الشرق الأوسطتقديرات

قراءة أولية في المألات وحسابات المكاسب والخسائر لأطراف الصراع في إيران – تقدير موقف

أولًا: مقدمة

يستعرض هذا التقدير، من وجهة نظرنا، تحليل مكاسب وخسائر أطراف الصراع بعد حرب ال 40 يوما على إيران، واستشراف السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، وذلك بشكل موضوعي بقدر الإمكان، وبصرف النظر عن موقفنا من أطراف الصراع، بعيدًا عن المبالغة أو التقليل من شأن التطورات الجارية ومألاتها.

يقوم هذا التقدير على افتراض أن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية سيتم توقيعه يوم الجمعة المقبل، 19 يونيو  في سويسرا 2026، استنادًا إلى ما هو معلن ومتداول حتى الآن من تصريحات رسمية أو تسريبات إعلامية من طرفي الصراع حول عناصر الإتفاق، والذي قد يأتي في نهاية الأمر عند توقيعه مختلفًا عما هو متاح الأن.

ينبغي الإنتباه أن ما يتسرب من تفاصيل عن مذكرة التفاهم التي سيتم توقيعها يمكن أن يكون مختلقًا من أطراف على جانبي الصراع؛ خاصة فيما يتعلق بتضخيم الإنجازات الإيرانية. هناك أطراف متشددة في إيران ضد أي توقيع للإتفاق، بل وتدفع ببعض الإحتجاجات والتظاهرات ضده، لذلك قد تقوم هذه الأطراف بتسريب ما يرفع كثيرًا من سقف توقعات الإيرانيين عما يمكن أن يتمخض عنه الإتفاق، بحيث يمكن لاحقًا إثارة الكثير من الإحتجاجات نظرًا لعدم تحقق هذه التوقعات.

على الجانب الأمريكي (والإسرائيلي)، فإن الأطراف المناوئة للاتفاق قد تقوم باختلاق هذه المكاسب لإيران، مما يجعلها في صورة المنتصر المطلق، وهو ما يمكن أن يشكل سببًا لتخريب مثل هذا “الإتفاق المخزي” حتى قبل توقيعه.

ثانيًا: لماذا جاء الإتفاق الأن؟

من الواضح أن كلا الطرفين الأمريكي والإيراني قد وصل إلى قناعة مفادها وجوب توقف الحرب الأن، ولو بشكلٍ مؤقت، كلُّ لأسبابه، رغم وجود بعض الأصوات المتشددة في كلا الطرفين كانت تريد استمرار الحرب لتحقيق أهداف أمريكية أو إيرانية متشددة، ورغم الضغوط الإسرائيلية على ترامب، حيث لم تكن راضية عن هكذا اتفاق في هذا التوقيت.

كان أمام الولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة الراهنة خياران رئيسيان:

الخيار الأول: العودة إلى الحرب الشاملة مجددًا لاستكمال الأهداف التدميرية لإيران، بعد فترة من توقف إطلاق النار بشكل هش، وذلك بعد أن ظهر بوضوح أن الطرف الإيراني قادر على الصمود أمام الوتيرة المنخفضة للحرب لفترة ليست بالقصيرة، مع عدم تقديم طهران تنازلات سياسية جوهرية تحقق الأهداف الأمريكية، وذلك بعد أن استمرت في المواجهة العسكرية بصورة فاجأت العديد من دوائر صنع القرار الأمريكية.

الخيار الثاني: الدخول في مسار سياسي تفاوضي، ولو بشكل مؤقت، قد ينتهي في نهاية المطاف إلى اتفاق أو هدنة طويلة الأمد.

من الواضح أن الولايات المتحدة اختارت في الوقت الحالي المسار الثاني، أي مسار التفاوض، وأنها أصبحت مضطرة إلى خفض التوتر  مهما كانت العقبات، وإبرام اتفاق و الدخول في هدنة، ولو بشكل مؤقت، وذلك لعدة أسباب:

1- الاعتبارات الاقتصادية

يواجه الاقتصاد الأمريكي ضغوطًا متزايدة، بعد ارتفاع معدلات التضخم إلى مستوى 4.2%، ما سيعرقل أية محاولات من الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي لخفض سعر الفائدة كما كان مأمولًا، وما سيصاحب ذلك من تداعيات سلبية لن تكون في صالح الحزب الجمهوري قبل الانتخابات المقبلة للتجديد النصفي للكونجرس. يضاف إلى ذلك التداعيات السلبية المتصاعدة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وعلى ما يمكن أن يحدثه ذلك في الإقتصاد الأمريكي بالتبعية.

يضاف إلى ذلك، ويزيد من أثاره السلبية، النفاذ المرتقب لاحتياطيات النفط في أمريكا والعالم في غضون أسابيع قليلة، ما يستوجب السعي لفتح مضيق هرمز للملاحة في أسرع وقت ممكن، لاستعادة ملئ هذه المخزونات.

هذه العوامل تمثل، من وجهة نظرنا، السبب الأهم لسعي الولايات المتحدة لوقف الحرب الأن. وعلى الرغم من أن التداعيات الإقتصادية السلبية للحرب لن تتوقف على الفور إذا تم فتح المضيق الأن، بل ستستغرق بعض الوقت لأسباب فنية متعددة، إلا أن وقف تنامي هذه التداعيات الأن سيسمح باحتواء الضرر الحادث على مدار الشهور الماضية نتيجة إندلاع الحرب.

2- الضغوط السياسية الداخلية

شهدت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة ارتفاع أصوات معارضة لاستمرار الحرب، بما في ذلك أصوات مؤثرة داخل تيار “ماجا” الداعم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب عدم وفائه بوعوده الانتخابية بعدم خوض الحروب الخارجية والتركيز على “أمريكا أولا”، وهي الكتلة الانتخابية الأهم بالنسبة له. ولذلك لا يبدو أن الإدارة الأمريكية راغبة في المخاطرة بخسارة هذه القاعدة الشعبية عبر الانخراط في حرب طويلة ومكلفة قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ويحتاج الرئيس ترامب استعادة دعم هذه الفئات بعد أن انخفضت شعبيته لأدنى مستوى لرئيس أمريكي في زمن الحرب .

3- القيود العسكرية

تشير الوقائع الميدانية إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تمتلك خلال المرحلة الحالية القدرة العسكرية الحاسمة التي تمكنها من تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية كاملة عبر الخيار العسكري فقط، دون تحمل كلفة مرتفعة أو الدخول في مواجهة طويلة الأمد أو اللجوء لعمليات برية كبيرة غير مأمونة العواقب، خاصة في ظل التناقص الكبير لترسانتها العسكرية من الصواريخ الهجومية والدفاعية والذخائر المختلفة، والاحتياج لوقت طويل لتعويض هذا النقص.

4-  كأس العالم

تزامن الصراع مع استضافة الولايات المتحدة لأغلب مباريات كأس العالم لكرة القدم، وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية أكثر حرصًا على تجنب أي اضطرابات أمنية أو اقتصادية قد تؤثر على صورة البلاد أو على نجاح تلك الفعاليات.

بناءً على تلك المعطيات، اتجهت واشنطن إلى خيار  وقف الحرب والتفاوض باعتباره الخيار الأكثر  واقعية في ضوء الاعتبارات الراهنة. ويروج المسئولون الأمريكيون وعلى رأسهم ترامب، أن هذا الخيار جاء بعد
“إجبار” إيران على التخلي عن خيار امتلاك سلاح نووي، حيث كان ذلك هو الهدف من الحرب منذ البداية، حسب زعمهم.

على الجانب الإيراني

تبدو إيران أيضًا معنية بإعطاء المسار السياسي فرصة أكبر خلال المرحلة الحالية، ليس فقط باعتباره وسيلة لتثبيت المكاسب التي حققتها ميدانيًا، وإنما أيضًا باعتباره فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والاستعداد للمرحلة المقبلة، سلمًا كانت أو حربًا.

فمن الناحية الاقتصادية، تحتاج إيران إلى فترة من الهدوء النسبي تسمح لها بالتقاط الأنفاس، وتجنب خسائر ضخمة إضافية جراء الحرب والحصار  بعد أن تكبدت الكثير منها جراء الحرب الأخيرة. إيران تريد أيضًا تعويض خسائرها الإقتصادية نتيجة سنوات طويلة من العقوبات الإقتصادية، والتي واكبتها أضرار إقتصادية واجتماعية فادحة. إيران ترى أن الوقت مناسبًا الأن لتغيير الأوضاع نظرًا للمكاسب التي حققتها في الحرب الأخيرة،  بغلق ملف العقوبات، مع الإفراج عن جزء كبير من أموالهاالمجمدة و زيادة صادراتها النفطية، بما يسهم في تحسين أوضاعها الاقتصادية جذريًا، وتقليل الضغوط الداخلية المتراكمة خلال سنوات المواجهة والعقوبات.

أما من الناحية العسكرية، فإن طهران تدرك أن أي توقف للعمليات القتالية يمنحها فرصة لإعادة ترميم ما تضرر من قدراتها العسكرية، وإعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ والمسيرات، وتقييم أداء قواتها خلال الحرب، والعمل على تطوير نقاط القوة ومعالجة أوجه القصور التي كشفتها المواجهة الأخيرة.

كما أن النظام الإيراني يحتاج إلى وقت كافٍ لإعادة ترتيب هياكله القيادية بعد الخسائر التي تعرض لها على مستوى الصفوف الأولى، ولملمة صفوف مؤسساته السياسية والعسكرية، وتمكين القيادات الجديدة من تثبيت مواقعها وإعادة تنظيم آليات العمل واتخاذ القرار، وتحديث استراتيجياتها في ظل الابتعاد عن ضغوط الحرب والقتال.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن إيران، شأنها شأن الولايات المتحدة ولكن لأسباب مختلفة، لا تبدو متحمسة للعودة الفورية إلى الحرب، رغم ما بدا من قدرتها على تحمل تبعات الحرب لوقت أطول من الخصم، بل تميل إلى استثمار فترة التفاوض والهدنة المحتملة لتعزيز وضعها الاقتصادي، واستكمال استعداداتها العسكرية، وإعادة تنظيم بنيتها القيادية والسياسية تحسبًا لأي مواجهة مستقبلية محتملة.

وقد اتجه القرار في إيران لهذا المسار على الرغم من التقارير التي تحدثت عن وجود أصوات متشددة تميل للاستمرار في الحرب لتحقيق الاستثمار الأقصى للمكاسب التي تحققت، أو أنها ترفض مبدأ التفاوض مع أمريكا أصلًا، وعلى الرغم من تعدي إسرائيل على الخط الإيراني الأحمر بضرب بيروت، لكن دفة القرار  الإيراني اتجهت للقناعة بأن مذكرة التفاهم في شكلها الراهن تحقق مكاسب كبيرة لإيران ينبغي استثمارها والبناء عليها.

ثالثًا: التسريبات عن بنود الاتفاق

أهم التسريبات عن بنود الإتفاق تتمثل ما نشرته بلومبرج، وكذلك موقع أكسيوس عن القناة 12  الإخبارية الإسرائيلية، مساء الثلاثاء 16 يونيو، وأكدتها سي إن إن أيضا صباح 17 يونيو، ثم انتهى الأمر  بنشر المذكرة كاملة من قبل مسئول بالبيت الأبيض (من 14 نقطة) بما يتوافق مع التسريبات المذكورة، يمكن تلخيص نقاطها على النحو التالي:
‏1- إيران والولايات المتحدة وحلفاؤهما سيتوقفان عن الأعمال العدائية، بما في ذلك في لبنان.
‏2- إيران تكرر التزامها بعدم تطوير أو الحصول على أسلحة نووية.
‏3- الولايات المتحدة وإيران تلتزمان بحل قضية التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب.
‏4- الولايات المتحدة وإيران ستناقشان قضية التخصيب واحتياجات إيران النووية.
‏5- إيران ستحافظ على الوضع الراهن في برنامجها النووي طالما استمرت المفاوضات.
‏6- الولايات المتحدة ستزيل الحصار البحري، ولن تفرض عقوبات جديدة، ولن تزيد قواتها في المنطقة خلال المفاوضات.

‏7- إيران ستقوم بالترتيبات اللازمة لضمان مرور آمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، مجانًا، لمدة 60 يومًا.
‏8- الولايات المتحدة تلتزم بجعل الأصول الإيرانية المجمدة متاحة للاستخدام مع تنفيذ مذكرة التفاهم.
‏9- إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن الولايات المتحدة ستسحب قواتها خلال 30 يومًا وترفع جميع العقوبات عن إيران.
‏10- أي اتفاق نهائي سيشمل خطة لإنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران.
‏11- الولايات المتحدة ستمنح إيران إعفاءات مؤقتة من العقوبات لبيع النفط خلال المفاوضات.
‏12- ستُعقد المفاوضات بين إيران وعُمان مع مشاركة دول الخليج لتحديد “الترتيبات المتعلقة بالشحن والخدمات البحرية”.

13- ستبدأ المفاوضات عقب توقيع مذكرة التفاهم تلك وبدأ تطبيق ما جاء بها من التزامات.

14- الإتفاق النهائي سيتم اعتماده بقرار ملزم صادر عن مجلس الأمن للأمم المتحدة.

تجدر الإشارة إلى أن بعض المصادر الإيرانية نفت أن يكون هذا النص كاملًا أو دقيقًا. على هذا الأساس عندما يتم التوقيع على الاتفاق كاملا بشكل رسمي، إذا حدث، يمكن إذا تطلب الأمر، أن نقوم بمراجعة استنتاجات هذا التقدير في وقت لاحق.

وبصورة عامة، فإن مجرد توقيع الاتفاق بعد صمود إيران وإفشالها للمخططات الأمريكية الإسرائيلية التي كانت تهدف – وفق هذا التقدير – إلى إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل تغيير سلوكه الاستراتيجي، وتجريد إيران من قدراتها العسكرية والنووية، وإبعادها عن حلفائها الإقليميين وإنهاء نفوذها الإقليمي، حيث يعني ذلك نجاح إيران في مرحلة الصمود والردع بعد أن فرضت إرادتها السياسية والعسكرية على الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الجولة الثانية من الحرب، أو ما بات يُعرف بحرب الأربعين يومًا.

إلا أننا نرى من خلال بنود الاتفاق التي تم تسريبها، وكما سنستعرض في هذا التقدير، أن إيران قد تجاوزت مرحلة الصمود والردع إلى تحقيق مكاسب استراتيجية لم يكن متحصلًا عليها قبل الحرب، ما يعني أنها أنهت، إلى حد كبير، هذه الجولة من الصراع على الأقل لصالحها وبفارق واضح، وهو ما أشارت إليه هيئة تحرير صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية بأن “ترامب خسر الحرب التي بدأها ضد إيران“، وكذلك صحيفة الوول ستريت جورنال بأن “ترامب تراجع استراتيجيًا أمام إيران“، وهو التقييم الذي وصلت إليه وسائل إعلام عديدة أخرى.

إذا ثبت بالفعل تضمن مذكرة التفاهم لجميع البنود التي جرى تسريبها، وتحقق على أرض الواقع تنفيذ ما فيها دون عوائق، فإننا نرى أن ذلك سيكرس من قوة إيران إقليميًا، وسيدفعها، من وجهة نظرنا، لسلوك نهج أكثر تشددًا وعدوانية على مسار استعادة دورها الذي انكمش خلال العامين الماضيين، وذلك في إطار مشروعها الطائفي التوسعي المعروف.

من المهم الإشارة إلى أن الاتفاق المنتظر توقيعه، إن تم، لا يعتبر اتفاقًا نهائيًا وشاملًا لإنهاء الصراع وتحقيق السلام الدائم ين الطرفين ، بل هو مجرد مذكرة تفاهم مدتها 60 يومًا، لا يوجد لها أي صفة ملزمة قانونيا، بل تعتمد على إرادة الطرفين وحسن النوايا، لوضع أسس اتفاق هدنة يهدف إلى استمرار المفاوضات حول الملفات المختلفة التي لا تزال محل خلاف في ظل توقف الأعمال العسكرية وفك الحصار من الطرفين حول مضيق هرمز. وبالتالي يمكن توصيفه بأنه، كما يُعرف عسكريًا بـ«الوقفة التعبوية» بشكل مؤقت، تمهيدًا لمسار تفاوضي قد يفضي لاحقًا إلى اتفاق أكثر شمولًا، وقد لا يحدث ذلك ما يؤدي لعودة حالة الحرب بين الطرفين.

رابعًا: قراءة في مكاسب وخسائر الأطراف المتصارعة

إيران

الخسائر الإيرانية

خرجت إيران من هذه الحرب وقد تحملت الكثير من الخسائر المهمة، من أبرزها:

– اغتيال عدد من القادة البارزين، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، إلى جانب عدد من قيادات الصف الأول على المستويين العسكري والسياسي.

– تعرض الكثير من المنشآت العسكرية والبنى التحتية الإيرانية للتدمير أو الأضرار الكبيرة.

– تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر كبيرة نتيجة الحصار  والقيود الاقتصادية التي فُرضت خلال فترة الحرب، وكذلك نتيجة القصف والدمار، وذلك في ظل وضع مأزوم أصلا بسبب العقوبات الأمريكية المستمرة لسنوات.

المكاسب الإيرانية

رغم تلك الخسائر، فإن إيران حققت – في تقديرنا – مجموعة من المكاسب الاستراتيجية المهمة، التي تفوق كثيرًا ما تكبدته من خسائر، أو بمعنى أخر، فإن هذه الخسائر لم تكن عاملًا معيقًا لتحقيق هذه النتائج الهامة:

1-  الصمود والردع:

نجحت إيران في توظيف كافة الإمكانيات المتاحة لديها، سواء الإمكانيات العسكرية التي تحقق لها تفوقًا مثل الصواريخ والمسيرات، أو سلاح الجغرافيا متمثلّا في موقعها على مضيق هرمز ، بكفاءة كبيرة، واستطاعت أن تظهر بمظهر القوة القادرة على الصمود دون تراجع طيلة فترة الحرب، ما أدى إلى إفشال مخططات الخصوم، ودفعهم للعودة إلى طاولة المفاوضات، وإفشال تحقيق الأهداف الأمريكية عبر العمل العسكري المباشر.

ولم تكتف إيران بممارسة الصمود أمام المهاجمات المعادية لتحقيق أهدافها، بل انتقلت إلى مربع الردع بالمبادرة بتوجيه الضربات إذا ما تم تجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها هي؛ أي أنها تقدمت على طريق تغيير قواعد الإشتباك بما يحقق درجة عالية من الردع، واستفادت من إدراكها لمدى حرص ترامب والولايات المتحدة على إبرام اتفاق في هذا التوقيت. ظهر ذلك جليًا في التعامل مع الهجمات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت، وفي مناسبات أخرى عدة. هذه الممارسة تعطي إيران قوة تفاوضية إضافية في تحقيق أهدافها السياسية كما ظهر مما تسرب من نطاق الإتفاق.

2-  السيطرة على مضيق هرمز:

استطاعت إيران تكريس وضع جديد تسيطر بموجبه على مضيق هرمز ، سواءً قامت بتحصيل رسوم على مرور السفن أم لا، بما يعطيها ميزة استراتيجية تكفل لها نفوذًا إقليميًا وعالميًا كبيرًا يتيح لها فرض إرادتها بشكل كبير. وقد أدى توظيفه من قبل إيران مبكرًا فور اندلاع الحرب إلى إلحاق خسائر مباشرة بالاقتصاد العالمي، ورفع كلفة الحرب على جميع الأطراف. قبل الحرب، ورغم تحذير الخبراء من أثر إغلاق المضيق، لم يعر الكثيرون انتباهًا لحجم التأثير الحقيقي لهذه الورقة الاستراتيجية، بينما أظهرت التطورات الأخيرة مدى أهميتها ومدى قدرة إيران على استخدامها كورقة ضغط فعالة، قد تفوق في أهميتها قوة الردع النووي.

قد يترتب أيضًا على التفاهمات والمفاوضات الجارية الان ظهور صيغة جديدة لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، تقوم على تحصيل رسوم مالية لصالح إيران مقابل خدمات يتم تقديمها بالمشاركة بين إيران وسلطنة عمان، حيث ذكرت التسريبات أنه ستُعقد المفاوضات بين إيران وعُمان مع مشاركة دول الخليج لتحديد “الترتيبات المتعلقة بالشحن والخدمات البحرية”، وليس رسوم عبور للمضيق بما يتعارض مع القانون الدولي، وهو ما سيعود بمنافع مالية ضخمة على إيران.  يتردد أن هذه الرسوم لن يتم تحصيلها طوال ال 60 يوما، فترة التفاوض، وبالتالي يمكن أن يبدأ ذلك لاحقًا.

لكن بصرف النظر عن موضوع تحصيل رسوم من عدمه، فقد اتضحت قدرة إيران على السيطرة على المضيق بما لديها من قدرات تهديدية سواء بالمسيرات أو الصواريخ قصيرة المدى، دون الحاجة لوضع ألغام على مسارات السفن. تستطيع إيران في أي وقت إغلاق المضيق بهذه الطريقة بعد إعادة فتحه، ما يعطيها قوة كبيرة في عملية التفاوض المقبلة، وكذلك في المستقبل عند استقرار الأوضاع، وبالتالي تكتسب نفوذًا إقليميًا ودوليًا كبيرا.

3- الحفاظ على البرنامج الصاروخي:

لا تتضمن مذكرة التفاهم عن المفاوضات المقبلة – وفق المعطيات المطروحة – أي حديث عن تفكيك البرنامج الصاروخي الباليستي أو المجنح الفرط صوتي الإيراني أو تقليص مداه، وهو الذي أصبح يمثل القوة الضاربة الرئيسية لإيران، مع المسيرات بالطبع، وهو ما يعني احتفاظ طهران بأهم أوراقها العسكرية الضاربة، وإخراج هذه الورقة من نطاق أهم الأهداف التي كانت أمريكا، وإسرائيل على وجه الخصوص، تسعيان لتحييدها. العامل المهم الأخر، هو أنه رغم الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، فإن التقارير المتواترة التي خرجت مؤخرًا تفيد بعدم تضرر “مدن الصواريخ” الواقعة تحت الأرض، وأن القدرة الإيرانية على القصف الصاروخي على الأهداف المعادية قد استمرت بكفاءة حتى انتهاء هذه الجولة من الحرب.

4- الإفراج عن الأموال المجمدة:

يسمح الاتفاق بجعل الأصول الإيرانية المجمدة متاحة للاستخدام “مع تنفيذ مذكرة التفاهم”، أي أن ذلك غير مرتبط بالإتفاق النهائي أو بالملف النووي، بل بمجرد فتح مضيق هرمز  والدخول في عملية المفاوضات، وهو ما يمثل انفراجة اقتصادية كبيرة ومهمة بالنسبة لطهران لم تكن متاحة على الإطلاق قبل الحرب.

5- التصدير الشرعي للنفط مع الاستفادة من ارتفاع الأسعار:

يتيح الاتفاق منح الولايات المتحدة لإيران رفعًا مؤقتًا للعقوبات فيما يتعلق ببيع النفط الإيراني، وهو ما يعني العودة بصورة واسعة وشرعية إلى سوق النفط العالمية يتيح لإيران تصريف المخزون الكبير الذي لم يمكن تصريفه أثناء الحرب، وفي ظل ارتفاع الأسعار مقارنة بما قبل الحرب، وهو ما سيتيح لها،  أثناء فترة التفاوض، مع الإفراج عن الأموال المجمدة، عائدات مالية ضخمة.

6- تحييد القواعد الأمريكية في الخليج:

أظهرت الحرب محدودية فاعلية القواعد الأمريكية في الخليج، سواء على المستوى الدفاعي أو الهجومي، حيث تعرضت القواعد التابعة للقيادة المركزية الأمريكية في المنطقة لضغوط وضربات متكررة، ما عرضها لأضرار جسيمة، وهو ما فرض تحديات إضافية على واشنطن. دفع ذلك الولايات المتحدة إلى الاعتماد بصورة أساسية على حاملات الطائرات والقوات البحرية لتنفيذ العمليات الرئيسية. لذلك تبدو هذه القواعد الأن عديمة الفائدة، بل تشكل عبئا كبيرًا على الدول التي تستضيفها، مما قد يدفع دول الخليج للبحث عن منظومة أمنية أخرى تقدم لها الحماية اللازمة، وقد يؤدي ذلك إلى تقارب إيراني مع هذه الدول لتشكيل منظومة أمنية تجمع الخليج بجانبيه.

7- الحفاظ على حق تخصيب اليورانيوم:

من أهم الإنجازات الإيرانية التمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، طبقًا لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، حيث أن الاتفاق الحالي لا يتضمن الوصول إلى “صفر تخصيب” كما كان يطلب ترامب وحلفائه دائمًا، بل يتجه الإتفاق نحو تنظيم مستويات التخصيب ضمن نسب محددة يتم التوافق عليها أثناء عملية التفاوض، وهو ما يشبه إلى حد كبير الإطار العام للاتفاق الذي أُبرم خلال إدارة أوباما. أيضًا، مذكرة التفاهم لم تتضمن التخلص من اليورانيوم الإيراني المخصب حاليًا كشرط مسبق لعملية التفاوض، كما كان المطلب الأمريكي دائمًا، وإنما جعلته أيضًا موضوعًا للتفاوض، على أن يتم خفض نسبة التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما كانت إيران تصر عليه دائمًا.

8- دعم الحلفاء و ترميم مبدأ وحدة الساحات:

لا يوجد أي حديث في الإتفاق عن تقليص دعم الحلفاء الإقليميين لإيران أو قطع العلاقة بهم. كما عملت إيران بصورة واضحة على إعادة ترميم مفهوم “وحدة الساحات”، سواء على المستوى السياسي أو العسكري. ويُعد الربط بين جبهة طهران وجبهة بيروت مؤشرًا واضحًا على هذا التوجه، إذ لم يعد الدور الإيراني مقتصرًا على تقديم الدعم العسكري لحزب الله، بل بات يتجه نحو ربط المسارين السياسي والعسكري بصورة أكثر تماسكًا. كما سعت طهران إلى تخفيف الضغوط عن جبهة لبنان عبر توجيه ضربات مباشرة إلى العمق الإسرائيلي، ووضعت خطًا أحمر يتعلق بقصف بيروت، بما يعكس تحولًا في آليات إدارة الصراع مقارنة بالمراحل السابقة.

إلا أنه فيما يتعلق بجبهة غزة، فرغم تداول بعض التقارير حول سعي إيران لإدراجها ضمن مسار التفاوض، فإن هذا الأمر لا تتوافر بشأنه مؤشرات أو قرائن كافية حتى الآن، وهو ما ينتقده بعض المحللين والمراقبين، و يعدونه تمييزًا بين أطراف “محور المقاومة”.

9- استثمار الوضع الإقتصادي العالمي:

سوف تتفاوض إيران في ظل وضع اقتصادي عالمي مضطرب، وفي ظل رغبة أمريكية ودولية واضحة في وقف نزيف الاقتصاد العالمي وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة والسلع الاستراتيجية الأخرى. ويمثل هذا العامل ورقة قوة لإيران، التي ستسعى لاستغلال هذا الوضع لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب التفاوضية.

10 – تماسك النظام السياسي و زيادة الالتفاف الشعبي حوله:

خرجت إيران من الحرب محافظة على تماسك نظامها السياسي، رغم استهداف عدد من رموز الصف الأول وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي بالقتل في بداية الحرب. من الواضح أن المجموعة التي تدير المشهد في إيران الأن، حربًا وسياسة، تبدو متماسكة ومسيطرة على القرار. بل أن واقع الأمور  يشير إلى أن اتجاه دفة السيطرة ذهب إلى مركز ثقل جديد في الحرس الثوري، يميل إلى التشدد، لكنه يعقد اتفاقًا عندما يُقدِّر أن ذلك في صالح إيران.

تقديرنا هو أن حجم الإنجازات التي حققها النظام الإيراني الحاكم من الحرب ستزيد من الالتفاف الشعبي حوله وتعزز التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية، وسد الثغرات أمام أية هبات شعبية قد تسعى لتغيير النظام، خاصة في ظل المكاسب المالية الكبيرة التي أشرنا إليها، والتي ستعزز من تحسين الإقتصاد الإيراني بكل تأكيد.

ويبرز  حاليًا داخل المشهد الإيراني تياران رئيسيان: تيار يسعى إلى تحقيق توازن بين العمل العسكري والسياسي للوصول إلى اتفاق يحقق مكاسب استراتيجية لإيران، وتيار آخر يفضل استمرار المواجهة وعدم تقديم أي تسويات أو الدخول في أي عملية تفاوض مع الولايات المتحدة . في ظل ذلك توارى أي صوت لإعطاء تنازلات تفاوضية دون الحصول على ثمن مجزي لها. الإنجازات المشار إليه، إن تحققت على أرض الواقع، ستؤدي إلى تعظيم قوة التيار السائد الأن، والذي يتبنى الضغط العسكري كوسيلة يحقق منها مكاسب سياسية مهمة.

وفي هذا السياق جاءت دعوات الرئيس الإيراني إلى الالتفاف حول المرشد مجتبى خامنئي، وتحذيره من توجيه (يقصد من قِبل بعض الأطراف المتشددة) اتهامات بالخيانة إلى العاملين ضمن مؤسسات الدولة الساعين إلى حماية المصالح الوطنية.

11- تطور العقيدة الاستراتيجية الإيرانية:

ساهمت حرب الإثني عشر يومًا في العام 2025، وما تبعها في حرب الأربعين يومًا هذا العام، في تطوير العقيدة الإستراتيجية الإيرانية من تبني سياسة “الصبر الإستراتيجي” والاستمرار في تلقي الضربات دون رد مناسب، إلى تبني سياسة مختلفة تعتمد نهجًا مغايرًا تمامًا بالانتقال من الصمود إلى الردع والمبادرة. هذا التغيير هو ما مكّن إيران من تحقيق الإنجازات المشار إليها، إذا استمرت، وهو ما سيجعل القيادة الإيرانية الجديدة أكثر تشددًا، بل أننا نتوقع أن تعود إيران أكثر عدوانية في المستقبل، حيث ستحاول استعادة نفوذها الذي تضاءل في المنطقة على مدار العامين الماضيين، لكي تستثمر ما سيتراكم لديها من إمكانيات جديدة للسعي قدما في مشروعها الأصلي الطائفي التوسعي.

الولايات المتحدة الأمريكية

المكاسب الأمريكية

تسعى الولايات المتحدة إلى تقديم نتائج الحرب باعتبارها نجاحًا في إضعاف القوة الصاروخية الإيرانية والقوة البحرية الإيرانية. إلا أن قراءة الوقائع الميدانية – وفق هذا التقدير – تشير إلى أن هذا التقييم محل نقاش، إذ استطاعت إيران الإستمرار في إطلاق الصواريخ في اتجاهات مختلفة، وكذلك إغلاق مضيق هرمز حتى المراحل الأخيرة من الحرب، وهو ما يعكس استمرار فاعلية قدراتها الصاروخية والبحرية.

وتسوق واشنطن إعادة فتح مضيق هرمز باعتباره مكسبًا استراتيجيًا، غير أن المضيق كان مفتوحًا قبل اندلاع الحرب أصلًا، ما يجعل إعادة فتحه عودة للوضع الطبيعي أكثر من كونه مكسبًا جديدًا، فضلًا عن أن الأثار السلبية لإغلاقه وقت الحرب ستستمر لفترة من الزمن، وأن الفتح الجديد للمضيق سيكون خاضعًا للإرادة الإيرانية.

يتفاخر ترامب أيضًا أنه أجبر  إيران على التعهد بعدم إنتاج سلاح نووي، في حين أن هذا كان التزامًا إيرانيًا بالفعل، وصدرت بذلك فتوى دينية من المرشد الإيراني، ودخلت إيران في إتفاقية أوباما التي كانت تلزمها بذلك، فضلًا عن انضمامها من قبل لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. على العكس من ذلك، فإن الأصوات داخل إيران التي تدعو  لعدم استبعاد هذا الخيار في المستقبل نتيجة السلوك الأمريكي والإسرائيلي، قد عادت للظهور مرة أخرى، وبقوة.

الخسائر الأمريكية

يتضح الأن أن الحسابات التي حملت أمريكا على شن الحرب على إيران كانت خاطئة تمامًا، بكل ما في ذلك من تفاصيل. لذلك ترتب على خوض هذه الحرب عدة خسائر مهمة، وبعضها استراتيجي، على الولايات المتحدة:

  1. تضرر الصورة الذهنية للقوة العسكرية الأمريكية الساحقة التي لا تقهر نتيجة عدم تحقيق الأهداف المعلنة رغم التفوق العسكري الكبير على جيش لا يقارن بالجيش الأمريكي في كل النواحي. وترتب على هذه الحرب تكريس ما ظهر من اتجاهات في الحروب الحديثة، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية، من أن قدرة وسائل قتالية منخفضة الكلفة على مواجهة الكثير من الأنظمة العسكرية الأمريكية المتطورة كمروحيات أباتشي ومقاتلات اف -15 واف-35 الأمريكية، والتي استطاعت مسيرات إيرانية ومنظومات دفاع جوي تابعة للقوات الإيرانية على مواجهتها، هي قدرة مرتفعة. ترتب على ذلك تكريس الإنطباع بأن الأسلحة المتطورة مرتفعة الثمن،  التي تنتجها الولايات المتحدة، أصبحت غير ذي جدوى في الحروب الحديثة. النتيجة المباشرة لذلك هو التوصل للاستنتاج بأن امتلاك قوة عسكرية هائلة لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية كاملة، إذ يمكن لطرف ما أقل قدرة عسكرية أن ينجح في إفشال مخططات خصمه الأقوى إذا أحسن إدارة موارده وقدراته وتوظيف نقاط القوة المتاحة لديه. سيؤدي ذلك في المستقبل للمزيد من الجرأة عند الدول الأقل حظوظًا على مواجهة دولة مثل الولايات المتحدة بكل عنفوانها.
  2. تم استنفاذ جزء مهم من المخزون الأمريكي من الصواريخ الدفاعية والهجومية والذخائر خلال العمليات، وهو ما أثر على وضعها العسكري الاستراتيجي، ليس فقط على مسرح العمليات في الشرق الأوسط، ولكن حول العالم.
  3. اضطرار الولايات المتحدة إلى زيادة القوات وتوسيع انتشار حاملات الطائرات والقوات البحرية في المنطقة، ما ترتب عليه من أعباء مالية وعسكرية كبيرة.
  4. تفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع معدلات التضخم وتعثر خطط الإصلاح الاقتصادي.
  5. عدم القدرة على فرض اتفاق أفضل، من وجهة النظر الأمريكية، من الاتفاق الذي أُبرم خلال إدارة أوباما، والذي طالما انتقده الرئيس ترامب وألغاه في فترة رئاسته الأولى.
  6. ربما للمرة الأولى، وصل تأييد الشعب الأمريكي لحرب جارية أثناء حدوثها، إلى أدنى مستوياته، وهو ما يكرس المزيد من الاستقطاب داخل المجتمع، ويشكل بالنسبة لترامب وحزبه الجمهوري ضربة قوية ستؤثر  بالتأكيد على حظوظ الحزب في الانتخابات المقبلة للتجديد النصفي للكونجرس بغرفتيه.

إسرائيل

تعمل إسرائيل على عرقلة أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وتسعى لتخريبه بشتى الطرق، في حين تسعى واشنطن إلى ضبط الإيقاع ومنع أي خطوات قد تؤدي إلى إفشال المسار التفاوضي الحالي. وترى إسرائيل أن أي اتفاق مع إيران سيمنح طهران فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، والحفاظ على قدراتها الصاروخية وشبكة حلفائها، بما يؤدي إلى تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب إسرائيل. ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق يمنعها من تحقيق أهدافها الاستراتيجية من جر أمريكا إلى الحرب، كذلك سيقيد أيديها عن العمل على الجبهة اللبنانية بالطريقة التي تفضلها.

من الخسائر التي تعرضت لها إسرائيل أيضًا بسبب الحرب على إيران، هو الإهتزاز الشديد للصورة الذهنية عنها لأنها دفعت الولايات المتحدة لحرب خاسرة ليست في صالحها، بعد الإهتزاز الذي كان قد حدث بالفعل نتيجة العدوان على غزة.

خامسًا: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: هدنة مؤقتة تنتهي باتفاق نهائي:

يقوم هذا السيناريو على أن الهدنة الحالية ستتطور تدريجيًا إلى اتفاق نهائي وشامل بين الأطراف. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة ستكون قد قبلت بشروط إيرانية رئيسية بعد فشل الخيار العسكري في تحقيق أهدافه ويعني رضوخ أمريكا أمام إيران.

يعضد من هذا السيناريو الرغبة الواضحة لترامب وإدارته في الخروج من مستنقع الحرب، ووقف النزيف الإقتصادي والعسكري الذي أحدثته هذه الحرب، والذي سيستمر ببقاء القوات الأمريكية الضخمة في المنطقة، حتى بدون اندلاع الحرب مرة ثانية، ويضر كثيرا بحظوظ الرئيس ترامب وحزبه للسيطرة على الحياة السياسية الأمريكية، كما كان في أول عامين من إدارته.

إلا أن هذا السيناريو ، من وجهة نظرنا، يُعد الأقل احتمالًا، بسبب اتساع الفجوة بين أهداف الأطراف المختلفة، وكذلك الصورة الذهنية التي ستتكرس بالهزيمة الأمريكية بما يدفع للعمل على محوها، إضافة إلى العمل الإسرائيلي  المتوقع في إفشال أي اتفاق دائم. بالنسبة لإسرائيل، فإن تدمير  القدرات الإيرانية لكي تنفرد بالمنطقة وتعيد تشكيلها تحت قيادتها، هو هدف لن تتنازل عنه. أيضًا خروج إيران من الحرب واستعادة قدراتها الإقتصادية سيزيد من قوتها في المنطقة، ويدفعها لتمديد نفوذها مرة أخرى بما يتعارض مع الأجندة الصهيونية في المنطقة.

قد يكون الأهم من ذلك بالنسبة لإسرائيل في الوقت الحالي، هو أن الإتفاق يغل يدها عن تحييد حزب الله وإزالة تهديده على إسرائيل، وأن الحزب عاد أكثر قوة ونفوذًا وسيشكل دائمًا خطرًا استراتيجياً على الكيان الصهيوني، بل سيتحول الخط الأحمر الإيراني الحالي في بيروت، ليشمل الجنوب اللبناني كله لاحقًا، بل قد يمتد حتى مع الوقت إلى غزة إذا تنامت قوة ونفوذ إيران في المنطقة .

لذلك ستعمل إسرائيل بكل الطرق، سواء داخل الولايات المتحدة بالنفوذ والتأثير، أو خارجها بإشعال الحرب في لبنان، على تخريب الإتفاق واستعادة أمريكا إلى ساحة المعركة ضد إيران. السؤال سيكون في هذه الحالة، هو هل سيخضع ترامب للضغوط والابتزازات الإسرائيلية، أم أنه سيستجيب لها في نهاية المطاف بعد أن تكون أمريكا، من وجهة نظره، في حالة أفضل لإعادة الإنخراط في الصراع؟ وهل سيستسلم اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على الحياة السياسية الأمريكية بسيطرته على أغلب السياسيين وأعضاء الكونجرس؟ وهل من الممكن أن يكون ترامب يخطط لإعطاء إسرائيل مكاسب كبيرة في ملفات أخرى ليثنيها عن فكرة إعادة الحرب على إيران؟ (مثلا قانون دمج الجيش الإسرائيلي مع الجيش الأمريكي، أو إطلاق يد إسرائيل في الملف الفلسطيني، أو غير ذلك؟).

السيناريو الثاني: استمرار المفاوضات لفترة طويلة

يقوم هذا السيناريو على استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم”، بحيث تستمر المفاوضات لفترات طويلة دون القدرة على التوصل إلى اتفاق نهائي أو العودة إلى الحرب. وفي هذه الحالة ستسعى الولايات المتحدة وإيران إلى إدارة الخلافات ومنع التصعيد، خصوصًا في ظل الاعتبارات السياسية والاقتصادية التي تواجه الطرفين، بالإضافة إلى فعاليات كأس العالم التي تعقد في أمريكا وإقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر المقبل.

كما قد تستغل واشنطن هذه الفترة لإعادة بناء قدراتها واستكمال الاستعدادات العسكرية اللازمة تحسبًا لأي مواجهة مستقبلية إذا فشل المسار السياسي تمامًا.

السيناريو الثالث: عودة الحرب

يقوم هذا السيناريو على فشل الجهود السياسية في مرحلة لاحقة لأي سبب من الأسباب، بما يؤدي إلى استئناف العمليات العسكرية بصورة مباشرة. وقد يحدث ذلك نتيجة تعثر المفاوضات أو فشل الأطراف في التوصل إلى تفاهمات حول الملفات الجوهرية محل الخلاف.

الخلاصة

من خلال قراءة المعطيات الحالية، لازال كلا السيناريوهين الثاني والثالث، من وجهة نظرنا، هما الأقرب للتحقق خلال المرحلة المقبلة من السيناريو الأول. فالفجوات القائمة بين الأطراف لا تزال كبيرة، كما أن الملفات الخلافية الرئيسية لم تُحسم بعد، وهو ما يجعل استمرار المفاوضات لفترة طويلة أو العودة إلى المواجهة العسكرية احتمالين أكثر واقعية من الوصول السريع إلى اتفاق نهائي وشامل. وعليه، فإن الهدنة المتوقعة – إذا تم التوصل إليها – ينبغي النظر إليها باعتبارها محطة ضمن مسار الصراع، وليست نهاية له، إذ ستظل التناقضات الاستراتيجية بين الأطراف المختلفة قائمة، بما يبقي احتمالات التوتر والتصعيد حاضرة خلال المرحلة المقبلة.

إلا أن النتيجة المهمة التي يمكن الخروج بها بعد جولة الأربعين يوماً من الحرب، هو أن الدول إذا امتلكت إرادتها وأحسنت إدارة مواردها واستخدام أوراقها يمكنها أن تقف أمام الولايات المتحدة وإسرائيل وتمنعها من تحقيق أهدافها رغم القوة العسكرية الباطشة التي تمتلكانها، وذلك بصرف النظر عن وجهة نظرنا في التوجهات الإيرانية، التي، على الجانب الأخر، إذا استطاعت بلورة ما حققته حتى الأن في صورة نصر متكامل، ستعود أكثر شراسة وعدوانية في المنطقة، وستعمل على استعادة تنفيذ مشروعها القومي الطائفي التوسعي، وهو ما يجب أيضًا أن يدخل في الحسبان عند إعادة تقييم حسابات جميع الأطراف في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى