أسيا وافريقياالمشهد الإقليمي

تطورات المشهد الافريقي 23 أكتوبر 2016

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تقرير نصف شهري، يتناول أهم تطورات المشهد الأفريقي، وتداعياتها على القضايا المصرية، خلال الفترة من 1 إلى 15 أكتوبر 2016، وذلك على النحو التالي:

تطورات المشهد الاثيوبي

تجددت الاحتجاجات والتظاهرات الاثيوبية بعد فترة ليست بالبعيدة على انتهاء أكبر احتجاج شهدته الدولة في الشهور الماضية قٌتل على أثاره أكثر من 500 مواطن إثيوبي لتتجدد تلك التظاهرات عقب احتفال الألاف بمهرجان إيريشا الديني في منطقة أوروميا الأثيوبية قرب العاصمة أديس أبابا (تبعد 40 كيلومترا) ما دفع الشرطة الأثيوبية للتدخل وإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي واستخدام العصي لتفريق المحتجين. الأمر الذي أدى إلى مقتل 52 شخصا جراء عمليات التدافع نتيجة الأعداد الكبيرة، حيث ردد المحتجون شعارات تنادي بالحرية والعدالة، على صعيد أخر نفى رئيس الوزراء هايلى مريام ديسالنغ استخدام قوات الأمن للرصاص واتهم قوات المعارضة داخل الدولة وكذلك قوات خارجية بتأجيج العنف، وهو ما عارضه الناشط الأورومي جاوار محمد، الذي قال إن نحو 300 شخص قتلوا وأصيب كثيرون. وقال إن القوات ومروحية عسكرية فتحوا النار مما دفع الناس لإلقاء أنفسها من فوق جرف إلى بحيرة.  BBC

وبعد إعلان اثيوبيا الحداد على ضحايا المهرجان الديني لمدة ثلاثة أيام، حيث ذكرت هيئة الإذاعة والتليفزيون الإثيوبي الحداد على أرواح المواطنين الذين فقدوا حياتهم بتحريض من القوات المعادية للسلام كما زعمت، فقد تجددت الاحتجاجات في الدولة بشكل أكبر، الأمر الذي دعى رئيس الوزراء بإعلان حالة الطوارئ في البلاد بعد تمدد أعمال العنف في الدولة وطالت مصالح أجنبية ممثلة في تدمير العديد من المصانع والمزارع المملوكة للأجانب اليوم السابع

تصاعد العنف وتزايد حراك المعارضة للمرة الثانية، ينذر بدخول البلاد في أوضاع أمنية متأزمة وعدم استقرار على كافة الأصعدة، فبالرغم من الطفرة الاقتصادية التي شهدتها أثيوبيا في السنوات الأخيرة فإن عمليات التهميش التى طالت العديد من مواطني الدولة لاسيما أغلبية “الأمهرة” و”الأورومو” مع اقتصار هذه الطفرة على أقلية “التيجراي” الحاكمة قد أدت لمزيد من المعاداة لسياسات الحكومة والحزب الحاكم تجاه الشعب، خاصة بعد عمليات القمع التى طالت العديد من المتظاهرين على أثر اعمال العنف والاحتجاجات في الشهور الماضية، نتيجة الشروع في انتزاع العديد من أراضي الأورومو الزراعية لتوسيع العاصمة، وانتزاع أجزاء منها لإقامة سد النهضة؛ المعهد المصري.  ليتطور الوضع بعد عمليات القمع والاعتقالات والمواجهات الدامية بين الحكومة والمعارضين لتصل لأوج ذروتها في شهر أكتوبر مع احتشاد الألاف من المعارضين وتصاعد العنف في الدولة ما دعى لفرض حالة الطوارئ من قبل رئيس الوزراء ديسالنج، وقد أدى ذلك لتحذير العديد من الدول رعاياها لعدم السفر إلى إثيوبيا ومغادرة من فيها فورًا.

يأتي ذلك مع تعرض حقول ومصانع تشغل أكثر من 40 ألف موظف لهجمات خلال الأسبوعين الأخيرين. ويرجع ذلك نتيجة السيطرة من قبل الأقلية على المناصب الحكومية والعسكرية والأعمال التجارية، أدت لتزايد الغضب ماكان له الأثر في الهجوم على مقدرات الدولة، خاصة بعد المطالبة بعدم مصادرة أراضي الدولة والمطالبة بالمشاركة السياسية والحقوق المشروعة ومحاربة الفساد، وذلك من خلال التظاهرات السلمية التي يقودها الألاف من المواطنين والتي تصاعدت في الشهر الجاري، خاصة بعد تزايد عمليات القمع من قبل الحكومة الإثيوبية طبقاً لصحيفة الفينانيشيال تايمز، من ثم فإن إعادة تغيير سياستها تجاه المعارضة من خلال التوقف عن استخدام القوة وتغيير أسلوب تعاملها مع الأزمة، بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع سقف الحرية للصحف، يعتبر من أهم العوامل في الحد من الأزمة المتصاعدة .  FINANCIAL TIMES

جدير بالذكر أن الحكومة الاثيوبية قد أقرت بمقتل ما لا يقل عن 500 شخصاً في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الفترة الاخيرة، والتي توعدت بتعاملها بقوة مع العناصر التي تتدعي أنها إرهابية، في أثناء لقائها مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل(التي تقوم بزيارة للقارة الأفريقية لكل من النيجر ومالي واثيوبيا وذلك لبحث ملفات التصدي للإرهاب والهجرة من أفريقيا إلى أوروبا)، والتي تبحث الأوضاع في الدولة على رأسها ملفات حقوق الإنسان، وبالرغم من التقارير الدولية التي تشير إلى أن مالا يقل عن 170 حالة وفاة في منطقة أوروميا وأخرى 120 في أمهرة منذ بدأت المظاهرات في نوفمبر الماضي، إلا أن السلطات رفضت إعطاء عدد حقيقي للقتلى مع إقرارها بمقتل 55 قتيل، فيما تقر منظمات حقوق الإنسان بأن أعداد القتلى وصلت إلى المئات.  FINANCIAL TIMES

ليضعنا سيناريو العنف في الدولة إلى استنتاج العديد من الدلالات وهي:

  • بالرغم من دور السلطة وحزب الجبهة الديمقراطية الثورية في الوصول باقتصاد أثيوبيا كأفضل اقتصاديات أفريقيا إلا أن التحسن والازدهار اقتصر على أقلية التيجراي الحاكمة، ماكان له الدور في تصاعد المواجهات المسلحة واستهداف استثمارات الدولة من خلال تدمير أصولها الأجنبية وهو مايؤدي إلى تراجع اقتصادها واستثماراتها نتيجة عدم الاستقرار الأمني الذي تشهده الدولة، وهو ما يشكل تهديدا خطيرا للاقتصاد في إثيوبيا”.
  • بالرغم من تصريح الولايات المتحدة الأمريكية في بيان بقلقها حيال أعمال العنف، إلا أن المجتمع الدولي لم يحرك ساكناً تجاه الأوضاع الإنسانية وتصاعد أعمال العنف ودور الحكومة في عمليات القمع، مايوضح أن العلاقات الإثيوبية الغربية كان لها الدور الكبير في إعطاء شرعية للحكومة بمواصلة قمعها لأغلبية الأورومو والأمهرة وحرمانها من حقوقها وهو ما دعى الحكومة الإثيوبية بعدم الاهتمام بمطالبة الأمم المتحدة بمراقبة الوضع بعد عمليات الاقتتال في الشهور الماضية، خاصة مع استمرار دعم الحكومة بالمساعدات الغربية المعهد المصري. وبالتالي فإن تقليص الدول والمنظمات الغربية لتلك المساعدات تعتبر وسيلة ضغط لتغيير نمط تعاملها مع المعارضة.
  • استمرار توتر العلاقات الإثيوبية مع بعض الدول الأفريقية لاسيما مصر واريتريا التي تتهمها بدعم المعارضة المسلحة وهو ماينذر بمزيد من المواجهة المسلحة مع اريتريا من جهة، خاصة على الحدود الاثيوبية الإريترية وذلك بعد تصريح الحكومة الإثيوبية بدعم إريتريا المباشر للعناصر الإرهابية كما تزعم، التي تنتشر في إقليمي أمهرا (شمال غرب)، وأوروميا (جنوب)”، وإرسالها عناصر إرهابية إلى مدينة غندر (شمال)، وإقليم عفار (شرق)، ومزيد من العقبات في سير المفاوضات المصرية الإثيوبية فيما يتعلق بسد النهضة من جهة أخرى.

تأثير الأوضاع في إثيوبيا على مصر

توتر الأوضاع في الدولة وتصاعد العنف أدى الى اتخاذ أبعادا إقليمية في إطار العلاقات الإثيوبية الأفريقية، واتهام إثيوبيا لأطراف إقليمية بالسعى لتهديد استقرار الدولة ودعم المعارضة، وذلك على صعيد العلاقات المصرية الإثيوبية من جهة والعلاقات الإثيوبية الإريترية من جهة أخرى.

حيث اتهمت إثيوبيا، كل من مصر وإريتريا بالسعي لـ”نسف استقرارها” عبر تقديم “الدعم المالي والتدريب لعناصر المناوئة للسلام في إثيوبيا” وهم جبهة تحرير أورمو” و”حركة سبات قنبوت” التي تخوض قتال مسلح ضد الحكومة منذ سنوات، موضحة أنها “تملك أدلة واضحة” على هذا الأمر، وقال المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية، “جيتاتشو ردا”، في مؤتمر صحفي عقده في أديس أبابا، إن الحكومة “لديها أدلة واضحة تثبت تقديم مصر كافة أشكال الدعم المالي والتدريب للعناصر الإرهابية لنسف استقرار البلاد”، دون أن يكشف عن ماهية هذه الأدلة، كما قال أن “العناصر المناوئة للسلام في إثيوبيا تتلقى دعما مالياً وتدريبًا في القاهرة، وقيادات المعارضة المسلحة انتقلت من إريتريا إلى القاهرة لتتلقى الأوامر من الأخيرة، لزعزعة الاستقرار واستهداف أمن إثيوبيا القومي”. أفريكا عربي

كما أضاف بالقول “ثمة اعتقاداً في مصر بأنه يمكن إيقاف بناء سد النهضة من خلال زعزعة استقرار البلاد”. وهو مانفته مصر خلال ردها في بيان لوزارة الخارجية مؤكده فيه على احترام سيادة اثيوبيا، وأنها تجري اتصالات رفيعة المستوي مع أديس أبابا لوقف الإضرار بعلاقات البلدين.  الخليج أون لاين

يأتي ذلك في إطار الحرب الدبلوماسية والسياسية والإعلامية التي يخوضها الجانب الإثيوبي تجاه مصر لاستكمال مشروع سد النهضة والتي فشلت العديد من المفاوضات في الوصول لتسوية ترضي الجانبين بما يحفظ الحقوق المصرية المكتسبة من مياه النيل، ليزداد الوضع تعثراً وتصاعدا في أزمة العلاقات على إثر توتر الأوضاع في إثيوبيا واشتعال الاحتجاجات، وهو ما ينذر بتعنت الجانب الإثيوبي في انحسار المفاوضات والشروع في تشغيل مشروع السد بشكل كامل مع نهاية العام 2016.

وبالرغم من أن العديد من المراقبين رأوا أن مصر ربما تدعم المعارضة بشكل غير رسمي فلم تنفي الاحتفالية التي قام بها أعضاء جبهة الأورومو في القاهرة، حيث تعتبر أحد أهم أوراق الضغط على إثيوبيا (قراءات أفريقية)، إلا أن الممارسة الفعلية والسياق الدبلوماسي المصري يظهر عكس ذلك، باعتبار أن ليس من مصلحة مصر دعم المعارضة في ظل نظام إثيوبي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر داعميه فضلاً عن إسرائيل، ومن ناحية اخرى لم يوضح الجانب الإثيوبي الأدلة التي تشير الى دعم مصر للمعارضة الإثيوبية وهو مايرجح  استمرار اشعال الموقف من الجانب الإثيوبي لإحراج الموقف المصري دوليا ويصبح نقطة هامة في صالح الحكومة الإثيوبية من أكثر من ناحية وهى قمع المعارضة والأغلبية المضطهدة بدعوى محاربة الارهابيين على الصعيد الداخلي، وإكتساب ورقة هامة في مشروع سد النهضة من الناحية الخارجية.

 

تطورات المشهد المغربي

بدأت الانتخابات التشريعية في المغرب 7 اكتوبر الجاري 2016 مع دخول العديد من الأحزاب المنافسة السياسية، والتي اتخذت أكثر من 30 حزبا، شكلت فريقين هما أحزاب الائتلاف الحكومي بزعامة حزب العدالة والتنمية المتبني للإسلام السياسي وزعيمه عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية، وأحزاب المعارضة بزعامة حزب الأصالة والمعاصرة بإمكانياته، والذي تأسس في 2008 على يد فؤاد علي الهمة، فضلاً عن بعض الوجوه المحسوبة على التيار السلفي في المغرب.

وبحسب وزارة الداخلية، بلغ عدد لوائح الترشيح المقدمة محليا ووطنيا 1410 لائحة، تضم 6992 مرشحا، فيما يتوزع الناخبون بين 55% من الرجال و45% من النساء، وبينهم 55% يقيمون في المدن و45% في الأرياف. وشاركت 37 هيئة وطنية ودولية في المراقبة المستقلة للانتخابات، أي ما يزيد عن 4000 مراقب بينهم 92 مراقبا دوليا (فرانس 24).

بلغت نسبة المشاركة المؤقتة في الانتخابات البرلمانية التي اجريت أول أيام إجراء التصويت الجمعة 7 اكتوبر الجاري، 43٪ على الصعيد الوطني بعد انتهاء الاقتراع في المقاطعات المختلفة والدوائر المحلية وأقاليم المملكة في ظل “ظروف عادية”، وذلك كما أعلنت وزارة الداخلية. حيث احتل حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية المغربية وحصل على 125 مقعدا من 395 مقعدا، أي على 98 مقعدا في الدوائر المحلية و27 مقعدا في الدوائر الانتخابية الوطنية بمجموع 125 مقعدا. وجاء حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الثانية بحصيلة 81 مقعدا في الدوائر الانتخابية المحلية و21 مقعدا في الدوائر الانتخابية الوطنية بمجموع 102 مقعدا بفارق 55 مقعدا بالنسبة لانتخابات 2011، الذي حصل فيها على المرتبة الرابعة بـ ـ49 مقعدا، فيما احتل حزب الاستقلال المرتبة الثالثة بعيدا من الإثنين بمجموع 46 معقدا (35+11) والتجمع الوطني للأحرار بمجموع 35 مقعدا (28+7) و الحركة الشعبية بمجموع 27 مقعدا (20+7) و الاتحاد الدستوري بمجموع 19 مقعد (15+4) وحزب الاتحاد الاشتراكي على 12 مقعدا (7+5) وحزب التقدم والاشتراكية على 10 مقاعد (7+3) وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية على 3 مقاعد (3+0) وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي على 2 مقاعد (2+0) و حصل كل من حزب الوحدة والديمقراطية وحزب اليسار الأخضر المغربي على مقعد واحد، وذلك حسب نتائج معلنة من طرف وزارة الداخلية (وكالة الأنباء الأفريقية).

ضعف نسبة المشاركة التي بلغت 43% ربما يرجع الى عدم تمكن الأحزاب السياسية المنافسة من الخروج عن النظام السياسي المغلق المغلف بإطار الديمقراطية، خاصة في إطار هيمنة السلطة وكبار الدولة على مقومات الدولة، وهو ماظهر جلياً في الوضع الاقتصادي للدولة وانعكس بالسلب على الوضع المعيشي للمواطن المغربي، ومن ثم أصبح هناك انعدام ثقة بين المواطن والاحزاب الممثلة باعتبار أنها لم تعرض أفكارا بإمكانها تغيير الواقع (فرانس 24).

طبيعة النظام السياسي في المغرب والتي تتخذ إطاراً ديمقراطيا متمحورا حول النظام الملكي ودوره في تحديد قواعد اللعبة السياسي جعل من النمط الحزبي كإطار مكمل للعملية الديمقراطية الهشة التي تجلت صورها في الواقع الاقتصادي والمعيشي بشكل عام، ومن ثم فإن الدور الحزبي المتعدد والمحدد للنظام السياسي في الدولة قد اتخذ مسارا واحداً وهو الاندماج في السلطة السياسية بما يضمن البقاء.

بالتالي ارتكز الفعل الحزبي بالمغرب على محديين رئسييين وهما مركزية المؤسسة الملكية دستوريا وسياسيا، والتي تتجه إلى الدلالات الدينية لتوظيفها في خطابها السياسي قصد تأكيد سموها السياسي الدستوري ومن ثم تحتل الملكية المكانة السياسية والدستورية المهيمنة، ثم تمثل الوظيفة الحزبية والقائمة على التعددية الحزبية كمبدأ دستوري ينسجم مع طبيعة المؤسسة الملكية الحاكمة (الجزيرة نت). لتصبح الاشكالية الأوحد في كيفية التوافق بين الملكية والديمقراطية في ممارستها خاصة بعد اتخاذها في إطار شكلي في ظل واقع سياسي ونظام منغلق لا تعبر فيه الاحزاب المتعددة عن رؤية سياسية واقتصادية واضحة وهو ما أثر على تعاطي الشعب تجاه تلك الأحزاب.

 

تطورات المشهد المالي

يظل الوضع المالي في توتر أمني وحراك نسبي على صعيد الجماعات المسلحة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على التدخل الفرنسي في مالي في أوائل 2013، لضرب الجماعات المسلحة وإنهاء سيطرة القاعدة على شمال مالي، ليظل الوضع الأمني متوتراً نسبياً ويسير في هدوء حذر مع حراك الجماعات المسلحة المتعددة، وذلك في إطار سير المفاوضات بين أطراف الصراع المالي لاسيما بين الحكومة والطوارق والتي سعت جاهدة منذ عام 2012 للسيطرة على العديد من المدن في شمال مالي بمساعدة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبعد الجماعات المسلحة في المنطقة.

العمليات المسلحة داخل منطقة الساحل والصحراء مع عمليات الجريمة المنظمة الممثلة في تجارة المخدرات والأسحة والبشر، وعمليات التهريب، من أكبر العوامل لتأزم الأوضاع الأمنية في المنطقة وعلى رأسها مالي التي سيطرت الجماعات المسلحة على جزء منها لفترة، لتكون مصب اهتمام القوى الدولية لاسيما فرنسا ذات النفوذ الكبير في تلك المنطقة. والتى ارتأى بها الأمر للتدخل لحماية مصالحها في المنطقة وعلى رأسها النفط واليورانيوم.

وهو ما جعل مالي أحد الدول التي قامت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بزيارتها في اكتوبر الجاري لبحث الأوضاع الأمنية في المنطقة، حيث دعت المستشارة الألمانية خلال مؤتمر صحفي عقب لقاء جمعها بالرئيس المالي ابراهيم بوبكر كيتا إلى تطبيق اتفاق السلام الموقع بين أطراف النزاع في مالي، مشيرة إلى أن الدعم العسكري وحده لا يمكن أن يجلب الامن والسلم. حيث تهدف الزيارة الأساسية للمستشارة الألمانية بحث توقف الهجرة للاجئين إلى الدول الأوروبية لاسيما ألمانيا التي تعاني من عبء الاجئين (نحو مليون لاجئ لألمانيا معظمهم من الشرق الأوسط) ما يمثل خطراً على الأمن القومي لألمانيا، وأحد أهم الانتقادات لسياسة أنجيلا ميركل وحزبها في مواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، من ثم كانت الزيارة لأفريقيا لبحث خطط توقف اللجوء عبر دول الغرب الأفريقي خاصة من صحاري مالي (حيث تعتبر مالي من بين أعلى عشر دول في العالم وصل منها مهاجرون إلى إيطاليا لعام 2016)، من خلال تقديم مزيد من الدعم للحرب ضد تهريب المخدرات والبشر، حيث قالت ميركل للصحفيين “لدينا مصلحة كبرى في استقرار مالي” مضيفة “نحن نريد المساهمة في استقرار البلد”، إلا أنها لم تعلن عن تقديم دعم عسكري مباشر لبعثة الأمم المتحدة في مالي، التي من بينها 500 جندي ألماني (صحراء ميديا).

جدير بالذكر أن الوضع السياسي المالي يتميز بالاضطرابات على إثر علميات التهميش التى طالت العديد من الجماعات العرقية الموجودة في الدولة وعلى رأسها قبائل الطوارق أكبر جماعة عرقية في الدولة والتي تقطن الشمال المالي، فقد سعت الأخيرة للانفصال نتيجة التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو الأمر الذي قادها للانفصال عن الجنوب الذي تتركز فيه القوة الاقتصادية للسلطة، ومع عمليات المواجهة بين الجيش والطوارق ودخول القاعدة والعديد من الجماعات المسلحة في الدولة تحول الوضع إلى حرب ومع التدخل الفرنسي في الدولة الذي استطاع طرد القاعدة من المنطقة، وإحكام الجيش المالي السيطرة على مناطق الشمال مع رضوخ الطوارق لاسيما “الحركة الوطنية لتحرير الأزواد” لطاولة المفاوضات بعد دخولهم في الصراع المسلح مع الدولة، ومع تولى الرئيس ابراهيم بوبكر كيتا السلطة ظل الوضع السياسي والأمنى مرهوناً بسير المفاوضات بين النظام والجماعات الراغبة في الانفصال مع تجدد الحراك المسلح داخل الدولة من قبل حركة تحرير الأزواد من جانب والجماعات المسلحة من جانب أخر.

بالرغم من العديد من اتفاقيات السلام التي جرت للتسوية السياسية كاتفاق الجزائر 2006م، إلا أن مالي لم تلتزم بوعودها في منح التنمية في إقليم أزواد والمشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية للطوارق، في حين ان تهاون الرئيس السابق في محاربة الجماعات المسلحة، ادى الى تدخل الجيش الموريتاني في الدولة لمواجهة تلك الجماعات، وهو ما دفع لزيادة الاضطراب السياسي والأمني وزيادة أمد المفاوضات بين الجانبين، حتى بعد تولى بوبكر كيتا السلطة (وكالة أنباء الطواري).

كانت الأوضاع الأمنية في الفترة السابقة قد شهدت توترا ملحوظا بعد سيطرة مسلحون على قرية بونى فى وسط البلاد لفترة وجيزة وقبلها قُتل عشرات الجنود في قاعدة للجيش فى بلدة نامبالا بوسط مالى مما دعى الرئيس ابراهيم بوبكر كيتا لإقالة وزير الدفاع تيمان هوبرت كوليبالى (اليوم السابع)، وهو مايوضح انعدام السيطرة الأمنية وحراك الجماعات المسلحة في المنطقة في محاولة لتنفيذ هجمات متقطعة في الشمال والسيطرة على بعض المناطق كما فعلت جماعة أنصار الدين أحد ابرز الجماعات المسلحة في الدولة، مع حراك العديد من الجماعات الساعية للانفصال، بالرغم من تعهد الرئيس الجديد ببناء الدولة والسير في مفاوضات السلام للوصول لتسوية سياسية بين المعارضة من الأزواد والحكومة برعاية الأمم المتحدة، الا ان ذلك لم يمنع ظهور حركات معارضة جديدة منشقة عن المجلس الأعلى لوحدة أزواد، كحركة “التجمع من أجل العدالة في أزواد”، وهي حركة جديدة مسلحة تجمع بين قبائل الأنصار والأشراف.

يأتي ذلك مع تزايد أعداد الحركات المسلحة في شمال مالي في الآونة الأخيرة، وقيامها بعمليات عسكرية بين الحين والأخر، حيث تصاعدت وتيرة العنف في الإقليم الذي تنتشر فيه قوات أممية وأخرى فرنسية، كما شنت هذه الجماعات هجوما مسلحا في 7 أكتوبر على مخيم للاجئين من مالي غرب النيجر بالقرب من الحدود مع مالي، قُتل على إثره 22 جنديا نيجريا، حيث أكدت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إن من 30 إلى 40 شخصا مدججين بالسلاح، ويتكلمون لغة الطوارق هاجموا، الوحدات العسكرية التي قامت بحراسة المخيم للاجئين. وأطلقوا النيران من أسلحة أوتوماتيكية على الجنود واستولوا على المعدات العسكرية والمؤن (روسيا اليوم).

يأتي ذلك أيضاً في إطار النفوذ الفرنسي في منطقة غرب أفريقيا، والذي يعتمد على القوة العسكرية في دحر الجماعات المسلحة والحركات الانفصالية في المنطقة، وتنتشر القوات الفرنسية عبر تشاد وموريتانيا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو بقوة تضم 3500 جندي، حيث أعلن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف أن فرنسا تعتزم إنفاق 42 مليون يورو بين عامي 2017 و 2022 لمساعدة الدول الواقعة في منطقة الساحل والصحراء لمواجهة هجمات الجماعات المسلحة بالمنطقة، وذلك من خلال تدريب القوات وتوفير المعدات العسكرية (صحراء ميديا)

من خلال السياقات السابقة يمكن وضع العديد من السيناريوهات حول تطور الأوضاع الأمنية في مالي:

  • استمرار وتيرة الهجمات المسلحة وعدم الاستقرار الامني لاسيما في الشمال مما ينذر بتأجيل انتخابات البلدية لإشعار غير محدد، والتي كان من المفترض أن تنظم عام 2014 ولكنها تأجلت بسبب انعدام الأمن، وهو الأمر الذي دعى له زعيم المعارضة المالي سوميلا سيسي أثناء لقاءه مع الرئيس بوبكر كيتا في شهر اكتوبر الجاري.
  •  عدم الوصول لتسوية سياسية من خلال اتفاقيات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة ينذر بحراك مسلح من قبل جماعات الطوارق التي مازالت تعاني من التهميش الاقتصادي مع الرغبة في الانفصال.
  • انعدام السيطرة الأمنية على شمال مالي وتزايد الحراك المسلح في الدولة يهدد بعودة سيطرة الجماعات المسلحة على العديد من المناطق كما حدث في يوليو عام 2016، وقبلها عام 2012.

 

تطورات المشهد الليبي

يظل الوضع الليبي مرهوناً بتفاعل السياسات المتعددة من خلال استمرار السير في المفاوضات بين أطراف الصراع برعاية إقليمية ودولية، مع استمرار المناوشات العدائية على صعيد التصريحات بين الأطراف المتعددة لاسيما بين حكومة الشرق والغرب.

فبالرغم من مقترح رئيس المجلس الرئاسي بضم المشير خليفة حفتر لقوات حكومة الوفاق الوطني في سعي للتوافق بين المجلس الرئاسي والبرلمان، إلا أن رئيس الأركان العامة اللواء عبد الرازق الناظورى المنضوية تحت مجلس النواب قد رفض ذلك البته، موضحاً أن قيادة الجيش يجب أن تكون مستقلة، متهماً حفتر بأنه إنسان ضعيف، وأردف بالقول ” أن حصيلة اتفاق الصخيرات على الأرض صفر ويعتبر فشل بامتياز” (جريدة  الوسط).

من جهة أخرى أوضح عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي بطبرق أن سبب رفضه لحكومة الوفاق الوطني هو ” أن فائز السراج غير قادر على قيادة الحكومة، فلم يرشحه لا مجلس النواب ولا المؤتمر الوطني ولا أي منطقة من مناطق ليبيا، ولا نعرف من أين جاء، لذلك فإن الشعب الليبي طلب من نوابه رفض اعتماد حكومته” وذلك على حد زعمه (أخبار ليبيا)

ومن جهة ثالثة دعى خليفة الغويل رئيس “حكومة الإنقاذ” الليبية في طرابلس للحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، في ظل فشل اتفاق الصخيرات، وعدم الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، وهو مايجعل سير المفاوضات تأخذ طريق مسدود عبر تعنت الأطراف على المصالح المتباينة، ويوضح أنه لايمكن بأي حال من الأحوال التوافق بين حكومة فائز السراج وبرلمان عقيلة صالح على صيغة موحدة لإقامة حكومة وحدة وطنية في ظل رفض الأخر.

يأتي ذلك في إطار استمرار عمليات البنيان المرصوص، والتي كبدت تنظيم الدولة خسائر عدة في سرت لتنحصر مواجهته في الحي رقم 3، وذلك بقصف مدفعي وجوي، مع عثور قوات البنيان على مخابئ سرية للتنظيم بالمحور الجنوبي من مدينة سرت يحوي أجهزة كمبيوتر إضافة إلى أربع طائرات صغيرة تستخدم في المراقبة والتجسس، وذلك مع مقتل وجرح العديد من جنود البنيان المرصوص، في ظل اشتباكات مستمرة بين الطرفين في العديد من المناطق منها منطقة الجيزة البحرية وعمارات الـ600  وحي المنارة وغيرها، ليتجاوز عدد القتلى منذ بداية المعركة نحو 600 قتيل، بينما فاق عدد الجرحى ثلاثة آلاف جريح ، وذلك في ظل استمرار الضربات الجوية الأمريكية من القاعدة أفريكوم، والتي وصلت إلى إلى 270 ضربة منذ بدء عملياتها مطلع أغسطس الماضي (شبكة رؤية الإخبارية)

أما على صعيد الحراك الدولي، وفي إطار فشل التسوية السياسية والوصول لتوافق بين الحكومتين، أكد الاتحاد الأوروبي على ضرورة الحل السياسي بدلاً من العسكري، ودعم اتفاق الصخيرات والمجلس الرئاسي، حيث قالت ناطقة باسم الاتحاد الأوروبي في بروكسل «إن الاتحاد على دراية بخطورة الموقف في طرابلس خاصة وفي ليبيا عامة ويعتبر أن الحل السياسي وليس العسكري هو الأمثل لحلحلة الأزمة في البلاد، مع ضرورة اعتماد حكومة جديدة في البلاد بشكل سريع». ليقتصر دور الاتحاد الأوروبي على الحراك الدبلوماسي في ظل عدم تمكنه من نشر عناصر المهمة الأمنية الأوروبية (يوبام -ليبيا) داخل الأراضي الليبية (بوابة الوسط)

يأتي الدعم السياسي الأوروبي في ظل اعتراف دولي بحكومة الوفاق الوطني وهو ما دعا وزير الشرق الاوسط وافريقيا بالخارجية البريطانية ” توبيا اسلود” وكذلك الوزير الأول الجزائري “عبد المالك سلال، المجتمع الدولي إلى أن يكون صوتاً واحدًا من أجل دعم حكومة الوفاق الوطني بليبيا، وذلك في ظل تقديم الدعم لقوة الحرس الرئاسي من قبل الأفريكوم، مع دعوة الناتو أيضاً على لسان الامين العام للحلف ينس ستولتنبيرغ استعداده للتدخل وتقديم أنواع الدعم للحكومة الليبية شرط طلب من ليبيا، يأتى ذلك أيضاً في ظل توتر أطراف الصراع مع مبعوث الأمم المتحدة مارتن كوبلر إثر تصريحاته الأخيرة عن أن ليبيا موطناً  للمهاجرين الغير شرعيين بأوروبا، والتي تعتبر بادرة في توتر العلاقات بين الأطراف الليبية والأمم المتحدة، خاصة بعد نعي الناظوري لكوبلر بالفاشل (عين ليبيا)

على صعيد أخر يأتي الحراك الروسي في ليبيا بدعم الاتفاق السياسي المنبثق عن اجتماع الصخيرات، حيث أكد المبعوث الروسي امتناع بلاده عن توريد السلاح لأيٍّ من الأطراف الليبية إلتزامًا بحظر السلاح المفروض على ليبيا وقرارات مجلس الأمن وذلك في ظل اللقاء الذي جمع رئيس المجلس الأعلى للدولة “د.عبد الرحمن السويحلي” أكتوبر 2016 بالمُمثل الخاص لوزارة الخارجية الروسية “ليف دينغوف” في المقر الرئيسي للمجلس بالعاصمة طرابلس.

هنا يتضح العديد من الاعتبارات حول تطور الوضع الليبي

  • عودة المفاوضات إلى المربع صفر بين الاطراف اللليبية مع التعنت والرفض المتبادل، فمن جهة يرفض الناظوري ضم خليفة حفتر لحكومة الوفاق، ومن جهة أخرى تعنت البرلمان الليبي في رفض منح الثقة لحكومة الوفاق، وهو ما ينذر بفشل المساعي الدولية خاصة الداعمة لحكومة الوفاق الوطني في الوصول لحل سياسي، ويعطي الفرصة لمزيد من التدخل الدولي لحسم الأوضاع على الأرض في ظل تصاعد العنف في العديد من المناطق.
  • فشل المساعي الإقليمية أيضاً في التوصل لتسوية سياسية فبالرغم من المساعي المصرية التونسية خاصة مع اجتماع العديد من الأطراف الليبية في العاصمة القاهرة إلا أنها لم تكلل بالنجاح.
  • تصاعد العنف في الدولة لاسيما في طرابلس وسرت مع تزايد الحراك المسلح، وهو مايدفع لحكومة الوفاق بتكثيف عملياتها وتزايد الضربات الجوية الأمريكية لإحكام السيطرة الأمنية على تلك المناطق في ظل تصاعد القوة العسكرية لحكومة الشرق.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *