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب.
ويعكس إدخال الجانب الاقتصادي في المحادثات توجهاً لدى إدارة ترامب لاستخدام رفع القيود الاقتصادية أو استعادة بعض مجالات التعاون مع موسكو ضمن حزمة الحوافز التي يمكن أن ترافق أي اتفاق سياسي.
محاولة لإعادة المفاوضات المباشرة
تركز الجهود الأميركية الحالية على استئناف المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، بعد أشهر من التواصل المنفصل بين واشنطن والطرفين.
وقال كوشنر إن نقل المقترحات بين موسكو وكييف عبر الوسطاء لم يعد كافياً، وإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جلوس الأطراف بصورة مباشرة لمناقشة القضايا العالقة.
وتبحث الأطراف عدة مواقع محتملة لاستضافة جولة جديدة، بينها تركيا والإمارات وسويسرا، من دون التوصل حتى الآن إلى قرار نهائي بشأن مكان الاجتماع أو موعده.
وتحظى تركيا بفرصة بارزة لاستضافة المفاوضات بحكم دورها السابق في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، واستضافتها جولات تفاوضية منذ المراحل الأولى للحرب.
وبعد لقاء المبعوثين الأميركيين، قال زيلينسكي إن الوفد نقل مقترحات وصفها بالجيدة، وإن كييف مستعدة لمواصلة العمل عليها، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى تفاهم بشأن النقاط الأكثر حساسية.
الأراضي تبقى العقدة الرئيسية
تظل قضية الأراضي في صدارة الخلاف بين موسكو وكييف.
فروسيا تتمسك بالسيطرة على المناطق التي ضمتها، وتطالب بترتيبات إقليمية تتجاوز في بعض الحالات خطوط السيطرة العسكرية الحالية، في حين ترفض أوكرانيا الاعتراف قانونياً بخسارة الأراضي التي سيطرت عليها القوات الروسية.
وتبقى منطقة دونباس في قلب هذا الخلاف، إذ تطالب موسكو بالسيطرة على كامل الإقليم، بما يشمل مناطق لا تزال تحت سيطرة الجيش الأوكراني.
ويرفض الجانب الأوكراني الانسحاب من أراضٍ لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها عسكرياً، ويرى أن أي تسوية إقليمية بهذا الحجم تتطلب مفاوضات على مستوى القادة وليس الوفود الفنية.
وهذه الخلافات تجعل الاتفاق على وقف القتال أكثر سهولة من الاتفاق على تسوية سياسية نهائية، إذ يمكن تجميد خطوط الجبهة بقرار سياسي، بينما يحتاج تحديد الوضع القانوني للأراضي إلى تفاهم أوسع لا يزال بعيداً.
الأمن الأوكراني بعد الحرب
إلى جانب الأراضي، تركز كييف على الضمانات الأمنية التي ستدخل حيز التنفيذ بعد أي اتفاق.
وتتمسك القيادة الأوكرانية بالحفاظ على جيش كبير ومسلح وقادر على الردع، مع استمرار حصوله على الدعم الغربي، باعتبار ذلك الضمانة الرئيسية لمنع اندلاع حرب جديدة.
وتنظر موسكو في المقابل إلى حجم الجيش الأوكراني وتسليحه وعلاقاته الأمنية مع الغرب باعتبارها جزءاً أساسياً من التسوية التي تريد التوصل إليها.
وهذا الخلاف يجعل مستقبل المؤسسة العسكرية الأوكرانية قضية تفاوضية بحد ذاتها، وليس مجرد ملف يُبحث بعد انتهاء الحرب.
وناقشت الاجتماعات في كييف أيضاً المساعدات العسكرية الأميركية خلال الشتاء، خصوصاً الدفاعات الجوية وحماية منشآت الكهرباء والطاقة من الهجمات الروسية.
وطلب الجانب الأوكراني زيادة إمدادات صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، في ظل توقع استمرار روسيا في استهداف شبكات الطاقة مع اقتراب أشهر الشتاء.
ويكشف الجمع بين مفاوضات السلام والاستعداد العسكري للشتاء أن جميع الأطراف تتحرك على أساس احتمال استمرار الحرب بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
الدبلوماسية تتحرك والعمليات العسكرية مستمرة
لم تؤد الجولة الأميركية إلى وقف العمليات العسكرية.
وعلى الرغم من انخفاض وتيرة الضربات على كييف خلال زيارة المبعوثين، استؤنفت الهجمات بعد مغادرتهما، بينما استمرت العمليات الروسية والأوكرانية على خطوط الجبهة.
وبذلك تجري المفاوضات في الوقت الذي يحاول فيه الطرفان الحفاظ على مواقعهما العسكرية وتحسينها قبل أي تسوية.
وتتمسك موسكو بمكاسبها الميدانية وتعتبرها أساساً لموقعها التفاوضي، في حين تحاول كييف منع المزيد من التقدم الروسي والحفاظ على قدراتها العسكرية بما يمنع فرض اتفاق عليها من موقع ضعف.
وتشهد الجبهات منذ أشهر حرب استنزاف طويلة تعتمد بدرجة متزايدة على الطائرات المسيّرة والمدفعية والهجمات بعيدة المدى، من دون قدرة أي من الطرفين على تحقيق تحول عسكري سريع يحسم الحرب.
وهذا الجمود الميداني أصبح أحد العوامل التي تعيد فتح المجال أمام الدبلوماسية، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من القتال.
واشنطن تعود إلى الملف الأوكراني
تأتي جولة ويتكوف وكوشنر بعد فترة تراجع خلالها النشاط الأميركي في الملف الأوكراني مع انشغال إدارة ترامب بتطورات الشرق الأوسط والحرب مع إيران.
وتحاول الإدارة الآن إعادة بناء مسار سياسي قبل دخول الحرب مرحلة شتوية جديدة، مع الاستفادة من حالة الجمود العسكري وتزايد التكاليف الاقتصادية والبشرية على الطرفين.
وتريد واشنطن الوصول إلى صيغة تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت، وتجمع بين تسوية ميدانية وترتيبات أمنية وحوافز اقتصادية وإعادة إعمار أوكرانيا ومستقبل العقوبات المفروضة على روسيا.
ويفسر ذلك دخول كوشنر إلى جانب ويتكوف في المفاوضات، إذ تتعامل الإدارة مع الملف باعتباره صفقة سياسية واقتصادية واسعة، وليس مفاوضات عسكرية بحتة.
أوروبا تريد موقعاً في التسوية
حضور مسؤولين بريطانيين وفرنسيين وألمان جانباً من محادثات كييف يعكس حرص الدول الأوروبية على ألا تتحول المفاوضات إلى مسار ثنائي بين واشنطن وموسكو يحدد مستقبل الأمن الأوروبي من دون مشاركة القارة.
وتتحمل الدول الأوروبية جانباً كبيراً من الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، كما أن أي اتفاق سيؤثر مباشرة على حدودها الشرقية وترتيباتها الدفاعية وعلاقتها المستقبلية مع روسيا.
ولهذا تركز العواصم الأوروبية على الضمانات الأمنية لكييف وعلى منع التوصل إلى تسوية تسمح لروسيا باستئناف العمليات العسكرية بعد فترة من إعادة بناء قواتها.
كما يرتبط الموقف الأوروبي بمستقبل العقوبات الروسية والأصول المجمدة وإعادة إعمار أوكرانيا، وهي ملفات ستحتاج إلى قرارات أوروبية مباشرة حتى في حال توصلت واشنطن وموسكو إلى تفاهم سياسي.
موسكو تربط أوكرانيا بعلاقاتها مع واشنطن
برز خلال لقاء ويتكوف وكوشنر مع بوتين جانب آخر يتمثل في بحث مستقبل العلاقات الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة.
ويشير ذلك إلى أن موسكو تريد وضع الحرب الأوكرانية داخل إطار أوسع يشمل العقوبات والتجارة والاستثمارات والعلاقة السياسية مع واشنطن.
وتستطيع إدارة ترامب استخدام هذه الملفات كأدوات تفاوضية، خصوصاً مع استمرار القيود الغربية على قطاعات واسعة من الاقتصاد الروسي.
وفي المقابل، تريد موسكو ضمان ألا يؤدي وقف الحرب إلى استمرار عزلها الاقتصادي والسياسي بالشكل نفسه.
وهكذا تتداخل أربعة ملفات في عملية تفاوض واحدة: الأراضي الأوكرانية، الضمانات الأمنية، العقوبات الاقتصادية، ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب.
الطريق إلى الاتفاق لا يزال مفتوحاً وطويلاً
أعادت جولة المبعوثين الأميركيين الاتصالات السياسية إلى مستوى أعلى بعد أشهر من الجمود، ووافقت موسكو وكييف على استمرار البحث في المقترحات الأميركية وعقد جولات جديدة.
لكن المواقف الأساسية لم تتغير حتى الآن بما يكفي لإنتاج اتفاق.
تتمسك روسيا بمطالب إقليمية وأمنية ترفضها كييف، بينما تصر أوكرانيا على ضمانات عسكرية لا تريد موسكو أن تتحول إلى صيغة بديلة لعضوية حلف الناتو.
وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى إدخال العناصر الاقتصادية في التسوية، في حين تعمل أوروبا على ضمان موقع لها في أي ترتيبات أمنية مقبلة.
ومن المنتظر أن تستمر الاتصالات خلال سبتمبر/أيلول، مع توقع لقاء بين ترامب وزيلينسكي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب مساعٍ لعقد جولة تفاوضية ثلاثية جديدة.
وستتركز المرحلة المقبلة على تحويل المقترحات التي حملها ويتكوف وكوشنر بين موسكو وكييف إلى نصوص قابلة للتفاوض، خصوصاً بشأن الأراضي والضمانات الأمنية.
وتشير الجولة الحالية إلى عودة الجهد الدبلوماسي الأميركي بقوة إلى ملف أوكرانيا، لكنها تضع في الوقت نفسه حدود هذا التحرك بوضوح: فالمفاوضات تقدمت من حيث الاتصالات، بينما لا تزال التسوية نفسها معلقة على القضايا التي عطلتها منذ البداية، وفي مقدمتها حدود أوكرانيا بعد الحرب، وشكل منظومتها الأمنية، والثمن الذي ستحصل عليه موسكو مقابل إنهاء القتال.
بالتوازي مع هذه الجهود الدبلوماسية، يظل السؤال الأهم مطروحَا عن مستقبل العمليات العسكرية الروسية، ليس في أوكرانيا فقط، ولكن مع أطراف أوروبية أخرى، في إطار الصراع والتصعيد العسكري المحتمل، الذي يراه بعض المحللين حتميَا، بل وقريبَا. إلا أن هذا الأمر يحتاج تحليلَا منفصلَا ومعمقَا، نعمل عليه في المعهد المصري الوقت الراهن.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




