تقارير

لماذا قد تُشكّل ظاهرة السوبر نينيو اختباراً اقتصادياً جديداً لمصر؟

مع تحذيرات وكالات المناخ العالمية من تزايد احتمالية حدوث ظاهرة “السوبر نينيو” الجوية القوية، ينصبّ الاهتمام بطبيعة الحال على المناطق المعرضة مباشرةً لاضطرابات أنماط الطقس في المحيط الهادئ بشكل كبير. إلا أن التهديد الأكبر بالنسبة لدولة مثل مصر في الحقيقة قد لا ينبع من التغيرات المناخية في حد ذاتها، بل من تأثير ذلك على الاقتصاد المصري المتعثر أصلاً.

ففي وقت سابق من يونيو الجاري، أصدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي تحذيرات شديدة من تزايد احتمالات عودة ظاهرة النينيو هذا الصيف، مع توقعات بحدوثها بنسبة 82%، وتطورها إلى ظاهرة سوبر نينيو النادرة بنسبة 35%، ما قد ينتج عنه اضطراب سلاسل الغذاء والسلع الأساسية العالمية، وهو ما يستدعي مراقبة الوضع عن كثب خلال الأشهر المقبلة، حسبما ذكرت ذلك نشرة إنتربرايز الاقتصادية ذات التوجه الليبرالي.

وتُشكل ظاهرة النينيو، ولا سيما تلك التي تتطور إلى ما يُسمى “السوبر نينيو”، خطراً كبيراً على الإنتاج الزراعي، وأسواق السلع، وأنظمة الطاقة، والتدفقات التجارية عبر قارات متعددة. وقد تسببت أقوى موجات النينيو، تاريخياً، بما في ذلك موجات 1982-1983، و1997-1998، و2015-2016، في خسائر اقتصادية فادحة نتيجة الجفاف والفيضانات وتلف المحاصيل والصدمات التضخمية.

أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بأن ظاهرة النينيو قد تطورت مؤخراً بسرعة، مع احتمال بنسبة 80% إلى 90% لاستمرارها حتى نهاية العام. كما يحذر خبراء الأرصاد من أن هذه الظاهرة قد تتحول إلى حدث “قوي جداً” أو “سوبر” لظاهرة النينيو، يُضاهي أكبر حدث تم تسجيله من قبل على الإطلاق.

بالنسبة لمصر، الدولة التي تعتمد بشكل كبير على الغذاء المستورد، وتعاني من موارد مائية متضائلة، ونظام طاقة مُرهَق أصلاً بسبب ارتفاع الطلب، فإن ظاهرة السوبر نينيو قد تكشف عن العديد من مواطن الضعف الهيكلية للاقتصاد المصري في آن واحد؛ حيث لا يكمن الخطر في وقوع مصر في مسار التغيرات المناخية في المحيط الهادئ، بل في ارتباطها الوثيق بالأنظمة العالمية التي قد تُزعزعها هذه التغيرات.

الأمن الغذائي

يكمن الخطر الأكبر الذي يهدد مصر جراء ظاهرة النينيو في أسواق المواد الغذائية. فوفقاً لأحدث تقرير سنوي صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) بشأن الحبوب والأعلاف، من المتوقع أن تستورد مصر حوالي 13 مليون طن متري من القمح خلال الموسم التسويقي 2025/2026، مما يحافظ على مكانتها كأكبر مستورد للقمح في العالم، حيث تستحوذ وحدها على ما يقارب 6% من واردات القمح العالمية، بحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية.

تكتسب هذه التبعية وعدم الاستقلالية وعدم الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح أهمية بالغة في هذه الظروف لأن ظاهرة النينيو غالباً ما تُعطّل الإنتاج الزراعي في مناطق التصدير الرئيسية؛ فظروف الجفاف في أستراليا وجنوب شرق آسيا وأجزاء من جنوب آسيا، على سبيل المثال، قد تُؤدي إلى شح المحاصيل، وتضييق إمدادات الحبوب العالمية، ورفع الأسعار. وينتقل التضخم الناتج عن ذلك بسرعة عبر أسواق السلع الدولية. وقد أظهرت دراسة أجراها البنك المركزي الأوروبي أن نوبات السوبر نينيو القوية غالباً ما تُسهم في زيادات ملحوظة في التضخم الغذائي العالمي، مع آثار قد تستمر لعدة فصول بعد بدء الظاهرة المناخية.

وبالنسبة لمصر، فإن ارتفاع أسعار القمح تكون له تداعيات تتجاوز بكثير واردات الغذاء؛ فالخبز لا يزال أحد أركان نظام الحماية الاجتماعية في البلاد. حيث تجاوز الإنفاق الحكومي على دعم الخبز 125 مليار جنيه مصري في الميزانيات الأخيرة، بينما يُمثّل دعم الغذاء بشكل عام أحد أكبر البنود المتكررة في الإنفاق الاجتماعي.

لذا، فإن الارتفاع الكبير في أسعار القمح العالمية سيؤدي بالتأكيد إلى إجبار صانعي السياسات على خيار صعب: فإما استيعاب التكاليف المتزايدة من خلال زيادة الإنفاق العام، أو تحميل المستهلكين جزءاً من العبء. وكلا الخيارين سيُضيف ضغطاً إضافياً على الاقتصاد المصري الذي يعاني بالأساس من التضخم والضغوط المالية.

وبطبيعة الحال لا تقتصر المخاطر على القمح فقط، إذ يمكن أن تؤثر الاضطرابات المرتبطة بظاهرة النينيو على أسواق زيت النخيل والذرة وفول الصويا أيضاً. حيث تستورد مصر كميات كبيرة من الزيوت النباتية ومكونات علف الحيوانات، ما يعني أن صدمات العرض في الخارج قد تنعكس في الداخل من حيث ارتفاع في الأسعار المحلية لزيت الطهي والدواجن واللحوم ومنتجات الألبان. وبالنظر إلى حقيقة أن نفقات الغذاء تُشكل نسبة كبيرة من ميزانيات الأسر في مصر، فقد يصبح تضخم أسعار المواد الغذائية المستوردة أحد أبرز التداعيات الاقتصادية المباشرة لظاهرة السوبر نينيو القوية.

الأمن المائي

يمثل الماء ثاني أكبر نقاط ضعف مصر. حيث تواجه البلاد بالفعل أحد أشدّ حالات نقص المياه في العالم. ووفقاً لوزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم، فقد انخفض نصيب الفرد السنوي من المياه إلى حوالي 490 متراً مكعباً، أي أقل من نصف عتبة الفقر المائي المتعارف عليها دولياً والبالغة 1000 متر مكعب للفرد.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت احتياجات مصر السنوية من المياه إلى ما يقارب 120 مليار متر مكعب، متجاوزةً بذلك بكثير الموارد المتجددة المتاحة. يأتي الجزء الأكبر من المياه العذبة في البلاد من نهر النيل، مما يجعل مصر عرضةً بشكل استثنائي لتغيرات دورة المياه في حوض النيل.

وعلى الرغم من أن العلاقة بين ظاهرة النينيو وتدفقات النيل لا تزال معقدة علمياً، فقد حددت الدراسات المناخية منذ زمن طويل روابط بين دورات ظاهرة النينيو/التذبذب الجنوبي (ENSO) وتقلبات هطول الأمطار في شرق أفريقيا والمرتفعات الإثيوبية، حيث تنبع معظم مياه النيل. ورغم عدم وجود يقين بأن ظاهرة السوبر نينيو ستؤدي إلى انخفاض كبير في تدفقات النيل، فإن احتمال تغير أنماط هطول الأمطار يُضيف مزيداً من عدم اليقين إلى معادلة إدارة المياه الصعبة أصلاً في مصر.

ويأتي هذا الغموض في وقت بالغ الحساسية؛ إذ تُدير سلطات المياه المصرية بالفعل النمو السكاني، والتوسع الزراعي، وتأثيرات تغير المناخ، والمخاوف القائمة منذ زمن طويل بشأن مشاريع التنمية في أعالي النيل. وفي ظل هذه الظروف، فحتى الاضطرابات الطفيفة في أنماط هطول الأمطار يُمكن أن تُعقّد تخطيط الري، وعمليات الخزانات، وتخصيص الموارد على المدى الطويل. لذا، لا يقتصر التحدي على توفر المياه فحسب، بل يتعداه إلى إدارة المخاطر في بيئة تضيق فيها هوامش الخطأ بشكل متزايد.

البنية التحتية للطاقة

يُعدّ قطاع الطاقة هو المصدر الثالث لإثارة القلق في مصر فيما يخص تداعيات ظاهرة النينيو. فمن المعروف أن من أبرز النتائج الثابتة المرتبطة بظاهرة النينيو هو ارتفاع درجات الحرارة العالمية. وقد أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مراراً إلى أن ظاهرة النينيو غالباً ما تُسهم في تسجيل بعض أشدّ السنوات حرارةً على الإطلاق.

أما بالنسبة لمصر، حيث تتجاوز درجات الحرارة صيفاً 40 درجة مئوية بانتظام، فإن أي ارتفاع إضافي في درجات الحرارة يُترجم مباشرةً إلى زيادة في الطلب على الكهرباء.

وقد أظهرت السنوات الأخيرة بالفعل مدى حساسية نظام الطاقة في مصر للحرارة الشديدة. ووفقاً لتقييمات قطاع الطاقة المصري، فقد ساهم ارتفاع درجات الحرارة صيفاً في تسجيل استهلاك قياسي للكهرباء، بينما كشفت حالات نقص الطاقة في عامي 2023 و2024 عن مواطن ضعف مرتبطة بانخفاض إنتاج الغاز الطبيعي المحلي وارتفاع الطلب عليه.

ويتفاقم التحدي بسبب مزيج توليد الكهرباء في مصر؛ إذ لا يزال الغاز الطبيعي يهيمن على توليد الطاقة، فهو يمثل الغالبية العظمى من إنتاج الكهرباء، بينما لا تزال مصادر الطاقة المتجددة تمثل نسبة متواضعة نسبياً من إجمالي الإنتاج. لذا، فإن قدوم صيف أشد حرارة من المعتاد، في ظل ظاهرة السوبر نينيو، قد يزيد من استهلاك الغاز محلياً في وقت تسعى فيه مصر للحفاظ على عائدات التصدير وإدارة انخفاض الإنتاج من حقول الغاز المصرية؛ حيث سيؤدي الطلب الإضافي إلى ضغط على البنية التحتية للطاقة، وإمدادات الوقود، والمالية العامة في آن واحد.

البعد المالي

في نهاية المطاف، تتلاقى مواطن الضعف المتعلقة بالغذاء والماء والطاقة في موضع واحد، وهو: الوضع المالي لمصر. فبحسب صندوق النقد الدولي، لا تزال مصر معرضة بشدة للصدمات الخارجية نظراً لاعتمادها على السلع المستوردة واحتياجاتها التمويلية الكبيرة. لذلك، فقد يؤدي حدوث ظاهرة السوبر نينيو، التي تؤدي إلى رفع أسعار المواد الغذائية وزيادة الطلب على الطاقة وتعطل أسواق السلع، إلى تفاقم تكاليف الاستيراد، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الحكومي.

ومن شأن ارتفاع أسعار القمح أن يزيد من تكاليف الدعم. كما أن زيادة استهلاك الكهرباء قد تؤدي إلى خفض صادرات الغاز ويزيد الحاجة إلى استيراده وإنفاق المليارات من العملة الصعبة على ذلك. وقد يصبح أيضاً من الضروري زيادة الإنفاق على إدارة المياه وتعزيز مرونة البنية التحتية.

قد يكون من الممكن إدارة هذه الضغوط بشكل منفرد، لكن أن تأتي مجتمعة، فقد تُشكل عائقاً اقتصادياً كبيراً للبلاد. ولهذا السبب تحديداً، فإنه يتعين على صانعي السياسات في مصر النظر إلى ظاهرة السوبر نينيو، ليس فقط كظاهرة مناخية، بل كمخاطرة اقتصادية مكتملة الأركان.

الجاهزية

إنّ من أنجع السبل لمواجهة هذا الخطر المحدق هو البقاء في حالة جاهزية واستعداد قبل حدوث تقلبات الأسواق. حيث يتعين على مصر مواصلة توسيع مخزوناتها الاستراتيجية من الحبوب وتنويع مصادر استيراد القمح للحد من مخاطر انقطاع الإمدادات. وتُظهر الجهود المبذولة مؤخراً لتعزيز شراء القمح محلياً – والتي مكّنت الحكومة من تأمين كمية قياسية بلغت حوالي 5 مليون طن من المزارعين المحليين خلال موسم حصاد 2026 – أن تقليل الاعتماد على الاستيراد أمر ممكن، ويمكن أن يعزز القدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية.

كما ينبغي أن تبقى إدارة المياه أولوية وطنية كذلك. فالاستثمارات في تحلية المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وتحديث الري، وتقنيات ترشيد استهلاك المياه، من شأنها أن تُسهم في الحد من التأثر بالتقلبات الهيدرولوجية.

وقد بدأت مصر بالفعل في توسيع قدرة تحلية المياه وموارد المياه غير التقليدية، إلا أن حجم تحديات المياه المستقبلية يُشير إلى ضرورة ضخ المزيد من الاستثمارات في هذا المجال.

ويُعَد تخطيط الطاقة أيضاً بنفس القدر من الأهمية. فالتسريع في نشر الطاقة المتجددة، وتحسين مرونة الشبكة، وتوسيع سعة التخزين، وتعزيز مخزونات الوقود الاستراتيجية، من شأنه أن يُقلل من مخاطر تحوّل موجات الحر الشديدة إلى نقص في الطاقة أو ضغوط مالية.

الخلاصة

لن تُشكل ظاهرة السوبر نينيو تهديداً لمصر لمجرد حدوثها في المحيط الهادئ، بل لأنها ستختبر قدرة الأنظمة المُنهكة أصلاً على الصمود في وجه العاصفة. ويشكل اعتماد مصر على الغذاء المستورد، وندرة المياه المزمنة، وتزايد الطلب على الكهرباء، والقيود المالية، كلها مجتمعة، نقاط ضعف شديدة الترابط يُمكن أن تتفاقم بفعل مثل هذا الحدث المناخي الكبير الذي قد يقع على بُعد آلاف الكيلومترات.

ويبقى من غير المؤكد ما إذا كانت ظاهرة النينيو القادمة ستتطور في نهاية المطاف إلى سوبر نينيو قياسية. لكن المؤكد هو أن انكشاف مصر على أسواق الغذاء العالمية، ومعاناتها من شح المياه، ونمو الطلب على الطاقة، يجعل الاستعداد لهذا الخطر المحدق مسألة حكمة اقتصادية أكثر من كونه مسألة مواجهة خطر بيئي؛ حيث لن تكون ظاهرة السوبر نينيو بالنسبة لمصر مجرد حدث مناخي، بل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الصمود في وجه مثل تلك الأخطار.

سيزيد من حجم الأخطار الاقتصادية الجسيمة التي ستتعرض لها مصر جراء هذه الظاهرة المناخية تزامنها مع التداعيات الاقتصادية السلبية الناتجة عن الحرب الإيرانية (أنظر هنا، وهنا)، فضلاً عن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون أفق واضح لانتهائها، علماً بأن روسيا وأوكرانيا تشكلان المصدر الرئيس للقمح المستورد في مصر. فهل ستستطيع الدولة في مصر التعامل مع كل هذه التحديات في وقت واحد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى