تحليلاتقلم وميدان

سياسة مصر الخارجية وأمنها القومي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

المتابع للسياسة الخارجية المصرية في السنوات القليلة الماضية التي أعقبت انقلاب الثالث من يوليو 2013 يستطيع أن يلمح تغيراً واضحاً قد طرأ عليها مقارنة بما كانت عليه في فترة مبارك، فضلا عن فترة الرئيس مرسي، ويمكن أن نشير هنا إلى عدة ملامح رئيسية لتلك السياسة، يمكن من خلالها تقييم السياسة الخارجية المصرية الحالية ودورها الرئيس المنوط بها أن تؤديه في تحقيق المصالح المصرية وحماية الأمن القومي. 

الدبلوماسية المصرية ممثلة في وزارة الخارجية في عهد الوزير الحالي سامح شكري تشهد نشاطا ملحوظاً بشكل كبير مقارنة بفترة مبارك، وبالطبع مقارنة بفترة الدكتور مرسي التي شهدت إحجاما من مؤسسة الخارجية في تقديم الدعم لمؤسسة الرئاسة وتوطيد علاقات مصر الخارجية بما يوفر غطاء دوليا مناسبا لأول رئيس مدني منتخب بعد ثورة يناير.

بعد انقلاب الثالث من يوليو وبسبب تصدع الشرعية الداخلية للنظام المصري وهشاشة أوضاعه الداخلية، تركز النشاط المكثف للخارجية المصرية بالأساس على إعادة تموضع مصر في المنظومة الدولية بشكل يسمح بتلقي أكبر دعم خارجي لصالح قوة النظام الحاكم واستقراره وإكسابه شرعية خارجية وهو ما جعل نشاط الخارجية المصرية الملحوظ يتركز في أنه يوظف في اتجاه البحث عن الغطاء الذي يمكن أن يمنحه الدعم الدولي للنظام.

ملمح رئيسي آخر للنشاط الدبلوماسي المصري يمكن ان نلاحظه بوضوح سواء فيما يتعلق بالملفات المسؤولة عنها الخارجية المصرية أو تلك المسؤولة عنها المخابرات العامة، هو مزيج من جهود التقارب وتمتين العلاقات، مقترنه بممارسات الابتزاز في نفس الوقت. الإشارة إلى عدة مواقف سابقة يمكنها أن تُعضد هذا الملمح، بالنظر إلى العلاقات المصرية مع المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، فبالرغم من حالة التقارب الموجودة فقد صاحبتها محاولات النظام لإقامة علاقات مع الحوثيين أو إطلاق تصريحات هادئة مع إيران، تركيا أيضاً التي أبدى الجانب المصري مؤخرا إشارات وتصريحات إيجابية نحوها فيما يتعلق بعودة العلاقات بين الجانبين، تزامن مع تلك التصريحات اتهامات للجانب التركي من خلال ما يسمى "قضية التخابر".

إيطاليا، وفي سبيل الوصول الى تفاهم وتوافق حول قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني كان التلويح والضغط المستمر من الجانب المصري فيما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية، أيضا لم تُستثنى الولايات المتحدة من تلك السياسة، فبالرغم من حالة التقارب التي تشهدها العلاقات بين الجانبين بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، فإن هذا لم يمنع النظام المصري من التقارب وتطوير العلاقات مع الجانب الروسي بتوقيع اتفاقية بين الجانبين باستخدام المجال الجوي لكل منهما لمجال الآخر، واستخدام طائراتهما العسكرية للقواعد الجوية فيهما، كما لم تمنع هذه العلاقات من تطوير تعاون وثيق مع كوريا الشمالية لم يوقفه إلا تجميد الولايات المتحدة لجزء من المساعدات المقدمة لمصر. كثير من النماذج تُظهر سياسة التقارب المقترن بالابتزاز التي ينتهجها النظام المصري بوضوح في سياسته الخارجية.

وبالرغم من تنامي العلاقات الخارجية المصرية مع العديد من القوى الدولية، كما أشرنا إلى تنامي العلاقات مع روسيا، والعلاقات مع بريطانيا التي شهدت تطوراً ايجابياً ايضاً في العام الماضي، وهو ما رصدته في مقال سابق بعنوان "بريطانيا ومصر: سياسات جديدة أم قديمة؟"، وعلاقات جيدة مع ألمانيا وفرنسا، ونجاح في إبعاد لملفات حقوق الانسان والحريات عن مسار العلاقات الدبلوماسية، إلا أن تلك العلاقات ظلت محصورة في إطار أداء النظام المصري لأدوار وظيفية لصالح تلك القوى في سبيل ضمان بقائه وشرعنته دولياً، وهو الأمر الذي انعكس على توجهات السياسة الخارجية المصرية إزاء أزمات المنطقة المشتعلة والتعامل معها من خلال ما يمكن أن تقوم به في إطار مصالح القوى الدولية المتداخلة في تلك الأزمات.

وإذا كانت الدبلوماسية المصرية قد استطاعت أن تصنع علاقات جيدة على المستوى الدولي والإقليمي من خلال الأدوار الوظيفية التي تقوم بها، لكن ظل دورها في حماية الأمن القومي المصري محدوداً ويكاد أن يكون غير موجود، يمكن تقييم ذلك بشكل مباشر من خلال تقييم السياسة الخارجية مع دول الجوار المباشر التي تمثل المجال الحيوي لمصر، بالنظر الى العلاقات مع السودان وإثيوبيا التي لا تزال تشهد توتراً مستمراً بسبب ملف سد النهضة التي تمس الأمن المائي المصري وتهدد الأمن القومي في الصميم، وإقحام مصر لنفسها في قضايا داخلية تتعلق بأزمات داخل السودان وإثيوبيا، الحدود الغربية لمصر شهدت تخريب النظام المصري للملف الليبي في مصلحة اللواء خليفة حفتر مما تسبب في عدم القدرة على ضبط تلك الحدود، على الحدود الشرقية لا تزال العلاقة مع قطاع غزة وحماس متذبذبة على مدار السنوات السابقة، وإلى أنه حتى عندما بدأت تأخذ مسارا إيجابيا برعاية مسار المصالحة بين فتح وحماس حتى يظل الدور المصري قوي وواضح، لوحظت مؤخرا خطوات غامضة لتقويض هذا المسار، في اطار الاشتراطات التي تدفع لما يسمى بصفقة القرن.

يمكن الوصول إلى أن الخارجية المصرية استطاعت أن تصنع علاقات خارجية داعمة مرتكزة على حماية النظام وتعزيز شرعيته الدولية واستقراره بينما على صعيد تعزيز وحماية الأمن القومي المصري كان الفشل هو العنوان الرئيسي للسياسة الخارجية المصرية مع حدودها وعمقها الاستراتيجي، وانعكس ذلك بوضوح على تراجع الدور المصري الريادي في المنطقة لصالح تصاعد الدور السعودي والاماراتي فضلا عن الدور الايراني والتركي والاسرائيلي، وتجدر الإشارة هنا الى الاستطلاع الذي أجراه معهد "بيو" الأمريكي حيث أظهرت نتائج الاستطلاع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تأثير روسيا وتركيا والولايات المتحدة قد ازداد بشكل كبير مقارنة مما كان عليه الحال قبل عشر سنوات، وتعدت نسبة من يرى ذلك 60% ، بينما كانت مصر هي الدولة الوحيدة التي انحسر تأثيرها خلال العقد الأخير، بحيث يرى 19% فقط أن تأثيرها زاد، مقارنة بنسبة 53% و46% و41% لإيران وإسرائيل والمملكة العربية السعودية على التوالي.

النتيجة الواضحة أن منظومة العلاقات الدولية التي أقامها النظام المصري لا نستطيع أن ننظر إليها من منظور النجاح الفعلي حيث أنها مرتبطة بشكل رئيس بدعم استقرار النظام، وعندما تحين لحظة سحب الدعم من هذا النظام نتيجة المتغيرات التي تشهدها المنطقة، أو نتيجة متغيرات داخلية جوهرية تمليها حالة الاستبداد والقمع والفشل الذي تسبب فيه النظام على جميع المحاور، ستنكشف كل العلاقات الخارجية وسيبقى فقط ما يؤثر على الأمن القومي المصري، حيث لا توجد علاقات قوية ومستقرة مبنية على أسس ومصالح وطنية استراتيجية مع أي طرف، بل علاقات تعتمد بالأساس على مصالح للنظام الحاكم لتحقيق نفع وادوار وظيفية للقوى الإقليمية والدولية، وليس لتأسيس علاقات وتحالفات قوية ومستدامة، مع عدم القدرة على التعامل مع الازمات الموجودة التي تهدد الأمن القومي بشكل مباشر من جميع الجهات سواء شرقية او غربية او جنوبية (1).

——————

الهامش

1 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *