تقارير

السيادة لم تعد علمًا وحدودًا: نموذج جديد يقيس قدرة الدول على اتخاذ القرار بعيدًا عن الإكراه الخارجي


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


تقترح دراسة للباحث في العلاقات الدولية د. وليد عبد الحي، صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، نموذجًا كميًا لقياس ما تسميه «مؤشر السيادة والاستقلال الاستراتيجي»؛ أي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الجوهرية ومتابعة مصالحها من دون أن تضطر إلى تغيير خياراتها تحت ضغط دولة أخرى أو جهة خارجية.

تنطلق الدراسة من أن الاعتراف القانوني بالدولة لم يعد كافيًا للحكم بأنها مستقلة فعليًا. فالدولة قد تمتلك علمًا وحدودًا ومقعدًا في الأمم المتحدة، لكنها تعتمد في غذائها أو تسليحها أو تقنياتها أو تمويلها على الخارج إلى درجة تجعل خياراتها السياسية مقيدة. كما أن تشابك التجارة والتمويل والتكنولوجيا والمنظمات الدولية والشركات العابرة للحدود زاد من وزن العوامل الخارجية في صنع القرار الوطني.

خمسة أبعاد تحدد الاستقلال الفعلي للدولة

يبني الباحث نموذجه على خمسة مؤشرات مركزية، موزعة على 25 مؤشرًا فرعيًا. ويحصل البعدان الاقتصادي والعسكري–الأمني على الوزن الأكبر، بنسبة 30% لكل منهما، بينما يحصل كل من البعدين المجتمعي–الشرعي والتكنولوجي على 15%، ويخصص 10% للسلوك السياسي والدبلوماسي.

الاستقلال الاقتصادي

لا يقيس النموذج حجم الاقتصاد فقط، بل يسأل عن درجة تعرضه للضغط الخارجي. وتشمل المؤشرات: حجم التجارة مع الشريك الأكبر، ونسبة الدين الخارجي، والاعتماد على المساعدات، والواردات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة والدواء، وتنوع الشركاء، والقدرة على تحمل العقوبات، وتوافر سلاسل توريد محلية، وحجم الاحتياطي النقدي القادر على تغطية الواردات.

الدلالة الأساسية هنا أن الدولة الغنية قد لا تكون مستقلة إذا كان اقتصادها أحاديًا أو مرتبطًا بسوق أو مورد واحد. وفي المقابل، قد تمتلك دولة أصغر مساحة قرار أوسع إذا نوعت تجارتها واحتياطياتها ومصادر طاقتها وسلاسل إمدادها.

الاستقلال العسكري والأمني

يتضمن هذا البعد نسبة الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، ووجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، والقدرة على تنفيذ عمليات عسكرية منفردة، ومدى سيطرة الحكومة على كامل أراضيها، ونسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي.

ويعني ذلك أن كثرة الأسلحة ليست دليلًا كافيًا على السيادة. فقد تمتلك دولة ترسانة متقدمة، لكنها تبقى معتمدة على قطع الغيار والذخائر والاستخبارات والصيانة والبرمجيات التي يتحكم فيها مورد خارجي.

الاستقلال المجتمعي والشرعية الداخلية

يربط النموذج بين القدرة الخارجية للدولة وتماسكها الداخلي، من خلال الاستقرار السياسي، وإدارة التنوع الثقافي، وانتشار الهوية الوطنية، وإمكان التداول السلمي للسلطة. ويفترض أن الدولة المنقسمة داخليًا أكثر عرضة للاستقطاب والتدخل والإكراه الخارجي.

السلوك السياسي والدبلوماسي

يقيس هذا المحور مدى توافق تصويت الدولة بصورة متكررة مع قوة عظمى، وتعرضها للعقوبات، ودرجة اندماجها في العولمة، واستقلال نخبها السياسية عن القوى الخارجية. ولا يعد التوافق مع دولة كبرى دليل تبعية تلقائيًا؛ فالمهم هو معرفة إن كان الموقف نابعًا من مصلحة وطنية مستقلة أم من الخوف أو الاعتماد أو الإكراه.

السيادة التكنولوجية

تشمل الإنفاق على البحث العلمي، وبراءات الاختراع، والاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، والقدرات السيبرانية المحلية. وهنا تقدم الدراسة مفهومًا بالغ الصلة بعصر الذكاء الاصطناعي: الدولة التي لا تملك المعرفة والبنية الرقمية لا تستطيع حماية قرارها، حتى لو امتلكت مؤسسات سياسية مستقلة شكليًا.

كيف يُحسب المؤشر؟

اعتمد الباحث على مراجعة نماذج سابقة، ثم استخدم تقنية دلفي للحصول على تقديرات خبراء بشأن الأوزان. وتوضح الدراسة أن استمارة المؤشرات أرسلت إلى ثلاثين أكاديميًا أو باحثًا، وخضعت لخمس مراحل من المراجعة للوصول إلى الأوزان النهائية.

ويُجمع أداء الدولة في المؤشرات الفرعية وفق أوزانها لإنتاج نتيجة كلية. لكن اتجاه المقياس معكوس نسبيًا: ارتفاع النتيجة يعني ارتفاع أثر عوامل التبعية، ولذلك يصنف النموذج النتائج بين سيادة محدودة عند 70–100، ومتوسطة عند 40–69، ومرتفعة عندما تقل النتيجة عن 40 (وبالتالي يمكن أن يكون هذا المؤشر مؤشرًا للتبعية).

السيادة ليست عزلة

تؤكد الدراسة أن الاعتماد المتبادل أو العضوية في المنظمات الدولية أو توقيع الاتفاقيات لا يعني بالضرورة فقدان السيادة. فالدولة قد تقبل قيودًا بإرادتها عندما ترى أن مكاسب العضوية أو الاتفاق تفوق التكاليف. والتمييز الحاسم هو بين اعتماد متبادل يمكن التفاوض بشأنه وتبعية غير متكافئة تمنح الطرف الآخر قدرة على الإكراه.

وتضيف الدراسة أن القياس يجب ألا يكون جامدًا؛ فأهمية الطاقة ترتفع زمن الحروب، وأهمية الغذاء ترتفع خلال الأزمات، كما تتغير قيمة الموقع الجغرافي والموارد والقواعد العسكرية تبعًا لتحولات النظام الدولي. لذلك يقترح الباحث استخدام معاملات ترجيح متغيرة وسلاسل زمنية لرصد اتجاه الدولة نحو مزيد من الاستقلال أو التبعية.

الأمن: للدولة أم للنظام أم للمجتمع؟

تربط الورقة السيادة بثلاثة مستويات من الأمن: أمن الدولة وحدودها ومواردها، وأمن المجتمع وحقوق أفراده ورفاههم، وأمن النظام السياسي وبقاء النخبة الحاكمة.

وتقدم قراءة تفسيرية للشرق الأوسط ترى أن إسرائيل تمنح الأولوية لأمن الدولة، بينما تميل أنظمة عربية إلى تقديم أمن النظام وبقائه على أمن الدولة والمجتمع، في حين تركز الولايات المتحدة والصين بدرجة أكبر على مصالح مجتمعهما الاقتصادية، وتنظر أوروبا إلى الشرق الأوسط من زاوية مزدوجة تشمل أمنها الداخلي والهجرة والتجارة والجوار الجغرافي.

وتخلص الدراسة إلى أن الدول التي تجعل بقاء النظام أولويتها العليا تكون أكثر عرضة للتبعية والفشل، بينما تتمتع الدول التي تقدم أمن المجتمع بقدرة أكبر على التكيف والتطور


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى