عبد الرحمن السيد يفوز بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ – ماذا يعني ذلك على المستوى الاستراتيجي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
حقق الطبيب والسياسي التقدمي عبد الرحمن السيد ، والمعروف بإسم مختصر “عبدول Abdul السيد” ، فوزًا لافتًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب لمقعد الولاية في مجلس الشيوخ الأميركي، بعد منافسة شديدة مع النائبة التي تنتمي للجناح التقليدي للحزب هالي ستيفنز ، حظيت باهتمام وطني واسع.
وأعلنت شبكة NBC News فوز السيد بعد تقدمه في فرز الأصوات، في سباق عُدّ اختبارًا لاتجاه الحزب الديمقراطي بين جناحه التقدمي والقيادة التقليدية. وسيواجه السيد في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المرشح الجمهوري مايك روجرز، الذي سبق أن خاض سباق مجلس الشيوخ عام 2024، على المقعد الذي سيخليه السيناتور الديمقراطي غاري بيترز بعد قراره عدم الترشح مجددًا.
انتصار رغم الفارق الكبير في الإنفاق
تكتسب النتيجة أهمية خاصة لأن حملة السيد واجهت إنفاقًا ضخمًا لصالح ستيفنز من جماعات سياسية مرتبطة بالتيار المؤيد لإسرائيل، وعلى رأسها منظمات متحالفة مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك».
وبحسب تغطيات صحفية، تجاوز إجمالي الإنفاق في السباق عشرات الملايين من الدولارات، مع تفوق واضح للجهات الداعمة لستيفنز. وقدمت هذه الجهات النائبة على أنها الخيار الأكثر اعتدالًا وقدرة على الفوز في الانتخابات العامة، بينما صورت السيد بوصفه مرشحًا يساريًا قد يصعب تسويقه في ولاية متأرجحة.
لكن السيد نجح في بناء حملة اعتمدت على المتطوعين، والتبرعات الصغيرة، ودعم النقابات والتيار التقدمي، مستفيدًا من حضوره بين الشباب والناخبين العرب والمسلمين ومن الاستياء المتزايد داخل القاعدة الديمقراطية من نفوذ جماعات الضغط والمال السياسي.
من هو عبد الرحمن السيد؟
السيد طبيب ومتخصص في الصحة العامة، وهو من أصل مصري حيث هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة، وقد شغل سابقًا منصب مدير الصحة في مدينة ديترويت، ثم تولى مسؤوليات صحية على مستوى مقاطعة واين. وسبق أن خاض الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ميشيغان عام 2018، لكنه خسر أمام غريتشن ويتمير.
وبنى حملته الحالية على برنامج اقتصادي واجتماعي يتضمن توسيع الرعاية الصحية العامة، وتبني مشروع Medicare for All، وخفض تكاليف المعيشة، والحد من تأثير الشركات الكبرى والمانحين السياسيين في صنع القرار. كما جعل مواجهة المال السياسي واحدة من الرسائل المركزية في حملته.
وفي حال فوزه في نوفمبر، قد يصبح السيد أول مسلم، وكذلك أول عربي الأصل، يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وهو ما يمنح السباق بعدًا تاريخيًا، خصوصًا في ولاية تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة.
غزة وإسرائيل في قلب المنافسة
لم يكن السباق متعلقًا بالاقتصاد والرعاية الصحية فقط، بل تحول أيضًا إلى استفتاء غير مباشر على موقف الديمقراطيين من إسرائيل والحرب في غزة.
فقد ارتبط السيد سياسيًا بالحركة التي دعت الناخبين الديمقراطيين في ميشيغان عام 2024 إلى اختيار خانة «غير ملتزم» احتجاجًا على دعم واشنطن لإسرائيل. وأسهمت تلك الحركة في إبراز الوزن الانتخابي للعرب والمسلمين والناخبين الشباب الغاضبين من السياسة الخارجية الأميركية.
في المقابل، حصلت ستيفنز على دعم واسع من القوى التقليدية داخل الحزب ومن المانحين المؤيدين لإسرائيل، وحاولت التركيز على خبرتها التشريعية واعتدالها السياسي وقدرتها على الاحتفاظ بالمقعد في الانتخابات العامة.
ولهذا يُقرأ فوز السيد بوصفه إخفاقًا ملحوظًا لشبكة «إيباك» وحلفائها في واحد من أكثر السباقات التي أنفقوا عليها. لكن هذا لا يعني بالضرورة تراجع نفوذهم على المستوى الوطني؛ فقد حققت الجماعات المؤيدة لإسرائيل انتصارات في دوائر أخرى خلال الجولة الانتخابية نفسها، حيث استطاعت على سبيل المثال إزاحة النائب الجمهوري المخضرم ذو الشعبية الكبيرة، الذي ينتمي لتيار الماجا، ويعارض الحرب على إيران والجرائم الإسرائيلية في غزة، توماس ماسي، أمام مرشح لا يحمل تاريخ سياسي كبير ولكنه مدعوم من الرئيس دونالد ترامب، في الإنتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في ولاية كنتاكي.
الإستبداد والقمع من النظم الدكتاتورية مناظر للتطهير العرقي والتمييز العنصري
وفي حديث تلفزيوني أجاب السيد عن سؤال حول التمييز ضد اليهود، أو طريقة عبادته المختلفة، أجاب أنه يحارب التمييز ضد أي طرف أيًا كان. وحيث أنه من أصل مصري، لا يعني ذلك أنه يهاجم مصر إذا صوت ضد إرسال المساعدات المالية من دافعي الضرائب الأمريكيين لنظام دكتاتوري عسكري يمارس الاستبداد ضد شعبه، تماما مثل رفض إرسال أموال ضرائبه إلى نظام قائم على ارتكاب جرائم التمييز العنصري والإبادة الجماعية (كما تفعل إسرائيل في غزة)، فهو يفضل أن يرى أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تنفق على تعليم الأطفال والرعاية الصحية في أمريكا بدلًا من إنفاقها على حكومة أجنبية تعتمد القمع والجرائم ضد الناس، فهو لا يريد أن يكون مسئولًا عن ذلك.
خطاب النصر – منافسي الجمهوري جبان ويلعق حذاء ترامب
في خطاب النصر، لم ينتظر المرشح الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، عبد الرحمن السيد ، الاحتفال بفوزه على منافسته الديمقراطية هايلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية، بل تعهد بإرسال منافسه الجمهوري مايك روجرز، في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني المقبل، إلى حيث كان يقيم في فلوريدا، ووصفه بأنه “جبان” وبأنه “يلعق حذاء ترامب” . كما دعا الديمقراطيين إلى العمل معاً لإخراج المال الفاسد من السياسة، وإعادته إلى جيوب المواطنين، وتوفير الرعاية الصحية للجميع.
أكد عبدول السيد التزامه بسلامة اليهود، ومكافحة معاداة السامية، وحماية معتنقي جميع الأديان، وكذلك غير المتدينين. وقال: “إلى كل إخوتي من معتنقي الديانة اليهودية، أو أي ديانة أخرى، أو حتى من لا يعتنقون أي دين: أريد أن تعلموا أن التزامي بسلامتكم، وسلامة اليهود، يماثل تماماً التزامي بسلامة بناتي”.
وأشار، رداً على سؤال، إلى أنه دان علناً هجوم السابع من تشرين الأول، لكنه في الوقت نفسه يرفض إرسال الأموال “لقتل الأطفال والنساء والأبرياء في غزة”.
واستحضر عبدول في كلمته حياته في مصر مع أسرته، مشيراً إلى أنه كان من الممكن أن يصبح سائق سيارة أجرة في مصر، مثل أبناء عمومته، ووصف قصته في الولايات المتحدة بأنها “أقرب إلى الخيال”. وقال: “لولا صدفة أتاحت لوالدي الهجرة إلى ديترويت والالتحاق بالجامعة، لانتهى بي المطاف سائقاً في مصر مثل أبناء عمومتي. لقد قضيت كثيراً من فصول الصيف في طفولتي هناك، حيث عشت تجارب شكلت مسار حياتي بطريقة لم تكن لتحدث لولا تلك الظروف”.
وهاجم عبدول منافسه الجمهوري مايك روجرز بشدة، قائلاً: “مايك قضى 14 عاماً في الكونغرس، وكان هدفه الوحيد معرفة كيفية جني الأرباح الشخصية بمجرد رحيله. وبعد أن تقاضى شيكاً تلو الآخر من الشركات الكبرى مقابل تمكينها من نهب جيوبكم، ذهب ليجني ثمار ذلك في فلوريدا. حسناً، إذا أردت الذهاب إلى فلوريدا فاذهب، لكنني أعدك بأننا سنعيدك إلى فلوريدا في شهر نوفمبر”.
وأضاف أن مشكلته مع منافسه تكمن في أن “سياساته ورؤيته ومنظوره أصبحت بالية وقديمة”، وأنه “عاد إلى فلوريدا ليربط كل عقار يملكه دونالد ترامب بمساعيه للحصول على تأييده”. ووجه رسالة إلى الناخبين قائلاً: “إذا أردتم سيناتوراً يلعق الأحذية، فلا بأس، اختاروا مايك روجرز. أما إذا كنتم تريدون شخصاً يقف في وجه دونالد ترامب، فالخيار الصحيح موجود هنا أمامكم”، في إشارة إليه هو نفسه.
ووصف عبدول منافسه بأنه “أسوأ نسخة ممكنة للحزب الجمهوري، ويجسد أسوأ ما في تيار المحافظين الجدد”، وأنه “مجرد أداة في يد الشركات الكبرى”. كما أشار إلى ما وصفها بتناقضات منافسه، قائلاً إنه “أقسم عدة مرات أنه لن يدعم دونالد ترامب على الإطلاق، قبل أن ينتهي به الأمر وهو يلعق حذاءه”.
وتحدى عبدول روجرز، مطالباً إياه بالموافقة على إجراء خمس مناظرات، وتعهد بهزيمته، قائلاً: “مايك، سأقولها بوضوح: “أعلم أنك سترفض المواجهة لأنك جبان. لنعقد خمس مناظرات. كلانا يعلم أنك ستنهار أمام سجلك. لن تجد أي رحمة في ميشيغن أمام الناس الذين سيحاسبونك على ما فعلته. سنعيدك إلى حيث تنتمي، في فلوريدا. وآمل أن أتلقى منك رداً اليوم”.
وأشار عبدول إلى محاولة الجمهوريين والرئيس ترامب استخدام اسمه الكامل، *عبدالرحمن محمد السيد*، للدلالة على هويته بهدف ترهيب الناخبين، وقال: “يعتقدون أنهم يستطيعون استخدام اسمي الكامل ضدي، ولكن يا مايك، استمع إلي جيداً. إذا كنت عاجزاً عن نطق الاسم، وهو عبد الرحمن، فمن الأفضل ألا تذكره على الإطلاق. إنهم يعلمون أن السبيل الوحيد لتحقيق الفوز هو جرّنا إلى الوحل، وإقناعنا بأن ما يفرقنا أكبر مما يجمعنا”. وأضاف “اسمي لا يرفع أسعار البنزين، واسمي لا يأخذنا إلى الحروب”.
كما هاجم السيد لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) والأموال التي ضُخت ضده في الانتخابات، قائلاً: “ليس من المعتاد أن تتمكن من هزيمة إنفاق خارجي يبلغ 70 مليون دولار، وهو رقم قياسي أُنفق في حملة انتخابية ضد مرشح ديمقراطي في انتخابات تمهيدية. وما أثبتناه هو أن قوتنا تفوق قوة أموالهم. لقد أثبتنا أنه إذا كنت مستعداً لبناء حركة من الصفر، والسفر عبر ولايتك، وإجراء حوارات في قاعات كبيرة وصغيرة، في وقت لا يهتم فيه الناس بالانتخابات، ولا حتى بأسعار الوقود أو السلع الغذائية أو السكن أو الرعاية الصحية، فيمكنك بناء حوار يتطور ليصبح حركة قادرة على الانتصار”، موجهاً الشكر إلى أعضاء حملته.
وخص عبدول السيد *السيناتور بيرني ساندرز* بتحية خاصة، ووصفه بأنه أول الداعمين له، وقال إنه “شجع مؤيديه وأنصاره على العمل معنا”. وأضاف: “آمل فقط أن أتمكن من حمل تلك الراية، والمساهمة في مواصلة النضال من أجل حقوق العمال، ومن أجل توفير الرعاية الصحية للجميع”، وهي القضية التي يرفعها السيناتور الديمقراطي اليساري المخضرم طوال مسيرته السياسية.
كما وجه الشكر إلى زوجته وأسرته، وإلى فريق حملته الذي قال إنه يضم أكثر من 300 شخص، إضافة إلى المتطوعين، الذين بلغ عددهم 12 ألفاً، وشاركوا في طرق الأبواب لمواجهة إنفاق خارجي وصفه بأنه هائل وغير مسبوق.
وقال السيد، المعروف باسم “عبدول”: “واجهنا تحديات كبيرة؛ فالشركات وجماعات المصالح الخاصة تفضل أن تختار ممثلينا المنتخبين بدلاً من أن نختار نحن من يمثلنا. لقد أنفقوا مبالغ طائلة وغير مسبوقة لهزيمتنا، وأطلقوا حملات إعلانية هجومية متواصلة ملأت الشاشات وجذبت الأنظار في كل مكان”. وأضاف أن فوزه أثبت أنه “يمكن إنفاق الأموال الطائلة على الأكاذيب، لكن ذلك لا يحولها إلى حقيقة، وأن التواصل مع الناس واحترام آمالهم يظل عالقاً في الأذهان أكثر بكثير من إعلان تلفزيوني مدته 30 ثانية يعاد بثه مراراً وتكراراً”.
ماذا يعني الفوز للحزب الديمقراطي؟
يكشف انتصار السيد عن تحول داخل قطاعات من القاعدة الديمقراطية، خاصة بين الناخبين الأصغر سنًا، الذين باتوا أكثر تشككًا في قيادة الحزب التقليدية، وأكثر اهتمامًا بقضايا العدالة الاقتصادية والرعاية الصحية ووقف الدعم غير المشروط لإسرائيل.
كما يبين أن المرشح التقدمي يستطيع الفوز خارج الدوائر الليبرالية التقليدية، وفي ولاية حاسمة ومتقلبة مثل ميشيغان. لكن الاختبار الأصعب سيأتي في نوفمبر، عندما ينتقل السيد من منافسة داخل الحزب إلى مواجهة جمهورية في ولاية فاز بها دونالد ترامب بفارق محدود في انتخابات 2024.
وسيحاول الجمهوريون تصويره بوصفه مرشحًا يساريًا متطرفًا في قضايا الاقتصاد والهجرة وإسرائيل، بينما سيسعى السيد إلى تقديم نفسه ممثلًا للطبقة العاملة ومنافسًا للنفوذ المالي والشركات الكبرى.
معركة حاسمة على السيطرة على مجلس الشيوخ
يُعد مقعد ميشيغان من المقاعد المفتوحة الأكثر أهمية في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، لأن الديمقراطيين بحاجة إلى الاحتفاظ به إذا أرادوا تحسين فرصهم في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ.
ومن المتوقع أن يشهد السباق هذا العام إنفاقًا ماليًا هائلًا وتدخلًا مكثفًا من اللجان السياسية والجماعات الاقتصادية والأيديولوجية. كما سيختبر قدرة السيد على توحيد الديمقراطيين بعد انتخابات تمهيدية اتسمت بالحدة والاستقطاب.
وقد شدد السيد بعد تقدمه على ضرورة توحيد الحزب في مواجهة روجرز، بينما تبنت ستيفنز خطابًا مشابهًا رغم المنافسة القاسية، في إدراك من الطرفين أن انقسام القاعدة الديمقراطية قد يمنح الجمهوريين فرصة انتزاع المقعد.
الدلالة الإستراتيجية الأوسع
لا يمثل فوز عبد الرحمن السيد مجرد نجاح شخصي، بل يعكس ثلاثة تحولات أوسع في السياسة الأميركية:
- تنامي نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي،
- صعود الوزن السياسي للناخبين العرب والمسلمين في الولايات المتأرجحة،
- تراجع قدرة الإنفاق الخارجي وحده على حسم بعض الانتخابات عندما تواجهه حملة شعبية منظمة.
ومع ذلك، ستتوقف أهمية هذا الانتصار على قدرة السيد على تحويل تحالفه التقدمي إلى أغلبية أوسع تشمل الناخبين المستقلين والطبقة العاملة في المدن الصناعية والضواحي. وإذا نجح في نوفمبر، فلن يكون فوزه تاريخيًا بسبب هويته الدينية والعربية فقط، بل قد يشكل تحولًا مهمًا في اتجاه الحزب الديمقراطي وسياساته تجاه الاقتصاد والشرق الأوسط.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




