تقديرات

الدين الأمريكي يتجاوز 100% من الناتج المحلي لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


تجاوز الدين العام الأمريكي المملوك للجمهور حاجز 100% من الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في تطور يعكس تزايد الضغوط المالية على أكبر اقتصاد في العالم، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض واتساع العجز في الموازنة الفيدرالية.

وتشير أحدث البيانات إلى أن الدين العام الذي يحمله المستثمرون بلغ نحو 31.3  تريليون دولار، أي ما يعادل 100.2% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا المستوى الرمزي الذي لم يُسجل بصورة مستدامة منذ عام 1946، عندما ارتفع الدين نتيجة الإنفاق الضخم خلال الحرب العالمية الثانية. ويختلف هذا المؤشر عن إجمالي الدين الفيدرالي، الذي تجاوز الأن 40 تريليون دولار، ويشمل أيضًا الديون الحكومية الداخلية بين المؤسسات الفيدرالية.

وجاء هذا التطور  في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة مزيجًا من ارتفاع أسعار الفائدة،  وزيادة الإنفاق الحكومي، واتساع العجز السنوي، وهو ما أدى إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي قد تتجاوز 120% خلال العقد المقبل إذا استمرت السياسات المالية الحالية دون تغييرات جوهرية.

ويرى اقتصاديون أن بلوغ نسبة الدين أكثر من 100% لا يعني بالضرورة اقتراب أزمة مالية فورية، إذ سبق أن تجاوزت دول متقدمة مثل اليابان هذه النسبة منذ سنوات طويلة دون التعرض لتعثر مالي. إلا أن استمرار ارتفاع الدين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة، يزيد العبء على الموازنة الأمريكية، لأن الحكومة تضطر إلى تخصيص جزء متزايد من إيراداتها لسداد فوائد الدين بدلًا من توجيهها إلى الاستثمار أو الإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة.

وتزامن تجاوز هذا المستوى مع اضطرابات في سوق السندات الأمريكية، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوياته منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، ما يعكس مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المرتبطة بالتضخم والاقتراض الحكومي المتزايد.  وقد سجل العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا ارتفاعًا إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007، في أعقاب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وهو ما اعتبرته الأسواق إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية واحتمال تشديد السياسة النقدية في الاجتماعات المقبلة.

ويحذر محللون من أن استمرار ارتفاع الدين والعوائد قد يضغط على النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة، من خلال زيادة تكلفة التمويل على الشركات والأسر، كما قد يحد من قدرة الحكومة على استخدام السياسة المالية لمواجهة أي تباطؤ اقتصادي مستقبلي.

وجاءت القفزة في العوائد عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في 29 يوليو/تموز 2026، الذي انتهى بتثبيت سعر الفائدة، إلا أن ثلاثة أعضاء في لجنة السوق المفتوحة خالفوا قرار الأغلبية وصوتوا لصالح رفعها، في حين أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش أن البنك المركزي لا يزال ملتزمًا بإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف، دون أن يستبعد اتخاذ خطوات أكثر تشددًا إذا استدعت البيانات الاقتصادية ذلك.

وارتفع العائد على السندات لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.28% في أول أغسطس، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2007، بينما صعد العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياته خلال العام (وصل إلى 4.75% في بداية أغسطس)، في إشارة إلى مطالبة المستثمرين بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الحكومي الأمريكي طويل الأجل.

ويرى محللون أن ارتفاع العوائد لا يعكس فقط توقعات السياسة النقدية، بل يعبر أيضًا عن تزايد المخاوف من استمرار التضخم، واتساع عجز الموازنة الأمريكية، وارتفاع احتياجات الحكومة للاقتراض، فضلًا عن المخاطر الجيوسياسية التي أثرت في أسعار الطاقة خلال الأشهر الماضية. ويؤدي ارتفاع العوائد إلى انخفاض أسعار السندات، كما يزيد تكلفة تمويل الحكومة والشركات والأفراد.

كما أثارت التطورات الأخيرة في أسواق السندات اليابانية والعملات مخاوف من انتقال الضغوط إلى سوق الدين الأمريكية، خاصة مع كون اليابان أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية. ويحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع العوائد قد يزيد من تقلبات الأسواق العالمية ويضغط على أسواق الأسهم والأصول مرتفعة المخاطر.

وفي المقابل، يلفت اقتصاديون إلى أن بلوغ العوائد مستويات شوهدت آخر مرة قبل الأزمة المالية العالمية لا يعني بالضرورة تكرار سيناريو 2008، إذ تختلف الظروف الاقتصادية الحالية بصورة كبيرة، سواء من حيث قوة القطاع المصرفي أو الإطار التنظيمي أو طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي. إلا أن استمرار ارتفاع العوائد قد يشكل تحديًا إضافيًا أمام النمو الاقتصادي ويزيد تكلفة الاقتراض في مختلف القطاعات.

وتترقب الأسواق الآن بيانات سوق العمل والتضخم الأمريكية خلال الأسابيع المقبلة، والتي ستلعب دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، أم سيواصل سياسة التريث، في وقت تشير فيه عقود الأسواق إلى تزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية قبل نهاية العام.

في المقابل، يؤكد خبراء أن الولايات المتحدة ما تزال تتمتع بعوامل قوة مهمة، أبرزها مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، والطلب المرتفع على سندات الخزانة الأمريكية، وعمق أسواقها المالية، وهي عوامل تمنحها قدرة أكبر على تحمل مستويات دين مرتفعة مقارنة بمعظم الاقتصادات الأخرى. لكنهم يشيرون إلى أن استمرار هذا المسار  سيجعل ضبط المالية العامة أحد أكبر التحديات الاقتصادية أمام واشنطن خلال العقد المقبل.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى