استنزاف الصواريخ الأمريكية وتحديات الحرب الكبرى – هل سيؤدي للنووي التكتيكي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة:
تُعد الذخائر الاستراتيجية، ولا سيما الصواريخ الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي، أحد أهم محددات القدرة العسكرية في الحروب الحديثة. وعلى الجانب الأخر، لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بامتلاك أحدث المنظومات والأسلحة، بما فيها المنظومات الصاروخية، وإنما بمدى القدرة على الحفاظ على استدامة العمليات القتالية وتعويض الاستهلاك خلال الحروب طويلة الأمد. وقد أظهرت التجارب العسكرية الحديثة أن امتلاك التفوق التكنولوجي لا يضمن وحده تحقيق الحسم، إذا تمكن الخصم من نقل المعركة إلى ساحة الاستنزاف وإطالة أمد الصراع.
في هذا السياق، كشفت تقارير أمريكية حديثة عن تعرض المخزون الصاروخي الأمريكي لضغوط كبيرة خلال الحرب مع إيران، بعد استهلاك كميات واسعة من الصواريخ الاعتراضية الدفاعية وكذلك الهجومية بعيدة المدى، الأمر الذي أثار نقاشات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية حول تأثير ذلك على جاهزية القوات، وقدرة واشنطن على مواصلة العمليات العسكرية لفترات طويلة، أو التعامل مع أزمات مستقبلية في مناطق أخرى من العالم.
ولا تكمن أهمية هذه التطورات فقط في حجم الذخائر التي تم استهلاكها، وإنما في الدلالات الاستراتيجية الأوسع المرتبطة بطبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبح عامل الزمن، وقدرة الدول على الإنتاج والتعويض في الوقت المناسب، وإدارة مخزونها العسكري، عناصر حاسمة في تحديد مسار الصراعات الكبرى. ومن هنا تأتي أهمية قراءة أزمة المخزون الصاروخي الأمريكي باعتبارها مؤشرًا على التحول من منطق الضربة الحاسمة الذي اعتمدته أمريكا لسنوات طويلة، إلى منطق حرب الاستنزاف، وتأثير ذلك على حسابات القوى الكبرى وإدارة الصراعات المستقبلية.
السؤال المهم في هذا الإطار هو: هل ستقبل أمريكا بالتعرض لنوع من الهزيمة الإستراتيجية نتيجة هذه المتغيرات الأخيرة، المتمثلة في عدم القدرة على تحقيق أهدافها من الحروب باستخدام وسائل التفوق المطلق التقليدية، أم ستحاول تعويض ذلك باللجوء لاستخدام السلاح النووي التكتيكي استمرارًا لنهج التفوق الكاسح الذي اعتادت عليه، بالرغم مما قد يترتب على ذلك من تداعيات مدمرة؟
أولًا: أزمة استنزاف المخزون الصاروخي الأمريكي وانعكاساتها على القدرة العسكرية الأمريكية
كشفت تقارير حديثة شبه متطابقة نشرتها وكالة رويترز وكذلك شبكة CNN عن واحدة من أهم المعضلات العسكرية التي تواجهها الولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران، والمتمثلة في الاستنزاف الحاد للمخزون الأمريكي من الذخائر والصواريخ الاستراتيجية، الأمر الذي أثار نقاشات واسعة داخل الإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية حول مدى قدرة الجيش الأمريكي على الاستمرار في العمليات العسكرية طويلة الأمد، وتأثير ذلك على جاهزيته لمواجهة صراعات مستقبلية مع خصوم استراتيجيين مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، فضلًا بالطبع عن الحرب الحالية مع إيران.
وبحسب المصادر التي تحدثت إلى الوكالتين، فإن الحرب التي استمرت عدة أشهر فرضت على القوات الأمريكية معدلات استهلاك غير مسبوقة للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي، ما أدى إلى تراجع المخزون إلى مستويات دفعت كبار القادة العسكريين إلى إصدار تحذيرات مباشرة للإدارة الأمريكية بشأن استمرار العمليات العسكرية بنفس الوتيرة.
استنزاف غير مسبوق لمنظومات الدفاع الجوي
وأظهرت البيانات التي استندت إليها التقارير أن الجيش الأمريكي استهلك ما يقارب 80% من مخزون صواريخ منظومة “ثاد” (THAAD) مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في حين استُهلك ما يقارب نصف مخزون صواريخ “باتريوت” الاعتراضية منذ بداية العمليات العسكرية ضد إيران. صواريخ منظومة “ثاد” (THAAD) هي صواريخ اعتراضية تُستخدم ضمن منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية THAAD لاعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى في المرحلة النهائية من مسارها، سواء داخل الغلاف الجوي أو خارجه، وتُعد أحد أهم مكونات الدرع الصاروخي الأمريكي.
صواريخ “باتريوت” (Patriot) هي صواريخ اعتراضية تُستخدم ضمن منظومة الدفاع الجوي الأمريكية باتريوت لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات والطائرات المسيّرة، وتُعد من أبرز منظومات الدفاع الجوي متعددة المهام لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
وجاء في تقرير سي إن إن “استُنزفت مخزونات أنظمة الدفاع الجوي الرئيسية بشكل خاص خلال الحرب على إيران، حيث استهلك الجيش الأمريكي ما يقارب أربعة أخماس مخزون صواريخ “ثاد” مقارنةً بأرقام ما قبل الحرب، ونحو نصف صواريخ “باتريوت” الاعتراضية منذ بداية الحرب، وفقًا لمصدرين مطلعين على أحدث تقرير للمخزون”. وقالت سي إن إن أن الجيش الأمريكي استخدم “جميع” أسلحته أرض-جو بعيدة المدى عالية الدقة تقريبًا خلال النزاع، وفقًا لمصدر مطلع على تقارير داخلية حديثة لوزارة الدفاع.
وأشارت المصادر لسي إن إن إلى أن الصواريخ بعيدة المدى التي استُنزفت بشكل أساسي خلال الحرب على إيران هي “أنظمة الصواريخ “التكتيكية” و”الضربة الدقيقة”. كما لا يزال المخزون الأمريكي من صواريخ “توماهوك” مستنزفاً بشكل كبير، حيث استُخدم ما يقرب من نصف هذه الأسلحة خلال الحرب، وفقاً لما ذكره أحد المصادر.
صواريخ “توماهوك” (Tomahawk)، هي صواريخ كروز بعيدة المدى تُطلق من السفن الحربية والغواصات، وتُستخدم لتنفيذ ضربات دقيقة ضد الأهداف الاستراتيجية والمحصنة في عمق أراضي الخصم، مع تقليل الحاجة إلى إشراك الطائرات المأهولة في المراحل الأولى من العمليات العسكرية.
ومن جانبها ذكرت وكالة رويتر نصًا بأن الولايات المتحدة استخدمت “جميع” صواريخها الدقيقة بعيدة المدى تقريبًا خلال الحرب مع إيران”.
وكان مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) قد قدّر أن الولايات المتحدة كانت تمتلك قبل اندلاع الحرب نحو 452 صاروخًا من منظومة ثاد، بالإضافة إلى نحو 2200 صاروخ باتريوت من أحدث الطرازات، وهو ما يعني أن الحرب استنزفت جزءًا كبيرًا من أحد أهم عناصر منظومة الدفاع الجوي الأمريكية.

وتُعد منظومتا باتريوت وثاد العمود الفقري للدفاع الجوي والصاروخي الأمريكي، إذ تتولى الأولى اعتراض الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تمثل منظومة ثاد خط الدفاع الرئيس لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي أو في مراحله النهائية.
وأثار هذا التراجع مخاوف مباشرة لدى عدد من الحلفاء الإقليميين، خصوصًا في منطقة الخليج العربي، الذين يعتمدون بصورة كبيرة على المظلة الدفاعية الأمريكية، حيث نقلت التقارير عن مسؤولين أن دول الخليج أبدت قلقًا متزايدًا من أن يؤدي انخفاض المخزون الأمريكي إلى تراجع قدرة واشنطن على دعم دفاعاتها الجوية في حال تعرضها لهجمات إيرانية واسعة، خاصة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
استنزاف الصواريخ الهجومية بعيدة المدى
ولم يقتصر الاستنزاف على الصواريخ الدفاعية، بل امتد أيضًا إلى الصواريخ الهجومية بعيدة المدى التي يعتمد عليها الجيش الأمريكي في تنفيذ الضربات الدقيقة دون تعريض الطائرات المأهولة للخطر. وأكدت المصادر أن الولايات المتحدة استخدمت خلال الحرب معظم صواريخها التكتيكية بعيدة المدى، وعلى رأسها صواريخ أتاكامز ATACMS وصواريخ PrSM الحديثة، والتي تمثل الجيل الجديد من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى التابعة للجيش الأمريكي.
صواريخ أتاكامز (ATACMS)، صواريخ باليستية تكتيكية أرض-أرض بعيدة المدى، تُطلق من راجمات الصواريخ، وتُستخدم لتنفيذ ضربات دقيقة ضد الأهداف العسكرية عالية القيمة مثل مراكز القيادة، ومستودعات الذخيرة، والقواعد والمنشآت الحيوية خلف خطوط القتال. وصواريخ PrSM (Precision Strike Missile)، هي صواريخ أرض-أرض دقيقة بعيدة المدى من الجيل الجديد، طورتها الولايات المتحدة لتحل تدريجيًا محل صواريخ ATACMS، وتتميز بمدى أطول ودقة أعلى، وتُستخدم لاستهداف الأهداف العسكرية عالية القيمة مثل مراكز القيادة، ومنظومات الدفاع الجوي، والقواعد والمنشآت المعادية.
وتتميز هذه الصواريخ بقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف بعيدة. وتتجاوز قيمتها العملياتية المليون دولار للصاروخ الواحد، كما لعبت صواريخ ATACMS دورًا بارزًا خلال الحرب الأوكرانية في استهداف مواقع داخل العمق الروسي، بينما تمثل صواريخ PrSM البديل المستقبلي لها بمدى أكبر ودقة أعلى.
ووفقًا للمصادر، فإن الجيش الأمريكي استخدم “جميع” هذه الصواريخ تقريبًا خلال الحرب مع إيران، وهو ما اعتُبر أحد أخطر مؤشرات الاستنزاف التي شهدتها الترسانة الأمريكية منذ سنوات.
كما تعرض مخزون صواريخ توماهوك هو الآخر لاستنزاف كبير، حيث أشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة استخدمت ما يقارب نصف مخزونها العالمي من هذه الصواريخ البحرية الهجومية بعيدة المدى، والتي تُطلق عادة من المدمرات والغواصات والطرادات لتنفيذ ضربات استراتيجية ضد الأهداف المحصنة.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الولايات المتحدة استهلكت نحو 30% من مخزون توماهوك خلال المراحل الأولى من الحرب، قبل أن ترتفع نسبة الاستهلاك لاحقًا إلى قرابة النصف مع استمرار العمليات.
تحذيرات داخل البنتاغون ورئاسة الأركان
وبحسب التقارير، فإن قضية استنزاف المخزون لم تكن مجرد نقاش فني داخل وزارة الدفاع، وإنما تحولت إلى أحد الملفات الرئيسية التي نوقشت بصورة متكررة داخل البيت الأبيض. وأبلغ كبار القادة العسكريين، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماعات متعددة بأن استمرار الحرب بنفس الوتيرة قد يؤدي إلى تراجع المخزون إلى مستويات تؤثر في جاهزية القوات المسلحة الأمريكية.
كما ناقشت الاجتماعات تقديرات تتعلق باحتمال وقوع خسائر بشرية كبيرة داخل إيران في حال توسيع العمليات العسكرية، إلى جانب المخاوف من تأثير استمرار استنزاف الذخائر على قدرة الولايات المتحدة على مواجهة أزمات أخرى قد تندلع في مناطق مختلفة من العالم. وأشارت المصادر إلى أن هذه التحذيرات طُرحت أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، وأنها كانت أحد العناصر الأساسية التي أُخذت في الاعتبار عند تقييم خيارات التصعيد العسكري.
تراجع ترامب عن الضربة الواسعة
وكشفت التقارير أن الرئيس الأمريكي كان قد وافق مبدئيًا على تنفيذ ضربة واسعة ضد إيران، وأصدر وزير الدفاع بيت هيغسيث التعليمات الأولية بالاستعداد لتنفيذها. إلا أن القرار تغير بعد سلسلة من المشاورات الأمنية والسياسية، شملت تحذيرات عسكرية بشأن استنزاف المخزون، وتقديرات استخباراتية حول التداعيات المحتملة لاستهداف البنية التحتية الإيرانية، فضلًا عن مخاوف نقلها حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من تعرض منشآت الطاقة الخليجية لهجمات انتقامية إيرانية. وبناءً على هذه المعطيات، قرر ترامب تعليق تنفيذ العملية مؤقتًا، مع إبقاء خيار العودة إلى تنفيذها قائمًا إذا اقتضت التطورات الميدانية ذلك.
إلا أن تقديرنا أن استنزاف المخزون لم يكن العامل الحاسم المباشر لعدم توجيه الضربة، إذا كانت هناك نية لتوجيهها في هذا التوقيت من الأساس. هذه ليست المرة الأولى التي يثار فيها هذا الأمر، وبالتالي من المفترض أن يكون واضحًا قبل اتخاذ القرار بتوجيه أي ضربة في الأصل. الأهم من ذلك أن الانتظار لأيام، أو حتى أسابيع، لن يصلح هذا الأمر أو يحل المشكلة نظرًا للاحتياج لسنوات لتعويض ما تم استنفاذه (كما يظهر من البند التالي)، ولذلك فنحن نرى أن هذا القصور يترتب عليه تداعيات استراتيجية، كما نوضح في هذه الدراسة، وليس مجرد تأجيل ضربة تقرر توجيهها من قبل.
تحديات إعادة بناء المخزون
ورغم تأكيد البيت الأبيض ووزارة الدفاع أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك من الذخائر ما يكفي لتنفيذ جميع الخطط العسكرية، فإن البيانات المتعلقة بالإنتاج كشفت عن فجوة واضحة بين معدلات الاستهلاك ومعدلات التعويض. فوفقًا للتقديرات المنشورة، لا تتسلم وزارة الدفاع سوى نحو 20 صاروخ باتريوت وقرابة 15 صاروخ توماهوك شهريًا، وهي معدلات إنتاج لا تتناسب مع حجم الاستهلاك الذي شهدته الحرب. كما قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن إعادة بناء مخزون صواريخ ثاد إلى مستوياته السابقة قد تستغرق ثلاث سنوات أو أكثر، في حين قد يحتاج تعويض بعض أنواع الذخائر الأخرى إلى سنوات أيضًا، رغم شروع وزارة الدفاع في توقيع عقود جديدة لتوسيع إنتاج محركات صواريخ باتريوت وثاد وزيادة الطاقة الإنتاجية للصناعة الدفاعية الأمريكية.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن الحرب لم تقتصر آثارها على ميدان العمليات العسكرية، وإنما امتدت لتكشف حجم الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها حتى أكبر قاعدة صناعية عسكرية في العالم عندما تواجه حربًا طويلة تتطلب استهلاكًا كثيفًا للذخائر عالية الدقة، وهو ما أعاد ملف المخزون الاستراتيجي إلى صدارة حسابات الأمن القومي الأمريكي والتخطيط العسكري المستقبلي.
ثانيًا: الدلالات العسكرية والاستراتيجية لأزمة الذخائر الأمريكية وانعكاساتها على إدارة الحروب الكبرى
تكشف أزمة استنزاف المخزون الصاروخي الأمريكي خلال الحرب مع إيران عن تحول مهم في طبيعة الحروب الحديثة، إذ لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بحجم الترسانة أو التفوق التكنولوجي، وإنما بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على استدامة العمليات القتالية لفترة طويلة، وتأمين تدفق مستمر للذخائر والمعدات لتعويض الاستهلاك والخسائر.
لقد أظهرت الحرب أن امتلاك الولايات المتحدة لأكثر المنظومات العسكرية تقدمًا في العالم لا يعني بالضرورة قدرتها على خوض حرب مفتوحة طويلة دون قيود، فالحروب الحديثة، خصوصًا بين الدول ذات القدرات الصاروخية المتقدمة، أصبحت تعتمد على معادلة الاستنزاف بقدر اعتمادها على التفوق النوعي.
1- الاستنزاف يكشف حدود القوة الأمريكية
اعتمدت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية على عقيدة عسكرية تقوم على تحقيق التفوق الجوي، والسيطرة على المجال العملياتي، واستخدام الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى لتقليل المخاطر البشرية على قواتها. إلا أن الحرب مع إيران كشفت تحديًا أساسيًا لهذه العقيدة، يتمثل في أن خصمًا يمتلك مخزونًا صاروخيًا كبيرًا مع المسيرات وقدرة على تنفيذ هجمات مكثفة يمكنه إجبار الجيش الأمريكي على استهلاك كميات ضخمة من الذخائر الدفاعية والهجومية خلال فترة زمنية قصيرة.
فالصاروخ الاعتراضي الأمريكي، خصوصًا في منظومات مثل ثاد وباتريوت، يمتلك قيمة مالية وعسكرية مرتفعة، واستخدامه ضد موجات متكررة من الصواريخ والطائرات المسيّرة يفرض معادلة اقتصادية صعبة، حيث قد تصبح تكلفة الدفاع أعلى بكثير من تكلفة الهجوم الذي يواجهه.
وهنا تظهر إحدى أهم تحديات الحروب المستقبلية: قدرة الخصم على شن هجمات منخفضة التكلفة نسبيًا لإجبار الطرف الآخر على استنزاف منظومات دفاعية باهظة الثمن.
2- الحرب الطويلة تمثل نقطة ضعف في النموذج العسكري الأمريكي
تاريخيًا، بنت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من تفوقها العسكري على القدرة على حسم الصراعات بسرعة، عبر استخدام القوة الجوية الضاربة، والصواريخ الدقيقة، والتفوق الاستخباراتي والتكنولوجي. لكن نموذج الحرب الطويلة يمثل تحديًا مختلفًا، لأنه ينقل الصراع من مرحلة التفوق النوعي إلى مرحلة القدرة على الإنتاج والتعويض. ففي حال امتدت الحرب لفترات طويلة، تصبح القدرة الصناعية الدفاعية عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن التكنولوجيا العسكرية نفسها، وهو ما ظهر بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أصبح إنتاج الذخائر وتعويض الاستهلاك عنصرًا رئيسيًا في تقييم قدرة الأطراف على الاستمرار.
والدرس الذي كشفت عنه الحرب مع إيران هو أن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ ضربات هائلة في المراحل الأولى من الصراع، لكنها قد تواجه ضغوطًا متزايدة إذا تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة تعتمد على معدلات إطلاق مرتفعة للصواريخ والهجمات المتبادلة.
3- تأثير الأزمة على الردع الأمريكي
يعتمد الردع الأمريكي بصورة أساسية على فكرة امتلاك القدرة على توجيه ضربة قوية في أي مكان، وفي الوقت نفسه حماية القوات والحلفاء من الردود المحتملة. لكن انخفاض مخزون الصواريخ الاعتراضية والهجومية قد يؤثر على أحد عناصر هذا الردع، لأن الخصوم قد يعيدون تقييم قدرة الولايات المتحدة على خوض أكثر من مواجهة كبرى في الوقت نفسه.
فواشنطن لا تنظر إلى الشرق الأوسط فقط باعتباره مسرحًا منفصلًا، بل تربطه بحسابات المنافسة الكبرى مع الصين وروسيا. ولذلك فإن أي استنزاف كبير للذخائر الاستراتيجية في منطقة واحدة ينعكس على الحسابات الأمريكية في مناطق أخرى. وهذا يفسر القلق الذي عبر عنه بعض المسؤولين والخبراء من أن استمرار استهلاك الذخائر بمعدلات مرتفعة قد يؤثر على قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أزمات مستقبلية في المحيطين الهادئ والأوروبي.
4- التحول في طبيعة الصراع الصاروخي
تكشف هذه الحرب كذلك عن تغير في طبيعة المواجهة بين القوى الكبرى والمتوسطة. ففي السابق، كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا واضحًا في مجال الصواريخ الدقيقة والدفاعات الجوية، لكن انتشار الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقدرات الهجومية بعيدة المدى لدى خصومها فرض معادلة جديدة. لم يعد السؤال فقط: من يمتلك السلاح الأكثر تقدمًا؟ بل أصبح السؤال: من يستطيع تحمل تكلفة الحرب لفترة أطول؟ فالدولة التي تستطيع إنتاج وتعويض الصواريخ بسرعة، وتحافظ على مخزون استراتيجي كافٍ، قد تمتلك ميزة مهمة في أي حرب مستقبلية، حتى لو لم تكن صاحبة التكنولوجيا الأكثر تقدمًا.
5- أزمة التقديرات قبل الحرب
تكشف أزمة المخزون أيضًا عن أهمية التقدير الاستراتيجي قبل اتخاذ قرار الحرب. فأي عملية عسكرية كبرى لا تعتمد فقط على القدرة على تنفيذ الضربة الأولى، وإنما على الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيدًا: ماذا لو طال أمد الحرب؟ ما حجم الذخائر المطلوبة؟ هل تستطيع الصناعة الدفاعية تعويض الاستهلاك؟ هل يمتلك الخصم القدرة على الصمود وإطالة الصراع؟ ما هي اللحظة المناسبة لإنهاء الحرب؟ والتحدي الأكبر أمام أي قوة عظمى هو أن الخطأ في تقدير قدرة الخصم أو مدة الحرب قد يحول التفوق العسكري من ميزة استراتيجية إلى عبء لوجستي واقتصادي.
وعليه، تؤكد أزمة الذخائر الأمريكية أن القوة العسكرية الحديثة لا تقوم فقط على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وإنما على القدرة على الحفاظ على زخم العمليات خلال الحروب الطويلة. وقد أظهرت الحرب مع إيران أن حتى الولايات المتحدة، بما تمتلكه من أكبر ميزانية دفاعية وقاعدة صناعية عسكرية في العالم، ليست بمنأى عن ضغوط الاستنزاف، خصوصًا عندما ينجح الخصم في تحويل الصراع من مواجهة قصيرة محسومة إلى حرب طويلة متعددة المجالات. وهنا تظهر أهمية العامل الزمني في الحروب الحديثة؛ فكلما طال أمد الحرب، انتقلت الأفضلية تدريجيًا من الطرف الأكثر تفوقًا تكنولوجيًا إلى الطرف الأكثر قدرة على التحمل والإنتاج والتعويض.
ثالثًا: خيارات الولايات المتحدة الأمريكية لتجاوز أزمة مخزون الصواريخ – قراءة في العقلية الأمريكية العسكرية:
في ضوء التحديات التي كشف عنها الاستنزاف المتزايد للمخزون الأمريكي من الصواريخ الاستراتيجية، سواء الهجومية أو الدفاعية، تبرز أمام صانع القرار في واشنطن ملف فرضته التطورات وهو إعادة تقييم العقيدة العسكرية وآليات إدارة الحروب المستقبلية؛ فاستمرار الاعتماد على الأنماط التقليدية في إدارة العمليات قد يفرض أعباءً عسكرية وصناعية واقتصادية متزايدة، الأمر الذي قد يدفع صانع القرار في واشنطن إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءة تحقق التوازن بين الحفاظ على التفوق العسكري وضمان استدامة القدرة القتالية في الحروب طويلة الأمد لكي يمكن تحقيق الهدف من الحرب. وفي هذا الإطار، يمكن استعراض أبرز الخيارات والبدائل التي قد تلجأ إليها الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما نتابع إتخاذ بعض الإجراءات العملية نحوه بالفعل، تناقش بكثافة في الأوساط العسكرية الأمريكية.
1- التحول نحو الحرب منخفضة التكلفة وتعظيم الإنتاج الكمي
قد يدفع الاستنزاف المتزايد للمخزون الأمريكي من الصواريخ الاستراتيجية صانع القرار العسكري في واشنطن إلى إعادة هيكلة فلسفة التسليح وإدارة العمليات القتالية، عبر توسيع الاعتماد على المسيّرات الانتحارية، والذخائر الجوالة، والصواريخ منخفضة الكلفة، بما يسمح بإنتاج كميات ضخمة خلال فترات زمنية قصيرة، مع تقليل العبء المالي والصناعي الذي تفرضه الصواريخ الاستراتيجية بعيدة المدى.
ولن يعني هذا التحول تخلي الولايات المتحدة عن إنتاج الصواريخ الاستراتيجية (الدفاعية والهجومية) أو تقليص برامجها، وإنما إعادة توزيع أدوارها داخل المعركة؛ بحيث تُحفظ تلك الصواريخ للمهام الحاسمة ذات القيمة الاستراتيجية العالية، بينما تتولى المسيّرات والذخائر منخفضة التكلفة تنفيذ الجزء الأكبر من عمليات الاستنزاف والضربات اليومية. وبهذا تستطيع الولايات المتحدة مجابهة خصوم يعتمدون على الإنتاج الكثيف للمسيّرات والصواريخ منخفضة الكلفة، دون أن تضطر إلى استنزاف مخزونها من الأسلحة الاستراتيجية التي تمثل الركيزة الأساسية لتفوقها العسكري العالمي.
قد يعني هذا تحول العقيدة العسكرية الأمريكية نفسها، بحيث تتراجع عن نموذج الحروب القائمة على الضربات الجوية والصاروخية الكثيفة منذ اللحظات الأولى، إلى نموذج يعتمد على الاستنزاف الاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي والسيبراني، مع تقليل الاعتماد على الصواريخ الاستراتيجية إلا ضد الأهداف ذات القيمة العالية. وبهذا تصبح الصواريخ الاستراتيجية أداة للحسم في اللحظات الفاصلة، وليس وسيلة رئيسية لإدارة العمليات اليومية، بما يضمن الحفاظ على المخزون الاستراتيجي واستدامة القدرة القتالية في حال اندلاع أكثر من أزمة دولية في الوقت نفسه.
2- تطوير وسائل اعتراض منخفضة الكلفة لكسر معادلة الاستنزاف
أحد أهم الدروس التي فرضتها الحروب الحديثة يتمثل في أن منظومات الدفاع الجوي الأمريكية أصبحت تواجه معضلة اقتصادية وعسكرية؛ إذ تُجبر في كثير من الأحيان على استخدام صواريخ اعتراضية استراتيجية مرتفعة الثمن، مثل صواريخ باتريوت وثاد وSM-3 وSM-6، لاعتراض أهداف منخفضة الكلفة كالمسيّرات الانتحارية أو الصواريخ الباليستية الرخيصة نسبيًا. ومع تكرار هذا النمط القتالي، لم تعد المشكلة مقتصرة على القدرة على الاعتراض، وإنما امتدت إلى استنزاف المخزون الاستراتيجي الأمريكي نفسه بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة العسكرية على تعويضه.
ومن ثم، قد تتجه الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة صياغة فلسفة الدفاع الجوي، عبر تطوير طبقة اعتراض منخفضة الكلفة تكون مخصصة للتعامل مع الأهداف الرخيصة، بحيث لا تُستهلك الصواريخ الاستراتيجية إلا ضد التهديدات عالية القيمة. ويمكن أن يشمل ذلك التوسع في استخدام أسلحة الليزر والطاقة الموجهة، وأنظمة الميكروويف عالية القدرة (HPM)، والمدافع الذكية، والصواريخ الاعتراضية منخفضة الكلفة، والمسيّرات الاعتراضية، بما يحقق توازنًا أفضل بين تكلفة وسيلة الاعتراض وقيمة الهدف المهاجم.
ولن يهدف هذا التحول إلى استبدال منظومات الدفاع الجوي الاستراتيجية، وإنما إلى إعادة توزيع الأدوار داخل شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات؛ بحيث تصبح الوسائل منخفضة الكلفة هي خط الدفاع الأول ضد هجمات الإغراق بالمسيّرات والصواريخ الرخيصة، بينما يُحتفظ بالصواريخ الاعتراضية الاستراتيجية للتعامل مع الصواريخ فرط الصوتية، والصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والطائرات المتقدمة، وهو ما يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على مخزونها الاستراتيجي وإطالة قدرتها على خوض حروب الاستنزاف دون إنهاك ترسانتها الدفاعية.
3- توسيع دور الخيارات النووية التكتيكية في العقيدة العسكرية
إذا استمرت الضربات التقليدية واسعة النطاق في استهلاك كميات ضخمة من الذخائر والصواريخ الاستراتيجية، دون تحقيق نتائج حاسمة بالسرعة المطلوبة، فقد يدفع ذلك دوائر التخطيط العسكري الأمريكي إلى إعادة تقييم أدوات الحسم العسكري، والانتقال تدريجيًا من الاعتماد الحصري على القوة التقليدية إلى إدراج خيارات نووية تكتيكية محدودة ضمن سيناريوهات إدارة النزاعات الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة سوف تتجه نحو استخدام السلاح النووي، وإنما يعكس تطورًا في التفكير الاستراتيجي بشأن كيفية تحقيق الردع أو الحسم بأقل استنزاف ممكن للقدرات التقليدية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، نقلت بالفعل شبكة NBC News أن البنتاغون يعمل على إعداد مراجعة سرية للاستراتيجية النووية الأمريكية تمنح اهتمامًا أكبر لاحتمال استخدام أسلحة نووية قصيرة المدى ومنخفضة القدرة التدميرية في النزاعات الإقليمية.
ولا تعني هذه المراجعة وجود قرار فوري باستخدام السلاح النووي، لكنها تكشف عن تحول مهم في التفكير العسكري الأمريكي؛ من النظر إلى الترسانة النووية باعتبارها أداة ردع استراتيجي فقط، إلى دراسة إمكانية توظيف بعض مكوناتها داخل النزاعات والحروب. (راجع هنا تقرير المعهد المصري للدراسات حول مراجعة البنتاجون للاستراتيجية النووية)
4- توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية وزيادة الطاقة الإنتاجية
قد تلجأ الولايات المتحدة إلى إطلاق برنامج صناعي وعسكري واسع النطاق لإعادة بناء مخزونها الاستراتيجي، عبر زيادة خطوط إنتاج الصواريخ، وتوسيع قاعدة الموردين، وتوقيع عقود طويلة الأجل مع شركات الصناعات الدفاعية، بما يسمح بالانتقال من اقتصاد إنتاج مناسب لفترات السلم إلى اقتصاد صناعي قادر على دعم الحروب الممتدة. ويشمل ذلك أيضًا الاستثمار في الأتمتة والذكاء الاصطناعي وتقنيات التصنيع المتقدم لتقليص زمن الإنتاج وخفض التكلفة وزيادة المرونة الصناعية.
” المقصود بـ الأتمتة (Automation) في الصناعات العسكرية هو إحلال الأنظمة والآلات والروبوتات محل جزء كبير من العمل البشري داخل خطوط الإنتاج، بما يؤدي إلى زيادة سرعة التصنيع، وتقليل الأخطاء، وخفض التكلفة، ورفع الطاقة الإنتاجية”.
إلا أن هذا التوجه، رغم أنه حتمي، فهو يمثل حلولًا طويلة الأمد لتعويض الأسلحة الذخائر المستنفذة، و سيحتاج لعدد من السنوات حتى يعطي نتائج ملموسة، فضلًا بالطبع عن التكاليف الهائلة المرتبطة به.
5- توزيع عبء الاستنزاف على الحلفاء وتعزيز الإنتاج المشترك
قد تتجه واشنطن إلى إعادة توزيع عبء الحرب على حلفائها، بحيث لا تتحمل وحدها استنزاف المخزون الاستراتيجي. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر توسيع برامج الإنتاج المشترك للصواريخ والذخائر مع الحلفاء، وتشجيعهم على زيادة قدراتهم التصنيعية، ورفع مساهماتهم في توفير الذخائر الاعتراضية والهجومية، بما يخلق قاعدة إنتاج جماعية داخل منظومة التحالفات الغربية، ويضمن استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة دون استنزاف القدرات الأمريكية وحدها.
إلا أن هذا البديل أيضًا يعتبر طويل المدى ونتائجه ليست مضمونة، لاعتماده على حلفاء تتغير توجهاتهم باستمرار بأساليب ديمقراطية.
رابعًا: التحليل الاستراتيجي — إيران وحرب الاستنزاف وإعادة تشكيل حسابات القوة الأمريكية
تكشف المعطيات السابقة أن أحد أهم الدروس العسكرية التي أفرزتها الحرب مع إيران يتمثل في أن الاستنزاف اللوجستي والذخائري قد يصبح العامل الحاسم في مسار الحروب الحديثة، حتى في مواجهة قوة عظمى تمتلك تفوقًا هائلًا في التكنولوجيا والقدرات الجوية والبحرية والاستخباراتية.
فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات أو دقة الصواريخ، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على استمرارية القتال لفترة طويلة، وتأمين خطوط الإمداد، وتعويض ما يتم استهلاكه في الميدان. وقد أثبتت تجارب الحروب الحديثة أن الطرف الذي ينجح في جر خصمه إلى حرب طويلة، مع القدرة على الصمود واستدامة الإمدادات، قد يتمكن من تغيير معادلة التفوق النوعي التي يمتلكها الطرف الآخر.
أ-إيران وتغيير معادلة الحرب القصيرة
تشير المعطيات إلى أن التقديرات الأمريكية والإسرائيلية قبل الحرب كانت تقوم بدرجة كبيرة على افتراض أن التفوق الجوي والتكنولوجي، إلى جانب القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، سيكون كافيًا لتحقيق نتائج حاسمة خلال فترة زمنية قصيرة، دون الدخول في مواجهة طويلة تستنزف المخزون الاستراتيجي. إلا أن استمرار الحرب لفترة أطول مما كان متوقعًا أدى إلى انتقال الصراع من مرحلة الضربات النوعية إلى مرحلة الاستنزاف المتبادل، وهو التحول الذي يمثل أحد أخطر السيناريوهات التي تواجه أي قوة عسكرية تعتمد على التفوق التكنولوجي والذخائر عالية التكلفة.
فالمشكلة لم تكن فقط في حجم الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة، وإنما في قدرة إيران على الاستمرار في إطلاق الهجمات وفرض نمط عملياتي متعدد الجبهات، بما أجبر واشنطن على استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية والهجومية للحفاظ على مستوى الردع وحماية قواتها ومصالحها.
وهنا تظهر أهمية ما يسمى في العلوم العسكرية بـ”إدارة إيقاع الحرب”، إذ إن الطرف الذي يستطيع فرض وتيرة عملياتية مرتفعة على خصمه قد يجبره على استنزاف موارده بصورة أسرع من قدرته على التعويض.
ب-فشل التقدير المسبق لطبيعة الحرب: الغموض الاستراتيجي كأداة ردع
تُعد التقديرات الاستخباراتية والعسكرية قبل الحرب كما أشرت سابقًا أحد أهم عناصر صناعة القرار الاستراتيجي، لأنها تحدد شكل التدخل العسكري، وحجم القوات المطلوبة، وكمية الذخائر اللازمة، والمدة الزمنية المتوقعة للصراع. وفي الحالة الإيرانية، تشير تطورات الحرب إلى أن بعض الحسابات الأمريكية ربما لم تُقدّر بصورة دقيقة قدرة إيران على الصمود أو حجم المخزون الصاروخي الذي يمكنها استخدامه أو قدرتها على تنفيذ عمليات ممتدة.
فالدول التي تمتلك قدرات صاروخية كبيرة لا تعتمد فقط على عدد الصواريخ التي تمتلكها، وإنما على قدرتها على إدارة هذه القدرات، وإخفاء حجمها الحقيقي، وتوزيعها، والحفاظ على جزء منها للاستخدام في مراحل لاحقة من الحرب.
ومن هذه الزاوية، فإن قدرة إيران على الحفاظ على قدر من الغموض حول قدراتها العسكرية والصاروخية مثلت عنصرًا مهمًا في حسابات الردع، لأن عدم معرفة الخصم بشكل كامل بحجم القدرة الحقيقية يجبره على بناء خططه على تقديرات خاطئة وغير دقيقة بقوة الطرف الذي سيدخل معه في مواجهة، وهو ما يزيد من تكلفة القرار العسكري وإعادة الحسابات بعد مرحلة من الحرب.
في الحروب الحديثة، لا تعتمد الدول فقط على القوة الصلبة، وإنما تستخدم كذلك ما يعرف بـ”الغموض الاستراتيجي”، حيث يصبح عدم الكشف عن القدرات الحقيقية جزءًا من منظومة الردع. وقد نجحت إيران، وفق القراءة العسكرية لمسار الحرب، في الحفاظ على درجة من الغموض بشأن حجم مخزونها الصاروخي، وقدرتها على إعادة الإطلاق، وقدرتها على فتح مسارح عمليات متعددة.
وهذا النوع من الغموض يفرض على الخصم استهلاك موارد أكبر، سواء في عمليات الاستطلاع أو الدفاع أو الاعتراض، لأنه لا يستطيع التأكد من حجم التهديد المتبقي. وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة اضطرت إلى التعامل مع التهديد الإيراني على أنه تهديد مستمر، الأمر الذي أدى إلى زيادة معدلات استخدام الصواريخ الدفاعية والهجومية.
ج-العامل اللوجستي في قرار التصعيد الأمريكي
تكشف التقارير المتعلقة بنقص الذخائر أن العامل اللوجستي أصبح حاضرًا بقوة في عملية صنع القرار الأمريكي. فحتى عندما تمتلك الدولة القدرة على تنفيذ ضربة عسكرية قوية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكانية تنفيذ الضربة الأولى، وإنما بقدرتها على إدارة اليوم التالي للحرب. وهنا تظهر أهمية التقارير العسكرية التي حذرت من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى استنزاف مستويات المخزون التي تحتاجها الولايات المتحدة للحفاظ على جاهزيتها في مناطق أخرى من العالم.
وبالتالي، فقد يكون تراجع ترامب عن تنفيذ ضربة واسعة، والتي وصفها بأنها ستكون من أكبر الضربات منذ الحرب العالمية الثانية، قد جاء باعتباره نتيجة لتداخل عوامل متعددة، كان من بينها تقديرات المؤسسة العسكرية بشأن تكلفة استمرار الحرب، وحجم الذخائر المطلوبة، واحتمالية تحول الصراع إلى مواجهة طويلة لا يمكن التحكم في مسارها بسهولة. إلا أننا، وكما ذكرنا من قبل، لا نرجح أن يكون هذا هو العامل الرئيس الحقيقي الدافع لخفض التصعيد في هذه المرحلة بالذات.
د-الدرس العسكري الأبرز: لا تحسم كل حرب بالتفوق الأولي
تكشف الحرب مع إيران عن حقيقة أساسية في الدراسات العسكرية الحديثة، وهي أن التفوق في بداية الحرب لا يعني بالضرورة ضمان الانتصار النهائي. فقد تمتلك دولة ما أفضل الطائرات، وأكثر الصواريخ دقة، وأقوى منظومات الاستطلاع، لكنها قد تواجه تحديًا إذا نجح الخصم في منع الحسم السريع وتحويل الحرب إلى معركة استنزاف طويلة. وهنا يصبح عامل الزمن سلاحًا بحد ذاته. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقًا نوعيًا، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على منظومة إنتاج وتعويض تحتاج إلى وقت، بينما يمكن لخصم يمتلك مخزونًا صاروخيًا كبيرًا وقدرة على تحمل الضربات أن يفرض تكلفة استراتيجية متزايدة.
قد يكون الشكل الذي تحقق به الردع الإيراني في الحرب الأخيرة هو أحدث أشكال تحقق هذا الردع في الحروب غير المتماثلة، إلا أنه في حقيقة الأمر فلم تكون هذه هي المرة الأولى للوصول إلى هذه النتيجة، فحروب فيتنام والعراق وأفغانستان كلها تشهد على ذلك، إلا أن الحرب الأخيرة شهدت شكلًا جديدًا وسريعًا لتحقق هذه النتيجة، خاصة وأن الطرف المواجه للولايات المتحدة في هذه الحالة كان جيشًا نظاميًا وليس مجموعات مقاومة تتبنى أسلوب حرب العصابات، مما سيغير كثيرا في قواعد إدارة الحروب التقليدية النظامية في المستقبل.
ه- إقتراب اللجوء للخيار النووي التكتيكي
من الواضح أن ما واجهته الولايات المتحدة في إيران قد يفرض عليها، إذا لم تقبل بحالة الهزيمة التي ربما تكون قد لحقت بها، اللجوء لخيار استخدام الأسلحة النووية التكتيكية في محاولة لحسم الحرب وإرغام إيران على الاستسلام، الذي لا تظهر أية أفاق له في ظل الإقتصار على الأساليب التقليدية مهما بلغت قوتها.
وسيظل هذا البديل، من المنظور الأمريكي، أقل كلفة من اللجوء لبديل أكثر خطورة مثل الغزو البري، سواء المحدود أو الشامل، مما يزيد من احتمال اللجوء إليه. وقد يُنظر لهذا البديل كتمهيد عنيف لأية عملية للغزو البري مستقبلًا، تهدف لإستعادة السيطرة على مضيق هرمز، أو حتى تغيير النظام الإيراني الحاكم بالقوة.
بقراءة عسكرية، حتى لو توقفت الحرب الأمريكية-الإيرانية عند هذا الحد، وهو ما يمكن اعتباره انتصارًا إيرانيًا من زاوية نجاح طهران في الصمود وإفشال أهداف واشنطن العسكرية والسياسية، فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى استخلاص الدروس المستفادة من هذه الحرب ، وستعيد تقييم عقيدتها القتالية وأدوات الحسم العسكري. وقد يدفعها ذلك إلى إعادة تعريف قواعد استخدام القوة، وربما توسيع دراسة الخيارات النووية التكتيكية، في ضوء ما كشفته الحرب من أن الاعتماد المكثف على الأسلحة الاستراتيجية التقليدية في معارك الاستنزاف يُعد خيارًا بالغ الكلفة، وقد لا يحقق النتائج الحاسمة المرجوة في الحروب الممتدة التي تدخل مرحلة الاستنزاف.
الخلاصة:
إن أهم ما تكشفه أزمة الذخائر الأمريكية ليس ضعف القوة العسكرية الأمريكية، وإنما حدود استخدامها عندما تنتقل الحرب من مرحلة العمليات القصيرة عالية الكثافة إلى حرب استنزاف طويلة. وقد نجحت إيران، وفق هذه القراءة، في نقل المعركة من مجال التفوق العسكري التكنولوجي الأمريكي الساحق إلى مجال القدرة على التحمل والاستنزاف، وهو المجال الذي تصبح فيه عوامل مثل المخزون، والإنتاج، والوقت، والقدرة على إدارة الحرب، بنفس أهمية التفوق العسكري التقليدي.
وبذلك فإن أحد أهم الدروس الاستراتيجية للحرب هو أن القوى الكبرى قد تمتلك القدرة على بدء الحرب، لكنها تحتاج إلى امتلاك القدرة على إنهائها بالشروط التي تريدها، وإلا فإن طول أمد الصراع قد يحول عناصر القوة لديها إلى نقاط ضغط واستنزاف.
يبدو أن صانع القرار الإيراني قد فهم طبيعة خصمه بصورة جيدة، وأدرك أن طهران لم تكن بحاجة إلى تحقيق تفوق عسكري مناظر على الولايات المتحدة، وإنما كان هدفها الأساسي تحويل التفوق الأمريكي من ميزة حاسمة إلى عبء استنزافي عبر إطالة أمد الحرب. وقد اعتمدت إيران في ذلك على توظيف قدراتها العسكرية بصورة تدريجية وعلى مراحل مختلفة، بما يفرض على واشنطن نمطًا من حرب الاستنزاف يرفع تكلفة استمرار العمليات ويدفعها في النهاية إلى إعادة تقييم خياراتها العسكرية.
كما نجحت إيران في الحفاظ على قدر من الغموض الاستراتيجي بشأن حجم وقدرات منظومتها الصاروخية، وهو ما أدى إلى تشتيت تقديرات الخصم وإجباره على التعامل مع احتمالات متعددة بشأن حجم القدرة الإيرانية المتبقية، الأمر الذي يزيد من صعوبة اتخاذ القرار العسكري الأمريكي ورفع تكلفة أي تصعيد واسع.
ختاما:
تتطرق التقارير التي تم استعراضها إلى جانب مهم يتعلق بثغرة استراتيجية لدى الولايات المتحدة، تتمثل في محدودية قدرتها على تعويض المخزون بالسرعة المطلوبة مقارنة بمعدلات الاستهلاك خلال حرب طويلة. هذه التقارير ذات دلالات مهمة، سواء من زاوية المشهد العملياتي وما كشفه مسار الحرب، أو باعتبارها تعكس صوتًا داخل الإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية ( مخالف لرأي ترامب) يدعو إلى الحفاظ على القدرات الاستراتيجية للولايات المتحدة وعدم استنزافها في صراعات طويلة.
إلا أن هذا قد يدفع في نفس الوقت لتغلب أصوات أخرى أكثر تشددًا داخل الإدارة الأمريكية، تتبنى خيارات أكثر تطرفًا تطالب باللجوء للخيار النووي التكتيكي، مع كل ما يشوب ذلك الخيار من مخاطر.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




