خط «سوفا 53» وإعادة تشكيل المجال الأمني في الجنوب السوري

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يمثل مشروع «سوفا 53» أحد أبرز التحولات الميدانية التي يشهدها الجنوب السوري في المرحلة الراهنة، نظراً إلى طبيعته العسكرية وموقعه داخل منطقة الفصل التي حددها اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974. ورغم أن المشروع بدأ في منتصف عام 2022 باعتباره مساراً عسكرياً وأعمالاً هندسية مرتبطة بالحدود مع الجولان السوري المحتل، فإن تطوره التدريجي من طريق مخصص لحركة الآليات إلى شبكة من الخنادق والسواتر الترابية ونقاط المراقبة والمواقع العسكرية يشير إلى انتقاله من إجراء أمني محدود إلى بنية دفاعية أكثر اتساعاً واستدامة.

ويطرح هذا التحول تساؤلات تتجاوز طبيعة المنشآت نفسها إلى الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية المرتبطة بإعادة تشكيل المجال الأمني في جنوب سوريا وفرض وقائع ميدانية يمكن أن تؤثر في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.
بدأ تنفيذ المشروع من محيط بلدة حضر في ريف القنيطرة الشمالي، ثم امتد تدريجياً باتجاه جباتا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة، وصولاً إلى محيط قرية العشة في الريف الجنوبي. وشملت الأعمال إزالة الألغام وشق الطرق ورفع السواتر الترابية وحفر الخنادق وإقامة نقاط مراقبة ومواقع عسكرية. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الطريق العسكري يصل عرضه في بعض المناطق إلى نحو ثمانية أمتار، في حين يصل ارتفاع بعض السواتر الترابية إلى خمسة أمتار، إلى جانب إنشاء خنادق تعيق حركة الآليات والأفراد. وبذلك لم يعد المشروع مجرد طريق عسكري موازٍ لخط وقف إطلاق النار، وإنما أصبح منظومة هندسية تهدف إلى التحكم بالحركة والمراقبة وخلق حواجز طبيعية وصناعية على امتداد مساحات واسعة من محافظة القنيطرة.
ويكتسب تطور «سوفا 53» أهمية إضافية عند مقارنته بالتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024. فقد قدمت إسرائيل في بداية المشروع مبررات أمنية ترتبط بخشيتها من نشاط جماعات مسلحة مدعومة من إيران في الجنوب السوري واحتمال تنفيذ عمليات ضدها انطلاقاً من تلك المنطقة. إلا أن استمرار العمل بالمشروع واتساع نطاقه بعد سقوط نظام بشار الأسد وخروج معظم الجماعات المرتبطة بإيران من سوريا يضعف تفسير المشروع باعتباره استجابة لتهديد محدد ومؤقت، ويعزز فرضية أن الاعتبارات الإسرائيلية باتت أوسع من مجرد مواجهة النفوذ الإيراني.
ويبدو أن السياسة الإسرائيلية تجاه الجنوب السوري دخلت، منذ أواخر عام 2024، مرحلة تقوم بصورة متزايدة على نقل المجال الدفاعي الإسرائيلي إلى خارج الخطوط التقليدية، من خلال إنشاء مناطق أمنية متقدمة داخل الأراضي السورية. ويعني ذلك أن مفهوم الأمن الإسرائيلي لم يعد يقتصر على حماية خط وقف إطلاق النار أو الجولان المحتل، وإنما أصبح يقوم على إيجاد عمق أمني يسمح بمراقبة المناطق السورية المقابلة والتحكم بحركة الأفراد والآليات فيها، ومنع اقتراب أي قوة تعتبرها إسرائيل مصدر تهديد. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى «سوفا 53» بوصفه جزءاً من تحول أوسع في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على التعامل مع الجغرافيا المحيطة بالحدود باعتبارها جزءاً من المنظومة الدفاعية ذاتها.
ويفسر هذا التحول استمرار أعمال الحفر والتحصين حتى بعد تغير البيئة الأمنية التي استندت إليها إسرائيل عند إطلاق المشروع. فلو كان الهدف مقتصراً على مواجهة الجماعات المرتبطة بإيران، لكان من الممكن توقع تراجع الحاجة إلى المشروع بعد خروج تلك الجماعات من الجنوب السوري. إلا أن العكس هو الذي حدث، إذ تسارعت الأعمال الهندسية بالتوازي مع توغلات إسرائيلية في المنطقة العازلة ومناطق مجاورة لها، تراوحت وفق بعض التقديرات بين مئات الأمتار ونحو كيلومتر داخل الأراضي السورية. كما ترافقت هذه التحركات مع إقامة حواجز وتنفيذ مداهمات واعتقالات وعمليات تفتيش وقصف في مناطق متفرقة، الأمر الذي يوحي بأن المشروع يرتبط بعملية أوسع لإعادة تنظيم المجال العسكري والأمني جنوب سوريا.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المقارنات التي عقدها بعض الباحثين بين «سوفا 53» وخط بارليف الذي أقامته إسرائيل في سيناء بعد حرب عام 1967. ولا تتعلق المقارنة بحجم المشروعين أو ظروفهما السياسية والعسكرية، وإنما بالفلسفة الدفاعية التي يقومان عليها، والمتمثلة في استخدام هندسة الأرض نفسها كأداة عسكرية من خلال السواتر والخنادق والطرق والمواقع المحصنة. ففي الحالتين، يجري تحويل الجغرافيا إلى جزء من المنظومة الدفاعية بهدف إبطاء أي تحرك بري محتمل، وتوفير الحماية للقوات، وتحسين قدرات المراقبة والسيطرة على المنطقة المحيطة.
غير أن أهمية «سوفا 53» لا تكمن فقط في وظيفته الدفاعية، وإنما في موقعه الجغرافي والقانوني. فجزء من أعمال المشروع ينفذ داخل منطقة الفصل التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك المبرم في 31 أيار/مايو 1974، وهي منطقة تخضع لمراقبة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف». وقد صُممت هذه المنطقة أساساً لتقليل احتمالات الاحتكاك المباشر بين القوات السورية والإسرائيلية، وليس لتتحول إلى نطاق انتشار دائم للمنشآت العسكرية الإسرائيلية. لذلك ترى دمشق أن بناء الطرق والتحصينات داخلها يمثل خرقاً لاتفاق 1974 ومحاولة لتغيير الوضع الميداني الذي استقر لعقود.
وتزداد خطورة هذه المسألة عندما تتحول المنشآت العسكرية المؤقتة إلى بنية طويلة الأمد. فالتجارب الدولية تظهر أن استمرار السيطرة الميدانية لفترات طويلة قد يمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على استخدام الواقع القائم كورقة في أي مفاوضات مستقبلية. ومن هنا يمكن قراءة التوسع في «سوفا 53» باعتباره محاولة لتحسين الموقع التفاوضي الإسرائيلي قبل الوصول إلى أي ترتيبات سياسية أو أمنية بين دمشق وتل أبيب. فكل نقطة عسكرية أو طريق أو ساتر يتم إنشاؤه على الأرض يمكن أن يتحول لاحقاً إلى عنصر تفاوضي يتطلب الانسحاب منه ضمانات أو ترتيبات وتنازلات مقابلة، الأمر الذي يجعل فرض الواقع أكثر سهولة من تغييره بعد استقراره.
وعليه، قد لا يكون الهدف الإسرائيلي رسم حدود سياسية جديدة بشكل رسمي، بقدر ما يتمثل في إنشاء ما يمكن وصفه بـ«حدود أمنية وظيفية» تحددها الاحتياجات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. وهذا النوع من الحدود لا يحتاج إلى اعتراف قانوني لكي يؤدي وظائفه الميدانية، إذ يمكن من خلاله التحكم بالحركة، وتحديد مناطق الوصول، ومراقبة السكان، ومنع انتشار القوات السورية في نطاقات تعتبرها إسرائيل حساسة. ومع استمرار هذه الترتيبات، يمكن أن تتحول تدريجياً إلى جزء من التصور الإسرائيلي لأي تسوية مستقبلية تخص الجنوب السوري.
ويطرح المشروع في الوقت نفسه إشكالية قانونية تتعلق بوضع منطقة الفصل والسيادة السورية عليها. فوجود قوة «أندوف» لا يلغي السيادة السورية ولا يمنح إسرائيل حق إنشاء منشآت عسكرية دائمة داخل المنطقة. كما أن الطرق والسواتر والخنادق لا تنشئ، من منظور القانون الدولي، حقاً سيادياً جديداً أو حدوداً معترفاً بها. ويستند الموقف السوري أيضاً إلى قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي اعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطلاً ومن دون أثر قانوني دولي. ولذلك يبقى أي تغيير ميداني تقوم به إسرائيل خاضعاً لمشكلة أساسية تتمثل في غياب الشرعية القانونية الدولية، حتى في حال استمرار الواقع العسكري على الأرض.
في المقابل، تكشف تطورات «سوفا 53» محدودية قدرة «أندوف» على منع التغييرات الميدانية. فالقوة الأممية مكلفة بمراقبة منطقة الفصل وتوثيق الانتهاكات ورفع التقارير وتنظيم الدوريات، إلا أن ولايتها لا تمنحها صلاحية فرض الانسحاب أو وقف أعمال التجريف والتحصين بالقوة. وهو ما يخلق فجوة واضحة بين وجود ترتيبات دولية تنظم المنطقة وبين القدرة الفعلية على تطبيقها عندما يفرض أحد الأطراف واقعاً عسكرياً جديداً.
ولا تقتصر تداعيات المشروع على الجوانب العسكرية والقانونية، بل تمتد إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسكان المحليين. فالأعمال الهندسية طالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي في القنيطرة، وتشير تقديرات محلية إلى تضرر نحو 12 ألف دونم في الريفين الشمالي والأوسط. كما أدت الخنادق والسواتر والطرق العسكرية إلى تقييد وصول المزارعين والرعاة إلى أراضيهم، إضافة إلى تدمير أجزاء من الغطاء النباتي وتأثير الأعمال الهندسية في حركة مياه الأمطار وطبيعة التربة. وتكتسب هذه الأضرار أهمية خاصة نظراً إلى اعتماد نسبة كبيرة من سكان المنطقة على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل.
وفي ضوء هذه التداعيات، توسعت دائرة الاعتراض الإقليمي على المشروع، إذ صدرت مواقف رافضة من عدد من الدول العربية والإقليمية، من بينها قطر والأردن والكويت ومصر والإمارات وتركيا، إلى جانب الجامعة العربية. واعتبرت تركيا بصورة صريحة أن استئناف أعمال «سوفا 53» يشكل انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك ومؤشراً على استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية. وتشير هذه المواقف إلى أن المشروع لم يعد يُنظر إليه باعتباره مسألة حدودية سورية إسرائيلية فقط، وإنما باعتباره تطوراً يمكن أن ينعكس على استقرار المنطقة وعلى مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب سوريا.
أمام هذا الواقع، تبدو الخيارات السورية محكومة بالحاجة إلى الجمع بين الأدوات السياسية والقانونية والدبلوماسية والأمنية. ويأتي التوثيق المنهجي للانتهاكات في مقدمة هذه الأدوات، من خلال تسجيل الإحداثيات والصور وبيانات الأقمار الصناعية ووثائق الملكية وشهادات السكان وحجم الأضرار الزراعية والبيئية. ويمكن لمثل هذا التوثيق أن يحول الانتهاكات الميدانية المتفرقة إلى ملف متكامل يمكن استخدامه في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية. كما تستطيع دمشق توظيف أي مفاوضات مستقبلية للمطالبة بالعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل التوغلات الإسرائيلية التي أعقبت الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بالتوازي مع العمل على استعادة قدراتها الأمنية والدفاعية تدريجياً.
في المحصلة، تكمن خطورة مشروع «سوفا 53» في أنه لا يمثل مجرد عملية تحصين عسكري على امتداد الجولان المحتل، بل يعكس تحولاً في الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى أمنها في الجبهة السورية. فالمشروع يوحي بانتقال من مفهوم حماية الحدود إلى مفهوم توسيع المجال الأمني خارجها، ومن مواجهة تهديد محدد إلى بناء منظومة دفاعية طويلة الأمد داخل الأراضي السورية. وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح «سوفا 53» أحد الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لإعادة تعريف الواقع الأمني في جنوب سوريا ورفع سقف مطالبها في أي مفاوضات مستقبلية.
وبذلك، فإن الصراع حول المشروع لا يتعلق بطريق عسكري أو خندق أو ساتر ترابي بحد ذاته، وإنما بمستقبل منطقة الفصل وبالجهة التي ستحدد قواعد الأمن فيها. فبينما تتمسك دمشق باتفاق 1974 وبالسيادة السورية على المنطقة، تسعى إسرائيل إلى فرض ترتيبات ميدانية تستند إلى القوة والواقع العسكري. ومن هنا يصبح الزمن عاملاً أساسياً في هذه المعادلة، لأن استمرار التحصينات وتحولها إلى وجود طويل الأمد قد يزيد من صعوبة إزالتها لاحقاً، ويحولها من انتهاك ميداني قابل للتراجع إلى ورقة تفاوضية مؤثرة في مستقبل الجنوب السوري.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




