تقديرات

انفجارات العيس وأخواتها توسّع دائرة التحقيق: من الخلل الفني إلى فرضية الاستهداف الخارجي


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


خلال أقل من شهر، شهدت مناطق سورية سلسلة من الانفجارات المرتبطة بمستودعات الأسلحة والذخائر أو بعمليات نقل وتجميع مخلفات الحرب، من بنش وسرمدا في إدلب، إلى الضمير في ريف دمشق، وعياش في دير الزور، وصولاً إلى العيس جنوب حلب. ورغم اختلاف طبيعة كل حادث، فإن تقاربها زمنياً واتساع رقعتها الجغرافية أعادا طرح سؤال يتجاوز الحوادث نفسها: هل تواجه سوريا بصورة أساسية إرثاً ضخماً من الذخائر القديمة وسوء التخزين، أم أن تكرار الانفجارات يكشف أيضاً ثغرات أمنية يمكن استغلالها في عمليات تخريب؟

حتى الآن، لا تسمح المعلومات المنشورة بإعطاء إجابة حاسمة. وزارة الدفاع السورية أعلنت أنها تحقق في أسباب الانفجارات التي شهدتها مواقع عسكرية، فيما تشير بيانات رسمية إلى أسباب تقنية أو مرتبطة بذخائر تالفة في بعض الحالات فقط. في المقابل، لا تتوافر أدلة علنية كافية تربط سلسلة الحوادث بجهة خارجية أو بعملية تخريب منظمة.

سبتمبر: شهر كثيف بالانفجارات

بدأ التسلسل اللافت في الأول من سبتمبر في مدينة بنش بريف إدلب، حيث انفجرت سيارة محملة بالذخيرة، ما أدى بحسب مديرية صحة إدلب إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة آخرين. ورغم أن الحادث لا يتعلق بمستودع ثابت، فإنه يسلط الضوء على مخاطر نقل الذخائر في البيئة السورية الحالية.

وجاء الحادث الأكثر دموية في 9 سبتمبر قرب سرمدا في ريف إدلب الشمالي بعد انفجار مستودع مؤقت كان مخصصاً لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، لترتفع الحصيلة إلى 14 قتيلاً و11 مصاباً. 

وزارة الدفاع السورية قالت إن القتلى الأربعة عشر من عناصرها وأعلنت تحملها المسؤولية عن الحادث ومواصلة التحقيق في أسبابه.

وفي 12 سبتمبر وقع انفجار شمال غربي مدينة الضمير في ريف دمشق. لكن الرواية الرسمية في هذه الحالة كانت أكثر تحديداً، حيث قال مصدر أمني لوكالة سانا إن ذخائر تالفة كانت قد نُقلت إلى مستودع ناءٍ تمهيداً لإبطالها انفجرت، ولم يسجل الحادث إصابات أو خسائر. وهذه الواقعة مهمة لأنها تقدم مثالاً موثقاً على أن جزءاً من المشكلة مرتبط بالفعل بذخائر متدهورة يجري تجميعها والتخلص منها.

بعد ذلك بستة أيام، وتحديداً في 18 سبتمبر، انفجر مخزون أسلحة في موقع للجيش بمنطقة عياش غرب دير الزور، ما أدى إلى مقتل 11 عسكرياً وإصابة تسعة آخرين وفق التقارير الرسمية. ولم تعلن السلطات سبباً نهائياً للحادث، بينما أفادت وسائل إعلام رسمية بأن الجنود كانوا يتعاملون مع ذخائر ثقيلة عندما وقع الانفجار.

استمرت سلسلة الانفجارات المتعاقبة لتصل إلى العيس جنوبي حلب في 21 سبتمبر، حيث أعلن الدفاع المدني السوري عن إصابة أربعة أشخاص بينما قالت وزارة الدفاع إن الأضرار داخل موقع الجيش اقتصرت على الماديات ولم تسجل خسائر بشرية فيه، وهو اختلاف يمكن تفسيره باحتمال أن الإصابات وقعت في محيط الموقع وليس داخله.

أخذ انفجار مستودع الذخيرة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي بعداً مختلفاً عن بعض الحوادث السابقة، ليس بسبب حجم الانفجارات المتتالية فقط، وإنما بسبب اتساع دائرة الفرضيات التي باتت تُبحث بشأن مسبباته. فالانفجار الذي وقع فجر 21 سبتمبر/أيلول أعقبته سلسلة تفجيرات ثانوية داخل الموقع، واستمرت أصوات الانفجارات فترة طويلة، فيما تطايرت ذخائر ومقذوفات إلى محيط المستودع، ما دفع السلطات إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى المنطقة، وإجلاء سكان من المنازل المجاورة، وبدء عمليات تمشيط بحثاً عن ذخائر غير منفجرة.

كما انتشرت الشرطة العسكرية في محيط المستودع وبدأت وحدات الهندسة تأمين المنطقة، بالتوازي مع عمليات مسح للمنازل والأراضي المحيطة.

لكن أهمية حادثة العيس لها أبعاد أخرى. ففي اليوم نفسه أعلنت وزارة الدفاع أن الجهات المختصة تواصل التحقيق في أسباب الانفجارات التي شهدتها بعض المواقع العسكرية، وآخرها مستودع العيس، مؤكدة أن التحقيق يهدف إلى كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات واتخاذ إجراءات تحول دون تكرار الحوادث. ولم يتضمن البيان الرسمي اتهاماً لأي دولة أو جهة، كما لم تعلن الوزارة حتى الآن سبباً نهائياً للانفجار.

وفي 22 سبتمبر، كشفت صحيفة «القدس العربي» تفاصيل إضافية عن مسار التحقيق نقلاً عن مصدر عسكري لم تسمّه. وبحسب المصدر، فإن التحقيق الذي تجريه وزارة الدفاع «عميق وواسع»، ولا يقتصر على فرضية الخطأ الفني أو انفجار الذخائر من داخل المستودع، وإنما يدرس كذلك احتمال تعرض الموقع لقصف خارجي.

وفي حال ثبوت وجود استهداف من الخارج، تبحث الجهات المختصة، بحسب المصدر، طبيعة الوسيلة التي يمكن أن تكون قد استخدمت، سواء كانت طائرة مسيرة أو صاروخاً أو طائرة. وفي مسار موازٍ، يجري التحقيق أيضاً في احتمال زرع عبوة متفجرة داخل الموقع، وهي فرضية من شأنها، إذا ثبتت، أن تفتح ملفاً مختلفاً يتعلق بوجود خرق أمني وإمكانية وصول جهة ما إلى المستودع أو إلى الذخائر الموجودة داخله.

أما فرضية التورط الإسرائيلي، فقد ظهرت على مستويين. الأول جاء عبر تقرير لهيئة البث الإسرائيلية «كان»، التي أفادت بأن السلطات السورية تبحث احتمال وجود دور إسرائيلي في سلسلة الانفجارات الغامضة التي أصابت مستودعات السلاح. والثاني جاء عبر المصدر العسكري الذي تحدث إلى «القدس العربي»، والذي رجّح احتمال الوقوف الإسرائيلي وراء الحادث، مستنداً إلى تكرار الانفجارات وإلى السياسة الإسرائيلية السابقة في استهداف القدرات العسكرية داخل سوريا.

لكن المصدر نفسه شدد على أن هذا الترجيح لا يصل إلى مستوى الاتهام، وأن تحديد المسؤولية يتطلب انتظار نتائج التحقيق والأدلة الفنية. وهذه نقطة أساسية، إذ لم تصدر عن الحكومة السورية حتى الآن رواية رسمية تتهم إسرائيل بالمسؤولية عن انفجار العيس.

وتتقاطع هذه المعلومات مع تقرير نشرته «Arab News»، أشار إلى أن وسائل إعلام إسرائيلية، بينها «كان» وi24، تحدثت عن بحث السلطات السورية احتمال التورط الإسرائيلي. ونقلت الصحيفة عن المحلل السياسي سامي عقيل قوله إن تكرار انفجار عدة مستودعات خلال أسابيع يثير تساؤلات، لكنه أكد في المقابل عدم وجود أدلة صلبة تكفي حتى الآن للجزم بأن إسرائيل مسؤولة عنها. كما أشار إلى أن هشاشة بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية قد تترك احتمال الاختراق قائماً، من دون أن يشكل ذلك دليلاً بحد ذاته على وقوعه.

وتناول تقرير لصحيفة «The National» الاحتمال نفسه من زاوية أخرى، إذ نقل عن الخبير الأمني والاستراتيجي العميد محمد البقاعي ترجيحه وجود عامل خارجي وراء انفجار العيس، وطرحه احتمال استهداف الموقع بواسطة طائرات إسرائيلية. غير أن الصحيفة أوضحت أن البقاعي لم يقدم دليلاً علنياً يثبت هذه الفرضية، وأن السلطات السورية لم تنسب الحادث رسمياً إلى إسرائيل أو إلى عملية تخريب خارجية.

وتكتسب هذه الفرضيات أهميتها من السياق الأوسع لسلسلة الانفجارات. فبحسب إحصاء أجرته وكالة رويترز، وقع ما لا يقل عن 16 انفجاراً مشابهاً في منشآت لتخزين الأسلحة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وكان انفجار العيس رابع حادث من هذا النوع خلال سبتمبر وحده، بعدما شهد الشهر انفجارات في إدلب ودير الزور ومواقع أخرى. وأرجعت السلطات بعض الحوادث السابقة إلى سوء ظروف التخزين أو الحرائق أو تدهور حالة الذخائر، بينما بقيت أسباب حوادث أخرى من دون تفسير نهائي معلن.

ويضيف تحليل صور الأقمار الصناعية بعداً آخر إلى التحقيق. فقد قارن موقع «مسبار» صوراً للموقع التقطها القمر الأوروبي «كوبرنيكوس» في 16 و21 سبتمبر، وأظهرت الصور بعد الحادث دماراً واسعاً ومحو أجزاء كبيرة من المنشآت الموجودة في قلب الموقع العسكري، إضافة إلى رقعة تفحم كبيرة وآثار تتسق مع وقوع انفجارات ثانوية متتالية للذخائر.

لكن صور الأقمار الصناعية تساعد على تحديد حجم الدمار ومكانه أكثر مما تساعد على تحديد سبب الانفجار الأول. فهي لا تثبت ما إذا كانت الشرارة الأولى ناجمة عن خلل داخل المستودع، أو عبوة مزروعة، أو استهداف خارجي. ولذلك يبقى تحديد السبب بحاجة إلى أدلة فنية من داخل الموقع، مثل طبيعة الحفرة أو نقطة بداية الانفجار، وبقايا الأجسام المتفجرة، وبيانات الرصد الجوي والأمني، وهي نتائج لم تعلنها السلطات السورية حتى الآن.

وعليه، فإن حادثة العيس تفتح ثلاثة مسارات رئيسية للتحقيق: حادث مرتبط بالذخائر أو ظروف التخزين، تخريب من داخل المنشأة أو اختراق أمني، واستهداف من خارج الموقع. وفي المسار الأخير يظهر الاحتمال الإسرائيلي باعتباره إحدى الفرضيات التي تناولتها المصادر الإعلامية والعسكرية، لكنه يبقى حتى الآن فرضية غير مثبتة، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات السورية من أدلة مادية وفنية.

الأهم أن السؤال لم يعد يتعلق بانفجار واحد فقط. فتكرار الحوادث في مواقع عسكرية مختلفة خلال فترة قصيرة جعل التحقيق في العيس جزءاً من تحقيق أوسع في أمن مخازن السلاح السورية: هل تمثل الانفجارات نتيجة طبيعية لترسانة قديمة ومنظومة تخزين تعاني مشكلات متراكمة، أم أن بعض الحوادث على الأقل تحمل مؤشرات على عمل متعمد؟ حتى الآن، الأدلة المنشورة لا تسمح بحسم أي من الاحتمالين. (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى