تقديرات

صفقة نفط لـ 100 عام.. ماذا يريد ترامب من فنزويلا؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الشهر اتفاقاً غير مسبوق يمنح الولايات المتحدة وصولاً طويل الأمد إلى نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا، في خطوة قد تعيد رسم العلاقة بين واشنطن وكاراكاس بعد سنوات من العقوبات والقطيعة السياسية.

وبموجب الترتيبات التي كشفت عنها الإدارة الأميركية، ستحصل شركة “North American Blue Energy Partners”  على حقوق تطوير 17 حقلاً نفطياً فنزويلياً لمدة تصل إلى 100 عام، فيما ستدخل الحكومة الأميركية  شريكاً في المشروع من خلال حصة تبلغ 35% لصالح مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع.

كما تحصل واشنطن على حق شراء 20% من إنتاج المشروع بسعر التكلفة، مع أولوية الوصول إلى بقية الإنتاج، في اتفاق وصفه ترامب بأنه من أكبر صفقات النفط في التاريخ.

خُمس احتياطيات فنزويلا

تضم الحقول المشمولة بالاتفاق نحو 65 مليار برميل من النفط، أي قرابة خُمس الاحتياطيات المؤكدة في فنزويلا، التي تمتلك أساساً أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم.

وتتركز الحقول بصورة رئيسية في حزام أورينوكو ومنطقة بحيرة ماراكايبو، وهما من أهم مناطق إنتاج النفط في البلاد.

وتنتج فنزويلا حالياً نحو 1.1 إلى 1.25 مليون برميل يومياً فقط، مقارنة بأكثر من 3 ملايين برميل يومياً في التسعينيات، بعد سنوات من ضعف الاستثمار وتدهور البنية التحتية والعقوبات الأميركية.

وتراهن الإدارة الأميركية على أن تدفق الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات الأجنبية قد يسمح برفع الإنتاج بأكثر من الضعف خلال السنوات المقبلة.

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الاتفاقات المرتقبة مع شركات أميركية ودولية يمكن أن تدفع إنتاج فنزويلا إلى أكثر من ضعفي مستواه الحالي.

من العقوبات إلى النفط

تمثل الصفقة تحولاً جذرياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه القطاع النفطي الفنزويلي.

فواشنطن أمضت سنوات في فرض عقوبات واسعة على شركة النفط الحكومية  “PDVSA”، ومنع الشركات الأميركية من الاستثمار بحرية في البلاد، ضمن سياسة استهدفت الضغط على حكومة نيكولاس مادورو.

أما اليوم، فأصبحت الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة الشركات والمستثمرين إلى القطاع نفسه الذي حاولت عزله سابقاً.

وفي الأول من سبتمبر/أيلول، وافقت الجمعية الوطنية الفنزويلية على الاتفاق الذي أعلنته إدارة ترامب، في خطوة فتحت الطريق أمام تنفيذ المشروع.

كما تستعد شركات أخرى لدخول السوق أو توسيع وجودها، وفي مقدمتها “شيفرون”، التي تخطط لزيادة عملياتها في فنزويلا، إضافة إلى شركات مثل “إيني” الإيطالية و”ONGC” الهندية و”GeoPark”.

100 مليار دولار من الاستثمارات

تقول الحكومة الفنزويلية إن الاتفاق يمكن أن يجذب نحو 100 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة خلال السنوات المقبلة.

كما تتوقع كاراكاس أن تحصل على نحو 209 مليارات دولار من الضرائب والإيرادات المرتبطة بالمشروع على المدى الطويل.

بالنسبة إلى فنزويلا، تمثل هذه الأموال فرصة لإعادة بناء قطاع نفطي يعاني من خطوط أنابيب متقادمة ومصافي تحتاج إلى تحديث واسع، إضافة إلى سنوات من نقص الاستثمار وهجرة الخبرات.

لكن حجم الأموال المطلوبة لإعادة القطاع إلى مستويات إنتاجه التاريخية سيظل كبيراً، وقد يستغرق تحقيق زيادة ملموسة في الإنتاج عدة سنوات.

لماذا يريد ترامب النفط الفنزويلي؟

تقدم الإدارة الأميركية الاتفاق باعتباره جزءاً من استراتيجية لتحقيق أمن الطاقة وخفض أسعار الوقود.

فالنفط الفنزويلي من النوع الثقيل الذي تحتاجه مصافٍ عديدة على ساحل الخليج الأميركي، والتي صممت تاريخياً للتعامل مع هذا النوع من الخام.

وبالتالي فإن زيادة إمدادات فنزويلا يمكن أن توفر للمصافي الأميركية مصدراً قريباً من الناحية الجغرافية مقارنة بالنفط القادم من مناطق أبعد.

وتأتي الصفقة أيضاً وسط اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والمخاطر التي تواجه صادرات الخليج عبر مضيق هرمز.

وقد قال ترامب إن جزءاً من النفط الفنزويلي يمكن استخدامه أيضاً في إعادة ملء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي.

لكن تأثير المشروع على أسعار البنزين لن يكون فورياً.

فحتى إذا بدأت الاستثمارات بسرعة، وهو من المشكوك فيه، فإن إعادة تأهيل الحقول والبنية التحتية وزيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت طويل، وهو ما يجعل أي انخفاض كبير في أسعار الطاقة نتيجة الاتفاق مسألة تمتد إلى سنوات وليس أشهراً.

البعد الصيني

لكن النفط ليس وحده ما يفسر  توقيع الاتفاق.

فالكثير من الحقول والمشاريع الفنزويلية كانت خلال العقود الماضية مرتبطة بشركات واستثمارات صينية وروسية، بينما أصبحت إدارة ترامب تنظر إلى أميركا اللاتينية باعتبارها ساحة رئيسية لمنافسة بكين.

ولهذا فإن منح شركات أميركية حقوقاً طويلة الأمد في 17 حقلاً يعني أيضاً إبعاد جزء من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم عن المنافسين الاستراتيجيين لواشنطن.

وتشير تحركات أميركية أحدث إلى أن هذا النهج لا يتوقف عند النفط.

فإدارة ترامب تسعى حالياً إلى توسيع وصول الشركات الأميركية إلى الذهب والمعادن الاستراتيجية في فنزويلا، ضمن سياسة تهدف إلى ربط موارد البلاد بالمصالح الاقتصادية والأمنية الأميركية وتقليص نفوذ الصين في المنطقة.

لماذا تدخل البنتاغون؟

ربما تكون أكثر تفاصيل الاتفاق إثارة للانتباه هي دخول وزارة الدفاع الأميركية طرفاً في المشروع.

فمكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون سيحصل على حصة تبلغ 35% في الشركة، وهو ترتيب غير معتاد في مشاريع النفط التقليدية.

وتشير هذه الصيغة إلى أن الإدارة لا تنظر إلى النفط الفنزويلي كاستثمار تجاري فقط، بل كأصل استراتيجي مرتبط بالأمن القومي الأميركي.

كما أن حصول وزارة الخارجية على حق شراء 20% من الإنتاج بسعر التكلفة يمنح الحكومة الأميركية وصولاً مضموناً إلى كميات من الخام بعيداً عن تقلبات السوق.

وهنا تنتقل الصفقة من مجرد استثمار نفطي إلى نوع من تأمين المورد الاستراتيجي لعقود طويلة.

أسئلة حول الشركة

مع ذلك، أثار اختيار شركة “North American Blue Energy Partners” تساؤلات داخل القطاع النفطي.

فالشركة يسيطر عليها رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، الذي سبق أن خضع لتحقيقات أميركية وأوروبية بشأن تعاملات مالية في فنزويلا، من دون أن توجه إليه اتهامات جنائية.

كما تم التوصل إلى الاتفاق من دون عملية منافسة مفتوحة بين شركات النفط، وهو ما أثار تحفظات لدى بعض المستثمرين والشركات التي تدرس دخول السوق الفنزويلية.

وتقول الإدارة الأميركية إن بيتانكورت والشركة خضعا لعملية تدقيق وإنهما شريكان قانونيان للمشروع.

لكن هذه التساؤلات تضيف طبقة جديدة من الغموض والمخاطر إلى صفقة ضخمة تمتد لمدة قرن.

هل الاتفاق قانوني ومستدام؟

هناك أيضاً خلاف حول الإطار الدستوري والقانوني للمشروع.

فالدستور والقوانين الفنزويلية تمنح الدولة دوراً مركزياً في ملكية وإدارة الموارد النفطية، ولذلك أثار منح حقوق طويلة الأجل لشركة مرتبطة بالحكومة الأميركية جدلاً بشأن مدى توافق الاتفاق مع هذه القواعد.

كما ترددت شركات البترول والمستثمرون في المشاركة في هذه الترتيبات والالتزام باستثمارات كبيرة فيها، ما دعا ترامب ليمارس ضغوطَا كبيرة عليها، وذلك خشية من أن تغير حكومة فنزويلية مستقبلية، غير تلك المتوافقة مع الولايات المتحدة حاليَا، شروط الصفقة أو تطعن في شرعيتها؛ وهذا أمر لا يمكن اعتباره نظرياً تماماً.

ففنزويلا تمتلك تاريخاً طويلاً من تأميم أصول النفط وتغيير العقود مع الشركات الأجنبية، وهو ما يجعل الاستقرار القانوني أحد أبرز شروط جذب مليارات الدولارات من رأس المال الجديد.

هل أصبحت فنزويلا ورقة في أمن الطاقة الأميركي؟

يمكن قراءة الاتفاق من ثلاثة مستويات.

الأول اقتصادي فنزويلي، عبر زيادة إنتاج النفط وجذب الاستثمارات وإعادة تشغيل قطاع فنزويلي يعاني منذ سنوات.

والثاني أميركي داخلي، إذ تسعى إدارة ترامب إلى زيادة المعروض من الخام وخفض أسعار الوقود وضمان إمدادات مستقرة للمصافي.

أما الثالث فهو جيوسياسي، ويتمثل في نقل جزء كبير من الموارد الفنزويلية إلى دائرة النفوذ الأميركي وإبعاد الصين وروسيا عن واحد من أهم خزانات الطاقة العالمية.

وهذا المستوى الأخير ربما يكون الأكثر أهمية على المدى الطويل.

فالولايات المتحدة ليست بحاجة عاجلة إلى 65 مليار برميل دفعة واحدة، لكنها قد ترى في ضمان الوصول إلى هذه الاحتياطيات لعقود مقبلة بوليصة تأمين ضد أزمات الطاقة والتحولات الجيوسياسية.

أكبر من مجرد صفقة نفط، لكن هل سيتحقق ما يتناسب مع الزخم الإعلامي حولها؟

لهذا يصعب النظر إلى الاتفاق باعتباره صفقة تجارية عادية بين شركة نفط ودولة منتجة.

مدة الاتفاق التي تصل إلى 100 عام، ودخول البنتاغون، والحق الأميركي في شراء جزء من الإنتاج بسعر التكلفة، إضافة إلى حجم الاحتياطيات التي تصل إلى نحو خُمس نفط فنزويلا، كلها عناصر تمنحه طابعاً استراتيجياً استثنائياً.

وبالنسبة إلى كاراكاس، قد يكون الاتفاق طريقاً مهماً للحصول على الاستثمارات والتكنولوجيا وإعادة بناء قطاعها النفطي.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فهو يوفر مصدراً ضخماً للطاقة على مسافة جغرافية قصيرة، ويعزز قدرتها على مواجهة تقلبات أسواق النفط، ويحد في الوقت نفسه من نفوذ الصين وروسيا في فنزويلا.

لكن النجاح في توقيع الاتفاق لا يعني نجاحه في إنتاج النفط.

فالبنية التحتية المتدهورة، والمخاطر القانونية، والخشية من أن الإتفاق قد يكون غير قابل للاستدامة، وعدم اليقين السياسي داخل فنزويلا، والحاجة إلى عشرات المليارات من الدولارات يخشى المستثمرون من ضخها حاليَا، كلها عوامل ستحدد ما إذا كانت “أكبر صفقة نفط في التاريخ”، كما يسميها ترامب، ستتحول فعلاً إلى إنتاج بملايين البراميل، أم تبقى صفقة ضخمة على الورق.

هذه العوامل ترجح لدينا أن توقيع الصفقة في هذا التوقيت، والزخم الإعلامي المثار حولها، موجه بالأساس للناخب الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، للإيحاء بأن الإدارة الأمريكية تحقق انجازات ضخمة في ملفات هامة، مما قد يزيد من حظوظ الحزب الجمهوري الانتخابية، في ظل عدم قدرة الإدارة على حسم الملف الإيراني الذي قامت بفتحه دون تحقيق إنجاز يذكر، وفي ظل أزمات إقتصادية وشيكة مترتبة على هذا الفشل.

في النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا تريد الولايات المتحدة النفط الفنزويلي اليوم، بل لماذا تريد ضمان حق الوصول إليه لمدة قرن كامل؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى