تقديرات

ضغوط سياسية تحاصر بنك اليابان وسط معركة الين والفائدة.. هل بات استقلاله مهددًا؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


عادت استقلالية بنك اليابان إلى واجهة الجدل الاقتصادي، بعد تصاعد الضغوط السياسية على البنك للتنسيق بصورة أكبر مع حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، في وقت تواجه فيه البلاد ضعفًا حادًا في قيمة الين، وارتفاعًا في التضخم وعوائد السندات الحكومية.

وتفجّر النقاش عقب تشديد تاكايتشي على أن قانون بنك اليابان يلزمه بالحفاظ على اتصال وثيق مع الحكومة، وضمان انسجام سياسته النقدية مع التوجهات الاقتصادية العامة للدولة. غير أن هذه العبارة لا تمثل قرارًا جديدًا، ولا تعني إلغاء استقلال البنك، بل تشير إلى المادة الرابعة من قانون قائم منذ التسعينيات، تنص على تبادل الآراء والتنسيق بين الجانبين. وفي المقابل، يؤكد القانون نفسه استقلال البنك في اتخاذ قرارات السياسة النقدية.

وتزايدت المخاوف بشأن تدخل الحكومة بعدما كشفت تقارير أن تاكايتشي طلبت من محافظ البنك كازو أويدا خلال اجتماع عقد في مايو/أيار زيادة مشتريات السندات الحكومية عند الضرورة، بهدف كبح الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة طويلة الأجل واستقرار الأسواق المالية.

وكان بنك اليابان قد بدأ منذ عام 2024 تقليص مشترياته من السندات ضمن عملية خروج تدريجي من سياسة التحفيز النقدي الاستثنائية، لكنه أبطأ لاحقًا وتيرة التقليص مع ارتفاع العوائد واضطراب الأسواق. ويرى محللون أن مطالبة الحكومة بتوسيع المشتريات قد تزيد الشكوك بشأن قدرة البنك على مقاومة الضغوط السياسية، خصوصًا مع اعتماد اليابان على الاقتراض لتمويل برامج إنفاق واسعة.

ومع ذلك، لا تدعم التطورات الميدانية الادعاءات بأن بنك اليابان أُجبر على إبقاء الفائدة منخفضة بصورة دائمة. فقد رفع البنك سعر الفائدة في يونيو/حزيران 2026 إلى 1%، وهو أعلى مستوى في نحو 31 عامًا، بينما ناقش عدد من أعضاء مجلسه الحاجة إلى زيادات إضافية لمواجهة التضخم وضعف الين.

كما أبقى البنك الباب مفتوحًا أمام رفع جديد للفائدة خلال اجتماعاته المقبلة، في ظل تحذيرات من أن التأخر في تشديد السياسة النقدية قد يؤدي لاحقًا إلى زيادات أكثر حدة واضطرابًا في الأسواق.

وفي تطور يناقض رواية أن واشنطن ضغطت لإبقاء «المال الياباني الرخيص» متدفقًا نحو الأسواق الأميركية (الضغط لعدم رفع سعر الفائدة)، دعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اليابان إلى استكمال تدخلها لدعم الين بسياسة نقدية أكثر تشددًا، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة.

وجاء ذلك بعد تدخل منسق ونادر بين طوكيو وواشنطن لشراء الين ووقف تراجعه إلى مستويات متدنية تاريخيًا. وتخشى الولايات المتحدة أن يؤدي ضعف الين إلى زعزعة أسواق العملات الآسيوية والإضرار بالقدرة التنافسية للصادرات الأميركية.

وتكتسب السياسة اليابانية أهمية عالمية بسبب ما يعرف بـ«تجارة الفائدة» أو الـCarry Trade، حيث يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة ثم يوجهون الأموال إلى سندات وأسهم وأصول مرتفعة العائد في الخارج.

ومن الناحية النظرية، قد يؤدي رفع الفائدة اليابانية بسرعة إلى دفع المستثمرين لإغلاق هذه الصفقات وبيع أصول عالمية لسداد ديونهم المقومة بالين، ما قد يسبب تقلبات حادة وشحًا مؤقتًا في السيولة. لكن الحديث عن سحب «تريليونات الينات بين عشية وضحاها» أو وقوع زلزال مالي حتمي يظل تقديرًا مضخمًا، لأن التأثير يتوقف على سرعة الرفع وحجم المراكز المالية ورد فعل البنوك المركزية والأسواق.

كما لا توجد أدلة معتبرة على أن اليابان تبنت العملات المشفرة بوصفها «خطتها الوحيدة» للخروج من الأزمة أو لإعادة توزيع الثروة. وتظل الأصول الرقمية قطاعًا استثماريًا وتنظيميًا منفصلًا، وليست بديلًا رسميًا للين أو للسياسة النقدية التقليدية.

ويتمثل الخطر الحقيقي أمام اليابان في التناقض بين ثلاثة أهداف يصعب تحقيقها معًا: دعم النمو من خلال الإنفاق الحكومي، وحماية الين من الانخفاض، ومنع ارتفاع تكلفة خدمة واحد من أكبر أعباء الدين العام في العالم.

لذلك، لا يبدو أن استقلال بنك اليابان انتهى قانونيًا، لكن البنك يواجه بالفعل تضييقًا في مساحة حركته بين ضغوط الحكومة، وتوقعات الأسواق، والمطالب الأميركية، والحاجة إلى السيطرة على التضخم. وتبقى القضية الأساسية ليست وجود «انقلاب صامت»، بل مدى قدرة البنك على اتخاذ قراراته وفق متطلبات الاقتصاد الياباني، من دون أن يتحول إلى أداة لتمويل السياسات الحكومية أو استقرار الأسواق العالمية.

موجة بيع تمحو نحو 300 مليار دولار من الأسهم اليابانية

تعرضت الأسهم اليابانية لموجة بيع حادة قادتها شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، ما أدى إلى تراجع مؤشر نيكاي بأكثر من 4% ومحو مئات المليارات من الدولارات من القيمة السوقية للشركات المدرجة، قبل أن تستعيد البورصة جزءًا من خسائرها خلال الجلسات اللاحقة.

وهبط مؤشر نيكاي 225 يوم 28 يوليو/تموز 2026 بنحو 4.3%، ليصل إلى أدنى مستوياته في قرابة شهرين، وسط تراجع واسع لأسهم الشركات المرتبطة بصناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي. وقدّرت منشورات مالية متداولة القيمة السوقية المفقودة خلال الجلسة بنحو 300 مليار دولار، رغم أن هذا الرقم يتأثر بطريقة احتساب القيمة السوقية وسعر صرف الين مقابل الدولار.

وجاءت موجة البيع امتدادًا لتراجع أسهم التكنولوجيا في وول ستريت، مع إعادة المستثمرين تقييم التوقعات المرتفعة للإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وقدرة الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق إلى أرباح مستدامة.

وتعرضت أسهم شركات يابانية بارزة لضغوط قوية، خصوصًا الشركات المرتبطة بسلسلة توريد أشباه الموصلات، ومنها طوكيو إلكترون وأدفانتست وكيوكسيا، في ظل مخاوف من أن تكون تقييمات القطاع قد ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات والأرباح الفعلية.

كما زاد ترقب قرارات البنوك المركزية ونتائج شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى من حذر المستثمرين. وتخشى الأسواق أن يؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو تشديد السياسة النقدية إلى زيادة تكلفة التمويل وتقليص جاذبية الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، وفي مقدمتها شركات الذكاء الاصطناعي.

ارتداد السوق

غير أن الهبوط لم يتحول حتى الآن إلى انهيار مستمر في السوق اليابانية. ففي 5 أغسطس/آب، ارتد مؤشر نيكاي بقوة وسجل ارتفاعًا بنحو 3.7%، مدعومًا بانتعاش أسهم الرقائق، وتحسن نتائج عدد من الشركات، وتراجع المخاوف المتعلقة بأسعار النفط والتضخم العالمي.

وسجلت شركات التكنولوجيا اليابانية مكاسب كبيرة خلال جلسة الارتداد، إذ ارتفعت أسهم أدفانتست وكيوكسيا وسوفت بنك، في مؤشر على عودة المستثمرين إلى شراء بعض الأسهم التي تراجعت بشدة خلال موجة البيع السابقة.

ويشير هذا الارتداد إلى أن ما حدث أقرب، حتى الآن، إلى تصحيح حاد داخل قطاع التكنولوجيا منه إلى انهيار شامل للاقتصاد الياباني أو الأسواق العالمية. إلا أن سرعة انتقال الخسائر بين وول ستريت وطوكيو وسيول تكشف مدى اعتماد الأسواق الآسيوية على أداء شركات الرقائق الأميركية واتجاهات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وتبقى الأسواق معرضة لمزيد من التقلبات، خصوصًا مع استمرار التساؤلات بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا، ومسار أسعار الفائدة الأميركية واليابانية، وحجم الإنفاق المستقبلي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وعليه، فإن خسارة نحو 300 مليار دولار خلال جلسة واحدة تعكس حجم موجة البيع، لكنها لا تعني أن هذه الأموال خرجت فعليًا من الاقتصاد أو أن أزمة مالية عالمية بدأت بصورة مؤكدة. فالقيمة السوقية قد تتراجع بسرعة ثم تستعيد جزءًا كبيرًا منها مع ارتداد الأسعار، وهو ما حدث بالفعل في السوق اليابانية خلال الجلسات التالية.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى