نحن والعالم

نحن والعالم عدد 13 سبتمبر 2026


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، 1 سبتمبر 2026 –13  سبتمبر  2026

تكشف تطورات الأسبوع عن عالم تتحرك فيه السياسة والاقتصاد والأمن على وقع أزمات متداخلة يصعب فصل مساراتها عن بعضها. فواشنطن تعيد رسم مصالحها من نفط فنزويلا إلى مفاوضات أوكرانيا، فيما تزداد الأسئلة حول الدين الأميركي واتجاهات كبار المستثمرين العالميين.

وفي الشرق الأوسط، تنتقل المواجهة الأميركية الإيرانية إلى مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز وتغير قواعد الاشتباك، فضلًا عن انفجار الجبهة اليمنية ما أدى لسيطرة الحوثي على كامل الساحل الغربي ومدخل باب المندب، ما يقوي الموقف الاستراتيجي الإيراني بشك عام.

وبالتوازي، تكشف التحركات التركية في شرق المتوسط عن استمرار إعادة تشكيل التوازنات والتحالفات الإقليمية خلف قنوات دبلوماسية وأمنية هادئة.

وبين الطاقة والحروب والتجارة والتحالفات، تبدو التحولات الراهنة جزءاً من سباق أوسع لإعادة توزيع النفوذ والموارد ومراكز القوة في النظام الدولي والإقليمي.

أمريكا

تتحرك الولايات المتحدة هذا الأسبوع على جبهات متباعدة، لكنها تلتقي جميعاً عند سؤال واحد: كيف تعيد واشنطن توظيف قوتها الاقتصادية والسياسية في عالم أكثر اضطراباً؟

من صفقة نفط فنزويلية تمتد لعقود، إلى محاولة إعادة إطلاق المفاوضات الروسية الأوكرانية، تبدو إدارة ترامب أكثر ميلاً إلى الجمع بين الصفقات الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية.

وفي الداخل، تبرز تحديات الدين وسوق السندات، مع اتجاه صندوق النرويج إلى خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية بنحو 80 مليار دولار.

وفي الوقت نفسه، ينتقل الجدل حول إسرائيل والمقاطعة إلى الكونغرس والجامعات، مع مشروع يربط بعض أشكال التمويل الفيدرالي بمواقف المؤسسات الأكاديمية من المقاطعة.

وهكذا تتقاطع السياسة الخارجية والاقتصاد والصراع الداخلي لتقدم صورة لواشنطن تحاول تثبيت نفوذها الخارجي بينما تواجه في الداخل أسئلة متزايدة حول كلفة هذا الدور  وحدوده.

صفقة نفط لـ 100 عام.. ماذا يريد ترامب من فنزويلا؟

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الشهر اتفاقاً غير مسبوق يمنح الولايات المتحدة وصولاً طويل الأمد إلى نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا، في خطوة قد تعيد رسم العلاقة بين واشنطن وكاراكاس بعد سنوات من العقوبات والقطيعة السياسية.

وبموجب الترتيبات التي كشفت عنها الإدارة الأميركية، ستحصل شركة “North American Blue Energy Partners”  على حقوق تطوير 17 حقلاً نفطياً فنزويلياً لمدة تصل إلى 100 عام، فيما ستدخل الحكومة الأميركية  شريكاً في المشروع من خلال حصة تبلغ 35% لصالح مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع.

كما تحصل واشنطن على حق شراء 20% من إنتاج المشروع بسعر التكلفة، مع أولوية الوصول إلى بقية الإنتاج، في اتفاق وصفه ترامب بأنه من أكبر صفقات النفط في التاريخ.

خمس احتياطيات فنزويلا

تضم الحقول المشمولة بالاتفاق نحو 65 مليار برميل من النفط، أي قرابة خمس الاحتياطيات المؤكدة في فنزويلا، التي تمتلك أساساً أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم.

وتتركز الحقول بصورة رئيسية في حزام أورينوكو ومنطقة بحيرة ماراكايبو، وهما من أهم مناطق إنتاج النفط في البلاد.

وتنتج فنزويلا حالياً نحو 1.1 إلى 1.25 مليون برميل يومياً فقط، مقارنة بأكثر من 3 ملايين برميل يومياً في التسعينيات، بعد سنوات من ضعف الاستثمار وتدهور البنية التحتية والعقوبات الأميركية.

وتراهن الإدارة الأميركية على أن تدفق الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات الأجنبية قد يسمح برفع الإنتاج بأكثر من الضعف خلال السنوات المقبلة.

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الاتفاقات المرتقبة مع شركات أميركية ودولية يمكن أن تدفع إنتاج فنزويلا إلى أكثر من ضعفي مستواه الحالي.

من العقوبات إلى النفط

تمثل الصفقة تحولاً جذرياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه القطاع النفطي الفنزويلي.

فواشنطن أمضت سنوات في فرض عقوبات واسعة على شركة النفط الحكومية  “PDVSA”، ومنع الشركات الأميركية من الاستثمار بحرية في البلاد، ضمن سياسة استهدفت الضغط على حكومة نيكولاس مادورو.

أما اليوم، فأصبحت الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة الشركات والمستثمرين إلى القطاع نفسه الذي حاولت عزله سابقاً.

وفي الأول من سبتمبر/أيلول، وافقت الجمعية الوطنية الفنزويلية على الاتفاق الذي أعلنته إدارة ترامب، في خطوة فتحت الطريق أمام تنفيذ المشروع.

كما تستعد شركات أخرى لدخول السوق أو توسيع وجودها، وفي مقدمتها “شيفرون”، التي تخطط لزيادة عملياتها في فنزويلا، إضافة إلى شركات مثل “إيني” الإيطالية و”ONGC” الهندية و”GeoPark”.

100 مليار دولار من الاستثمارات

تقول الحكومة الفنزويلية إن الاتفاق يمكن أن يجذب نحو 100 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة خلال السنوات المقبلة.

كما تتوقع كاراكاس أن تحصل على نحو 209 مليارات دولار من الضرائب والإيرادات المرتبطة بالمشروع على المدى الطويل.

بالنسبة إلى فنزويلا، تمثل هذه الأموال فرصة لإعادة بناء قطاع نفطي يعاني من خطوط أنابيب متقادمة ومصافي تحتاج إلى تحديث واسع، إضافة إلى سنوات من نقص الاستثمار وهجرة الخبرات.

لكن حجم الأموال المطلوبة لإعادة القطاع إلى مستويات إنتاجه التاريخية سيظل كبيراً، وقد يستغرق تحقيق زيادة ملموسة في الإنتاج عدة سنوات.

لماذا يريد ترامب النفط الفنزويلي؟

تقدم الإدارة الأميركية الاتفاق باعتباره جزءاً من استراتيجية لتحقيق أمن الطاقة وخفض أسعار الوقود.

فالنفط الفنزويلي من النوع الثقيل الذي تحتاجه مصافٍ عديدة على ساحل الخليج الأميركي، والتي صممت تاريخياً للتعامل مع هذا النوع من الخام.

وبالتالي فإن زيادة إمدادات فنزويلا يمكن أن توفر للمصافي الأميركية مصدراً قريباً من الناحية الجغرافية مقارنة بالنفط القادم من مناطق أبعد.

وتأتي الصفقة أيضاً وسط اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والمخاطر التي تواجه صادرات الخليج عبر مضيق هرمز.

وقد قال ترامب إن جزءاً من النفط الفنزويلي يمكن استخدامه أيضاً في إعادة ملء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي.

لكن تأثير المشروع على أسعار البنزين لن يكون فورياً.

فحتى إذا بدأت الاستثمارات بسرعة، وهو من المشكوك فيه، فإن إعادة تأهيل الحقول والبنية التحتية وزيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت طويل، وهو ما يجعل أي انخفاض كبير في أسعار الطاقة نتيجة الاتفاق مسألة تمتد إلى سنوات وليس أشهراً.

البعد الصيني

لكن النفط ليس وحده ما يفسر  توقيع الاتفاق.

فالكثير من الحقول والمشاريع الفنزويلية كانت خلال العقود الماضية مرتبطة بشركات واستثمارات صينية وروسية، بينما أصبحت إدارة ترامب تنظر إلى أميركا اللاتينية باعتبارها ساحة رئيسية لمنافسة بكين.

ولهذا فإن منح شركات أميركية حقوقاً طويلة الأمد في 17 حقلاً يعني أيضاً إبعاد جزء من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم عن المنافسين الاستراتيجيين لواشنطن.

وتشير تحركات أميركية أحدث إلى أن هذا النهج لا يتوقف عند النفط.

فإدارة ترامب تسعى حالياً إلى توسيع وصول الشركات الأميركية إلى الذهب والمعادن الاستراتيجية في فنزويلا، ضمن سياسة تهدف إلى ربط موارد البلاد بالمصالح الاقتصادية والأمنية الأميركية وتقليص نفوذ الصين في المنطقة.

لماذا تدخل البنتاغون؟

ربما تكون أكثر تفاصيل الاتفاق إثارة للانتباه هي دخول وزارة الدفاع الأميركية طرفاً في المشروع.

فمكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون سيحصل على حصة تبلغ 35% في الشركة، وهو ترتيب غير معتاد في مشاريع النفط التقليدية.

وتشير هذه الصيغة إلى أن الإدارة لا تنظر إلى النفط الفنزويلي كاستثمار تجاري فقط، بل كأصل استراتيجي مرتبط بالأمن القومي الأميركي.

كما أن حصول وزارة الخارجية على حق شراء 20% من الإنتاج بسعر التكلفة يمنح الحكومة الأميركية وصولاً مضموناً إلى كميات من الخام بعيداً عن تقلبات السوق.

وهنا تنتقل الصفقة من مجرد استثمار نفطي إلى نوع من تأمين المورد الاستراتيجي لعقود طويلة.

أسئلة حول الشركة

مع ذلك، أثار اختيار شركة “North American Blue Energy Partners” تساؤلات داخل القطاع النفطي.

فالشركة يسيطر عليها رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، الذي سبق أن خضع لتحقيقات أميركية وأوروبية بشأن تعاملات مالية في فنزويلا، من دون أن توجه إليه اتهامات جنائية.

كما تم التوصل إلى الاتفاق من دون عملية منافسة مفتوحة بين شركات النفط، وهو ما أثار تحفظات لدى بعض المستثمرين والشركات التي تدرس دخول السوق الفنزويلية.

وتقول الإدارة الأميركية إن بيتانكورت والشركة خضعا لعملية تدقيق وإنهما شريكان قانونيان للمشروع.

لكن هذه التساؤلات تضيف طبقة جديدة من الغموض والمخاطر إلى صفقة ضخمة تمتد لمدة قرن.

هل الاتفاق قانوني ومستدام؟

هناك أيضاً خلاف حول الإطار الدستوري والقانوني للمشروع.

فالدستور والقوانين الفنزويلية تمنح الدولة دوراً مركزياً في ملكية وإدارة الموارد النفطية، ولذلك أثار منح حقوق طويلة الأجل لشركة مرتبطة بالحكومة الأميركية جدلاً بشأن مدى توافق الاتفاق مع هذه القواعد.

كما ترددت شركات البترول والمستثمرون في المشاركة في هذه الترتيبات والالتزام باستثمارات كبيرة فيها، ما دعا ترامب ليمارس ضغوطَا كبيرة عليها، وذلك خشية من أن تغير حكومة فنزويلية مستقبلية، غير تلك المتوافقة مع الولايات المتحدة حاليَا، شروط الصفقة أو تطعن في شرعيتها؛ وهذا أمر لا يمكن اعتباره نظرياً تماماً.

ففنزويلا تمتلك تاريخاً طويلاً من تأميم أصول النفط وتغيير العقود مع الشركات الأجنبية، وهو ما يجعل الاستقرار القانوني أحد أبرز شروط جذب مليارات الدولارات من رأس المال الجديد.

هل أصبحت فنزويلا ورقة في أمن الطاقة الأميركي؟

يمكن قراءة الاتفاق من ثلاثة مستويات.

الأول اقتصادي فنزويلي، عبر زيادة إنتاج النفط وجذب الاستثمارات وإعادة تشغيل قطاع فنزويلي يعاني منذ سنوات.

والثاني أميركي داخلي، إذ تسعى إدارة ترامب إلى زيادة المعروض من الخام وخفض أسعار الوقود وضمان إمدادات مستقرة للمصافي.

أما الثالث فهو جيوسياسي، ويتمثل في نقل جزء كبير من الموارد الفنزويلية إلى دائرة النفوذ الأميركي وإبعاد الصين وروسيا عن واحد من أهم خزانات الطاقة العالمية.

وهذا المستوى الأخير ربما يكون الأكثر أهمية على المدى الطويل.

فالولايات المتحدة ليست بحاجة عاجلة إلى 65 مليار برميل دفعة واحدة، لكنها قد ترى في ضمان الوصول إلى هذه الاحتياطيات لعقود مقبلة بوليصة تأمين ضد أزمات الطاقة والتحولات الجيوسياسية.

أكبر من مجرد صفقة نفط، لكن هل سيتحقق ما يتناسب مع الزخم الإعلامي حولها؟

لهذا يصعب النظر إلى الاتفاق باعتباره صفقة تجارية عادية بين شركة نفط ودولة منتجة.

مدة الاتفاق التي تصل إلى 100 عام، ودخول البنتاغون، والحق الأميركي في شراء جزء من الإنتاج بسعر التكلفة، إضافة إلى حجم الاحتياطيات التي تصل إلى نحو خُمس نفط فنزويلا، كلها عناصر تمنحه طابعاً استراتيجياً استثنائياً.

وبالنسبة إلى كاراكاس، قد يكون الاتفاق طريقاً مهماً للحصول على الاستثمارات والتكنولوجيا وإعادة بناء قطاعها النفطي.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فهو يوفر مصدراً ضخماً للطاقة على مسافة جغرافية قصيرة، ويعزز قدرتها على مواجهة تقلبات أسواق النفط، ويحد في الوقت نفسه من نفوذ الصين وروسيا في فنزويلا.

لكن النجاح في توقيع الاتفاق لا يعني نجاحه في إنتاج النفط.

فالبنية التحتية المتدهورة، والمخاطر القانونية، والخشية من أن الإتفاق قد يكون غير قابل للاستدامة، وعدم اليقين السياسي داخل فنزويلا، والحاجة إلى عشرات المليارات من الدولارات يخشى المستثمرون من ضخها حاليَا، كلها عوامل ستحدد ما إذا كانت “أكبر صفقة نفط في التاريخ”، كما يسميها ترامب، ستتحول فعلاً إلى إنتاج بملايين البراميل، أم تبقى صفقة ضخمة على الورق.

هذه العوامل ترجح لدينا أن توقيع الصفقة في هذا التوقيت، والزخم الإعلامي المثار حولها، موجه بالأساس للناخب الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، للإيحاء بأن الإدارة الأمريكية تحقق انجازات ضخمة في ملفات هامة، مما قد يزيد من حظوظ الحزب الجمهوري الانتخابية، في ظل عدم قدرة الإدارة على حسم الملف الإيراني الذي قامت بفتحه دون تحقيق إنجاز يذكر، وفي ظل أزمات إقتصادية وشيكة مترتبة على هذا الفشل.

في النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا تريد الولايات المتحدة النفط الفنزويلي اليوم، بل لماذا تريد ضمان حق الوصول إليه لمدة قرن كامل؟

واشنطن تعيد تحريك مفاوضات أوكرانيا.. ويتكوف وكوشنر ينقلان مقترحات من موسكو إلى كييف

عادت التحركات الدبلوماسية الأميركية بشأن الحرب في أوكرانيا إلى الواجهة، بعد جولة أجراها مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بين موسكو  وكييف في محاولة لإعادة تشغيل مسار المفاوضات المتعثر بين روسيا وأوكرانيا.

ووصل ويتكوف وكوشنر إلى كييف بعد أيام من اجتماعهما بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، في زيارة هدفت إلى نقل ما طرحته القيادة الروسية ومناقشة إمكانات التقدم نحو مفاوضات مباشرة تضم الأطراف الثلاثة.

وعقد المبعوثان الأميركيان ثلاث جولات من المحادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في السادس من سبتمبر/أيلول، وانضم إلى الجولة الأخيرة مستشارون للأمن القومي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، في مؤشر إلى أن واشنطن تريد إبقاء الحلفاء الأوروبيين ضمن الترتيبات السياسية والأمنية المرتبطة بأي اتفاق محتمل.

وجاءت زيارة كييف بعد اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات مع بوتين في الكرملين. ووصف المستشار الرئاسي الروسي يوري أوشاكوف المحادثات بأنها بناءة ومفيدة، فيما قال ويتكوف إن الجانب الروسي طرح أفكاراً جديدة جرى نقلها إلى القيادة الأوكرانية.

ولم تكشف واشنطن أو موسكو تفاصيل المقترحات، لكن المحادثات تناولت القضايا الرئيسية التي تعيق التوصل إلى تسوية، وفي مقدمتها الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، والضمانات الأمنية التي تطالب بها أوكرانيا، ومستقبل العلاقة بين موسكو والغرب بعد انتهاء الحرب.

كما ناقش الوفد الأميركي في موسكو ملفات اقتصادية ومشروعات محتملة بين روسيا والولايات المتحدة، وهو ما يوسع نطاق التفاوض من وقف القتال إلى شكل العلاقات الروسية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب.

ويعكس إدخال الجانب الاقتصادي في المحادثات توجهاً لدى إدارة ترامب لاستخدام رفع القيود الاقتصادية أو استعادة بعض مجالات التعاون مع موسكو ضمن حزمة الحوافز التي يمكن أن ترافق أي اتفاق سياسي.

محاولة لإعادة المفاوضات المباشرة

تركز الجهود الأميركية الحالية على استئناف المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، بعد أشهر من التواصل المنفصل بين واشنطن والطرفين.

وقال كوشنر إن نقل المقترحات بين موسكو وكييف عبر الوسطاء لم يعد كافياً، وإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جلوس الأطراف بصورة مباشرة لمناقشة القضايا العالقة.

وتبحث الأطراف عدة مواقع محتملة لاستضافة جولة جديدة، بينها تركيا والإمارات وسويسرا، من دون التوصل حتى الآن إلى قرار نهائي بشأن مكان الاجتماع أو موعده.

وتحظى تركيا بفرصة بارزة لاستضافة المفاوضات بحكم دورها السابق في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، واستضافتها جولات تفاوضية منذ المراحل الأولى للحرب.

وبعد لقاء المبعوثين الأميركيين، قال زيلينسكي إن الوفد نقل مقترحات وصفها بالجيدة، وإن كييف مستعدة لمواصلة العمل عليها، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى تفاهم بشأن النقاط الأكثر حساسية.

الأراضي تبقى العقدة الرئيسية

تظل قضية الأراضي في صدارة الخلاف بين موسكو  وكييف.

فروسيا تتمسك بالسيطرة على المناطق التي ضمتها، وتطالب بترتيبات إقليمية تتجاوز في بعض الحالات خطوط السيطرة العسكرية الحالية، في حين ترفض أوكرانيا الاعتراف قانونياً بخسارة الأراضي التي سيطرت عليها القوات الروسية.

وتبقى منطقة دونباس في قلب هذا الخلاف، إذ تطالب موسكو بالسيطرة على كامل الإقليم، بما يشمل مناطق لا تزال تحت سيطرة الجيش الأوكراني.

ويرفض الجانب الأوكراني الانسحاب من أراضٍ لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها عسكرياً، ويرى أن أي تسوية إقليمية بهذا الحجم تتطلب مفاوضات على مستوى القادة وليس الوفود الفنية.

وهذه الخلافات تجعل الاتفاق على وقف القتال أكثر سهولة من الاتفاق على تسوية سياسية نهائية، إذ يمكن تجميد خطوط الجبهة بقرار سياسي، بينما يحتاج تحديد الوضع القانوني للأراضي إلى تفاهم أوسع لا يزال بعيداً.

الأمن الأوكراني بعد الحرب

إلى جانب الأراضي، تركز كييف على الضمانات الأمنية التي ستدخل حيز التنفيذ بعد أي اتفاق.

وتتمسك القيادة الأوكرانية بالحفاظ على جيش كبير ومسلح وقادر على الردع، مع استمرار حصوله على الدعم الغربي، باعتبار ذلك الضمانة الرئيسية لمنع اندلاع حرب جديدة.

وتنظر موسكو في المقابل إلى حجم الجيش الأوكراني وتسليحه وعلاقاته الأمنية مع الغرب باعتبارها جزءاً أساسياً من التسوية التي تريد التوصل إليها.

وهذا الخلاف يجعل مستقبل المؤسسة العسكرية الأوكرانية قضية تفاوضية بحد ذاتها، وليس مجرد ملف يُبحث بعد انتهاء الحرب.

وناقشت الاجتماعات في كييف أيضاً المساعدات العسكرية الأميركية خلال الشتاء، خصوصاً الدفاعات الجوية وحماية منشآت الكهرباء والطاقة من الهجمات الروسية.

وطلب الجانب الأوكراني زيادة إمدادات صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، في ظل توقع استمرار روسيا في استهداف شبكات الطاقة مع اقتراب أشهر الشتاء.

ويكشف الجمع بين مفاوضات السلام والاستعداد العسكري للشتاء أن جميع الأطراف تتحرك على أساس احتمال استمرار الحرب بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.

الدبلوماسية تتحرك والعمليات العسكرية مستمرة

لم تؤد الجولة الأميركية إلى وقف العمليات العسكرية.

وعلى الرغم من انخفاض وتيرة الضربات على كييف خلال زيارة المبعوثين، استؤنفت الهجمات بعد مغادرتهما، بينما استمرت العمليات الروسية والأوكرانية على خطوط الجبهة.

وبذلك تجري المفاوضات في الوقت الذي يحاول فيه الطرفان الحفاظ على مواقعهما العسكرية وتحسينها قبل أي تسوية.

وتتمسك موسكو بمكاسبها الميدانية وتعتبرها أساساً لموقعها التفاوضي، في حين تحاول كييف منع المزيد من التقدم الروسي والحفاظ على قدراتها العسكرية بما يمنع فرض اتفاق عليها من موقع ضعف.

وتشهد الجبهات منذ أشهر حرب استنزاف طويلة تعتمد بدرجة متزايدة على الطائرات المسيّرة والمدفعية والهجمات بعيدة المدى، من دون قدرة أي من الطرفين على تحقيق تحول عسكري سريع يحسم الحرب.

وهذا الجمود الميداني أصبح أحد العوامل التي تعيد فتح المجال أمام الدبلوماسية، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من القتال.

واشنطن تعود إلى الملف الأوكراني

تأتي جولة ويتكوف وكوشنر بعد فترة تراجع خلالها النشاط الأميركي في الملف الأوكراني مع انشغال إدارة ترامب بتطورات الشرق الأوسط والحرب مع إيران.

وتحاول الإدارة الآن إعادة بناء مسار سياسي قبل دخول الحرب مرحلة شتوية جديدة، مع الاستفادة من حالة الجمود العسكري وتزايد التكاليف الاقتصادية والبشرية على الطرفين.

وتريد واشنطن الوصول إلى صيغة تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت، وتجمع بين تسوية ميدانية وترتيبات أمنية وحوافز اقتصادية وإعادة إعمار أوكرانيا ومستقبل العقوبات المفروضة على روسيا.

ويفسر ذلك دخول كوشنر إلى جانب ويتكوف في المفاوضات، إذ تتعامل الإدارة مع الملف باعتباره صفقة سياسية واقتصادية واسعة، وليس مفاوضات عسكرية بحتة.

أوروبا تريد موقعاً في التسوية

حضور مسؤولين بريطانيين وفرنسيين وألمان جانباً من محادثات كييف يعكس حرص الدول الأوروبية على ألا تتحول المفاوضات إلى مسار ثنائي بين واشنطن وموسكو يحدد مستقبل الأمن الأوروبي من دون مشاركة القارة.

وتتحمل الدول الأوروبية جانباً كبيراً من الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، كما أن أي اتفاق سيؤثر مباشرة على حدودها الشرقية وترتيباتها الدفاعية وعلاقتها المستقبلية مع روسيا.

ولهذا تركز العواصم الأوروبية على الضمانات الأمنية لكييف وعلى منع التوصل إلى تسوية تسمح لروسيا باستئناف العمليات العسكرية بعد فترة من إعادة بناء قواتها.

كما يرتبط الموقف الأوروبي بمستقبل العقوبات الروسية والأصول المجمدة وإعادة إعمار أوكرانيا، وهي ملفات ستحتاج إلى قرارات أوروبية مباشرة حتى في حال توصلت واشنطن وموسكو إلى تفاهم سياسي.

موسكو تربط أوكرانيا بعلاقاتها مع واشنطن

برز خلال لقاء ويتكوف وكوشنر مع بوتين جانب آخر يتمثل في بحث مستقبل العلاقات الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة.

ويشير ذلك إلى أن موسكو تريد وضع الحرب الأوكرانية داخل إطار أوسع يشمل العقوبات والتجارة والاستثمارات والعلاقة السياسية مع واشنطن.

وتستطيع إدارة ترامب استخدام هذه الملفات كأدوات تفاوضية، خصوصاً مع استمرار القيود الغربية على قطاعات واسعة من الاقتصاد الروسي.

وفي المقابل، تريد موسكو ضمان ألا يؤدي وقف الحرب إلى استمرار عزلها الاقتصادي والسياسي بالشكل نفسه.

وهكذا تتداخل أربعة ملفات في عملية تفاوض واحدة: الأراضي الأوكرانية، الضمانات الأمنية، العقوبات الاقتصادية، ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب.

الطريق إلى الاتفاق لا يزال مفتوحاً وطويلاً

أعادت جولة المبعوثين الأميركيين الاتصالات السياسية إلى مستوى أعلى بعد أشهر من الجمود، ووافقت موسكو  وكييف على استمرار البحث في المقترحات الأميركية وعقد جولات جديدة.

لكن المواقف الأساسية لم تتغير حتى الآن بما يكفي لإنتاج اتفاق.

تتمسك روسيا بمطالب إقليمية وأمنية ترفضها كييف، بينما تصر أوكرانيا على ضمانات عسكرية لا تريد موسكو أن تتحول إلى صيغة بديلة لعضوية حلف الناتو.

وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى إدخال العناصر الاقتصادية في التسوية، في حين تعمل أوروبا على ضمان موقع لها في أي ترتيبات أمنية مقبلة.

ومن المنتظر أن تستمر الاتصالات خلال سبتمبر/أيلول، مع توقع لقاء بين ترامب وزيلينسكي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب مساعٍ لعقد جولة تفاوضية ثلاثية جديدة.

وستتركز المرحلة المقبلة على تحويل المقترحات التي حملها ويتكوف وكوشنر بين موسكو وكييف إلى نصوص قابلة للتفاوض، خصوصاً بشأن الأراضي والضمانات الأمنية.

وتشير الجولة الحالية إلى عودة الجهد الدبلوماسي الأميركي بقوة إلى ملف أوكرانيا، لكنها تضع في الوقت نفسه حدود هذا التحرك بوضوح: فالمفاوضات تقدمت من حيث الاتصالات، بينما لا تزال التسوية نفسها معلقة على القضايا التي عطلتها منذ البداية، وفي مقدمتها حدود أوكرانيا بعد الحرب، وشكل منظومتها الأمنية، والثمن الذي ستحصل عليه موسكو مقابل إنهاء القتال.

بالتوازي مع هذه الجهود الدبلوماسية، يظل السؤال الأهم مطروحَا عن مستقبل العمليات العسكرية الروسية، ليس في أوكرانيا فقط، ولكن مع أطراف أوروبية أخرى، في إطار الصراع والتصعيد العسكري المحتمل، الذي يراه بعض المحللين حتميَا، بل وقريبَا. إلا أن هذا الأمر يحتاج تحليلَا منفصلَا ومعمقَا، نعمل عليه في الوقت الراهن.

صندوق النرويج يعيد ترتيب رهاناته.. ماذا يعني خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية؟

اقترح أكبر صندوق سيادي في العالم خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية بنحو 80 مليار دولار، في خطوة لافتة تأتي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ارتفاعاً في تكلفة الاقتراض ومخاوف متزايدة بشأن الدين العام والعجز المالي.

والاقتراح قدمه صندوق التقاعد الحكومي العالمي النرويجي، الذي تديره وحدة إدارة الاستثمار في البنك المركزي النرويجي “NBIM”، ضمن مراجعة أوسع لاستراتيجية استثماراته في أدوات الدخل الثابت.

وتبلغ قيمة الصندوق نحو 2.3 تريليون دولار، ما يجعله أحد أكبر المستثمرين المؤسسيين في العالم، إذ يمتلك في المتوسط نحو 1.5% من الأسهم المدرجة عالمياً، فضلاً عن محفظة ضخمة من السندات والأصول الأخرى.

لكن الخطوة لا تعني أن النرويج قررت الانسحاب من السوق الأميركية، بقدر ما تعكس إعادة ترتيب لطريقة توزيع استثماراتها بين السندات الحكومية والأدوات المالية الأخرى.

ما الذي اقترحه الصندوق؟

في الأول من سبتمبر/أيلول، رفع البنك المركزي النرويجي مقترحاً إلى وزارة المالية يقضي بخفض حصة السندات الحكومية في المؤشر المرجعي لمحفظة السندات من 70% إلى 50%.

ويرى مديرو الصندوق أن النسبة الحالية من السندات الحكومية أصبحت أعلى من المستوى المطلوب لتوفير السيولة والحماية من تقلبات الأسواق، وأن خفضها قد يسمح بتوجيه مزيد من الأموال إلى أصول ذات عائد أعلى.

ووفق حسابات أوردتها رويترز، يمتلك الصندوق حالياً نحو 215 مليار دولار من سندات الحكومة الأميركية، وقد يؤدي اعتماد التعديل الجديد إلى خفض هذه الحيازات بنحو 80 مليار دولار.

كما ستتراجع حصة سندات الخزانة الأميركية في المؤشر المرجعي للسندات من 34.1% إلى نحو 21.9%.

وتعد الولايات المتحدة أكبر المتأثرين بالقيمة المطلقة للتعديل، بحكم الوزن الكبير الذي تحتله سنداتها داخل محفظة الصندوق.

هل تتخلى النرويج عن الدولار؟

رغم ضخامة الرقم، فإن الخطوة لا تعني هروباً من الدولار أو تقليصاً شاملاً للاستثمار في الولايات المتحدة.

فعلى العكس، تشير الخطة إلى زيادة حصة الديون الأميركية غير الحكومية في المؤشر من 16.2% إلى 27.6%، وتشمل هذه الفئة الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري وسندات مؤسسات أميركية أخرى.

وبعد تطبيق التغيير المقترح، لن يتراجع الوزن الإجمالي للدولار في مؤشر السندات إلا بشكل طفيف، من 52.9% إلى نحو 52.5%.

وهذا يعني أن الصندوق لا يسعى إلى خفض تعرضه للاقتصاد الأميركي بقدر ما يريد تغيير طبيعة الأصول التي يحتفظ بها داخله.

وبعبارة أخرى، فإن النرويج لا تقول إن الولايات المتحدة أصبحت استثماراً غير مرغوب فيه، وإنما ترى أن الاحتفاظ بهذا الحجم من سندات الحكومة الأميركية قد لا يقدم أفضل عائد ممكن مقارنة بأدوات مالية أخرى . أي أن المشكلة هي في الأساس الاحتفاظ بحيازة الدين الحكومي الأمريكي.

لماذا تقليص السندات الحكومية؟

تؤدي السندات الحكومية عادة دوراً أساسياً في المحافظ الاستثمارية الكبرى، لأنها تتمتع بسيولة مرتفعة وتساعد في خفض المخاطر  وتوفير أصول يمكن بيعها سريعاً خلال فترات اضطراب الأسواق.

لكن صندوق النرويج يرى أن الإفراط في الاحتفاظ بهذه الأصول يأتي على حساب العوائد.

وتشير تقديرات البنك المركزي النرويجي إلى أن حصة تبلغ 40% من السندات الحكومية قد تكون كافية لتلبية احتياجات السيولة حتى خلال الأزمات، إلا أنه أوصى بنسبة 50% لتوفير هامش أمان إضافي.

ويعني ذلك أن الصندوق يفضل تحمل مستوى أعلى قليلاً من المخاطر مقابل فرصة تحقيق عائد أفضل على المدى الطويل.

ومن هنا، تبدو الخطوة أقرب إلى إعادة موازنة بين المخاطر والعائد منها إلى موقف سياسي أو اقتصادي مباشر ضد واشنطن.

لماذا ستتأثر الولايات المتحدة أكثر؟

يتعلق جانب آخر من التعديل المقترح بطريقة احتساب أوزان السندات الحكومية داخل المؤشر.

فالصندوق يعتمد حالياً إلى حد كبير على حجم الناتج المحلي الإجمالي لتحديد أوزان الدول، لكنه يقترح التحول إلى معيار يعتمد بصورة أكبر على القيمة السوقية للسندات القائمة.

وعند الجمع بين خفض الحصة الإجمالية للسندات الحكومية وتغيير طريقة احتساب الأوزان، تصبح سندات الخزانة الأميركية صاحبة أكبر تراجع مطلق داخل المحفظة.

وفي المقابل، من المتوقع ارتفاع حصة السندات الحكومية اليابانية من 4.6% إلى 7.4%، بينما تنخفض حصة ديون منطقة اليورو من 16.8% إلى 14.1%، وتظل حصة بريطانيا مستقرة قرب 4.2%.

وبذلك لا تقتصر عملية إعادة الهيكلة على الولايات المتحدة وحدها، لكنها تتحمل النصيب الأكبر بسبب ضخامة حيازاتها الحالية.

توقيت حساس لواشنطن

يأتي المقترح في وقت تواجه فيه سوق السندات الأميركية ضغوطاً متزايدة.

فعائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات يقترب من 5%، وسط مخاوف من التضخم وارتفاع العجز والدين الحكومي الأميركي، الذي تجاوز 40 تريليون دولار.

وكلما ارتفعت عوائد السندات، زادت تكلفة الاقتراض على الحكومة الأميركية.

وتحتاج واشنطن إلى إصدار كميات ضخمة من الدين بصورة مستمرة لتمويل العجز وإعادة تمويل السندات التي يحين موعد استحقاقها.

وفي سوق السندات، يتحرك السعر والعائد في اتجاهين متعاكسين. فإذا تراجع الطلب أو زادت عمليات البيع، تنخفض أسعار السندات ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى.

ولهذا فإن تقليص حيازات مستثمر كبير مثل الصندوق النرويجي لا يمثل ضغطاً كبيراً بمفرده، لكنه يأتي في توقيت تبحث فيه وزارة الخزانة الأميركية عن طلب قوي ومستمر على إصداراتها.

هل تكفي 80 مليار دولار لهز سوق الخزانة؟

رغم ضخامة المبلغ، فإن سوق سندات الخزانة الأميركية أكبر بكثير من أن يتأثر بصورة جوهرية بعملية بيع واحدة بهذا الحجم.

فالسوق الأميركية تعد الأكبر والأكثر سيولة بين أسواق الدين العالمية، كما أكد الصندوق النرويجي أن أي تعديلات مستقبلية ستنفذ تدريجياً لتقليل تأثيرها على الأسعار وتكاليف التداول.

لكن أهمية الخطوة قد تكمن في دلالتها أكثر من حجمها.

فالأسواق تراقب سلوك كبار المستثمرين، وخصوصاً الصناديق السيادية وصناديق التقاعد، لأن تحركاتها قد تعكس تغيراً أوسع في تقييم المخاطر والعوائد.

وكان صندوق التقاعد الهولندي “ABP” قد قلص بدوره حيازاته من سندات الخزانة الأميركية في وقت سابق من العام، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت مؤسسات أخرى قد تتجه إلى إعادة النظر في حجم استثماراتها في الديون الحكومية.

المفارقة الأميركية

المفارقة أن الصندوق النرويجي لا يقلل رهانه على الاقتصاد الأميركي بشكل عام.

ففي الوقت الذي يريد فيه خفض حيازاته من سندات الحكومة الأميركية، يسعى إلى زيادة استثماراته في أدوات دين أميركية أخرى تحمل عوائد متوقعة أعلى.

وهذا يعكس اختلافاً بين تقييم الحكومة الأميركية كمُصدر للسندات، وبين تقييم السوق الأميركية كوجهة استثمارية.

فلو كان الصندوق يتوقع أزمة ثقة في الدولار أو في الاقتصاد الأميركي، لكان من المنطقي أن يخفض إجمالي استثماراته المقومة بالدولار.

لكن الخطة الحالية لا تفعل ذلك.

بل تشير إلى أن الصندوق يرى فرصاً أفضل داخل السوق الأميركية نفسها، بعيداً عن السندات الحكومية منخفضة العائد نسبياً.

سؤال يتجاوز النرويج

تكمن أهمية التحرك النرويجي في أنه يعيد فتح نقاش أوسع حول مستقبل الدين الأميركي.

فالولايات المتحدة تمتعت لعقود بميزة استثنائية، إذ شكل الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، بينما أصبحت سندات الخزانة الأميركية الوجهة الأولى للبنوك المركزية والصناديق السيادية والمستثمرين الباحثين عن السيولة والأمان.

لكن ارتفاع الدين والعجز وتكاليف الفائدة قد يجعل الاحتفاظ بكميات ضخمة من هذه السندات أقل جاذبية لبعض المستثمرين، خصوصاً عندما تتوافر بدائل تحقق عوائد أعلى.

ومع اقتراب عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل من مستويات مرتفعة، يزداد العبء على المالية العامة، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض لا يبقى محصوراً في الحكومة، بل يمتد إلى قروض الشركات والرهون العقارية والأسواق المالية.

ولهذا لا يمثل مقترح صندوق النرويج بداية هروب من الدولار، ولا دليلاً على أزمة ثقة فورية في الولايات المتحدة.

لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً مهماً بالنسبة إلى واشنطن: إذا بدأ كبار المستثمرين العالميين في تقليص اعتمادهم على السندات الحكومية بحثاً عن عوائد أعلى، فهل ستضطر الخزانة الأميركية مستقبلاً إلى دفع تكلفة أكبر لجذب الأموال؟

وقد يكون هذا السؤال، أكثر من بيع 80 مليار دولار نفسه، هو الجانب الأكثر أهمية في التحرك النرويجي.

الكونغرس يلاحق مقاطعي إسرائيل.. هل تخسر الجامعات الأميركية التمويل الفيدرالي؟

أقر مجلس النواب الأميركي مشروع قانون يهدد بحرمان الجامعات والكليات التي تشارك في مقاطعة إسرائيل من بعض أشكال التمويل الفيدرالي، في خطوة تعيد الجدل حول حركة المقاطعة “BDS” إلى قلب الصراع السياسي الأميركي بشأن إسرائيل وحرية التعبير داخل الجامعات.

وصوّت المجلس في 3 سبتمبر/أيلول لصالح مشروع “قانون حماية الحرية الاقتصادية والأكاديمية لعام 2026” بأغلبية 237 صوتاً مقابل 169، بعدما انضم 33 نائباً ديمقراطياً إلى 203 جمهوريين ومستقل واحد في دعمه، بينما عارضه جمهوريان فقط.

ويحظر المشروع على مؤسسات التعليم العالي المشاركة في برامج المساعدات الطلابية الفيدرالية الانخراط في مقاطعة تجارية تستهدف إسرائيل أو كيانات مرخصة أو خاضعة للتنظيم أو منشأة بموجب القانون الإسرائيلي، ما لم تكن المقاطعة قائمة على أسباب تجارية مشروعة.

كما يفرض على الجامعات التي تحصل على تمويل فيدرالي لبرامج الدراسات الدولية واللغات أن تضمن معاملة برامج التبادل الأكاديمي مع إسرائيل على نحو مماثل للبرامج في الدول الأجنبية الأخرى، وأن تسمح للطلاب والأساتذة الإسرائيليين بالمشاركة في برامجها وفق الشروط نفسها المطبقة على نظرائهم من الدول الأخرى.

من الجامعات إلى التمويل الفيدرالي

تكمن قوة المشروع في أنه لا يحظر الخطاب المؤيد للمقاطعة بصورة مباشرة، بل يستخدم التمويل الفيدرالي كأداة للضغط على المؤسسات الجامعية.

فإذا قررت جامعة، على سبيل المثال، وقف تعاملاتها التجارية مع شركات إسرائيلية في إطار موقف سياسي مؤسسي، فقد تصبح غير مؤهلة للمشاركة في بعض برامج المساعدات الطلابية الفيدرالية.

وهذه نقطة ذات أهمية كبيرة، لأن المساعدات الفيدرالية ليست بنداً هامشياً بالنسبة إلى الجامعات الأميركية، بل ترتبط بالقروض والمنح التي يعتمد عليها ملايين الطلاب.

ولهذا يرى مؤيدو القانون أن دافعي الضرائب الأميركيين لا ينبغي أن يمولوا مؤسسات تمارس ما يعتبرونه “تمييزاً” ضد إسرائيل أو الإسرائيليين.

وقال النائب الديمقراطي جوش غوتهايمر، أحد مقدمي المشروع، إن الهدف هو منع الجامعات التي تحصل على أموال عامة من ممارسة مقاطعات تستهدف الطلاب والأساتذة والمؤسسات الإسرائيلية.

ماذا عن المستوطنات؟

هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في نص المشروع.

فالقانون لا يكتفي باستخدام عبارة “إسرائيل”، بل يشمل أيضاً أي كيان مرخص أو منظم أو منشأ بموجب القوانين الإسرائيلية.

ويرى معارضو المشروع أن هذه الصياغة يمكن أن تشمل شركات ومؤسسات تعمل داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، طالما أنها مسجلة أو خاضعة للقانون الإسرائيلي.

وبذلك قد تواجه جامعة أميركية عقوبات مالية حتى إذا اقتصرت مقاطعتها على شركة تعمل في مستوطنة، وليس على إسرائيل داخل حدودها المعترف بها قبل عام 1967.

ووصفت منظمة “New Jewish Narrative”، وهي مجموعة يهودية أميركية معارضة للمشروع، النص بأنه يمحو عملياً التمييز بين إسرائيل والمستوطنات، معتبرة أن الشركات العاملة في المستوطنات تقع بالفعل ضمن التعريف القانوني الوارد في المشروع.

ولهذا فإن الجدل لا يدور فقط حول حركة BDS التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل على نطاق واسع، بل أيضاً حول ما إذا كانت واشنطن بصدد معاقبة المؤسسات التي تميز في سياساتها بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

الجمهوريون و33 ديمقراطياً في جبهة واحدة

حصل المشروع على دعم جمهوري شبه كامل، إلا أن التصويت لم يكن حزبياً بالكامل.

فقد انضم 33 ديمقراطياً إلى الجمهوريين، في مؤشر على استمرار وجود كتلة داخل الحزب الديمقراطي تدعم بقوة التشريعات المناهضة لمقاطعة إسرائيل، رغم الانقسامات المتزايدة داخل الحزب بشأن الحرب في غزة والسياسة الإسرائيلية.

في المقابل، عارض عدد كبير من الديمقراطيين المشروع، ومن بينهم نواب أعلنوا صراحة أنهم لا يؤيدون حركة BDS لكنهم يعترضون على استخدام التمويل الحكومي لمعاقبة قرارات سياسية أو تعبيرية تتخذها الجامعات.

وكان النائب الديمقراطي جيرولد نادلر من بين المعارضين الذين رأوا أن مكافحة المقاطعة لا تبرر، في نظرهم، المخاطرة بتقييد حقوق يكفلها التعديل الأول للدستور الأميركي.

هل هو قانون ضد معاداة السامية أم ضد حرية التعبير؟

هنا يقع جوهر الخلاف.

مؤيدو القانون يقدمونه باعتباره إجراء لمكافحة التمييز ومعاداة السامية داخل الجامعات.

ويقولون إن الجامعة لا ينبغي أن تستطيع الاستفادة من أموال دافعي الضرائب الأميركيين وفي الوقت نفسه مقاطعة مؤسسات أكاديمية أو تجارية إسرائيلية بسبب هويتها الوطنية.

أما المنتقدون، فيرون أن المقاطعة الاقتصادية شكل تاريخي من أشكال التعبير السياسي في الولايات المتحدة، وأن معاقبة مؤسسة بسبب قرارها بالمقاطعة قد تصطدم بحماية حرية التعبير والتجمع السياسي.

ووصف مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية “كير” القانون بأنه تهديد للحق في المقاطعة السياسية، بينما قالت اللجنة العربية الأميركية لمناهضة التمييز إن النص يستخدم المساعدات الفيدرالية لمعاقبة الجامعات على قرارات المقاطعة.

وبذلك يمتد الخلاف إلى سؤال دستوري أوسع: هل يمكن للحكومة أن تقول لجامعة إنها حرة في تبني موقف سياسي، لكنها ستفقد أموالاً فيدرالية إذا حولت ذلك الموقف إلى سياسة تجارية؟

الجامعات أصبحت ساحة سياسية

يأتي المشروع بعد أكثر من عامين من تحول الجامعات الأميركية إلى واحدة من أبرز ساحات الانقسام بشأن الحرب في غزة.

ومنذ احتجاجات الجامعات التي بدأت تتسع في 2024، طالب طلاب وأعضاء هيئات تدريس في مؤسسات عدة بسحب الاستثمارات من الشركات التي تتعامل مع إسرائيل أو الجيش الإسرائيلي.

لكن رويترز تشير إلى أن القانون يأتي رغم عدم وجود موجة واسعة من الجامعات الأميركية التي اعتمدت رسمياً مقاطعة شاملة لإسرائيل على مستوى المؤسسة نفسها.

وهذا ما دفع منتقدي المشروع إلى القول إنه يعالج مشكلة محدودة عملياً، لكنه يضع قاعدة قانونية يمكن استخدامها مستقبلاً ضد الجامعات التي تتبنى سياسات من هذا النوع.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن سن القانون قبل انتشار مثل هذه المقاطعات يمنع تحول الجامعات إلى مؤسسات تنفذ سياسات BDS بصورة رسمية.

جزء من ضغط أوسع على الجامعات

لا يأتي التشريع بمعزل عن الصراع الأوسع بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وعدد من الجامعات الأميركية الكبرى.

فخلال الفترة الأخيرة، استخدمت الإدارة تهديدات بتجميد أو سحب التمويل الفيدرالي في نزاعات مع جامعات بشأن معاداة السامية وسياسات التنوع والقبول ومناهج أكاديمية مختلفة.

وقد واجهت بعض هذه الإجراءات طعوناً أمام المحاكم، فيما أثارت اتهامات من اتحادات أكاديمية وجماعات حقوقية بأن الحكومة تستخدم الأموال الفيدرالية لفرض توجهات سياسية على مؤسسات التعليم العالي.

وهكذا يضيف مشروع مقاطعة إسرائيل أداة تشريعية جديدة إلى هذا الصراع، إذ لن يصبح التمويل مرتبطاً فقط بالامتثال لقوانين الحقوق المدنية التقليدية، وإنما أيضاً بسياسات الجامعة التجارية تجاه إسرائيل.

ماذا يحدث الآن؟

المشروع لم يصبح قانوناً بعد.

فبعد موافقة مجلس النواب، انتقل إلى مجلس الشيوخ، حيث قد يواجه مساراً أكثر تعقيداً.

وبحسب النظام التشريعي الأميركي، يجب أن يوافق مجلس الشيوخ على النص نفسه قبل إحالته إلى الرئيس للتوقيع.

وقد تكون العقبة الأساسية هي قواعد مجلس الشيوخ، حيث تحتاج كثير من التشريعات في الواقع إلى دعم يتجاوز الأغلبية البسيطة لتجاوز التعطيل الإجرائي.

ومن ثم فإن تصويت مجلس النواب يمثل خطوة كبيرة، لكنه ليس نهاية المسار التشريعي.

ما وراء القانون

الأهمية السياسية للمشروع تتجاوز عدد الجامعات التي قد تتأثر به فوراً.

فالولايات المتحدة تنتقل تدريجياً من الاكتفاء بإدانة حركة المقاطعة سياسياً إلى ربط المشاركة فيها بتكاليف مالية مباشرة بالنسبة إلى مؤسسات تتلقى أموالاً اتحادية.

كما يكشف التصويت أن دعم التشريعات المناهضة لمقاطعة إسرائيل لا يزال قادراً على تشكيل أغلبية من الحزبين في مجلس النواب، رغم الانقسام المتزايد في الرأي العام الأميركي والمشهد السياسي بشأن إسرائيل والحرب في غزة.

لكن إدخال المستوطنات في المعادلة، ولو بصورة غير مباشرة عبر تعريف الكيانات الخاضعة للقانون الإسرائيلي، يوسع النقاش كثيراً.

فالقضية لم تعد فقط: هل يحق لجامعة أميركية مقاطعة إسرائيل؟

بل أصبحت أيضاً: هل تستطيع الجامعة مقاطعة شركة تعمل في مستوطنة في الضفة الغربية من دون المخاطرة بخسارة التمويل الفيدرالي؟

وإذا أقر مجلس الشيوخ المشروع بصيغته الحالية وتحول إلى قانون، فقد ينتقل هذا السؤال سريعاً من النقاش السياسي إلى المحاكم الأميركية، حيث ستصبح حدود سلطة الكونغرس في ربط التمويل الفيدرالي بالمواقف الاقتصادية والسياسية للجامعات موضع اختبار دستوري جديد.

إيران

إيران تغيّر قواعد الاشتباك في هرمز – “قاسم بصير” صاروخ جديد وعقيدة تقوم على الضربة الاستباقية

رفعت إيران مستوى التهديد في مواجهتها مع الولايات المتحدة، بعدما كشفت عن صاروخ باليستي مطور وأعلنت أن عقيدتها العسكرية باتت تسمح بتنفيذ ضربات استباقية ضد ما تعتبره تهديدات وشيكة، في تطور يتزامن مع تصاعد المواجهة حول مضيق هرمز وتراجع حركة السفن وارتفاع المخاطر على أسواق الطاقة.

وأعلنت طهران صاروخ “قاسم بصير”، الذي تقول إن مداه يتجاوز 1200 كيلومتر ويحمل رأساً حربياً يزن نحو نصف طن، مع تحسينات في الدقة والقدرة على إصابة الأهداف البحرية والعسكرية. وربط مسؤولون إيرانيون الكشف عن الصاروخ برسالة أوسع مفادها أن القوات الإيرانية لم تعد ملزمة بانتظار الضربة الأولى قبل الرد.

وقال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن طهران مستعدة للتحرك قبل تنفيذ أي هجوم أميركي إذا رأت أن التهديد أصبح وشيكاً، في صياغة تمثل تشديداً واضحاً للخطاب العسكري الإيراني خلال الأشهر الأخيرة.

وجاء الإعلان بعد سلسلة من المواجهات بين القوات الأميركية والإيرانية في مياه الخليج، شملت هجمات بالصواريخ على سفن أميركية وضربات أميركية استهدفت ناقلات نفط ومنشآت عسكرية إيرانية قرب المضيق. وتنفي واشنطن بعض الادعاءات الإيرانية المتعلقة بإصابة سفنها، لكنها تؤكد استمرار عملياتها العسكرية وحقها في حماية الملاحة.

هرمز في قلب المواجهة

تحول مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية من ممر للطاقة إلى إحدى أهم ساحات الضغط بين واشنطن وطهران.

ويمر عبر المضيق نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الأسعار وحركة التجارة الدولية. وتراجعت حركة السفن خلال الأيام الأخيرة مع تصاعد التحذيرات الإيرانية من الرد على أي ضربات أميركية جديدة.

وأعلنت إيران أنها تعمل على إنشاء منطقة مقيدة للملاحة وترتيبات جديدة للعبور في الخليج، بينما رفضت الولايات المتحدة أي محاولة إيرانية لفرض سيطرة أحادية على الممر الدولي.

وتقول واشنطن إنها ستواصل ضمان حرية الملاحة، في حين تربط طهران استقرار المضيق بوقف الهجمات الأميركية والعقوبات المفروضة عليها.

وتعكس هذه المواجهة انتقال الصراع من فكرة إغلاق المضيق بالكامل إلى محاولة التحكم بدرجة المخاطر داخله. فحتى من دون إغلاق كامل، يؤدي ارتفاع احتمالات الهجمات والألغام والصواريخ والمسيّرات إلى زيادة تكاليف التأمين وتراجع استعداد شركات الشحن للمخاطرة.

الضربة الاستباقية

التحول الأبرز في الخطاب الإيراني يتعلق بمفهوم الضربة الاستباقية.

اعتمدت إيران تاريخياً على الردع غير المباشر، عبر الصواريخ وشبكة من الحلفاء الإقليميين والتهديد بتعطيل طرق الطاقة، مع التأكيد أن استخدامها للقوة يأتي رداً على هجوم خارجي.

أما التصريحات الجديدة فتمنح القيادة الإيرانية مساحة أوسع لتبرير هجوم يبدأ قبل تعرضها لضربة فعلية، إذا اعتبرت أن الاستعدادات الأميركية تمثل تهديداً مباشراً.

هذا التحول يزيد صعوبة إدارة الأزمات في الخليج، لأن كل تحرك عسكري يمكن أن يُفسر على أنه مقدمة لهجوم.

فانتشار  سفن أميركية إضافية أو نقل أنظمة دفاع جوي أو تحريك طائرات إلى قواعد إقليمية قد يُقرأ في طهران باعتباره تحضيراً لضربة، بينما قد تفسر واشنطن تحركات الصواريخ الإيرانية بالطريقة نفسها.

وتصبح المسافة بين الردع والتصعيد أقصر في هذه الحالة، خصوصاً في منطقة ضيقة ومزدحمة عسكرياً مثل مضيق هرمز.

“قاسم بصير” ورسالة إلى الأسطول الأميركي

تقول إيران إن الصاروخ الجديد يمتلك قدرة محسنة على إصابة أهداف بعيدة، وإنه جرى اختباره في سيناريوهات تتعلق بسفن أميركية.

وتبقى التفاصيل الفنية التي تقدمها طهران خاضعة للتقييم المستقل، لكن أهمية الصاروخ السياسية لا تقل عن مواصفاته العسكرية.

فالإعلان عنه في ذروة المواجهة مع الولايات المتحدة يهدف إلى تعزيز صورة إيران باعتبارها قادرة على تهديد القطع البحرية والقواعد الأميركية في الخليج ومحيطه.

ويضع مدى يتجاوز 1200 كيلومتر عدداً كبيراً من المنشآت العسكرية والقواعد في نطاق نظري للضربات، بينما تمنح القدرة على استخدام رؤوس حربية كبيرة الصاروخ قيمة ردعية إضافية.

واشنطن ترد بالحصار والضربات

تتعامل الإدارة الأميركية مع المواجهة عبر مسارين متوازيين: الضغط العسكري والضغط الاقتصادي.

وشنت الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية ضربات على معدات ومنشآت إيرانية قالت إنها تستخدم لتطوير قدرات هجومية قرب مضيق هرمز، بينها أنظمة صاروخية ورادارات ومعدات مرتبطة بالألغام البحرية.

وبالتوازي، تعمل واشنطن على تشديد الحصار على صادرات النفط الإيراني وإغلاق القنوات المالية التي تستخدمها طهران للوصول إلى العملات الأجنبية.

وأدت هذه الإجراءات إلى تراجع صادرات الخام الإيراني بصورة حادة مقارنة بالعام الماضي، مع ارتفاع الضغوط على العملة والأسعار داخل إيران.

ويرتبط المساران ببعضهما مباشرة، إذ تريد واشنطن تقليص قدرة إيران على تمويل الحرب، بينما تستخدم طهران مضيق هرمز لرفع الكلفة الاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها.

حدود ورقة هرمز

احتفظت إيران لعقود بتهديد إغلاق مضيق هرمز بوصفه أحد أقوى أدوات الردع لديها.

لكن التطورات الأخيرة أظهرت حدود هذه الورقة.

فإيران لم تنجح في إغلاق المضيق بالكامل، بينما تكيفت الأسواق جزئياً مع الاضطرابات وجرى تحويل بعض الشحنات وزيادة الاعتماد على إمدادات ومسارات أخرى.

كما نفذت الولايات المتحدة عمليات لإزالة الألغام من الممرات البحرية باستخدام وحدات خاصة وقوارب روبوتية ومعدات تحت الماء، في محاولة لاستعادة ثقة شركات الشحن بالممر. وتشير تقديرات دولية إلى أن عشرات الألغام كانت قد وُضعت في مناطق حيوية من المضيق منذ بداية الحرب.

لكن إزالة الألغام لا تلغي الخطر الناتج عن الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المسلحة، وهو ما يبقي تكلفة المرور مرتفعة حتى عندما يظل المضيق مفتوحاً رسمياً.

حركة السفن تتراجع

تظهر بيانات حركة الملاحة أن التوتر بدأ ينعكس فعلياً على النشاط التجاري.

وتراجع عدد سفن السلع العابرة للمضيق إلى مستويات منخفضة خلال بداية الأسبوع، مع زيادة شركات الشحن إجراءات الحذر، بينما رفعت مؤسسات مالية توقعاتها لأسعار النفط بسبب احتمال استمرار الاضطرابات.

كما تجاوز خام برنت مستوى 105 دولار للبرميل مع اتساع رقعة الصراع في المنطقة، بما في ذلك الهجمات الحوثية على منشآت الطاقة السعودية.

وهذا يعني أن الصراع حول هرمز لم يعد قضية إيرانية أميركية منفصلة، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من المخاطر تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب.

دول المنطقة تحت الضغط

تضع المواجهة دول الخليج أمام تحدٍ مزدوج.

فهي تعتمد على استمرار الملاحة في هرمز لتصدير جزء كبير من إنتاجها النفطي والغازي، لكنها تستضيف في الوقت نفسه قواعد ومنشآت عسكرية أميركية يمكن أن تدخل ضمن حسابات الرد الإيراني.

وأبدت دول خليجية اعتراضها على أي محاولة إيرانية لفرض ترتيبات منفردة على المضيق، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الطابع الدولي للممر.

وتدرس دول أخرى خارج الخليج المشاركة في حماية الملاحة. وتبحث كوريا الجنوبية، التي يمر أكثر من 60% من وارداتها النفطية عبر هرمز، خيارات عسكرية وغير عسكرية تشمل طائرات دورية ووحدات لوجستية وقدرات لإزالة الألغام.

من الردع إلى المبادرة

يأتي إعلان العقيدة الاستباقية في وقت تتعرض فيه إيران لضغط اقتصادي وعسكري متزايد.

وتشير مصادر إيرانية وإقليمية إلى أن العقوبات والحصار يضغطان بقوة على التجارة والعملة والواردات، لكن القيادة الإيرانية لم تظهر استعداداً للتراجع عن مطالبها الأساسية.

وفي هذا السياق، يمثل تشديد الخطاب العسكري محاولة لمنع الضغط الاقتصادي من التحول إلى صورة ضعف استراتيجي.

فإيران تقدم نفسها باعتبارها قادرة على الانتقال من الرد إلى المبادرة، وعلى استهداف المصالح العسكرية والطاقة في المنطقة إذا توسعت العمليات الأميركية.

وتبقى فاعلية هذه العقيدة مرتبطة بقدرة طهران على تنفيذ تهديداتها من دون دفع الولايات المتحدة إلى رد أوسع يفاقم الخسائر العسكرية والاقتصادية.

مرحلة أكثر خطورة في الخليج

تدخل المواجهة في مضيق هرمز مرحلة جديدة تتراجع فيها المسافة بين الضغط الاقتصادي والعمل العسكري.

فالولايات المتحدة تشدد الحصار وتضرب القدرات الإيرانية القريبة من المضيق، بينما تعلن إيران عن صواريخ مطورة وتمنح نفسها حق التحرك الاستباقي وتلوح بإعادة تنظيم الملاحة.

وتحافظ حركة السفن على مستوى من الاستمرار، لكنها أصبحت أكثر حساسية لأي تبادل جديد للنيران.

وأصبح أمن الطاقة مرتبطاً بصورة مباشرة بقرارات عسكرية يمكن أن تتخذ خلال دقائق في مساحة بحرية ضيقة.

ومع بقاء القوات الأميركية والإيرانية في حالة مواجهة، وتراجع قنوات التهدئة، تزداد احتمالات أن تتحول حادثة محدودة أو قراءة خاطئة لتحرك عسكري إلى جولة أوسع من القتال.

وعليه، لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة تفاوضية تستخدمها طهران عند الحاجة، بل أصبح الجبهة التي تتقاطع فيها العقيدة العسكرية الإيرانية الجديدة مع الحصار الأميركي وأمن الطاقة العالمي.

تركيا

زيارة قالن إلى أثينا.. رسائل تركية حازمة خلف أبواب الاستخبارات

تكشف الزيارة غير المعلنة التي أجراها رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركي إبراهيم قالن إلى أثينا عن مستوى متقدم من القنوات الخلفية التي لا تزال مفتوحة بين تركيا واليونان، رغم استمرار الخلافات العميقة بين البلدين في بحر إيجه وشرق المتوسط وقبرص.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام يونانية، التقى قالن رئيس جهاز الاستخبارات الوطني اليوناني ثيميستوكليس ديميريس، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون بين مؤسسات الاستخبارات. إلا أن كاتب صحيفة «يني شفق» التركية يحيى بوستان قال إن اللقاء تضمن رسائل سياسية وأمنية أكثر وضوحاً لم تظهر في البيانات المتداولة إعلامياً.

وتحمل الزيارة أهمية مضاعفة من حيث توقيتها، إذ تأتي في مرحلة تشهد إعادة ترتيب واسعة للتحالفات في شرق المتوسط، بالتوازي مع تصاعد التعاون الأمني والعسكري بين اليونان وإسرائيل وقبرص، واستمرار الخلافات التركية اليونانية بشأن الجرف القاري والمجال الجوي وتسليح الجزر وترسيم الحدود البحرية.

حوار لا يلغي الخلافات

تشير الرسائل المنسوبة إلى قالن إلى أن أنقرة تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: الإبقاء على الحوار مع أثينا، وفي الوقت نفسه رسم حدود واضحة لما تعتبره مصالح وحقوقاً لا يمكن التنازل عنها.

ووفق ما أورده بوستان، أكد الجانب التركي رغبته في مواصلة سياسة «حسن النية والتعاون البناء» مع اليونان، لكنه شدد في المقابل على أن ذلك لن يأتي على حساب المصالح التركية في بحر إيجه وشرق المتوسط.

ويعكس هذا الخطاب تحوّلاً من إدارة الخلافات عبر التصعيد العلني إلى محاولة ضبطها من خلال قنوات أمنية وسياسية أكثر هدوءاً. فالاتصالات بين أجهزة الاستخبارات تسمح للطرفين بإيصال رسائل مباشرة بعيداً عن ضغوط الخطاب الإعلامي والسياسي الداخلي، كما تتيح احتواء الأزمات قبل انتقالها إلى المستوى العسكري.

بحر إيجه في صدارة الملفات

يظل بحر إيجه أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين أنقرة وأثينا. فالبلدان يختلفان منذ عقود بشأن الجرف القاري والمجال الجوي والمياه الإقليمية ووضع بعض الجزر.

وتنظر تركيا بحساسية خاصة إلى عمليات تسليح جزر في بحر إيجه، معتبرة أن بعضها يخضع لترتيبات دولية تقيد وجود القوات العسكرية فيها، في حين تقدم اليونان مبررات أمنية وسيادية مختلفة لهذه الخطوات.

وبحسب المعلومات التي نقلها الكاتب التركي، أبلغ قالن الجانب اليوناني أن أنقرة لن تسمح بفرض «أمر واقع» من خلال إجراءات أحادية في بحر إيجه أو شرق المتوسط.

ويمكن قراءة هذه الرسالة باعتبارها تحذيراً سياسياً أكثر من كونها تهديداً مباشراً، إذ تريد تركيا، وفق الرواية الواردة في المقال، منع أي تغيير تدريجي في ميزان القوى أو الوضع القانوني والسياسي للمناطق المتنازع عليها.

العامل الإسرائيلي

من أبرز جوانب الزيارة ما يتعلق بالتقارب المتزايد بين أثينا وتل أبيب. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً في التعاون الدفاعي والأمني بين إسرائيل واليونان وقبرص، في مجالات تشمل التدريبات العسكرية والطاقة والدفاع الجوي.

وبحسب بوستان، فإن قالن وصف محاولات إنشاء «خط أمني جديد» في المنطقة عبر إسرائيل بأنها مسار خاطئ.

وتنظر أنقرة إلى أي تحالفات إقليمية تتشكل على أساس احتوائها أو استبعادها بحذر شديد، خصوصاً في شرق المتوسط الذي بات يجمع ملفات الطاقة والحدود البحرية والأمن والدفاع في ساحة واحدة.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو الاعتراض التركي موجهاً فقط إلى العلاقات الثنائية بين اليونان وإسرائيل، بل إلى احتمال تحول هذا التعاون إلى بنية استراتيجية يمكن استخدامها للضغط على تركيا أو الحد من نفوذها الإقليمي.

تغير ميزان القوى

يربط الكاتب التركي التوترات الراهنة أيضاً بالتغير في موازين القوى بين تركيا واليونان. ففي العقود السابقة، كانت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي يشكلان إطاراً يحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة بين البلدين العضوين في الناتو.

لكن أنقرة طورت خلال السنوات الأخيرة صناعاتها الدفاعية، وعززت حضورها العسكري والسياسي في ملفات تمتد من سوريا والعراق إلى ليبيا وشرق المتوسط والقوقاز.

هذا التحول منح تركيا هامشاً أكبر من الاستقلالية في سياساتها الدفاعية، بينما دفع أثينا إلى توسيع شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل.

وتشير هذه المعادلة إلى أن المنافسة لم تعد محصورة في النزاعات التاريخية القديمة، بل باتت مرتبطة أيضاً بالسؤال حول من يمتلك الوزن الأكبر في النظام الأمني الجديد الذي يتشكل في شرق المتوسط.

إدارة التوتر بدلاً من حسمه

رغم اللهجة الحازمة التي نقلها المقال، فإن مجرد انعقاد لقاء بين رئيسي جهازي الاستخبارات يعكس رغبة الطرفين في إبقاء التوتر تحت السيطرة.

فالخلافات بين تركيا واليونان لا تبدو قابلة للحل السريع، خصوصاً مع تداخل الملفات القانونية والسيادية والأمنية. لكن الاتصالات الأمنية قد تساعد على منع سوء التقدير وعلى إبقاء خطوط التواصل مفتوحة خلال الأزمات.

وبهذا المعنى، يمكن قراءة زيارة قالن إلى أثينا باعتبارها رسالة مزدوجة: تركيا لا تسعى إلى مواجهة مع اليونان، لكنها في الوقت ذاته تريد أن توضح أن مسار التهدئة لن يعني قبولها بخطوات تعتبرها ماسة بمصالحها.

وبين الرغبة في التعاون واستمرار التنافس، تبدو العلاقات التركية اليونانية متجهة إلى مرحلة عنوانها الأساسي «إدارة الخلاف» لا إنهاؤه، مع بقاء بحر إيجه وشرق المتوسط والتحالفات الإقليمية أبرز الاختبارات أمام قدرة البلدين على الحفاظ على هذا التوازن الهش.

صفقة طاقة بملياري دولار.. كيف تعزز السعودية حضورها في سوق الكهرباء التركية؟

تمضي تركيا والسعودية في توسيع شراكتهما في مجال الطاقة المتجددة عبر اتفاق استثماري قد تصل طاقته الإجمالية إلى 5 آلاف ميغاواط، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الاقتصادية بين البلدين من التجارة والاستثمارات التقليدية إلى مشروعات استراتيجية طويلة الأجل في قطاع الطاقة.

وتنطلق المرحلة الأولى من الاتفاق بإنشاء محطتين للطاقة الشمسية في ولايتي سيواس وكرمان طاش إيلي، بقدرة ألف ميغاواط لكل محطة، وباستثمارات تقترب من ملياري دولار.

وكانت أنقرة والرياض قد وقعتا الاتفاق الحكومي في فبراير/شباط الماضي، قبل أن تصادق عليه تركيا رسمياً في نهاية أغسطس/آب 2026، ليصبح إطاراً قانونياً لمشروعات تمتد على مدى عقود.

وبحسب وزارة الطاقة التركية، ستتولى شركة “أكوا باور” السعودية تنفيذ المشروعات، على أن تدخل المحطتان مرحلة التشغيل التجاري اعتباراً من مطلع 2028، مع توقع وصولهما إلى كامل طاقتهما في وقت لاحق.

كهرباء لأكثر من مليوني منزل

تقول الحكومة التركية إن المحطتين ستنتجان ما يكفي لتغطية استهلاك نحو 2.1 مليون أسرة، فيما تشترط الاتفاقية ألا تقل نسبة المكون المحلي في المشروعات عن 50%.

ويعني ذلك أن المشروع لا يقتصر على استيراد رأس المال السعودي، بل يتضمن أيضاً طلباً محلياً على المعدات والأعمال الهندسية والخدمات المرتبطة ببناء وتشغيل المحطات.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية خاصة بالنسبة إلى أنقرة في ظل سعيها إلى رفع مساهمة الطاقة الشمسية والرياح في مزيج الكهرباء وتقليل اعتمادها على واردات الوقود الأحفوري.

أدنى سعر شراء للطاقة المتجددة في تركيا

أما الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في الاتفاق فيتمثل في أسعار شراء الكهرباء.

فخلال السنوات الخمس الأولى من التشغيل، ستطبق تعرفة تبلغ 47.5 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي 4.75 سنتات يورو لكل كيلوواط/ساعة.

وبعد ذلك تنخفض التعرفة إلى 23.415 يورو لكل ميغاواط/ساعة في مشروع سيواس، ونحو 19.95 يورو لكل ميغاواط/ساعة في محطة طاش إيلي بكرمان، أي ما يعادل نحو 1.995 سنت يورو لكل كيلوواط/ساعة.

ووصف وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار السعر الأخير بأنه الأدنى الذي توصلت إليه تركيا حتى الآن في شراء الكهرباء من مشروعات الطاقة المتجددة.

كما أكد أن السعر سيظل ثابتاً على مدى 25 عاماً دون تحديث مرتبط بالتضخم، وهو ما يمنح أنقرة درجة عالية من القدرة على التنبؤ بتكاليف شراء الكهرباء مستقبلاً.

ضمان شراء طويل الأجل

وتتضمن الاتفاقية إطاراً يمتد إلى 30 عاماً من تاريخ بدء التشغيل التجاري للمشروع.

ويشكل ضمان شراء الكهرباء لفترة طويلة أحد أبرز العوامل التي تجعل المشروع جذاباً للمستثمر، لأنه يمنح الشركة المنفذة تدفقاً مالياً يمكن توقعه لسنوات طويلة، ويخفض المخاطر المرتبطة بتقلب أسعار الكهرباء في السوق.

وفي المقابل، تحصل تركيا على إمدادات بأسعار محددة سلفاً، وهو ما يقلل تعرضها لمفاجآت الأسعار في أسواق الطاقة.

وهذه الصيغة تجمع بين مصلحة الطرفين: السعودية تحصل على مشروع طويل الأجل بإيرادات شبه مستقرة، وتركيا تحصل على تمويل خارجي وقدرات إنتاج جديدة دون الحاجة إلى تمويل كامل المشروع من الموازنة العامة.

لماذا السعودية؟

تحمل الصفقة أهمية تتجاوز حجم الاستثمار نفسه، لأنها تمنح السعودية موطئ قدم واسعاً في واحدة من أكبر أسواق الطاقة في المنطقة.

وتعد “أكوا باور” من أبرز الشركات السعودية العاملة في الطاقة المتجددة وتحلية المياه، كما تسعى الرياض ضمن استراتيجيتها الاقتصادية إلى توسيع استثمارات شركاتها خارج المملكة في قطاعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية.

أما بالنسبة إلى تركيا، فإن جذب استثمارات خليجية مباشرة إلى قطاع الطاقة يمنحها مصدراً إضافياً للتمويل الخارجي في وقت تحتاج فيه مشاريع التحول الأخضر إلى استثمارات بمليارات الدولارات.

وكان بيرقدار قد وصف دخول رأس المال الخارجي إلى هذه المشروعات بأنه يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد التركي واستقراره وآفاقه المستقبلية.

المرحلة الأولى فقط

غير أن المشروعين في سيواس وكرمان يمثلان بداية الاتفاق وليس نهايته.

فالإطار الموقع بين البلدين يستهدف إنشاء 5 آلاف ميغاواط من الطاقة المتجددة في تركيا.

وتغطي المرحلة الأولى ألفي ميغاواط من الطاقة الشمسية، بينما تشمل المرحلة الثانية مشروعات إضافية بقدرة تصل إلى 3 آلاف ميغاواط من الطاقة الشمسية والرياح، مع إمكانية دمجها بأنظمة تخزين ومراكز بيانات.

وتعتزم أنقرة والرياض المضي في هذه المرحلة خلال الفترة المقبلة، مع حديث تركي عن توقيع ترتيبات إضافية مرتبطة بها على هامش مؤتمر المناخ “كوب 31” في أنطاليا.

وقال وزير الطاقة التركي في أغسطس/آب إن إضافة هذه المشروعات سترفع إجمالي القدرة المتفق عليها مع السعودية من ألفي ميغاواط إلى 5 آلاف ميغاواط.

وبحسب تصريحات سابقة لبيرقدار، فإن المرحلة الثانية قد تجلب استثمارات إضافية إلى تركيا تقترب من 3 مليارات دولار.

وهذا يعني أن القيمة الإجمالية المحتملة للشراكة قد تتجاوز بكثير الملياري دولار المرتبطين بالمرحلة الأولى.

بعد اقتصادي أوسع

بالنسبة إلى تركيا، تمثل الصفقة جزءاً من استراتيجية أكبر لزيادة قدراتها في الطاقة الشمسية والرياح وتقليل فاتورة واردات الطاقة.

فتركيا تعتمد على الخارج لتغطية جزء كبير من احتياجاتها من النفط والغاز، وهو ما يجعل فاتورة الطاقة أحد أبرز مصادر الضغط على ميزانها التجاري وحسابها الجاري.

وكل زيادة في إنتاج الكهرباء من مصادر محلية ومتجددة تعني تقليص الحاجة إلى استخدام الغاز المستورد في محطات توليد الكهرباء.

ومن هنا فإن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى تقليل تعرض الاقتصاد التركي لتقلب أسعار الغاز والنفط وسعر الصرف.

علاقة تركية سعودية تتجاوز الاستثمار

وتأتي مشروعات الطاقة في سياق تقارب اقتصادي أوسع بين أنقرة والرياض خلال السنوات الأخيرة.

فالبلدان انتقلا من مرحلة توتر سياسي إلى توسيع التعاون في قطاعات تشمل الدفاع والاستثمار والتجارة والطاقة، مع تزايد دور الصناديق والشركات السعودية في الاقتصاد التركي.

واللافت في المشروع الجديد أنه يقوم على شراكة حكومية طويلة المدى، وليس مجرد استثمار لشركة أجنبية في محطة منفردة.

فالاتفاق بين الحكومتين التركية والسعودية ينص على تنسيق مباشر بين وزارتي الطاقة في البلدين، كما يجري الطرفان محادثات بشأن مشروعات أخرى، من بينها الربط الكهربائي بين السعودية وتركيا.

وإذا تحقق هذا الربط مستقبلاً، فقد يتجاوز التعاون إنتاج الكهرباء داخل تركيا إلى إنشاء شبكة أوسع لتبادل الطاقة بين الخليج وتركيا والأسواق المحيطة.

هل تعيد الصفقة رسم خريطة الطاقة التركية؟

لن تغير محطتان بقدرة ألفي ميغاواط مزيج الطاقة التركي بمفردهما، لكن أهمية الاتفاق تكمن في النموذج الذي يقدمه.

فأنقرة تحصل على استثمار أجنبي مباشر، وقدرات كهربائية جديدة، وسعر شراء طويل الأجل من بين الأدنى في تاريخ مشروعاتها المتجددة، بينما تحصل الشركات السعودية على دخول واسع إلى سوق يتزايد فيه الطلب على الكهرباء والطاقة النظيفة.

أما إذا اكتملت المرحلة الثانية ووصلت المشاريع المشتركة إلى 5 آلاف ميغاواط، فستصبح السعودية أحد اللاعبين الأجانب البارزين في قطاع الطاقة المتجددة التركي.

وعندها لن تكون صفقة الملياري دولار مجرد مشروعين للطاقة الشمسية في سيواس وكرمان، بل بداية شراكة طاقة أوسع تربط رأس المال السعودي بحاجة تركيا المتزايدة إلى الكهرباء والتمويل والتحول نحو مصادر أقل تكلفة وأكثر استدامة.

واشنطن تعاقب بنكاً تركياً بسبب إيران.. هل تتسع الحرب المالية إلى حلفاء أميركا؟

وسعت الولايات المتحدة حملتها المالية على إيران لتطال هذه المرة مؤسسة مصرفية داخل دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، بعدما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بنك “غولدن غلوبال” التركي وشركتين تابعتين له، متهمة إياه بتسهيل معاملات مالية بملايين الدولارات لصالح فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

وتضع الخطوة تركيا أمام اختبار جديد في علاقتها مع واشنطن، إذ تأتي في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى عزل طهران مالياً بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب، وتلوح بعقوبات إضافية ضد أي مؤسسات أجنبية تساعد إيران على الوصول إلى النظام المالي الدولي.

ما الذي تتهم به واشنطن البنك التركي؟

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية “أوفاك” في 4 سبتمبر/أيلول إدراج “Golden Global Yatirim Bankasi” ومقره إسطنبول، إلى جانب شركتي “Golden Global Portfoy Yonetimi” و”Golden Global Varlik Kiralama”، على قائمة العقوبات الأميركية.

وتقول وزارة الخزانة إن البنك سهّل معاملات بقيمة عشرات الملايين من الدولارات لصالح فيلق القدس، كما وفر لمؤسسات إيرانية خدمات مصرفية مراسلة مكنتها من نقل الأموال عبر النظام المالي الدولي.

وبحسب رويترز، تتهم واشنطن البنك أيضاً بالمشاركة في معاملات مرتبطة بعائدات النفط الإيراني، من بينها تحويل مدفوعات قادمة من الصين إلى أموال نقدية وذهب لصالح شبكات مرتبطة بالحرس الثوري.

وينفي البنك هذه الاتهامات، وقال إنه يعتزم اللجوء إلى الوسائل القانونية للطعن في القرار الأميركي.

ماذا تعني العقوبات عملياً؟

إدراج البنك على قائمة العقوبات الأميركية لا يعني إغلاقه تلقائياً داخل تركيا، لكنه يفرض عليه قيوداً شديدة في التعامل مع النظام المالي الأميركي.

فالأصول والمصالح الخاضعة للولاية الأميركية يتم تجميدها، كما يُمنع الأشخاص والمؤسسات الأميركية من تنفيذ معاملات معه، ويصبح تعامل البنوك الدولية معه أكثر خطورة بسبب احتمال تعرضها هي الأخرى لعقوبات.

والأهم أن النظام المالي العالمي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الدولار وعلى البنوك المراسلة الأميركية.

لذلك قد يكون أثر العقوبات أوسع من السوق الأميركية نفسها، لأن البنوك الأوروبية والآسيوية والمؤسسات الدولية غالباً ما تتجنب التعامل مع أي جهة مدرجة على قوائم واشنطن خشية فقدان الوصول إلى الدولار أو السوق الأميركية.

ومن هنا تأتي القوة الحقيقية للعقوبات الثانوية الأميركية: لا تحتاج واشنطن إلى منع مؤسسة من العمل داخل بلدها كي تجعل التعامل الدولي معها مكلفاً للغاية.

لماذا تركيا مهمة في شبكة العقوبات؟

تبرز أهمية القضية في أن تركيا ليست مجرد دولة ثالثة بعيدة عن الصراع الإيراني الأميركي.

فهي عضو في حلف الناتو، وترتبط باقتصاد غربي واسع، وفي الوقت نفسه تمتلك حدوداً وعلاقات تجارية كبيرة مع إيران.

هذا الموقع جعلها على مدى سنوات واحدة من الدول التي تمر عبرها تجارة إيرانية مشروعة، لكنه جعل النظام المالي التركي أيضاً معرضاً بصورة مستمرة للتدقيق الأميركي بشأن الالتفاف على العقوبات.

والحالة الأشهر كانت بنك “خلق” الحكومي التركي، الذي واجه قضية جنائية أميركية مرتبطة باتهامات بالمساعدة في تحويل مليارات الدولارات لصالح إيران خلال فترة العقوبات السابقة.

لكن قضية “غولدن غلوبال” تختلف في توقيتها، لأنها تأتي وسط حرب مباشرة وضغط أميركي أكثر شدة على أي قنوات تمويل إيرانية.

وتقول رويترز إن البنك التركي هو أول مؤسسة مالية في دولة عضو في حلف الناتو تستهدفها واشنطن ضمن حملة العقوبات الجديدة على إيران.

“الإقصاء الاقتصادي”

تندرج العقوبات ضمن حملة أطلقت عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب اسم Operation Economic Outcast، أو “عملية الإقصاء الاقتصادي”.

ويقوم جوهر الاستراتيجية على نقل الضغط من المؤسسات الإيرانية نفسها إلى الشركات والبنوك الأجنبية التي تسمح لطهران بمواصلة التجارة أو الوصول إلى العملات الأجنبية.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، معلناً الخطوة، إن المؤسسات المالية ستكتشف أن واشنطن جادة في هذه الحملة، وربط تجنب المزيد من العقوبات بوقف المؤسسات الدولية تعاملها مع النظام الإيراني.

وهذا يعني أن الهدف الأميركي لا يقتصر على تجميد أموال بنك بعينه، بل خلق مخاطر ردع تجعل مؤسسات أخرى تنسحب من العلاقات المالية مع إيران طوعاً قبل أن تستهدفها واشنطن.

لماذا تستهدف واشنطن البنوك الآن؟

تحاول الولايات المتحدة خنق قدرة إيران على الحصول على العملات الأجنبية وتمويل وارداتها في وقت تتعرض فيه صادراتها النفطية لضغوط شديدة.

وبحسب رويترز، انخفضت شحنات الخام الإيراني إلى نحو 260 ألف برميل يومياً في الفترة الأخيرة، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام، وسط حصار أميركي وضغوط متزايدة على الشركات والوسطاء الذين يساعدون طهران في الالتفاف على العقوبات.

وفي الوقت نفسه، تواجه إيران تضخماً سنوياً يقترب من 70%، وتراجعاً حاداً في قيمة الريال ونقصاً في مصادر العملات الأجنبية.

لهذا أصبحت القنوات المصرفية الخارجية ذات أهمية أكبر لطهران.

فحتى إذا استطاعت إيران بيع النفط أو السلع عبر وسطاء، فإنها تحتاج في النهاية إلى شبكة مالية تسمح بتحويل العائدات وشراء البضائع والمواد الخام.

وهنا تحاول واشنطن ضرب المرحلة الأخيرة من سلسلة الالتفاف: الوصول إلى المال نفسه.

هل العقوبات موجهة إلى تركيا؟

رغم أن البنك المستهدف تركي، لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن القرار يمثل عقوبات على الدولة التركية أو على قطاعها المصرفي بصورة عامة.

فالخزانة الأميركية وجهت اتهاماتها إلى مؤسسة محددة وشركاتها التابعة، ولم تتهم الحكومة التركية رسمياً بإدارة الشبكة.

وهذا التفريق مهم، لأن واشنطن تملك مصلحة في تجنب تحويل القضية إلى أزمة سياسية شاملة مع أنقرة.

لكن القضية قد تخلق ضغوطاً جديدة على السلطات التنظيمية التركية، وخصوصاً إذا طالبت واشنطن أنقرة بتشديد الرقابة على المؤسسات التي تتعامل مع إيران.

وقد يصبح السؤال لاحقاً ما إذا كانت تركيا ستتعامل مع القضية باعتبارها إجراءً قانونياً أميركياً ضد بنك خاص، أم ستنظر إليها بوصفها استخداماً extraterritorial للعقوبات الأميركية داخل نظامها المالي.

رسالة تتجاوز إسطنبول

قد يكون حجم “غولدن غلوبال” محدوداً مقارنة بأكبر البنوك التركية، لكن اختيار مؤسسة داخل تركيا يحمل قيمة رمزية كبيرة.

فواشنطن تقول عملياً إن حلفاءها ليسوا مستثنين من حملة عزل إيران.

وقد سبق الخطوة إجراء أميركي آخر استهدف عمليات تابعة لبنك مصري في الإمارات، بينما أعلن بيسنت أن واشنطن تتوقع فرض عقوبات إضافية على مؤسسات مالية أخرى خلال الأسابيع المقبلة.

وهذا يوسع نطاق المخاطر من إيران نفسها إلى المراكز التجارية والمالية التي استخدمتها طهران تاريخياً، مثل تركيا والإمارات والصين ودول أخرى.

وفي 8 سبتمبر/أيلول، أضافت واشنطن عشرات العقوبات الجديدة على شبكات وشركات مرتبطة بالطيران الإيراني ووسطاء أجانب، من بينهم جهات في تركيا والإمارات، في مؤشر على أن الحملة ما تزال تتسع.

هل تستطيع واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني؟

تظهر المؤشرات الأخيرة أن الضغوط الاقتصادية أصبحت أكثر إيلاماً لطهران.

فثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار قالوا لرويترز إن إغلاق القنوات المالية ورفع تكلفة الالتفاف على العقوبات جعلا الحملة الأميركية أكثر صعوبة على الاقتصاد الإيراني من جولات العقوبات السابقة.

لكن التجربة الإيرانية تظهر أيضاً أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، لا تؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف السياسية بسرعة.

فطهران بنت على مدى عقود شبكات معقدة من الوسطاء وشركات الواجهة وتجارة الذهب والنفط غير الرسمية، ويمكن أن تحاول نقل نشاطها من قناة مالية إلى أخرى.

ولهذا تتحول المواجهة إلى سباق: واشنطن تغلق المؤسسات والمسارات التي تكتشفها، بينما تبحث طهران عن بدائل أكثر تكلفة وتعقيداً.

كما أن زيادة الضغط الاقتصادي يمكن أن تدفع إيران إلى الرد عسكرياً بدلاً من تقديم تنازلات، وهو خطر أصبح أكثر وضوحاً مع استمرار التوتر في الخليج ومضيق هرمز.

اختبار للعلاقات التركية الأميركية

من هذه الزاوية، لا يمكن اختزال القضية في عقوبات على بنك صغير.

فالتحرك يضع تركيا أمام معادلة حساسة: الحفاظ على تجارتها وعلاقاتها مع إيران من جهة، وحماية قطاعها المصرفي من العقوبات الأميركية والوصول إلى النظام المالي العالمي من جهة أخرى.

وبالنسبة إلى واشنطن، تمثل القضية اختباراً لقدرتها على فرض عزل مالي واسع على إيران حتى داخل دول حليفة.

أما بالنسبة إلى أنقرة، فقد يكون الاختبار في كيفية احتواء القضية ومنع انتقالها من مستوى بنك واحد إلى مستوى أوسع من التدقيق في التعاملات التركية الإيرانية.

والرسالة الأميركية تبدو واضحة: المرحلة الجديدة من الحرب الاقتصادية لا تستهدف إيران وحدها، بل كل مؤسسة مالية تعتبرها واشنطن جسراً يسمح لطهران بتحويل النفط والتجارة إلى أموال قابلة للاستخدام دولياً.

ولهذا قد تكون العقوبات على “غولدن غلوبال” أقل أهمية بحجم البنك نفسه، وأكثر أهمية باعتبارها مؤشراً على أن الحرب الأميركية الإيرانية انتقلت بصورة متزايدة من ساحات القتال والطاقة إلى شبكات البنوك والدولار والتمويل العالمي.

متابعات عربية

اليمن على حافة حرب جديدة.. لماذا تحولت جبهات تعز والحديدة إلى معركة على باب المندب؟

بعد نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي، عاد اليمن فجأة إلى واجهة الصراع الإقليمي، مع اندلاع واحدة من أعنف جولات القتال منذ هدنة 2022. وما بدأ كهجوم حوثي على جبهات غرب تعز وجنوب الحديدة لم يعد مجرد اشتباك محلي على مواقع حدودية، بل بات يحمل أبعاداً تتجاوز الداخل اليمني إلى أمن البحر الأحمر والسعودية وأسواق الطاقة العالمية.

ومنذ 3 سبتمبر/أيلول، شهدت مناطق غرب تعز والساحل الغربي مواجهات واسعة بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وبدأ التصعيد بإطلاق صواريخ باليستية وهجمات بطائرات مسيّرة على مواقع في تعز والحديدة، قبل أن تنتقل المعارك إلى محاولات تقدم بري على عدة محاور. وقالت القوات الحكومية إن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً باليستياً بالتزامن مع هجمات مسيّرة في بداية الهجوم.

لكن خطورة التطورات لا تكمن فقط في شدة المعارك، بل في المكان الذي تدور فيه.

من تعز إلى باب المندب

تقع جبهات غرب تعز وجنوب الحديدة ضمن الممر البري والجغرافي المؤدي إلى الساحل المطل على البحر الأحمر وميناء المخا، ثم إلى مضيق باب المندب.

وتقول وكالة أسوشيتد برس إن أحد محاور القتال يقع قرب مرتفعات تشرف على طريق إمداد استراتيجي يربط تعز بالمخا، فيما يرى مسؤولون يمنيون ومحللون أن تقدم الحوثيين في هذه المناطق قد يمنحهم قدرة أكبر على السيطرة على المرتفعات المطلة على الساحل وطرق الوصول إلى باب المندب.

وهذا ما يجعل المعركة مختلفة عن كثير من جولات القتال السابقة.

فالسيطرة على المناطق الجبلية غرب تعز  لا تعني فقط امتلاك أراضٍ جديدة، بل توفير مواقع مرتفعة تسمح بمراقبة الطرق والموانئ والتحركات العسكرية على الساحل. وإذا تمكن الحوثيون من دفع خطوطهم باتجاه المخا والمناطق القريبة من المضيق، فسيصبح تأثيرهم العسكري على حركة الملاحة في البحر الأحمر أكبر بكثير.

ومن هنا، تبدو المعركة مرتبطة بمشروع أوسع: تحويل النفوذ الحوثي من السيطرة على شمال اليمن ومناطق واسعة من ساحل الحديدة إلى نفوذ مباشر على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

الهجوم الحوثي يصطدم بهجوم مضاد

حقق الحوثيون مكاسب محدودة في الساعات الأولى للهجوم، إلا أن القوات الحكومية أعادت تنظيم خطوطها وبدأت هجوماً مضاداً.

وأعلنت استعادة تلال الخزان والمكاحنة في مديرية جبل حبشي غرب تعز، قبل أن تقول لاحقاً إنها استعادت مديرية حيس جنوب الحديدة، وهي منطقة استراتيجية تقع عند نقطة اتصال بين الحديدة وتعز  وإب.

كما دخل الطيران الحربي الحكومي المعركة بصورة لافتة، ونُفذت ما لا يقل عن 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تعز والحديدة، في تطور يعكس اتساع مستوى الاشتباك مقارنة بفترة التهدئة السابقة.

وفي البحر الأحمر أيضاً، تحولت المواجهة إلى بعد بحري. وكانت القوات البحرية اليمنية قد أعلنت مطلع سبتمبر اعتراض زوارق مفخخة حوثية حاولت الاقتراب من جزيرتي حنيش وزقر القريبتين من خطوط الملاحة الدولية، كما أفادت تقارير لاحقة بتدمير زورقين مفخخين أثناء محاولتهما استهداف مناطق قرب الخوخة والمخا.

حصيلة ثقيلة خلال أيام

أصبح حجم الخسائر أحد أبرز المؤشرات على أن المواجهة لم تعد مناوشات محدودة.

فبحلول 5 سبتمبر، أشارت تقارير إلى مقتل قرابة 180 مقاتلاً من الطرفين منذ بدء الهجوم، فيما قتل عشرات آخرون في الأيام التالية. وقالت أسوشيتد برس في أحدث تقديراتها إن موجة التصعيد الأخيرة أودت بحياة ما لا يقل عن 194 شخصاً، وأصابت أكثر من 880، بينما تجاوز عدد النازحين 21 ألفاً.

أما المنظمة الدولية للهجرة، فقد أفادت بأن أكثر من 18,500 شخص فروا من مناطق الساحل الغربي خلال ثلاثة أيام فقط، ما يعطي صورة عن سرعة انتقال الأزمة من الجبهة العسكرية إلى أزمة إنسانية جديدة.

ويأتي ذلك في بلد لا يزال يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام الاقتصادي والسياسي.

جذور الانفجار تعود إلى يوليو

التصعيد الحالي لم يبدأ في سبتمبر.

ففي يوليو/تموز الماضي بدأت التهدئة التي حكمت علاقة الحوثيين بالسعودية منذ 2022 بالتآكل بصورة واضحة.

وفي 13 يوليو، استُهدف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وفق الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية. وقال الحوثيون إن السعودية مسؤولة عن الضربة، قبل أن يطلقوا صواريخ باتجاه المملكة في أول هجوم من نوعه منذ سنوات. أما الطائرة الإيرانية فتحولت لاحقاً إلى الحديدة.

وبعد أيام، أعلن الحوثيون فرض ما وصفوه بـ«حصار بحري» على السعودية، وبدأوا تهديد السفن المرتبطة بالمملكة في البحر الأحمر.

وبذلك انتقل التوتر تدريجياً من مرحلة الحرب اليمنية الداخلية إلى مستوى المواجهة المباشرة مع الرياض.

السعودية تعود إلى قلب الحرب

الأخطر أن التطورات لم تعد محصورة داخل الأراضي اليمنية.

ففي 8 سبتمبر، شن الحوثيون هجوماً واسعاً بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف أبها وخميس مشيط ونجران وجازان جنوب السعودية، وأصاب منشآت للطاقة مرتبطة بأرامكو وقاعدة جوية، وأسفر بحسب السلطات السعودية عن إصابة 73 شخصاً، بينهم نساء وأطفال.

وتسببت الهجمات بحرائق وتوقف عمليات في بعض منشآت الطاقة، فيما وصفت الرياض ما جرى بأنه «تصعيد خطير» وتوعد التحالف بالرد. وبعد الهجمات، أفادت وسائل إعلام حوثية بوقوع غارات سعودية على مناطق في اليمن.

وهنا يصبح الحديث عن «عودة الحرب اليمنية» أقل دقة من الحديث عن إعادة فتح جبهة إقليمية كاملة بين الحوثيين والسعودية.

لماذا يتحرك الحوثيون الآن؟

هناك عدة دوافع متداخلة.

أولها عسكري: السيطرة على مزيد من المرتفعات غرب تعز يمكن أن تهدد طريق الإمداد بين تعز والمخا وتحسن وضع الحوثيين على الساحل.

والثاني بحري: توسع نفوذهم قرب باب المندب سيعطيهم ورقة ضغط استراتيجية لا تتناسب مع حجم اليمن نفسه، لأن المضيق يمثل أحد أهم الممرات التي تربط المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.

أما الثالث فهو إقليمي. فالتصعيد يأتي بينما تتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وتشهد الملاحة في مضيق هرمز اضطرابات كبيرة. وهكذا أصبح الحوثيون قادرين على ممارسة الضغط عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر في الوقت نفسه الذي تواجه فيه الملاحة ضغوطاً عند مضيق هرمز.

وهذه معادلة شديدة الحساسية للاقتصاد العالمي.

هل الهدف السيطرة فعلاً على باب المندب؟

من المبكر القول إن الحوثيين قادرون على السيطرة العسكرية الكاملة على المضيق.

القوات الحكومية والقوات المنتشرة على الساحل لا تزال تسيطر على المخا ومناطق أساسية في جنوب الساحل الغربي، كما أظهرت المعارك الأخيرة أنها قادرة على شن هجمات مضادة واستعادة مواقع.

لكن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى احتلال المضيق نفسه لكي يؤثروا فيه.

فامتلاك مواقع قريبة من الساحل، مع الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، يكفي لرفع تكلفة التأمين البحري، وإجبار شركات الشحن على تغيير مساراتها، وخلق تهديد دائم للسفن.

وهذا ما يجعل الجغرافيا أهم من مساحة الأرض التي تتغير السيطرة عليها فعلياً.

ماذا يعني ذلك للبحر الأحمر؟

باب المندب هو نقطة العبور بين خليج عدن والبحر الأحمر، وبالتالي فهو بوابة رئيسية إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.

وفي السنوات الأخيرة أثبت الحوثيون أن مجرد تهديد السفن يمكن أن يدفع شركات الملاحة إلى تحويل رحلاتها حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أياماً إلى الرحلات ويرفع تكاليف النقل والتأمين.

وإذا اندمج التوتر الجديد في باب المندب مع اضطرابات مضيق هرمز، فإن أسواق الطاقة ستواجه خطرين بحريين في الوقت نفسه.

وقد ظهرت آثار ذلك بالفعل؛ فبعد الهجمات الأخيرة على السعودية ارتفع خام برنت إلى نحو 99 دولاراً للبرميل في 8 سبتمبر، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أواخر يوليو.

هل انتهت هدنة 2022 نهائياً؟

الهدنة الأممية الرسمية لعام 2022 لم تستمر رسمياً إلى اليوم، لكنها أنتجت واقعاً من التهدئة سمح بتراجع المواجهات الكبرى بين الحوثيين والسعودية والقوات الحكومية طوال نحو أربع سنوات.

هذا الواقع هو الذي يتفكك الآن.

ما يميز المرحلة الحالية أن ثلاثة خطوط حمراء جرى تجاوزها خلال أسابيع قليلة: عادت العمليات الجوية الواسعة داخل اليمن، وعادت الصواريخ الحوثية إلى السعودية، واتسعت المعارك البرية على جبهات رئيسية.

ولذلك فإن خطر العودة إلى حرب شاملة أصبح أكبر من أي وقت منذ 2022.

ثلاثة سيناريوهات أمام اليمن

المسار الأول هو احتواء القتال بعد تثبيت خطوط جديدة، مع تدخل دبلوماسي سعودي وعُماني ودولي لإعادة التهدئة.

أما الثاني فهو استمرار المعارك على الساحل دون تحولها إلى حرب شاملة، بحيث تصبح غرب تعز والحديدة جبهة استنزاف طويلة.

والسيناريو الأخطر هو أن تتحول الهجمات على السعودية والردود الجوية إلى حلقة تصعيد متبادلة، فتعود المملكة مباشرة إلى الحرب الجوية الواسعة ويتوسع الهجوم الحكومي على عدة محافظات في محاولة لاستعادة أراضٍ يسيطر عليها الحوثيون.

وهذا الاحتمال لم يعد نظرياً بالكامل؛ فالحكومة اليمنية تقول حالياً إنها تريد استعادة جميع الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، في وقت تتحدث فيه تقارير عن هجمات على عدة جبهات وليس فقط الساحل الغربي.

باب المندب قد يحدد اتجاه الحرب

ما يحدث غرب اليمن لا يبدو مجرد انفجار جديد لصراع قديم. الموقع الجغرافي للمعارك يجعل الجولة الحالية مختلفة.

ففي السابق كان السؤال يدور أساساً حول من يسيطر على صنعاء أو مأرب أو تعز. أما اليوم، فأحد الأسئلة الرئيسية أصبح: من يستطيع التحكم بالمناطق المطلة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟

ولهذا فإن نتيجة القتال حول غرب تعز والحديدة والمخا قد تحدد أكثر من ميزان القوى داخل اليمن. إنها قد تحدد أيضاً قدرة الحوثيين على تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط عسكرية في الصراع الإقليمي.

وإذا استمرت الهجمات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية بالتوازي مع القتال البري، فإن الهدوء الذي أعقب 2022 قد يكون قد انتهى فعلياً، ليعود اليمن مرة أخرى من حرب مجمدة نسبياً إلى جبهة مفتوحة مرتبطة مباشرة بصراعات البحر الأحمر والخليج وإيران.

ارتفاع أسعار الوقود يشعل احتجاجات واسعة في سوريا ويضع الحكومة أمام اختبار معيشي

تشهد مناطق واسعة من سوريا موجة احتجاجات شعبية على خلفية الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات، في تحركات وُصفت بأنها الأوسع في البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل نحو عامين، وسط مخاوف متزايدة من انعكاس كلفة الوقود على أسعار النقل والغذاء والسلع الأساسية، في بلد لا يزال يعاني أزمة اقتصادية عميقة وتراجعا حادا في القدرة الشرائية.

وانطلقت الاحتجاجات عقب إقرار الحكومة تسعيرة جديدة للمشتقات النفطية دخلت حيز التنفيذ، رفعت بموجبها سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، بزيادة بلغت نحو 40%، فيما ارتفع سعر بنزين 95 أوكتان إلى 195 ليرة، بزيادة تقترب من 28%، وبنزين 90 أوكتان إلى 185 ليرة، بزيادة بنحو 26%. كما طالت الزيادات أسعار الغاز المنزلي والصناعي بنحو 9%.

وسرعان ما انتقلت حالة الغضب إلى الشارع في عدد من المحافظات السورية، بينها حلب وإدلب والرقة، حيث أحرق محتجون الإطارات وأغلقوا طرقا رئيسية احتجاجا على القرار. وشملت التحركات قطع أجزاء من الطريق الدولي الذي يربط دمشق بحلب، إلى جانب إيقاف قوافل صهاريج تنقل النفط الخام باتجاه مصافي التكرير في وسط البلاد.

وفي بعض المناطق، تجاوزت الشعارات المطالبة بخفض الأسعار لتتحول إلى مطالب بمحاسبة مسؤولين في الملف الاقتصادي وقطاع الطاقة، إذ ردد محتجون شعار “الشعب يريد إسقاط الوزير”، مطالبين بإقالة وزير الطاقة محمد البشير، كما برزت مطالب أخرى بإقالة وزير الاقتصاد ورئيس الشركة السورية للبترول.

وفي معرة النعمان بمحافظة إدلب، اعتبر محتجون أن التراجع عن رفع أسعار المحروقات يمثل الخطوة الأولى لتهدئة الشارع، بينما نقلت وكالة رويترز عن متظاهرين في حلب تأكيدهم أن مطالبهم لا تتعلق بزيادة الأجور بقدر ما تتركز على خفض أسعار الديزل وبقية المشتقات النفطية.

وقال أحد المحتجين في حلب مخاطبا الرئيس السوري أحمد الشرع إن المواطنين لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من الأعباء المعيشية، مشيرا إلى أن الأولوية بالنسبة للسوريين لم تعد مشاريع الإنشاء أو المراكز التجارية، بل القدرة على تأمين متطلبات الحياة اليومية.

ويأتي الغضب الشعبي في وقت يعيش فيه السوريون أوضاعا اقتصادية شديدة الصعوبة. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بنحو الثلث قبل اندلاع الحرب عام 2011، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الطاقة مرشحا للانتقال بسرعة إلى قطاعات النقل والإنتاج والغذاء.

وبدأت انعكاسات القرار  تظهر بالفعل في قطاع النقل، وسط اعتراض مسافرين على رفع أجور سيارات الأجرة. ويحذر سائقون وأصحاب أعمال من أن الزيادة في سعر المازوت ستؤدي بصورة تلقائية إلى ارتفاع كلفة نقل الخضروات والمواد الغذائية والسلع، وبالتالي إلى موجة تضخم جديدة يتحمل المستهلك الجزء الأكبر منها.

في المقابل، تقول وزارة الطاقة إن رفع الأسعار إجراء مؤقت فرضته ظروف استثنائية مرتبطة بارتفاع تكاليف استيراد المشتقات النفطية واعتماد سوريا الكبير على المصادر الخارجية.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة عبد الحميد صلات أن الأسعار يمكن أن تُعدل صعودا أو هبوطا تبعا لتطورات السوق العالمية، مؤكدا أن التسعيرة الجديدة لا تعكس فقط ارتفاع أسعار النفط الخام، وإنما أيضا نقص المنتجات المكررة وزيادة تكاليف التكرير والنقل والإمداد.

وتواجه دمشق ضغوطا إضافية في تأمين احتياجاتها من الطاقة، إذ تعتمد بصورة كبيرة على النفط الروسي، وتستورد نحو 60 ألف برميل يوميا من الخام الروسي خلال العام الحالي. غير أن الإمدادات الروسية نفسها تعرضت لضغوط متزايدة بفعل تراجع إنتاج بعض المصافي بعد هجمات أوكرانية، وما تبع ذلك من قيود روسية على صادرات البنزين والديزل.

وتزامنت أزمة الإمدادات أيضا مع إغلاق مصفاة بانياس، وهي الأكبر في البلاد، لمدة ثلاثة أشهر لإجراء أول عملية صيانة شاملة لها، وهو ما زاد الضغوط على سوق المشتقات النفطية المحلية.

وتشير بيانات الأسعار إلى حجم التحول الذي طرأ على تكلفة الوقود خلال أشهر قليلة، إذ ارتفع سعر بنزين 95 أوكتان بنحو 86% منذ فبراير/شباط الماضي، في حين تضاعف سعر المازوت بأكثر من مرة، بالتزامن مع ارتفاع خام برنت من نحو 72 دولارا للبرميل إلى أكثر من 104 دولارات.

وفي مواجهة موجة الاعتراضات، ظهر انقسام في النقاش العام بشأن مسؤولية وزير الطاقة عن القرار. فبينما يطالب محتجون بإقالته باعتباره المسؤول الأول عن القطاع، يرى ناشطون ومدونون أن تحميله المسؤولية الكاملة يتجاهل طبيعة القرار الذي يرتبط بالموازنة وأسعار الاستيراد والسياسة الاقتصادية العامة للدولة.

ويقول المدافعون عن الوزير إن إصلاح قطاع الطاقة وإنهاء نظام الدعم السابق يتطلبان قرارات صعبة قد تكون مكلفة شعبيا على المدى القصير، بينما يرى منتقدون أن أي إصلاح اقتصادي لا يراعي مستوى دخل المواطنين قد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدلا من حلها.

كما تصاعدت دعوات لإجراء تغييرات أوسع في السياسات الحكومية، شملت مطالب بإعادة هيكلة بعض الوزارات وخفض الإنفاق العام وتشديد الرقابة على الفساد المالي والإداري وزيادة مستوى الشفافية بشأن القرارات الاقتصادية.

وتضع الاحتجاجات الحكومة السورية أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، تواجه ضرورة تأمين إمدادات الطاقة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية واضطراب سلاسل التوريد، ومن جهة أخرى يتعين عليها التعامل مع مجتمع أنهكته سنوات الحرب والفقر والتضخم ولا يملك هامشا واسعا لتحمل مزيد من الزيادات.

وبين إصرار المحتجين على خفض أسعار المحروقات وتمسك الحكومة بأن القرار مؤقت ومرتبط بظروف السوق، تبدو الأزمة مرشحة للبقاء مفتوحة، خصوصا إذا انعكست أسعار الوقود بصورة أوسع على تكاليف النقل والغذاء والإنتاج. وقد تحدد طريقة تعامل الحكومة مع الاحتجاجات ومدى استعدادها لمراجعة القرار ما إذا كانت موجة الغضب الحالية ستتراجع أم تتحول إلى احتجاج اجتماعي أوسع عنوانه الأساسي تدهور مستوى المعيشة.

أنثروبيك تكشف عملية تأثير مرتبطة بالإمارات استهدفت الإخوان والسودان وآليات الأمم المتحدة

كشف تقرير حديث لشركة أنثروبيك (Anthropic) عن عملية تأثير منظمة قالت إنها تمكنت من تعطيلها، وربطتها بدرجة ثقة مرتفعة بمسؤولين حكوميين في دولة الإمارات العربية المتحدة. ووفق التقرير، استخدمت العملية نموذج الذكاء الاصطناعي Claude ضمن حملة استهدفت جماعة الإخوان المسلمين، وتناولت الحرب في السودان، وامتدت إلى آليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة وشخصيات سياسية وإعلامية أوروبية.

ويعرض تقرير Detecting and countering misuse of AI: September 2026 العملية تحت الرمز GTG-84002، واصفًا إياها بأنها “عملية تأثير موجهة من الإمارات” استهدفت الإخوان المسلمين، والصراع السوداني، وآليات المساءلة الأممية. ويؤكد أن أنثروبيك حددت حسابًا يديره شخص واحد واستخدم بصورة مستمرة لتنفيذ العملية.

شخصية ذكاء اصطناعي ومهمة ممتدة لمئات الجلسات

بحسب التقرير، أنشأ المشغل شخصية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم “Deadshot” واستضافها على منصة خاصة به، فيما احتوى النظام على ملف توجيهي رئيسي يحدد المهمة السياسية للحملة.

ويقول التقرير إن التعليمات المدمجة في هذا الملف كانت تدفع Claude إلى تكرار المهمة نفسها عبر مئات الجلسات، ووُصفت المهمة بأنها عملية منسقة عبر الأطلسي وعلى المستوى الإقليمي تستهدف “تفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالميًا”.

ولم تكن العملية، وفق أنثروبيك، مجرد حملة نشر إلكتروني، بل قسمت إلى خمسة مسارات مترابطة أُديرت بالتوازي، بحيث يجري تنسيق صناعة الرواية السياسية، وإخفاء مصدر النشاط، واختيار الجهات والشخصيات المستهدفة ضمن منظومة واحدة.

300 حساب غير أصيل ومنظمة واجهة

أحد أبرز مكونات الحملة كان إنشاء وإدارة شبكة تضم نحو 300 حساب مؤثر غير أصيل على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف نشر المحتوى وتضخيمه.

وتقول أنثروبيك إن المشغل أنشأ كذلك منظمة غير حكومية واجهة استنسخت هوية منظمة سويسرية حقيقية، واستخدمها لنشر تقارير لحقوق الإنسان يقول التقرير إنها كُتبت من قبل جهة حكومية، بما يمنح المواد السياسية مظهرًا مستقلًا وغير رسمي.

ويشير التقرير إلى أن شبكة التضخيم على وسائل التواصل كانت ممولة ومنسقة مركزيًا. ووفق مواد داخلية اطلعت عليها الشركة، اعتُبرت صورة الشبكة بوصفها “مستقلة” إحدى أهم نقاط قوتها الاستراتيجية، وهو ما تفسره أنثروبيك باعتباره محاولة متعمدة لإخفاء الطبيعة الموجهة من الدولة للحملة.

محاولة الوصول إلى مجلس حقوق الإنسان

ويمثل المسار المرتبط بالأمم المتحدة أحد أكثر جوانب العملية حساسية.

إذ يقول التقرير إن المشغل قام بكتابة شهادات كاملة نيابة عن شخصين بهدف إلقائها خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

واللافت، بحسب أنثروبيك، أن المحتوى صُمم وفق قيود محددة تضمن عدم ذكر دولة الإمارات في أي من الخطابين.

وتضيف الشركة أن المشغل استخدم هوية منظمة سودانية حقيقية لحقوق الإنسان، وصاغ شهادات أممية بحيث يمكن تقديم مواد تخدم طرفًا في الصراع السوداني إلى الأمم المتحدة كما لو أنها صادرة عن شهود محليين مستقلين، وليس عن حملة مرتبطة بدولة.

لكن التقرير يضع قيدًا مهمًا على هذه النتائج: أنثروبيك لم تتمكن من التأكد من أن الشهادات وصلت بالفعل إلى الجهات المستهدفة أو أُلقيت أمام مجلس حقوق الإنسان. كما لم تستطع تأكيد وصول الملفات الأخرى التي أعدتها الحملة إلى الأشخاص المقصودين.

ملفات عن نواب أوروبيين وصحفيين

وتجاوز نشاط الحملة وسائل التواصل والأمم المتحدة إلى جمع معلومات تفصيلية عن شخصيات سياسية وإعلامية.

فبحسب التقرير، أجرى المشغل أبحاثًا موسعة حول 18 عضوًا في البرلمان الأوروبي إلى جانب صحفيين بارزين، وأعد ملفات شخصية مفصلة عن النواب والصحفيين المستهدفين.

كما جُمعت ملفات وصفها التقرير بأنها “ملفات مضادة للمساءلة” حول مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة كانوا قد انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.

ويقول التقرير إن سير العمل استخدم موضوعات وأحداثًا سياسية حقيقية، إلى جانب ملفات عقائدية سياسية معدة مسبقًا، ثم استعان بـClaude لتحويلها إلى تقارير استخباراتية ذات مظهر رسمي، وتقارير تستخدم هويات مستنسخة، وشهادات مكتوبة بالنيابة عن آخرين، وقوائم استهداف مفصلة لأفراد. وأضاف أن عددًا من تلك المواد أُعد للتسليم المباشر إلى مسؤولين إماراتيين كبار.

أنثروبيك: صلة “عالية الثقة” بمسؤولين إماراتيين

ويصل التقرير إلى أهم استنتاجاته عندما يناقش الجهة التي تقف خلف العملية.

فقد قالت أنثروبيك إنه على الرغم من تصميم الحملة بطريقة تهدف إلى منع تتبعها إلى القائمين عليها، فإن تحقيقها ربط العملية بدرجة ثقة مرتفعة بمسؤولين في الحكومة الإماراتية.

وبحسب الشركة، تضمّن ملف التعليمات الداخلي كذلك أسماء مسؤولين إماراتيين كبار باعتبارهم المستفيدين المقصودين من العمل، كما خلص التحقيق إلى أن المشغل موّل أيضًا شبكة الحسابات التي تولت تضخيم المواد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

السودان في قلب الحملة

يظهر السودان كأحد المحاور الأساسية في النشاط. ففي 4 يونيو/حزيران 2026، رصد التقرير حملة منسقة على منصة إكس تحت وسم #SudanIslamists، استخدمت حسابات متعددة لنشر وسوم متقاربة أو شبه متطابقة تربط جماعة الإخوان المسلمين السودانية بعدم الاستقرار الإقليمي.

ويكشف ذلك أن هدف العملية، وفق وصف أنثروبيك، لم يكن محصورًا في بناء صورة سلبية عن الإخوان بصورة عامة، بل امتد إلى صياغة روايات مرتبطة مباشرة بالحرب السودانية وإلى محاولة التأثير في كيفية وصول هذه الروايات إلى المؤسسات الحقوقية والدولية.

ما حجم تأثير العملية؟

صنفت أنثروبيك النشاط ضمن الفئة الثالثة على “مقياس الانتشار” Breakout Scale، موضحة أن العملية امتدت عبر عدة منصات للتواصل الاجتماعي.

لكن الشركة لم ترفع التصنيف إلى مستوى أعلى لعدم وجود دليل كاف على أن الحملة حققت انتشارًا عامًا واسعًا أو تأثيرًا فعليًا في السياسات.

وهذه نقطة أساسية عند قراءة التقرير؛ فهو يقدم أدلة على حجم وتعقيد البنية التشغيلية للحملة، لكنه لا يثبت أن هذه البنية نجحت في تغيير الرأي العام أو قرارات الحكومات والمؤسسات الدولية.

إغلاق الحسابات وتعطيل العملية

تقول أنثروبيك إنها اكتشفت النشاط خلال تحقيقاتها الداخلية، ثم حظرت الحسابات المرتبطة به، وطورت وسائل كشف تستند إلى الأنماط السلوكية التي وثقتها لمنع تكرار النشاط.

وأضافت أنها شاركت مؤشرات مرتبطة بالحملة مع شركاء في القطاع، بهدف إتاحة اتخاذ إجراءات ضد العملية خارج منصتها أيضًا.

حملة تتجاوز “الدعاية الإلكترونية”

تكشف الحالة الإماراتية التي يعرضها تقرير أنثروبيك عن تطور في استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير السياسي. فبدل الاقتصار على إنتاج منشورات أو تشغيل حسابات مزيفة، جمع النشاط -بحسب الوثيقة- بين مئات الحسابات غير الأصيلة، ومنظمات واجهة، واستنساخ هويات مؤسسات حقوقية، وإعداد شهادات للأمم المتحدة، وبناء ملفات عن سياسيين وصحفيين ومقررين دوليين.

ويبدو الدور الأهم للذكاء الاصطناعي هنا في ربط تلك المسارات معًا: تحويل التوجيه السياسي إلى تقارير ومواد ذات مظهر مهني، وتكييف الرسائل وفق الجهة المستهدفة، وإنتاج المحتوى على نطاق واسع مع الحفاظ على خط سياسي موحد.

لكن التقرير يترك سؤالًا أساسيًا بلا إجابة: إلى أي مدى نجحت هذه العملية خارج العالم الرقمي؟ أنثروبيك تقول إنها استطاعت تحديد البنية والأدوات والجهات التي تعتقد أنها تقف وراءها، لكنها لم تتمكن من إثبات وصول الشهادات والملفات إلى جميع أهدافها، ولا من إثبات حدوث تأثير سياسي أو جماهيري واسع نتيجة العملية.

وبذلك، فإن أخطر ما يكشفه هذا الجزء من التقرير ربما لا يكمن في مدى نجاح الحملة، بل في طبيعة البنية التي أصبحت ممكنة باستخدام الذكاء الاصطناعي: عملية تأثير تعمل في آن واحد على وسائل التواصل، وفي المجال الحقوقي، وفي استهداف شخصيات سياسية وإعلامية، وفي محاولة الوصول إلى مؤسسات الأمم المتحدة، مع السعي إلى إخفاء المصدر الحقيقي للرسائل.

اتفاق جديد يعيد الانتخابات الليبية إلى الواجهة.. هل تنجح الأمم المتحدة هذه المرة؟

عادت الانتخابات الليبية إلى واجهة المشهد السياسي بعد توقيع اتفاق جديد برعاية الأمم المتحدة يعالج اثنتين من أبرز العقد التي عطلت الاستحقاق الوطني لسنوات، في خطوة تفتح نافذة جديدة أمام إنهاء الانقسام المؤسسي، لكنها لا تضمن بعد الوصول فعلياً إلى صناديق الاقتراع.

ففي 30 أغسطس/آب 2026، استضافت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مراسم توقيع اتفاق توصلت إليه مجموعة ليبية مصغرة تضم ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي وأعضاء من مجلسي النواب والدولة.

ويتناول الاتفاق أول مرحلتين من خارطة الطريق الأممية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وحل الخلافات العالقة في الإطارين الدستوري والقانوني المنظمين للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وبحسب البعثة الأممية، التزم المشاركون بالعمل على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مدة لا تتجاوز 24 شهراً، على أن تُجرى تحت سلطة تنفيذية واحدة، مع إحالة الاتفاق إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لاعتماده وطنياً خلال شهر.

لكن هل يمثل ذلك بداية العد التنازلي فعلاً لأول انتخابات وطنية منذ سنوات، أم أنه مجرد اتفاق جديد يضاف إلى سلسلة تفاهمات سياسية تعثرت عند مرحلة التنفيذ؟

ماذا يحل الاتفاق؟

تكمن أهمية الاتفاق في أنه يستهدف مشكلتين عطّلتا العملية الانتخابية بصورة متكررة.

الأولى تتعلق بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي الجهة التي يفترض أن تدير أي اقتراع وطني. فقد استمرت الخلافات بشأن مجلس إدارتها ورئاسته لفترة طويلة، ما جعل إصلاح المفوضية شرطاً أساسياً لأي مسار انتخابي جديد.

وكانت المجموعة المصغرة قد توصلت في أبريل/نيسان إلى تصور لإعادة تشكيل مجلس المفوضية، يشمل آلية لاختيار رئيس جديد وترشيح أعضاء من مجلسي النواب والدولة.

أما المشكلة الثانية فهي أكثر تعقيداً، وتتعلق بقواعد الانتخابات نفسها.

فمنذ انهيار محاولة إجراء الانتخابات في ديسمبر/كانون الأول 2021، ظل الخلاف قائماً بشأن شروط الترشح للرئاسة، والعلاقة بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وترتيب الاستحقاقات، ومن يملك سلطة اعتماد القوانين الانتخابية.

ويهدف الاتفاق الجديد إلى معالجة هذه القضايا ضمن إطار واحد يسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تحت سلطة تنفيذية موحدة.

عقدة 2021 ما زالت حاضرة

لم يكن فشل انتخابات 2021 نتيجة مشكلة تقنية.

فقد وصل عدد المسجلين للتصويت حينها إلى الملايين، وكانت المفوضية مستعدة من الناحية التنظيمية إلى حد بعيد، لكن الانقسامات السياسية والقانونية بشأن أهلية المرشحين وقواعد السباق أدت إلى انهيار العملية قبل أيام من موعد التصويت.

ومنذ ذلك الحين، أصبح كل طرف يخشى أن تؤدي الانتخابات إلى تثبيت خصمه في السلطة بدلاً من إنهاء الانقسام.

ولهذا فإن جوهر الأزمة الليبية لم يكن يوماً غياب الرغبة الشعبية في الانتخابات، بل عدم وجود توافق بين مراكز القوة على القواعد التي يمكن أن يخسر بموجبها أحدهم السلطة.

وهذا ما يجعل اتفاق أغسطس مهماً: فهو يحاول نقل الخلاف من سؤال “هل تجري الانتخابات؟” إلى سؤال “وفق أي قواعد وتحت أي سلطة؟”.

سلطة تنفيذية واحدة

من أبرز ما ورد في الاتفاق النص على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة.

وهذه العبارة تحمل أهمية سياسية كبيرة في بلد لا يزال يعاني من تعدد الحكومات ومراكز النفوذ.

فإجراء انتخابات وطنية في ظل وجود سلطتين متنافستين أو مؤسسات منقسمة يفتح الباب أمام رفض النتائج أو التشكيك في تنفيذها في مناطق مختلفة من البلاد.

ومن هنا، يبدو أن المسار الأممي يربط الانتخابات بصورة أوضح بتوحيد مؤسسات الدولة.

وقالت المبعوثة الأممية هانا تيتيه إن الاتفاق ليس نهاية العملية السياسية، بل خطوة نحو استكمال الشروط السياسية والمؤسسية اللازمة لإجراء انتخابات ذات مصداقية وتوحيد مؤسسات الدولة.

لماذا مهلة 24 شهراً؟

قد تبدو مدة عامين طويلة بالنسبة إلى بلد ينتظر الانتخابات منذ 2021، لكنها تعكس حجم التعقيدات التي ما زالت قائمة.

فالعملية لا تتطلب مجرد تحديد يوم للاقتراع، بل تحتاج إلى اعتماد القواعد القانونية، وإعادة تشكيل المفوضية، وضمان الأمن، وتنظيم سجل الناخبين والمرشحين، والتوصل إلى ترتيبات مقبولة بشأن السلطة التنفيذية.

كما أن الانتخابات تحتاج إلى قبول نتائجها من الأطراف المسلحة والسياسية في الشرق والغرب والجنوب.

ولهذا فإن مهلة 24 شهراً تبدو أقرب إلى سقف زمني لخارطة طريق متدرجة منها إلى موعد انتخابي محدد.

وهذه نقطة مهمة: الاتفاق لا يقول إن الانتخابات ستجرى في تاريخ معين، بل يلزم الأطراف بالعمل على عقدها خلال مدة لا تتجاوز عامين.

الخطوة التالية أكثر صعوبة

المشكلة أن الاتفاق الذي وقعته المجموعة المصغرة يحتاج الآن إلى شرعية مؤسسية أوسع.

فبحسب النص، يفترض أن يعتمده مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر.

وهنا قد تظهر أولى العقبات.

فالمجلسان نفسيهما كانا طوال السنوات الماضية جزءاً من الخلاف بشأن القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، وفشلا رغم مفاوضات طويلة في التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بقبول واسع.

وقد قالت المبعوثة الأممية في يونيو/حزيران إن القضايا المتعلقة بتشكيل المفوضية والقوانين الانتخابية لم تُحل عبر المجلسين رغم اتصالات الأمم المتحدة المكثفة معهما، وهو ما دفع البعثة إلى إنشاء صيغة “الاجتماع المصغر” لتجاوز الجمود.

وبالتالي فإن نجاح الاتفاق سيعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كانت المؤسستان ستقبلان عملياً بتسوية جرى التوصل إليها في إطار أصغر.

مشكلة الشرعية المتنافسة

تواجه ليبيا منذ سنوات معضلة أساسية: معظم المؤسسات التي يفترض أن تنظم الانتقال السياسي نفسها موضع خلاف بشأن شرعيتها ومدد ولايتها.

وهذا يخلق دائرة مغلقة.

فالانتخابات مطلوبة لتجديد الشرعية، لكن إجراء الانتخابات يحتاج إلى قوانين ومؤسسات تصدرها أجسام تعاني بدورها من أزمة شرعية.

ومن هنا جاء الرهان الأممي على جمع ممثلين من أهم مراكز القوة السياسية والعسكرية للوصول إلى تسويات قابلة للتطبيق.

وقد شارك في مسار المجموعة المصغرة ممثلون عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي، إلى جانب أعضاء في مجلسي النواب والدولة، بعد سبع جولات من المحادثات بدأت في روما ثم انتقلت إلى تونس.

الانتخابات وحدها لا تكفي

حتى إذا حُسم الإطار القانوني، تبقى المشكلة الأمنية.

فالبلاد ما زالت تضم تشكيلات مسلحة ومناطق نفوذ متباينة، كما شهدت خلال الأشهر الأخيرة توترات واشتباكات وضربات بطائرات مسيرة، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن الجمود السياسي يتزامن مع هشاشة أمنية مستمرة.

ويعني ذلك أن نجاح الانتخابات يحتاج إلى ضمان قدرة المرشحين على العمل في أنحاء البلاد، ووصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع، وقبول القوى المسلحة بالنتائج.

فالانتخابات التي تنتج رئيساً أو برلماناً لا يستطيع ممارسة سلطته في جزء من البلاد قد تعمق الأزمة بدلاً من حلها.

ولهذا تربط خارطة الطريق الأممية بين الانتخابات وبين إصلاح الحكم وتوحيد المؤسسات والتقدم في المسار الأمني والمصالحة الوطنية.

لماذا تهتم القوى الدولية؟

حضر مراسم التوقيع ممثلون عن لجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا التابعة لمسار برلين، في إشارة إلى استمرار الرهان الدولي على العملية الأممية باعتبارها الإطار الرئيسي لمنع العودة إلى الانقسام العسكري الواسع.

وتحظى ليبيا بأهمية تتجاوز حدودها، فهي منتج رئيسي للنفط وتقع على الضفة الجنوبية للمتوسط، كما تمثل أحد المسارات الرئيسية للهجرة نحو أوروبا.

ولهذا يرتبط استقرارها بمصالح أوروبية وإقليمية مباشرة.

لكن التدخلات الخارجية كانت أيضاً جزءاً من المشكلة خلال السنوات الماضية، إذ ارتبطت أطراف ليبية بعلاقات وتحالفات مختلفة مع قوى إقليمية ودولية.

ومن ثم فإن إنجاح أي انتخابات يحتاج ليس فقط إلى توافق داخلي، بل إلى أن تتجنب القوى الخارجية استخدام حلفائها المحليين لتعطيل العملية إذا جاءت النتائج بعكس مصالحها.

ما الذي تغير هذه المرة؟

ليست هذه أول خارطة طريق أممية للانتخابات في ليبيا، ولذلك يظل التشكيك مفهوماً.

لكن هناك ثلاثة عناصر تمنح الاتفاق الجديد أهمية مختلفة.

أولاً، أنه لا يبدأ بتحديد موعد انتخابي ثم البحث عن حلول للمشكلات لاحقاً، وإنما يبدأ بمحاولة معالجة العقبات القانونية والمؤسسية التي أسقطت انتخابات 2021.

وثانياً، إشراك ممثلين عن مراكز نفوذ من الشرق والغرب في صياغة التفاهم، بدلاً من الاعتماد على مسار تشريعي بين مجلسي النواب والدولة فقط.

وثالثاً، وجود آلية متابعة وجدول زمني لاعتماد الاتفاق، بما يسمح للأمم المتحدة بتحديد الجهات التي تعرقل التنفيذ بصورة أوضح.

لكن هذه العناصر لا تلغي الخطر الأكبر: أن تتفق الأطراف على المبادئ ثم تختلف عند تحويلها إلى قوانين وقرارات ملزمة.

ثلاثة اختبارات حاسمة

الاختبار الأول سيظهر خلال شهر: هل يعتمد مجلسا النواب والدولة الاتفاق؟

والثاني يتعلق بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات فعلياً، وليس فقط الاتفاق على الأسماء والآليات.

أما الثالث والأصعب فهو الاتفاق على السلطة التنفيذية التي ستقود البلاد خلال المرحلة الانتخابية.

فإذا أدى هذا الملف إلى صراع جديد حول تشكيل حكومة أخرى، فقد تعود العملية إلى نقطة الصفر.

ولهذا تبدو الأشهر المقبلة أكثر أهمية من توقيع الاتفاق نفسه.

انتخابات أم إدارة جديدة للجمود؟

قالت هانا تيتيه إن توقيع الاتفاق يثبت أن الليبيين قادرون على الوصول إلى حلول عملية عندما ينخرطون في حوار جاد، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن المسؤولية انتقلت الآن إلى التنفيذ.

وهذا ربما يلخص وضع ليبيا بعد أكثر من عقد من المبادرات السياسية.

فالأزمة لم تعد في نقص الاتفاقات أو المبادرات، بل في القدرة على نقلها من قاعات التفاوض إلى مؤسسات الدولة.

لذلك يمكن اعتبار اتفاق 30 أغسطس خطوة مهمة، لكنه لا يمثل بعد اختراقاً نهائياً.

فالطريق إلى الانتخابات أصبح أكثر وضوحاً من الناحية القانونية، لكن العقبات التي أفشلت المحاولات السابقة ما زالت حاضرة: تنافس الشرعيات، والانقسام المؤسسي، والسلاح، والصراع على السلطة التنفيذية، وتضارب مصالح القوى الداخلية والخارجية.

وإذا نجحت الأطراف في تجاوز هذه الملفات، فقد تكون ليبيا أمام أول فرصة جدية منذ فشل انتخابات 2021 لإعادة بناء شرعية سياسية وطنية عبر صناديق الاقتراع.

أما إذا تعثرت مرحلة الاعتماد والتنفيذ، فقد يتحول سقف الـ24 شهراً إلى مهلة جديدة تضاف إلى سنوات الانتظار، ويبقى السؤال الليبي القديم قائماً: الجميع يقول إنه يريد الانتخابات، لكن من يقبل فعلاً بنتائجها إذا خسر؟

2.1 تريليون دولار تعيد تشكيل الخليج… من اقتصاد الكفاءة إلى اقتصاد الصمود

تدخل دول الخليج مرحلة جديدة في تحولها الاقتصادي، قد لا يكون عنوانها الرئيسي هذه المرة «التنويع بعيداً عن النفط» فقط، بل بناء اقتصادات قادرة على الاستمرار في العمل حتى في حال تعطلت طرق التجارة والطاقة أو تصاعدت الصراعات الإقليمية.

فبحسب تقديرات معهد بلاك روك للاستثمار، قد يصل حجم الإنفاق الرأسمالي الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 2.1  تريليون دولار حتى عام 2030، ضمن نطاق محتمل يتراوح بين 1.6 و2.5 تريليون دولار.

لكن الأهم من ضخامة الرقم هو اتجاه الأموال؛ إذ تتوقع بلاك روك أن يقع أكثر من 80%  من هذه الاستثمارات خارج قطاع التنقيب وإنتاج النفط والغاز، لتتجه نحو الصناعة والطاقة والبنية التحتية الرقمية والموانئ والمياه والكهرباء والصحة والأمن الغذائي.

وهذا التحول يعني أن الخليج لا يستعد فقط لمرحلة «ما بعد النفط»، بل لمرحلة قد تصبح فيها المرونة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي جزءاً من قرار الاستثمار نفسه.

الحرب تغيّر فلسفة الاستثمار

لسنوات، ارتكزت خطط التحول الاقتصادي الخليجية على سؤال أساسي: كيف يمكن تحويل إيرادات النفط إلى اقتصادات أكثر تنوعاً؟

لكن الصراعات الأخيرة في المنطقة أضافت سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث إذا امتلكت الدولة النفط والغاز والأسواق، لكنها لم تعد قادرة على إيصال صادراتها إليها؟

وترى بلاك روك أن الاضطرابات التي أصابت خطوط الملاحة من مضيق هرمز إلى مداخل البحر الأحمر كشفت اعتماد اقتصادات الخليج على عدد محدود من الممرات البحرية الحيوية.

حتى ارتفاع أسعار النفط، الذي يفترض عادة أن يمثل مكسباً مالياً للدول المنتجة، قد يفقد جزءاً من تأثيره إذا تعطلت طرق التصدير.

ومن هنا ظهر تحول في الأولويات من الاستثمار القائم على الكفاءة القصوى إلى الاستثمار القائم على المرونة ووجود البدائل؛ أي قبول تكلفة إنشاء طريق أو ميناء أو خط أنابيب إضافي مقابل ضمان استمرار الاقتصاد في حالات الطوارئ.

660 مليار دولار من أجل «الخطة ب»

أبرز دليل على هذا التحول هو تخصيص بلاك روك نحو 660  مليار دولار لما تسميه «البدائل الاستراتيجية» أو Strategic Redundancy.

وتشمل هذه الفئة خطوط التصدير البديلة والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه والبنية التحتية التي تسمح للدولة بمواصلة العمل إذا تعطل أحد الممرات الرئيسية.

وتبرز السعودية مثالاً واضحاً.

فالرياض تدرس توسيع قدرة خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من حقول شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز.

وتبلغ طاقة الخط الحالية نحو 7 ملايين برميل يومياً، فيما أفادت رويترز في يوليو/تموز بأن التوسعة المحتملة قد تضيف ما بين مليون ومليوني برميل يومياً.

وتكتسب الفكرة أهمية أكبر بعدما أثبتت اضطرابات عام 2026 أن البنية التحتية البديلة لم تعد مجرد أصل اقتصادي، بل أداة للأمن القومي وأمن الطاقة.

أما عُمان، فتحصل على ميزة مختلفة بفضل موانئ مثل الدقم وصلالة التي تطل مباشرة على المحيط الهندي ولا تحتاج السفن الخارجة منها إلى عبور مضيق هرمز، وهو ما تعتبره بلاك روك عاملاً داعماً للفرص اللوجستية والصناعية في السلطنة.

النفط لن يختفي.. لكنه سيتحول إلى صناعة

التحول الخليجي لا يعني التخلي عن قطاع الطاقة.

فأكبر بند منفرد في تقديرات بلاك روك، بقيمة 735 مليار دولار، سيذهب إلى الطاقة والموارد والصناعة.

لكن التركيز يتجه بدرجة أكبر نحو الغاز والتكرير والبتروكيماويات والتعدين والصناعات التحويلية، وليس مجرد زيادة استخراج النفط الخام.

ومن أبرز الأمثلة برنامج غاز الجافورة في السعودية وقاعدة الرويس الصناعية في الإمارات.

وهنا يظهر تغير مهم في نموذج التنمية الخليجي: بدلاً من تصدير المورد الخام فقط، تسعى الدول إلى بناء سلسلة قيمة محلية حوله.

بمعنى آخر، قد يبقى النفط والغاز في قلب الاقتصاد الخليجي، لكن دورهما يتحول تدريجياً من «مصدر للإيرادات» إلى قاعدة لاقتصاد صناعي أوسع.

323 مليار دولار لبناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي

البنية التحتية الرقمية تحصل وحدها على نحو 323 مليار دولار من الاستثمارات المقدرة.

لكن بلاك روك تلفت إلى أن هذه الأموال لا تعني شراء رقائق إلكترونية أو إنشاء شركات ذكاء اصطناعي فحسب.

فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة، وهذه تحتاج بدورها إلى محطات كهرباء وشبكات نقل وأنظمة تبريد واتصالات وأراضٍ وبنية تحتية.

ولهذا ترى بلاك روك أن المستثمرين قد يستفيدون من طفرة الذكاء الاصطناعي الخليجية عبر شركات الكهرباء والاتصالات ومراكز البيانات والمقاولات الهندسية حتى أكثر من استفادتهم من شركات الذكاء الاصطناعي المباشرة.

ويخطط الكيان السعودي المدعوم حكومياً «هيوماين» لبناء قدرات مراكز بيانات تصل إلى 6.6 غيغاواط بحلول 2034، منها 1.9 غيغاواط بحلول 2030، بينما تخطط الإمارات لإنشاء مجمع Stargate بقدرة مستهدفة تصل إلى 5 غيغاواط.

وهكذا أصبحت «السيادة الرقمية» جزءاً من مفهوم الأمن الاقتصادي، تماماً كما أصبحت الطاقة والمياه والطرق البحرية كذلك.

السعودية.. الفرصة الأكبر والمخاطر الأكبر

تمتلك السعودية، وفق بلاك روك، أضخم حزمة مشروعات في دول مجلس التعاون، ولذلك فهي صاحبة أكبر فرصة استثمارية مطلقة.

لكن الحجم نفسه يخلق تحدياً.

فكلما ارتفع عدد المشروعات، ازدادت الحاجة إلى التمويل والعمالة والمقاولين والمواد الخام، وارتفعت احتمالات التأخير أو إعادة جدولة الإنفاق.

ولهذا تتوقع بلاك روك أن تكون المشروعات المدعومة بأولوية سيادية واضحة، أو التي حصلت بالفعل على التمويل والعقود، الأكثر احتمالاً للوصول إلى التنفيذ.

ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً سعودياً من شعار «إطلاق أكبر عدد ممكن من المشاريع» إلى اختيار المشاريع ذات القيمة الاقتصادية والاستراتيجية الأعلى.

وهو ما يفسر أيضاً تخصيص نحو 212 مليار دولار فقط للنمو الحضري الانتقائي، حيث ترى بلاك روك أن الإنفاق الحضري سيتجه بصورة أكبر إلى المشاريع المرتبطة بمواعيد محددة وأهداف واضحة، مثل إكسبو الرياض 2030، بدلاً من مشاريع التوسع المفتوحة زمنياً.

الإمارات.. تحويل البنية التحتية إلى أرباح

ترى بلاك روك أن الإمارات ربما تقدم واحدة من أوضح الفرص الاستثمارية في الدورة الخليجية الجديدة.

والسبب ليس فقط حجم الاستثمار، بل وجود شبكة من البنوك والموانئ وشركات الخدمات اللوجستية والمرافق والبنية الرقمية المدرجة في الأسواق المالية، ما يسمح بتحول الإنفاق على البنية التحتية بصورة أسرع إلى إيرادات وأرباح للشركات.

كما تمنحها البنية التحتية الممتدة نحو الساحل الشرقي قدرة أكبر على تنويع طرق التجارة والطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية.

وبذلك يصبح النموذج الإماراتي قائماً على الجمع بين ثلاثة أدوار: مركز مالي، ومركز لوجستي، ومنصة رقمية وإقليمية للاستثمار.

عُمان قد تستفيد من الجغرافيا

أما عُمان، فعلى الرغم من صغر اقتصادها مقارنة بالسعودية والإمارات، فقد تمنحها الجغرافيا ميزة استراتيجية متزايدة.

فموانئها المفتوحة على بحر العرب والمحيط الهندي توفر مساراً تجارياً لا يعتمد على المرور عبر مضيق هرمز.

وتشير بلاك روك لذلك تحديداً عند حديثها عن الدقم وصلالة، وترى أنه قد يفتح المجال أمام استثمارات انتقائية في الموانئ والصناعات والخدمات اللوجستية.

وقد تصبح هذه الخاصية أكثر قيمة إذا بدأت دول الخليج تنظر إلى «تنويع طرق التصدير» بنفس الأهمية التي نظرت بها خلال العقد الماضي إلى تنويع مصادر الدخل.

قطر والكويت والبحرين.. خيارات أكثر ضيقاً

في المقابل، ترى بلاك روك أن الفرص الاستثمارية في قطر والكويت والبحرين ستكون أكثر انتقائية.

فالجغرافيا وحجم الاقتصاد ومدى الاعتماد على ممرات محددة تجعل خيارات إنشاء طرق تصدير بديلة أقل اتساعاً مقارنة بالسعودية والإمارات وعُمان.

ولهذا ستصبح ملفات مثل الدين العام والإصلاحات المالية وتمويل المشاريع والقدرة على الوصول إلى طرق تجارية بديلة أكثر أهمية في تقييم هذه الأسواق.

من «تنويع الاقتصاد» إلى «تحصين الدولة»

ويبقى التحول الأعمق في تقرير بلاك روك هو تغير تعريف التنويع الاقتصادي نفسه.

ففي العقد الماضي كان التنويع يعني بصورة أساسية تقليل الاعتماد على عائدات النفط من خلال السياحة والترفيه والعقار والصناعة والخدمات.

أما الآن، فيضاف مفهوم آخر: هل تستطيع الدولة الاستمرار في إنتاج الكهرباء، وتصدير الطاقة، واستيراد الغذاء، وتشغيل مراكز البيانات والموانئ إذا تعطلت إحدى شبكاتها أو طرق تجارتها؟

ولهذا خصصت بلاك روك نحو 140 مليار دولار لما تسميه «المرونة البشرية والبيئية»، وتشمل الصحة والغذاء والمياه وإدارة النفايات.

إنها استثمارات قد لا تبدو ضخمة بصرياً مثل مدينة عملاقة أو برج شاهق، لكنها قد تصبح أكثر أهمية في حسابات الحكومات بعد تجارب الحروب وتعطل سلاسل الإمداد.

تريليونات لا تعني أن كل المشاريع ستُنفذ

مع ذلك، يجب التعامل مع رقم 2.1 تريليون دولار بحذر.

فبلاك روك نفسها تؤكد أن تقديراتها تجمع المشاريع المعلنة والممنوحة والمشاريع المتقدمة وتلك المستنتجة من خطط زيادة القدرات، وتشمل رؤوس أموال حكومية وسيادية وخاصة وشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وبالتالي لا ينبغي قراءة الرقم باعتباره ميزانية مؤكدة ستدفعها حكومات الخليج حتى 2030.؛ بل يمثل خريطة تقريبية لحجم الدورة الاستثمارية المحتملة.

كما أن ارتفاع تكاليف التمويل والإنشاء، وأسعار النفط، والتوترات الإقليمية وقدرة الدول على توليد تدفقات نقدية من المشاريع ستحدد في النهاية أي المشروعات سيتم تنفيذه وأيها سيعاد تأجيله.

وهنا تقدم بلاك روك خلاصة لافتة: المستثمر الناجح لن يكون من يراهن ببساطة على الرقم الضخم للإنفاق، وإنما من يستطيع تحديد أين يتحول الإنفاق فعلاً إلى عقود وإيرادات وتدفقات نقدية مستدامة.

الخليج يعيد تعريف الأمن الاقتصادي

إذا تحقق جزء كبير من هذه الاستثمارات، فقد تكون السنوات حتى 2030 نقطة تحول ثانية في تاريخ الاقتصاد الخليجي.

التحول الأول كان استخدام عائدات النفط لبناء المدن والبنية التحتية والدول الحديثة.

أما التحول الحالي فيقوم على استخدام الثروة المتراكمة لإنشاء اقتصادات تستطيع إنتاج المزيد محلياً، والوصول إلى العالم عبر أكثر من طريق، وتقليل نقاط الضعف في الغذاء والمياه والطاقة والتكنولوجيا.

ومن هنا، فإن الـ2.1 تريليون دولار التي تتحدث عنها بلاك روك ليست مجرد قصة عن طفرة إنفاق جديدة.

إنها تعكس انتقالاً أوسع من اقتصاد يبحث عن النمو والتنويع إلى اقتصاد يسعى، في الوقت نفسه، إلى تحصين نفسه ضد عالم أكثر اضطراباً، فهل سيلقى ذلك حيزًا للتنفيذ؟

واشنطن تسحب الغطاء اللوجستي عن قوات الاتحاد الأفريقي في الصومال – ماذا وراء القرار وهل سيؤثر على استقرار المنطقة؟

تواجه بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال واحدة من أخطر الأزمات منذ بدء الانتشار الأفريقي في البلاد قبل نحو عقدين، بعد إبلاغ الولايات المتحدة الاتحاد الأفريقي بأنها لن تدعم استمرار المساندة اللوجستية التي تقدمها الأمم المتحدة للبعثة بعد نهاية عام 2026.

فالقرار الأميركي لا يعني انسحاب واشنطن من الحرب على حركة الشباب، ولا وقف تعاونها العسكري المباشر مع القوات الصومالية، لكنه يهدد أحد الأعمدة التي تعتمد عليها بعثة الاتحاد الأفريقي للدفاع عن المدن والمواقع الإستراتيجية ومساندة الحكومة الفيدرالية.

وفي مذكرة دبلوماسية مؤرخة في الأول من يوليو/تموز 2026، أبلغت واشنطن الاتحاد الأفريقي بأنها لن تؤيد تمديد عمل مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال “UNSOS” بصيغته التي توفر الدعم التشغيلي واللوجستي لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال “AUSSOM” بعد نهاية العام الحالي.

وتضم البعثة الأفريقية نحو 12 ألف جندي وشرطي، فيما يوفر المكتب الأممي عناصر حيوية لاستمرار عملياتها، من الغذاء والمياه والوقود إلى الخدمات الطبية ونقل القوات والمعدات.

وحذر دبلوماسيون ومسؤولون تحدثوا لرويترز من أن البعثة قد تصبح غير قادرة على مواصلة عملياتها إذا لم يظهر ممول أو نظام دعم بديل.

لكن لماذا اتخذت واشنطن هذه الخطوة الآن؟ وما الذي يمكن أن تعنيه لمستقبل الحرب ضد حركة الشباب وللتوازنات المتغيرة في القرن الأفريقي؟

مليارات الدولارات ونتائج محدودة

يرتبط أول أسباب القرار بإحباط أميركي متزايد من حصيلة نحو عقدين من الدعم الدولي للصومال.

وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة قدمت قرابة ملياري دولار في صورة مساهمات مخصصة لمكتب الدعم الأممي وسلفه، لكنها ترى أن مقديشو لم تتمكن حتى الآن من تولي الجزء الأكبر من مسؤولياتها الأمنية أو الحفاظ بصورة مستقلة على المكاسب التي حققتها بعثات الاتحاد الأفريقي ضد حركة الشباب.

وجاءت الرسالة الأميركية بلغة شديدة الوضوح، إذ قالت واشنطن إن المنافسات الداخلية والصراعات السياسية بين القادة الصوماليين ما زالت تعرقل مواجهة حركتي الشباب وتنظيم الدولة، وإن فائدة الدعم الخارجي ستظل محدودة ما لم تتوصل القوى الصومالية إلى تفاهم بشأن قضايا الأمن والحكم.

وبذلك يتحول السؤال الأميركي تدريجياً من “كيف نمول استقرار الصومال؟” إلى “إلى متى يمكن تمويل منظومة أمنية لا تزال تعتمد على الخارج؟”.

وكانت واشنطن قد عارضت في وقت سابق تطبيق نموذج تمويل كان سيتيح تغطية ما يصل إلى 75% من نفقات بعثة الاتحاد الأفريقي عبر مساهمات الأمم المتحدة الإلزامية.

وتقدر الأمم المتحدة ميزانية AUSSOM للفترة من يوليو/تموز 2025 إلى يونيو/حزيران 2026 بنحو 190.2 مليون دولار، فيما كان تطبيق آلية التمويل الجديدة سيعني توفير نحو 142.7 مليون دولار من المساهمات الأممية.

أما مكتب الدعم الأممي نفسه، الذي يخدم البعثة والقوات الصومالية، فتقترب ميزانيته الإجمالية من 500 مليون دولار.

هل يمكن أن تنهار البعثة؟

الخطر الأكبر لا يتعلق بالرواتب وحدها، بل بالبنية التشغيلية التي تجعل وجود آلاف الجنود الأفارقة ممكناً.

فالقوة الأفريقية المنتشرة في الصومال ليست جيشاً قائماً بذاته يمتلك خطوط إمداد مستقلة، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على منظومة الأمم المتحدة في توفير الوقود والطعام والنقل والعلاج والخدمات الهندسية.

ولهذا قال دبلوماسيان مطلعان على عمل البعثة لرويترز إنها لن تستطيع الاستمرار بالشكل الحالي إذا توقف الدعم الأممي ولم تتدخل جهة أخرى لتعويضه.

وقد دفع القرار الاتحاد الأفريقي سريعاً إلى البحث عن خيارات بديلة.

وفي يوليو/تموز، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف إلى تعزيز الدعم للبعثة وتسريع تشغيل صندوق السلام الأفريقي وزيادة مساهمات الدول الأعضاء، في إشارة إلى أن مستقبل المهمة لم يعد مضموناً.

وكان الاتحاد قد أقر في فبراير/شباط زيادة مخصصات البعثة إلى نحو 154.7 مليون دولار، مع مطالبة الشركاء الدوليين بمساهمات إضافية ووضع آليات تمويل أكثر استدامة.

لكن جمع عشرات أو مئات الملايين من الدولارات سنوياً بصورة طوعية يمثل تحدياً أكبر بكثير من الاعتماد على ميزانية أممية ثابتة.

المستفيد الأول قد يكون حركة الشباب

يأتي الخلاف المالي في توقيت أمني بالغ الحساسية.

فحركة الشباب لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من جنوب ووسط البلاد، واستطاعت خلال السنوات الأخيرة استعادة بعض المناطق التي خسرتها خلال الهجمات الحكومية السابقة.

ولهذا فإن تقليص وجود القوات الأفريقية أو اضطراب إمداداتها قد يفتح فراغات أمنية تستطيع الحركة استغلالها بسرعة.

وتكمن المشكلة في أن البعثات الأفريقية لعبت، منذ انتشار “أميصوم” عام 2007 ثم “أتميس” وأخيراً “أوصوم”، دوراً يتجاوز تنفيذ العمليات القتالية.

فهي تؤمن مواقع حكومية ومدناً ومطارات وطرق إمداد، وتتيح للجيش الصومالي تركيز جزء من قواته في العمليات الهجومية.

وإذا اضطرت الوحدات الأفريقية إلى الانسحاب من قواعد إضافية، فسيتعين على القوات الصومالية الانتشار لحماية تلك المواقع في الوقت الذي يفترض أن تواصل فيه قتال حركة الشباب.

وهكذا يمكن أن ينتج عن الأزمة تأثير مزدوج: قوات أفريقية أقل قدرة على الانتشار، وجيش صومالي مضطر لتوزيع موارده المحدودة على مساحة أكبر.

أزمة سياسية تزيد المعضلة

لا تنفصل الأزمة الأمنية عن الصراع السياسي داخل الصومال.

فالرئيس حسن شيخ محمود يواجه معارضة قوية على خلفية التعديلات الدستورية وتمديد الولاية والتحضير لنظام انتخابي جديد.

وفي يونيو/حزيران اندلعت اشتباكات في مقديشو بين القوات الحكومية ومجموعات مسلحة مرتبطة بالمعارضة، بعد خلاف بشأن بقاء الرئيس في السلطة عقب انتهاء ولايته الأصلية، فيما اتهم معارضون الحكومة بتغيير قواعد النظام السياسي بصورة أحادية.

وتكتسب هذه الانقسامات أهمية خاصة بالنسبة إلى واشنطن لأنها ترى أنها تؤثر مباشرة على الحرب ضد الجماعات المسلحة.

فبدلاً من تركيز القوات والموارد على حركة الشباب، تتكرر المواجهات والخلافات بين الحكومة الفيدرالية والخصوم السياسيين وبعض الولايات.

ومن هنا، فإن القرار الأميركي يحمل رسالة سياسية أيضاً: استمرار الدعم الأمني الواسع لن يكون منفصلاً عن قدرة الصوماليين على التوصل إلى ترتيبات داخلية أكثر استقراراً.

لكن المفارقة أن خفض الدعم في وقت الانقسام يمكن أن يؤدي بدوره إلى تعميق الأزمة التي تنتقدها واشنطن، إذا ضعفت الحكومة الفيدرالية وارتفعت المنافسة بين المراكز المحلية على الأمن والموارد.

صوماليلاند تدخل المعادلة

تزداد حساسية القرار الأميركي بسبب تغير المشهد في شمال البلاد.

فصوماليلاند، التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 دون أن تحصل لعقود على اعتراف دولي، تلقت في ديسمبر/كانون الأول 2025 أول اعتراف رسمي بها من دولة عضو في الأمم المتحدة، عندما أعلنت إسرائيل الاعتراف بها دولة مستقلة.

ومنذ ذلك الحين ازدادت أهمية الإقليم في الحسابات الدولية، خصوصاً بسبب موقعه على خليج عدن وميناء بربرة المقابل للطرق المؤدية إلى باب المندب.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، زار  هرجيسا قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” الجنرال داغفين أندرسون ، والتقى رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله، كما تفقد ميناء بربرة وقيّم بيئته الأمنية وقدراته التشغيلية.

ولا تعني الزيارة بحد ذاتها تحولاً أميركياً نحو الاعتراف بصوماليلاند، لكنها تكشف الاهتمام العسكري المتزايد بموقعها.

وبذلك يظهر مساران أميركيان متزامنان: الضغط على الحكومة الفيدرالية لتولي مسؤولية أكبر عن الأمن، وفي الوقت نفسه توسيع الاتصالات مع كيانات محلية تعد أكثر استقراراً في مناطقها.

ومن شأن ذلك أن يثير قلق مقديشو، التي تنظر إلى أي تعامل خارجي منفصل مع صوماليلاند باعتباره مساساً بسيادتها.

تركيا أمام مساحة أكبر

يمكن أن يمنح تراجع الدعم الأميركي تركيا دوراً أكبر في الصومال.

فأنقرة بنت خلال السنوات الماضية واحدة من أعمق علاقاتها الأفريقية مع مقديشو، تشمل المساعدات الإنسانية والتعاون الاقتصادي والتدريب العسكري والطاقة.

كما تستضيف العاصمة الصومالية قاعدة “توركسوم”، التي أصبحت مركزاً رئيسياً لتدريب وحدات الجيش الصومالي.

وبالتوازي، انتقلت العلاقة الاقتصادية إلى قطاع الطاقة، إذ بدأت تركيا خلال 2026 أول عمليات حفر بحري عميق لها خارج حدودها في المياه الصومالية، في إطار اتفاقيات للتنقيب عن النفط والغاز.

كما تحولت أنقرة إلى أحد أكثر المدافعين وضوحاً عن وحدة الأراضي الصومالية بعد اعتراف إسرائيل بصوماليلاند.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الاعتراف الإسرائيلي لا يخدم صوماليلاند ولا استقرار القرن الأفريقي، وشدد على تمسك أنقرة بسيادة الدول ووحدة أراضيها.

وإذا تراجع الدور الأميركي غير المباشر عبر تمويل العمليات الأفريقية، فقد تجد مقديشو نفسها أكثر اعتماداً على شركاء يقدمون دعماً ثنائياً مباشراً، وفي مقدمتهم تركيا.

القرن الأفريقي يتحول إلى ساحة تنافس

المسألة لا تتوقف عند الصومال.

فالمنطقة الممتدة من البحر الأحمر إلى خليج عدن باتت ساحة تنافس متزايد بين قوى إقليمية ودولية بسبب الموانئ وطرق التجارة والطاقة والقواعد العسكرية.

ويقع ميناء بربرة قرب أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بينما تقع جيبوتي إلى الغرب منه وتستضيف قواعد عسكرية أميركية وصينية وفرنسية وغيرها.

كما باتت الصين أكثر نشاطاً دبلوماسياً في الملف، إذ قام وزير خارجيتها وانغ يي مطلع 2026 بأول زيارة لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ عقود، في خطوة ربطها مراقبون بأهمية خليج عدن بالنسبة إلى التجارة الصينية المتجهة نحو أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وبذلك فإن أي فراغ في الصومال لن يبقى بالضرورة فراغاً.

فكلما خفّض طرف خارجي وجوده، زادت الفرصة أمام أطراف أخرى لتوسيع النفوذ من خلال التدريب العسكري أو الاستثمار في الموانئ والطاقة أو العلاقات مع السلطات المحلية.

واشنطن تنسحب من البعثة.. لا من الصومال

مع ذلك، من المهم التمييز بين قرارين مختلفين.

فالولايات المتحدة لم تعلن التخلي عن مكافحة الإرهاب في الصومال، ولم توقف بالضرورة عملياتها العسكرية المباشرة أو تعاونها مع الوحدات الصومالية.

ما فعلته هو رفض الاستمرار في تمويل نموذج تعتبره مكلفاً وأقل فعالية مما ينبغي.

وهذا ينسجم مع اتجاه أوسع في إدارة دونالد ترامب نحو مطالبة الحلفاء والشركاء بتحمل حصة أكبر من تكاليف أمنهم.

لكن تطبيق هذا المبدأ في الصومال يحمل مخاطر تختلف عن دول أكثر استقراراً.

فالدولة الصومالية لا تزال في طور بناء مؤسساتها، وحركة الشباب تملك شبكات مالية وعسكرية وإدارية واسعة، فيما تعاني العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم من انقسامات مزمنة.

وبالتالي قد يؤدي فرض “الاعتماد على الذات” بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات المحلية على تحمله إلى نتيجة معاكسة: تراجع قدرة الدولة بدلاً من تعزيزها.

ثلاثة سيناريوهات بعد 2026

السيناريو الأول هو نجاح الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في العثور على مانحين جدد أو صيغة تمويل بديلة تحافظ على معظم الدعم اللوجستي. وفي هذه الحالة قد يستمر عمل AUSSOM مع تعديلات محدودة.

أما السيناريو الثاني فهو بقاء البعثة ولكن بحجم وقدرات أقل، ما يعني تسليم مزيد من المواقع إلى الجيش الصومالي وتسريع الانتقال الأمني رغم الشكوك بشأن جاهزيته.

والسيناريو الأخطر يتمثل في فشل جهود التمويل والاضطرار إلى انسحاب واسع أو غير منظم.

عندها قد تجد حركة الشباب فرصة لاستعادة مواقع إستراتيجية، بينما تتنافس الحكومة والأقاليم والقوى الخارجية على ملء الفراغ. وازدادت أهمية هذا الأمر مؤخرًا بعدما نشر عن تفاهمات بين حركة الشباب وبين الحوثيين في اليمن، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي منحت الحوثيين نفوذا واسعًا في منطقة باب المندب.

أبعد من قرار تمويل

لهذا لا يبدو قرار واشنطن مجرد خلاف بشأن موازنة بعثة عسكرية.

إنه يضع نموذجاً كاملاً لإدارة أمن الصومال أمام اختبار حقيقي بعد نحو عشرين عاماً من الاعتماد على القوات الأفريقية والتمويل الدولي.

فإذا تمكنت مقديشو من استخدام الضغوط الحالية لتسريع بناء قواتها وتسوية خلافاتها الداخلية، فقد يصبح تقليص الدعم بداية انتقال طال انتظاره نحو مسؤولية أمنية محلية أكبر.

أما إذا تزامن تراجع الدعم الخارجي مع استمرار الانقسام السياسي وتقدم حركة الشباب وتصاعد التنافس حول صوماليلاند، فقد تكون النتيجة عكسية تماماً.

وحينها لن يكون السؤال فقط عن مستقبل بعثة الاتحاد الأفريقي، بل عن من سيملأ الفراغ الأمني والسياسي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية على ضفاف البحر الأحمر وخليج عدن وبالقرب من باب المندب.

حميدتي في أديس أبابا وتحشيد قرب الحدود.. هل تُفتح جبهة جديدة في حرب السودان وتقود لصراع إقليمي دموي؟

تتحرك الحرب السودانية نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع اشتداد المعارك في إقليم النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا، بالتزامن مع زيارة غير معلنة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى أديس أبابا، وتحركات عسكرية واسعة على طرفي الحدود.

وتأتي هذه التطورات في وقت يسعى فيه الجيش السوداني إلى وقف تقدم قوات الدعم السريع وحليفها، الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، باتجاه الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، بينما تعزز قوات الدعم السريع دفاعاتها في الجنينة غرب دارفور بعد تقدم قوات موالية للجيش نحو محيط المدينة.

وفي غضون ذلك، شهدت جبهة كردفان انشقاقاً جديداً داخل قوات الدعم السريع، بعد وصول نحو 200 مقاتل بقيادة أبو بكر حمودة دحلوب، المسؤول السابق عن استخبارات المهام الخاصة في شمال كردفان، إلى أم درمان وإعلان انضمامهم إلى الجيش.

هذه التحولات المتزامنة تطرح سؤالاً أكبر من مجرد تغير السيطرة على عدد من البلدات: هل تنتقل الحرب من صراع داخلي بين الجيش والدعم السريع إلى مواجهة أكثر ارتباطاً بحدود السودان وعلاقاته الإقليمية؟

ماذا حمل حميدتي إلى أديس أبابا؟

وصل حميدتي إلى العاصمة الإثيوبية في 26 أغسطس/آب في ثاني زيارة له إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

وبحسب “مدى مصر”، فإن المحادثات تناولت التطورات السياسية وفرص السلام، إلا أن القتال على الحدود بين السودان وإثيوبيا وتحركات القوات في منطقة النيل الأزرق شغلت جانباً أساسياً منها.

وقال مصدر في قيادة الدعم السريع وآخر في الحكومة الإثيوبية للموقع إن أديس أبابا تركز حالياً على منع انتقال الحرب السودانية إلى داخل أراضيها، في ظل تكرر عبور مقاتلين مسلحين للحدود في الاتجاهين.

لكن مصادر سودانية تقدم قراءة أكثر حساسية.

إذ ترى مصادر استخباراتية سودانية أن العلاقة مع الدعم السريع قد تمنح إثيوبيا مساحة أوسع للمناورة في المناطق الحدودية، لا سيما في ظل عودة التوتر بين الحكومة الإثيوبية وإقليم تيغراي.

وهذه تبقى، في الوقت الراهن، تقديرات مصادر سودانية وليست موقفاً معلناً من الحكومة الإثيوبية.

أهمية الزيارة إذاً لا تكمن فقط في أنها اتصال سياسي بين حميدتي وأديس أبابا، بل في توقيتها، بينما أصبحت الحدود الإثيوبية جزءاً مباشراً من الحسابات العسكرية في النيل الأزرق.

أصوصا.. قاعدة عسكرية أم ممر لوجستي؟

القلق الأكبر لدى الجيش السوداني يتعلق بمنطقة أصوصا في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، القريبة من الحدود السودانية.

وتشير معلومات نقلتها “مدى مصر” إلى زيادة كبيرة في المركبات والذخائر والحاويات والإمدادات الطبية داخل قاعدة عسكرية إثيوبية هناك منذ يوليو/تموز.

كما أظهرت صور أقمار صناعية حللها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل وصول نحو 100 مركبة إلى القاعدة بين 23 و28 أغسطس/آب، أي نحو ستة أضعاف العدد المرصود سابقاً، إلى جانب عشرات الحاويات والشاحنات.

وتكتسب أصوصا أهميتها من قربها من الكُرمُك وقيسان، وهما بلدتان حدوديتان استولت عليهما قوات الدعم السريع وحلفاؤها خلال الهجوم الأخير.

وتخشى مصادر عسكرية سودانية من أن يؤدي تثبيت السيطرة على هذا المحور إلى إنشاء ممر لوجستي يمتد من الأراضي الإثيوبية إلى مناطق سيطرة الدعم السريع داخل النيل الأزرق، بما يسمح بتحريك القوات والعتاد بعيداً عن قدرة الجيش على قطعه.

لكن هذه النقطة تحديداً شديدة الحساسية؛ فوجود تحشيد عسكري داخل قاعدة إثيوبية لا يثبت وحده أن الحكومة الإثيوبية تدير خط إمداد للدعم السريع.

وفي موازاة هذه المزاعم، أشار تقرير أممي حديث إلى أن تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة والدعم الخارجي من عدة شبكات إقليمية بات عاملاً أساسياً في إطالة الحرب السودانية، من دون حصر المشكلة في جبهة واحدة أو دولة واحدة.

المعركة تتحرك نحو الدمازين

ميدانياً، تغيرت خريطة القتال بسرعة.

فبعد سقوط قيسان والكرمك، سيطرت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في 28 أغسطس/آب على منطقتي باكوري وسركم، وهما من المواقع التي تحمي الطرق المؤدية إلى الدمازين.

وتقع باكوري على بعد نحو 170 كيلومتراً جنوب شرقي عاصمة الإقليم، وتضم مقر اللواء 14 مشاة التابع للفرقة الرابعة بالجيش.

وبعد سقوط الموقعين، دفع الجيش بتعزيزات من الخرطوم والجزيرة وسنار، إلى جانب وحدات من جهاز المخابرات العامة وقوات من الحركات المسلحة المتحالفة معه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجيش يتعامل مع معركة الدمازين باعتبارها جبهة استراتيجية لا يمكن السماح بانهيارها.

فالمدينة ليست مجرد عاصمة إقليمية، بل عقدة طرق ومركز قيادة عسكري، كما أن سقوط مزيد من المناطق المحيطة بها قد يفتح أمام الدعم السريع وحلفائه مجالاً أوسع للتحرك شمالاً وغرباً.

لماذا النيل الأزرق مهم؟

من الناحية الجغرافية، يمثل النيل الأزرق إحدى أكثر الجبهات حساسية في الحرب.

فهو يربط السودان بإثيوبيا وجنوب السودان، ويقع بالقرب من مناطق نفوذ الحركة الشعبية-شمال، كما يشكل ممراً محتملاً بين شرق السودان ووسطه.

ولهذا فإن أي تقدم كبير للدعم السريع هناك سيضيف محوراً جديداً إلى خريطة الحرب.

فالقوة شبه العسكرية التي تتركز مناطق نفوذها الأساسية في دارفور وأجزاء من كردفان ستصبح، إذا ثبتت وجودها في النيل الأزرق، قادرة على الضغط على الجيش من الجنوب الشرقي أيضاً.

وهذا يفرض على الجيش توزيع قواته على جبهات أوسع في وقت يخوض فيه معارك متزامنة في كردفان ودارفور.

في دارفور.. الجيش يقترب والدعم السريع يتحصن

بينما يحاول الجيش الدفاع عن الدمازين، تبدو الصورة معكوسة في غرب دارفور.

فقد تقدمت القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش إلى منطقة أبو سروق في محلية سربا، على مسافة تقارب 58 كيلومتراً من الجنينة، عاصمة غرب دارفور والخاضعة لسيطرة الدعم السريع.

وفي مواجهة هذا الضغط، بدأت قوات الدعم السريع تعزيز دفاعاتها داخل المدينة، عبر إقامة سواتر ترابية وحفر خنادق على الأطراف الشمالية والغربية، مع استقدام مقاتلين وذخائر إضافية.

وهذا التحول إلى الدفاع في الجنينة يحمل دلالة مهمة.

فالمدينة تعد إحدى أهم مراكز ثقل الدعم السريع في دارفور، وقرب القوات المناوئة لها من محيطها يعني أن الحرب لم تعد تسير في اتجاه واحد.

فبينما تحقق قوات الدعم السريع وحلفاؤها تقدماً في النيل الأزرق، يتعرضون لضغط عسكري متزايد في غرب دارفور.

كردفان.. نقطة الفصل بين الشرق والغرب

أما كردفان فتظل الجبهة الأكثر أهمية في الربط بين مسرحي الحرب.

فالسيطرة عليها تحدد ما إذا كان الجيش يستطيع التقدم غرباً باتجاه دارفور، أو ما إذا كان الدعم السريع يستطيع استعادة المبادرة والتقدم شرقاً نحو مناطق سيطرة الجيش.

وقد حقق الجيش خلال الأسابيع الماضية مكاسب في شمال كردفان، وسيطر على ست من محليات الولاية الثماني، قبل أن يوسع غاراته على مخازن الوقود والذخيرة ونقاط تجمع الدعم السريع في غرب كردفان.

وفي هذا السياق، اكتسب انشقاق أبو بكر دحلوب ونحو 200 مقاتل أهمية سياسية وعسكرية.

فدحلوب كان مسؤولاً استخباراتياً للدعم السريع في شمال كردفان ومنطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، ووصل مع قواته وأسلحتهم إلى أم درمان وأعلن الانضمام إلى الجيش.

وهذا هو ثاني انشقاق بارز لقائد ميداني في جبهة كردفان خلال فترة قصيرة، بعد انشقاقات أخرى شملت مئات المقاتلين.

لكن من المبكر اعتبار هذه الانشقاقات انهياراً داخلياً في الدعم السريع، إذ لا تزال القوة تحتفظ بقدرات كبيرة وشبكات إمداد وانتشار واسع في غرب السودان.

الحرب الجوية تغيّر شكل الصراع

إلى جانب تغير خطوط السيطرة، يزداد اعتماد الطرفين على الطائرات المسيّرة والضربات الجوية.

وقد خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقرير نشر مطلع سبتمبر/أيلول إلى أن الأسلحة الخارجية والطائرات المسيّرة باتت تلعب دوراً متزايداً في الحرب، وأن أكثر من ألف شخص قُتلوا في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من 2026 وحده.

كما قالت إن الدعم الخارجي للطرفين يساهم في إطالة النزاع وزيادة الخسائر المدنية.

ويظهر ذلك أيضاً في جنوب كردفان، حيث تعرضت شاحنتان تحملان مساعدات لبرنامج الأغذية العالمي للقصف خارج الدلنج، ما أدى إلى تدمير أكثر من 50 طناً من الغذاء كانت تكفي نحو 5800 شخص لمدة شهر.

ومن ثم، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي التي تحدد مسار الحرب؛ فالقدرة على تشغيل المسيّرات وتأمين شبكات الإمداد أصبحت عاملاً حاسماً في موازين القوى.

البعد الإثيوبي.. أخطر ما في المشهد

تبقى إثيوبيا العنصر الأكثر حساسية في التطورات الأخيرة.

فأديس أبابا تقول، وفق المصادر التي تحدثت إلى “مدى مصر”، إن أولويتها هي حماية الحدود ومنع انتقال الحرب إلى أراضيها.

لكن الخرطوم تنظر بريبة متزايدة إلى التحركات العسكرية في أصوصا وإلى اتصالات حميدتي بالحكومة الإثيوبية.

وإذا تطور الأمر من اتصالات سياسية إلى ترتيبات أمنية أو لوجستية عملية، فقد تصبح العلاقة الإثيوبية مع الدعم السريع عنصراً جديداً في ميزان الحرب.

وسيكون لهذا أثر يتجاوز السودان نفسه، لأن إثيوبيا تواجه في الوقت ذاته توترات داخلية في تيغراي، كما أن المنطقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا ظلت لسنوات موضع نزاع وتوترات متكررة.

ولهذا فإن الخطر لا يتمثل فقط في استخدام الحدود لإمداد أحد أطراف الحرب، بل في احتمال أن تتداخل الحرب السودانية تدريجياً مع الصراعات الداخلية والإقليمية المحيطة بها.

حرب متعددة الجبهات

الصورة الحالية لا تشير إلى انتصار حاسم لأي طرف.

الدعم السريع يحقق تقدماً مهماً في النيل الأزرق ويضغط باتجاه الدمازين، لكنه في المقابل يبني تحصينات حول الجنينة تحسباً لهجوم مضاد.

والجيش يواجه ضغوطاً في الجنوب الشرقي، لكنه يوسع نفوذه في كردفان ويتقدم مع حلفائه في غرب دارفور.

أما انشقاقات قادة الدعم السريع، فتمنح الجيش مكاسب دعائية واستخباراتية، لكنها لا تبدو حتى الآن كافية لتغيير ميزان الحرب بمفردها.

ولهذا تبدو الحرب السودانية في مرحلتها الحالية أقرب إلى صراع على الممرات وخطوط الإمداد منها إلى مجرد معارك للسيطرة على المدن.

فالنيل الأزرق يفتح على إثيوبيا، وكردفان تربط وسط البلاد بدارفور، بينما تمثل الجنينة بوابة السودان الغربية نحو تشاد.

ومن ينجح في تأمين هذه الممرات يستطيع نقل القوات والوقود والسلاح والاستمرار في القتال لفترة أطول.

هل تتحول الحرب إلى صراع إقليمي أوسع؟

منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023، شهدت الحرب السودانية مستويات متزايدة من التدخل الخارجي.

وتشير الأمم المتحدة إلى شبكات إقليمية مرتبطة بتدفق السلاح والمرتزقة والطائرات المسيّرة، في وقت تنفي فيه دول متهمة بتقديم الدعم العسكري المباشر ضلوعها في الحرب.

لكن التطورات حول أصوصا وزيارة حميدتي تجعل البعد الإقليمي أكثر وضوحاً من السابق.

والاختبار الحقيقي في الأسابيع المقبلة سيكون ما إذا كانت زيارة أديس أبابا ستظل في إطار الاتصالات السياسية والأمنية، أم ستتبعها ترتيبات عملية على الحدود.

فإذا تحول محور أصوصا-الكُرمُك-قيسان إلى خط إمداد ثابت، بينما واصل الدعم السريع وحلفاؤه الضغط على الدمازين، ستدخل الحرب مرحلة جديدة قد تجعل الحدود الإثيوبية إحدى جبهاتها الرئيسية، في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر داخل إثيوبيا بين الحكومة وفصائل المعارضة، فضلا عن إريتريا.

وعندها، لن يكون السؤال فقط من يسيطر على النيل الأزرق، بل إلى أي مدى ستظل حرب السودان حرباً داخل حدوده أصلاً.

متابعات دولية

فاتورة فوائد تتجاوز تريليوني دولار.. هل يدخل العالم عصر أزمة الديون السيادية؟

تواجه الاقتصادات المتقدمة موجة متصاعدة من تكاليف خدمة الدين، بعدما تجاوزت فاتورة الفوائد السنوية على ديون دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تريليوني دولار، في وقت ترتفع فيه عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لم تشهدها بعض الأسواق منذ عقود.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد ارتفاع في حجم الديون، بل تحولاً أوسع في البيئة المالية العالمية بعد انتهاء حقبة الفائدة المنخفضة التي سمحت للحكومات طوال سنوات بالاقتراض بكلفة محدودة.

فبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، أصبحت دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تنفق أكثر من تريليوني دولار سنوياً على فوائد الدين وحدها، بما يعادل نحو 3% من إجمالي ناتجها المحلي، وسط مخاوف من أن تتحول خدمة الدين إلى أحد أكبر بنود الموازنات العامة خلال السنوات المقبلة.

وتؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن مدفوعات الفائدة في دولها بلغت نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط المجمع، بالقرب من أعلى مستوياتها خلال العقد الماضي، وأن ارتفاع تكاليف الفائدة سيصبح في 2026 عاملاً يدفع نسبة الدين إلى الناتج إلى الأعلى حتى بعد احتساب تأثير التضخم.

كيف وصل العالم إلى هذه النقطة؟

خلال العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، تمكنت الحكومات من الاقتراض بأسعار فائدة تاريخية الانخفاض.

وفي بعض الاقتصادات، وصلت عوائد السندات الحكومية إلى الصفر أو حتى أصبحت سالبة، بينما اشترت البنوك المركزية كميات ضخمة من الديون ضمن برامج التيسير الكمي.

هذه البيئة جعلت زيادة الاقتراض أقل إيلاماً.

ثم جاءت جائحة كورونا، واضطرت الحكومات إلى تمويل برامج دعم ضخمة للأسر والشركات، قبل أن تضرب موجة التضخم الاقتصاد العالمي وتبدأ البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة.

وهنا تغيرت المعادلة.

فالديون القديمة منخفضة التكلفة بدأت تستحق ويعاد تمويلها بسندات جديدة ذات فوائد أعلى، ما يعني أن ارتفاع أسعار الفائدة لا يظهر دفعة واحدة في الموازنات، بل يتراكم عاماً بعد آخر.

ومع استمرار الحكومات في إصدار المزيد من الدين، فإنها أصبحت تجمع بين رصيد ديون أكبر وسعر فائدة أعلى في الوقت نفسه.

الولايات المتحدة في قلب المشكلة

أوضح مثال على ذلك هو الولايات المتحدة.

فالدين الحكومي الأميركي تجاوز 40 تريليون دولار، بينما تقترب عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات من 5%، وهو مستوى لم تستقر عنده السوق لفترة طويلة منذ نحو عقدين.

ولا يعني ذلك أن واشنطن تدفع 5% على كامل ديونها الحالية، لأن جزءاً كبيراً منها صدر في سنوات كانت فيها الفائدة أقل.

لكن كلما استحقت هذه الديون وأصدرت الخزانة الأميركية سندات جديدة لإعادة تمويلها، تنتقل الأسعار المرتفعة تدريجياً إلى الموازنة.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الولايات المتحدة لا تحتاج فقط إلى تمويل عجز مالي جديد، بل إلى إعادة تمويل تريليونات الدولارات من السندات القديمة بصورة مستمرة.

وبحسب فايننشال تايمز، قد تتحول مدفوعات الفائدة مع مرور الوقت إلى واحد من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي الأميركي، في ظل غياب توافق سياسي على خفض العجز أو رفع الضرائب.

بريطانيا تدفع أعلى فائدة منذ عقود

الضغط لا يقتصر على واشنطن.

ففي 8 سبتمبر/أيلول، باعت الحكومة البريطانية سندات لأجل 30 عاماً بعائد بلغ 5.8168%، وهو أعلى مستوى في السجلات المقارنة منذ عام 1998.

وتتوقع هيئة مسؤولية الميزانية البريطانية أن تبلغ تكلفة فوائد الدين نحو 109 مليارات جنيه إسترليني هذا العام، أي قرابة 8.4% من إجمالي الإنفاق العام.

وهذا يعني أن مليارات الجنيهات التي كان يمكن استخدامها في الصحة أو التعليم أو الدفاع أو البنية التحتية أصبحت تذهب إلى خدمة ديون سبق للحكومة أن اقترضتها.

وتضع هذه المعادلة الحكومات أمام خيارات سياسية شديدة الصعوبة: رفع الضرائب، خفض الإنفاق، أو الاستمرار في الاقتراض وتحمل فوائد أكبر.

فرنسا تحت المراقبة

أما فرنسا، فتواجه مشكلة مختلفة لكنها لا تقل حساسية.

فالمستثمرون بدأوا يطالبون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالسندات الفرنسية في ظل ارتفاع الدين واستمرار العجز السياسي حول كيفية إصلاح المالية العامة.

ووصلت الفجوة بين عوائد بعض السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات تعكس أعلى درجات القلق منذ أزمة منطقة اليورو، بينما تجاوزت عوائد بعض السندات الفرنسية الطويلة نظيرتها الإيطالية، وهي مقارنة كانت تبدو غير مألوفة قبل سنوات.

وتزداد حساسية فرنسا لأن أكثر من 60% من ديونها محتفظ بها لدى مستثمرين أجانب، ما يجعلها أكثر تعرضاً لتغير مزاج الأسواق.

لكن باريس تظل داخل منطقة اليورو، ما يعني أن البنك المركزي الأوروبي يمتلك أدوات يمكن استخدامها لمنع اضطراب سوق السندات إذا أصبحت الأزمة أكثر خطورة.

اليابان.. نهاية عصر المال شبه المجاني

ربما تكون اليابان أكثر الحالات رمزية للتحول العالمي.

فالدولة التي عاشت لعقود في بيئة أسعار فائدة شديدة الانخفاض شهدت مؤخراً ارتفاع عائد سنداتها الحكومية لأجل عشر سنوات إلى 3% للمرة الأولى منذ 1996.

وتظهر تقديرات الموازنة اليابانية للعام المالي المقبل أن تكاليف خدمة الدين قد تصل إلى مستوى قياسي يبلغ نحو 36.6 تريليون ين.

كما رفعت وزارة المالية افتراضها لسعر الفائدة المستخدم في حساب الموازنة من 3% إلى 3.8%، في إشارة إلى توقع استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض.

وتكمن أهمية اليابان عالمياً في أنها واحدة من أكبر حائزي الأصول الأجنبية وسندات الخزانة الأميركية.

فإذا أصبحت السندات اليابانية نفسها تقدم عوائد أعلى، فقد يجد المستثمر الياباني سبباً أقل لإرسال الأموال إلى الخارج، وهو ما يمكن أن يؤثر على الطلب على الديون الأميركية والأوروبية.

لماذا ترتفع العوائد الآن؟

هناك عدة عوامل تعمل في الوقت نفسه.

أولها ارتفاع حجم إصدارات السندات الحكومية، إذ تحتاج الدول إلى تمويل الإنفاق على الدفاع والتحول الأخضر والشيخوخة السكانية والبنية التحتية، إضافة إلى العجز التقليدي.

وثانيها التضخم.

فالمستثمر الذي يقرض الحكومة لمدة 10 أو 30 عاماً يريد تعويضاً عن احتمال فقدان قيمة أمواله بسبب ارتفاع الأسعار.

ولهذا يؤدي تجدد المخاوف التضخمية إلى مطالبة المستثمرين بعائد أكبر.

والعامل الثالث هو الطاقة والجغرافيا السياسية.

فالتصعيد في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل أعادا المخاوف من موجة تضخم جديدة، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

أما العامل الرابع فهو تراجع دور البنوك المركزية نفسها كمشترٍ ضخم للديون.

فخلال مرحلة التيسير الكمي، كانت البنوك المركزية تشتري السندات بكميات كبيرة، ما ساعد على خفض عوائدها.

اليوم، أصبح هذا الدعم أضعف بكثير أو تحول في بعض البلدان إلى الاتجاه المعاكس مع تقليص الميزانيات العمومية.

عودة “حراس السندات”

هذا التحول أعاد إلى الأسواق مصطلحاً قديماً: Bond Vigilantes أو “حراس سوق السندات”.

وهو وصف للمستثمرين الذين يعاقبون الحكومات التي يعتبرون سياساتها المالية غير منضبطة عن طريق بيع سنداتها والمطالبة بعائد أعلى لإقراضها.

فالحكومة تستطيع تحديد مقدار ما تريد إنفاقه، لكنها لا تستطيع إجبار السوق على إقراضها بالسعر الذي تريده.

وإذا فقد المستثمرون الثقة في قدرة دولة ما على ضبط دينها وعجزها، فإنهم يطالبون بفائدة أكبر.

ترتفع الفائدة، فتزداد تكلفة خدمة الدين.

وعندها يرتفع العجز أكثر، فتحتاج الحكومة إلى اقتراض إضافي.

ومن هنا قد تبدأ دائرة خطرة: دين أكبر يؤدي إلى فوائد أعلى، والفوائد الأعلى تؤدي إلى دين أكبر.

وهذا هو السيناريو الذي يثير مخاوف من الدخول في ما يسمى “حلقة الهلاك” المالية.

هل نحن أمام أزمة ديون عالمية؟

رغم الأرقام المقلقة، فإن الإجابة حتى الآن ليست نعم بشكل قاطع.

فالولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا لا تواجه حالياً أزمة سيولة تشبه أزمات الأسواق الناشئة، كما أن أسواق سنداتها ما تزال عميقة وقادرة على جذب المشترين.

بل إن بيع بريطانيا لسنداتها الثلاثينية بأعلى عائد منذ عقود جذب طلبات تجاوزت 87 مليار جنيه إسترليني مقابل إصدار بقيمة 4.25 مليارات فقط، ما يشير إلى أن المستثمرين ما زالوا مستعدين للإقراض عندما يكون السعر جذاباً.

وفي الولايات المتحدة أيضاً، لا يرى جميع المحللين اقتراب عائد العشر سنوات من 5% دليلاً على أزمة.

فالنمو الاسمي للاقتصاد الأميركي لا يزال قوياً، والبطالة منخفضة نسبياً، كما أن ارتفاع العوائد قد يعكس جزئياً الطلب القوي على رأس المال بسبب طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وهذا يعني أن العائد المرتفع ليس في حد ذاته دليلاً على فقدان الثقة.

المشكلة تبدأ عندما يرتفع العائد بسبب خوف المستثمرين من قدرة الحكومة على إدارة ديونها بدلاً من قوة الاقتصاد.

الخطر الحقيقي في الموازنة

التحدي الأعمق ليس بالضرورة إفلاس الدول الكبرى، بل ما يسمى “مزاحمة الفائدة” لبقية الإنفاق.

فعندما تقفز مدفوعات الفوائد عشرات أو مئات المليارات، لا تستطيع الحكومة استخدام المبلغ نفسه مرتين.

وهذا يعني أن الأموال الموجهة لخدمة الدين لا تذهب إلى المستشفيات أو المدارس أو الجيوش أو الطرق أو التحول الصناعي.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن بريطانيا وفرنسا أصبحتا بالفعل تنفقان على خدمة الدين مبالغ تنافس أو تتجاوز في بعض المقارنات إنفاقهما الدفاعي.

ومع زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وارتفاع تكلفة الشيخوخة والرعاية الصحية، يصبح هذا التنافس على الموازنة أكثر حدة.

ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل؟

الحلول معروفة اقتصادياً لكنها صعبة سياسياً.

أولها خفض العجز عبر تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب.

لكن الناخبين يعارضون عادة برامج التقشف والضرائب المرتفعة، خصوصاً بعد سنوات من ارتفاع تكاليف المعيشة.

والحل الثاني هو تحقيق نمو اقتصادي أسرع.

فإذا نما الاقتصاد بوتيرة تفوق نمو الدين، تصبح نسبة الدين إلى الناتج أكثر قابلية للإدارة حتى من دون تخفيض حاد في الإنفاق.

ولهذا يراهن بعض الاقتصاديين على طفرة إنتاجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستثمارات التكنولوجية.

أما السيناريو الآخر فهو السماح للتضخم بتقليص القيمة الحقيقية للدين مع إبقاء أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة، وهي سياسة يشار إليها أحياناً باسم “القمع المالي”.

لكن استخدامها يحمل مخاطر واضحة على المدخرين والعملات والأسعار.

من يدفع الثمن؟

في النهاية، الدين الحكومي ليس مشكلة محاسبية بعيدة عن المواطن.

فعندما ترتفع عوائد السندات الحكومية، تنتقل التأثيرات عادة إلى الاقتصاد كله.

ترتفع فوائد الرهون العقارية وقروض الشركات.

وتزداد تكلفة تمويل الاستثمارات.

وتصبح السندات ذات العائد المرتفع منافساً أقوى للأسهم، ما قد يضغط على تقييمات أسواق المال.

كما يصبح تمويل عمليات الاستحواذ والمشاريع الكبرى أكثر تكلفة.

ولهذا فإن أزمة السندات، حتى إذا لم تتحول إلى أزمة سيادية صريحة، يمكن أن تعني نمواً اقتصادياً أبطأ وضغوطاً مالية أكبر على الحكومات والشركات والأسر معاً.

من عصر المال الرخيص إلى عصر ثمن الدين

ربما يكون التحول الأهم الذي تكشفه فاتورة التريليوني دولار هو انتهاء افتراض سيطر على العالم لنحو عقد ونصف: أن الحكومات تستطيع زيادة ديونها باستمرار طالما أن تكلفة الاقتراض منخفضة.

هذا العالم يتغير.

فاليابان تدفع أعلى عوائد منذ ثلاثة عقود، وبريطانيا تقترض طويل الأجل بأعلى تكلفة في سجلاتها الحديثة، والولايات المتحدة تقترب من عائد 5% على سنداتها لعشر سنوات، بينما يعيد المستثمرون تقييم مخاطر الديون الفرنسية.

لا يعني ذلك أن أزمة مالية عالمية أصبحت حتمية.

لكنه يعني أن الدين عاد ليصبح له ثمن سياسي واقتصادي حقيقي.

والاختبار المقبل لن يكون فقط قدرة الحكومات على العثور على مشترين لسنداتها، بل قدرتها على إقناع الناخبين والأسواق معاً بأنها تستطيع تمويل الدفاع والرعاية الاجتماعية والاستثمار والنمو، من دون أن تبتلع فوائد الديون جزءاً متزايداً من ميزانياتها عاماً بعد عام.

وهنا ربما يبدأ عصر جديد في الاقتصاد العالمي: ليس عصر نقص المال، بل عصر أصبح فيه المال الحكومي غالياً مرة أخرى.

خريطة العالم تتغيّر بصرياً.. لماذا أصبحت أفريقيا عملاقة وتقلّصت أوروبا وغرينلاند؟

لم تتغيّر مساحة أي دولة، ولم تتحرك حدود القارات. الجديد هو أن العالم بدأ يتجه رسمياً نحو طريقة مختلفة لرسم الكرة الأرضية على سطح مسطح، تكشف حجم الدول والقارات بنسب أقرب بكثير إلى الواقع، بعد قرون من هيمنة خريطة جعلت أوروبا وشمال أميركا وغرينلاند تبدو أكبر بكثير مما هي عليه مقارنة بأفريقيا وجنوب آسيا.

وفي 4 سبتمبر/أيلول 2026، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/80/L.104، الذي قادته توغو بدعم من الاتحاد الأفريقي، داعية الحكومات والمدارس والمؤسسات الدولية وشركات التكنولوجيا إلى استخدام إسقاطات تحفظ المساحات النسبية، وفي مقدمتها Equal Earth، عندما تكون مقارنة الأحجام أمراً مهماً. وحصل القرار على تأييد 164 دولة، فيما كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت ضده، وامتنعت ست دول عن التصويت. والقرار غير ملزم ولا يحظر خريطة ميركاتور.

أربعة قرون من «الخداع البصري»

جوهر القضية يعود إلى خريطة Mercator التي وضعها رسام الخرائط الفلمنكي غيراردوس ميركاتور عام 1569. ولم تكن الخريطة في أصلها خطأ علمياً؛ فقد صُممت أساساً للملاحة البحرية، ومن أهم مزاياها أن خطوط الاتجاه الثابت تظهر عليها مستقيمة، وهو ما كان مهماً للبحارة.

لكن لهذه الميزة ثمناً كبيراً: كلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه القطبين، ازدادت المساحات المرسومة على الخريطة بصورة هائلة. وبالتالي تنتفخ الدول الواقعة في الشمال، في حين تظهر المناطق القريبة من خط الاستواء أصغر منها نسبياً.

ولهذا تبدو غرينلاند في خريطة ميركاتور قريبة من حجم أفريقيا، فيما تبلغ مساحة أفريقيا نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع مقابل قرابة 2.17 مليون كيلومتر مربع لغرينلاند؛ أي أن أفريقيا أكبر منها بنحو 14 مرة.

وهنا من المهم تصحيح العبارة الشائعة بأن «غرينلاند أصبحت أصغر 14 مرة». غرينلاند لم تتقلص 14 مرة في الخريطة الجديدة؛ الحقيقة هي أن أفريقيا أكبر من غرينلاند أصلاً بنحو 14 مرة، لكن ميركاتور أخفى هذه النسبة بصرياً.

أفريقيا.. القارة التي كانت الخريطة تصغّرها

أكثر ما يلفت النظر في إسقاط Equal Earth هو أفريقيا. فالقارة لا تصبح أكبر من حجمها الحقيقي، وإنما تستعيد حجمها النسبي الذي كانت خريطة ميركاتور تحجبه.

مساحة أفريقيا البالغة نحو 30.37 مليون كيلومتر مربع كبيرة إلى درجة أنها تستطيع استيعاب الولايات المتحدة والصين والهند ومعظم أوروبا مجتمعة. وهي تقارب ثلاثة أضعاف مساحة أوروبا، وأكثر بقليل من ثلاثة أضعاف كندا، ونحو 1.8 مرة مساحة روسيا. ومن ثم فإن القول إنها «ضعف روسيا» يصلح كتقريب شديد، لكنه ليس دقيقاً حسابياً.

وتغير هذه النسب الصورة الذهنية المألوفة جذرياً. فروسيا التي تهيمن بصرياً على الجزء العلوي من خرائط المدارس التقليدية تظل أكبر دولة في العالم، لكنها لا تعود كتلة ضخمة بصورة غير متناسبة مع أفريقيا. والأمر نفسه ينطبق على كندا والدول الإسكندنافية.

بريطانيا وأوروبا تبدوان أصغر.. لماذا؟

إحدى أكثر النتائج إثارة للانتباه تتعلق بأوروبا، ولا سيما بريطانيا والدول الإسكندنافية. وبسبب وقوع بريطانيا عند خطوط عرض شمالية مرتفعة نسبياً، يمنحها إسقاط ميركاتور تضخيماً كبيراً في المساحة المرئية. ولهذا يمكن أن تبدو على خريطة متساوية المساحة أصغر بكثير مما اعتاد المشاهد رؤيته.

وتتداول مقارنات تشير إلى أن بريطانيا تبدو أصغر بنحو ثلاثة أضعاف عند الانتقال بين بعض نسخ ميركاتور والخريطة المتساوية المساحة. الأدق علمياً هو القول إن ميركاتور كان يضخم المساحة المصورة عند خطوط العرض البريطانية بنحو ثلاثة أضعاف تقريباً؛ وليس أن مساحة بريطانيا الحقيقية تغيرت.

ويزداد التأثير أكثر كلما اتجهنا شمالاً، ولذلك تتقلص الصورة المرئية للنرويج والسويد وفنلندا بصورة ملحوظة، بينما يصبح الاختلاف هائلاً في غرينلاند والمناطق القطبية.

إسقاط Equal Earth، الذي طوره بويان شافريتش وتوم باترسون وبرنهارد جيني عام 2018، صُمم تحديداً للحفاظ على النسب الصحيحة للمساحات بين مناطق العالم، مع شكل بصري أكثر قبولاً من بعض الإسقاطات المتساوية المساحة السابقة.

السعودية واليمن وعُمان تستعيد أحجامها النسبية

التحول يلفت النظر أيضاً في الشرق الأوسط. فالسعودية وعُمان واليمن تقع في خطوط عرض أقرب كثيراً إلى خط الاستواء من بريطانيا وشمال أوروبا، ولذلك كانت أقل تعرضاً للتضخم الذي يمنحه ميركاتور للمناطق الشمالية.

عند عرض الجميع على خريطة تحفظ المساحة، تصبح السعودية أكبر بكثير بصرياً مقارنة بكثير من الدول الأوروبية مما توحي به الخرائط التقليدية. وينطبق المبدأ ذاته على اليمن وعُمان.

فمساحة السعودية، على سبيل المثال، تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، وبالتالي فإن علاقتها بالحجم الأوروبي تبدو أكثر وضوحاً عندما يُزال التضخم الذي حصلت عليه دول أوروبا الشمالية بسبب موقعها الجغرافي.

أي أن الخريطة الجديدة لا «تكبّر السعودية»، وإنما توقف تكبير أوروبا بصورة غير متناسبة معها.

الصين والولايات المتحدة.. تقارب يفاجئ العين

ومن الملاحظات التي تصبح أكثر وضوحاً أن الصين والولايات المتحدة متقاربتان جداً في المساحة الإجمالية، رغم أن الخرائط المسطحة المختلفة قد تعطي انطباعات مختلفة عن حجمهما.

والسبب مجدداً هو اختلاف خطوط العرض واتساع الدول. ومع إزالة التشوه الناتج عن ميركاتور، يصبح التشابه في الحجم بين القوتين أكثر وضوحاً بصرياً.

أما أميركا الشمالية ككل فستبدو أصغر بصورة واضحة مقارنة بأفريقيا وأميركا الجنوبية، لأن قسماً كبيراً منها يمتد إلى خطوط عرض شمالية مرتفعة، خصوصاً كندا وألاسكا.

وفي المقابل، تستعيد أميركا الجنوبية وزناً بصرياً أكبر نسبياً. وتبلغ مساحة أميركا الجنوبية وحدها نحو 17.8 مليون كيلومتر مربع، إلا أنها طالما بدت أصغر مما ينبغي عند مقارنتها بأميركا الشمالية على خريطة ميركاتور.

وينطبق الأمر بدرجة أقل على الهند وجنوب آسيا، اللتين تقعان أقرب إلى خط الاستواء، ولذلك يصبح حجمهما أكثر بروزاً مقارنة بأوروبا وروسيا وكندا.

لكن هل أصبحت هذه «الخريطة الصحيحة» للعالم؟

هنا تكمن نقطة علمية أساسية: لا توجد خريطة مسطحة واحدة صحيحة في كل شيء.

الأرض جسم ثلاثي الأبعاد، ولا يمكن فرد سطح كرة على مستطيل من الورق من دون تشويه شيء ما. إسقاط ميركاتور يحافظ جيداً على الزوايا والاتجاهات المحلية، لكنه يشوه المساحات. أما Equal Earth فيحافظ على النسب بين المساحات، لكنه لا يستطيع في الوقت نفسه الحفاظ بصورة مثالية على الأشكال والمسافات والاتجاهات.

لذلك لم تقل الأمم المتحدة إن ميركاتور «خريطة مزيفة»، ولم تحظر استخدامها. بل دعا قرارها إلى استخدام الخرائط المتساوية المساحة، ومنها Equal Earth، عندما يكون الهدف هو فهم الأحجام الحقيقية للدول والقارات، مع تعليم الطلاب أن كل إسقاط مسطح له حدود.

من الجغرافيا إلى السياسة

القضية لم تعد تقنية فقط. الاتحاد الأفريقي وحملة Correct the Map يعتبران أن استخدام ميركاتور خارج وظيفته الملاحية ساهم لعقود في «التقليل الرمزي» من أفريقيا، إذ جعل القارة تبدو أصغر من أوروبا وشمال العالم مقارنة بحجمها الحقيقي.

وكان الاتحاد الأفريقي قد تبنى رسمياً Equal Earth في فبراير/شباط 2026، ودعا دوله إلى إدخاله في المناهج التعليمية، قبل أن تنقل توغو القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويذهب مؤيدو المبادرة إلى أن الخرائط لا تنقل الجغرافيا فقط، بل تؤثر في المخيلة البشرية: فالحجم البصري قد يرتبط لا شعورياً بالأهمية والنفوذ والمركزية. ولهذا تعتبر حملة Correct the Map أن إعادة أفريقيا إلى حجمها النسبي الحقيقي قضية تتعلق أيضاً بكيفية رؤية العالم للقارة.

في المقابل، رفضت الولايات المتحدة هذا التأطير، وصوتت وحدها ضد القرار، معتبرة أن لغة «العدالة المعرفية» والتعويض عن الإرث التاريخي تمنح مسألة فنية بعداً أيديولوجياً أكبر من اللازم. أما الاتحاد الأوروبي فأيد القرار مع التأكيد أن تغيير طريقة الإسقاط لا علاقة له بالسيادة أو الحدود الدولية والنزاعات الإقليمية.

خريطة جديدة.. أم تصحيح لطريقة رؤيتنا للعالم؟

ربما يكون التعبير الأدق عن التطور الجديد هو أن العالم نفسه لم يتغير، لكن المقياس الذي ننظر إليه من خلاله تغير.

أفريقيا لم تصبح أكبر، وغرينلاند لم تنكمش، والسعودية لم تتسع، وبريطانيا لم تفقد ثلثي مساحتها. ما حدث هو إزالة جزء كبير من التشوه البصري الذي اعتادت عليه أجيال كاملة.

والنتيجة خريطة تبدو في البداية «غريبة» للعين: أفريقيا ضخمة، أوروبا أصغر، روسيا وكندا أقل هيمنة، غرينلاند صغيرة بصورة مفاجئة، وأميركا الجنوبية والهند والجزيرة العربية أكثر حضوراً.

لكن المفارقة أن الغريب في هذه الصورة ليس الخريطة الجديدة بقدر ما هو مدى اعتيادنا على الخريطة القديمة.

أوروبا تستيقظ متأخرة في سباق الفضاء.. هل تتحول التبعية لأميركا إلى تهديد استراتيجي؟

تواجه أوروبا فجوة متزايدة مع الولايات المتحدة والصين في سباق الفضاء، وسط تحذيرات من أن استمرار اعتماد القارة على قدرات خارجية في الإطلاق والأقمار الصناعية والرحلات المأهولة قد يتحول من مشكلة صناعية إلى تهديد مباشر للاتصالات والدفاع والأمن.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تحاول فيه العواصم الأوروبية إعادة صياغة طموحها الفضائي بعد تعثر مشروعات مشتركة مع وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”، وتصاعد الشكوك بشأن مدى إمكانية الاعتماد على واشنطن على المدى الطويل في قطاعات تعتبرها أوروبا اليوم جزءاً من سيادتها الاستراتيجية.

وبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، يتصدر هذا الملف قمة أوروبية في باريس هذا الأسبوع، حيث يناقش القادة مستقبل القدرات الفضائية المشتركة، وسط دعوات لبناء استقلال أوروبي أكبر في مجالات الصواريخ والأقمار الصناعية والرحلات المأهولة.

فجوة مع واشنطن وبكين

المشكلة الأساسية هي أن أوروبا، رغم امتلاكها قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة والصين في بعض أكثر عناصر القوة الفضائية حساسية.

فالولايات المتحدة والصين، إلى جانب روسيا، تمتلك القدرة على إرسال رواد فضاء إلى المدار بشكل مستقل، بينما لا تملك أوروبا هذه القدرة حتى الآن.

وقال المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية جوزيف أشباخر إن القارة بحاجة إلى اللحاق بالركب في القدرات والاستقلالية التكنولوجية، متسائلاً عن سبب عدم امتلاك أوروبا حتى اليوم وسيلة مستقلة لإرسال روادها إلى الفضاء.

وهنا يتجاوز النقاش البعد الرمزي.

فامتلاك وسيلة إطلاق مستقلة لا يتعلق فقط بإرسال رواد فضاء، بل يعني القدرة على نشر أقمار عسكرية واتصالات ومراقبة من دون الاعتماد على شركات أو حكومات أجنبية.

صدمة “ناسا”

ازدادت المخاوف الأوروبية بعد أن أدت تخفيضات موازنة وكالة “ناسا” في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إيقاف مشروع “Gateway”، وهو محطة كان من المخطط إنشاؤها في مدار القمر لتكون نقطة انطلاق لبعثات إلى سطحه.

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية وشركات أوروبية تشارك في المشروع بمكونات أساسية.

وبحسب فايننشال تايمز، جرى تعليق المشروع في مارس/آذار بطريقة تعني عملياً إلغاءه.

وتشكل هذه الخطوة بالنسبة إلى الأوروبيين أكثر من مجرد خسارة مشروع علمي.

فهي تذكر القارة بأن البرامج التي تعتمد على شريك خارجي يمكن أن تتغير فجأة مع تغير أولويات الإدارة السياسية في ذلك البلد.

ومن هنا أصبح السؤال في بروكسل والعواصم الأوروبية شبيهاً بما ظهر في قطاعات أخرى: هل يمكن بناء سيادة استراتيجية إذا ظلت القدرات الحيوية مرتبطة بقرارات واشنطن؟

الفضاء أصبح مسألة دفاع

تعكس التحولات الأخيرة تغيراً في النظرة إلى قطاع الفضاء نفسه.

ففي السابق كان يُقدَّم غالباً باعتباره مجالاً للعلوم والاستكشاف والاتصالات التجارية.

أما اليوم، فأصبحت الأقمار الصناعية أساسية في الاتصالات العسكرية وتحديد المواقع والاستخبارات والإنذار المبكر وتوجيه الأسلحة والطائرات المسيّرة.

وقد أكدت الحروب الحديثة أهمية شبكات الأقمار الصناعية في استمرار الاتصالات حتى عندما تتعرض البنية التحتية الأرضية للقصف أو الانقطاع.

ولهذا ينظر الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة إلى الفضاء باعتباره جزءاً من البنية الدفاعية للقارة، وليس قطاعاً منفصلاً عنها.

وتخطط ألمانيا وحدها لإنفاق نحو 35 مليار يورو على مشاريع دفاعية مرتبطة بالفضاء، بينما تعمل المفوضية الأوروبية على تطوير منظومة الأقمار الصناعية الآمنة “IRIS²”.

ومن المتوقع أن تبدأ أولى عمليات إطلاق هذه المنظومة في عام 2029.

المشكلة اسمها ستارلينك

أحد أبرز أسباب القلق الأوروبي هو النجاح الهائل لمنظومة “Starlink” التابعة لشركة “SpaceX”.

فالشبكة الأميركية تضم آلاف الأقمار الصناعية وتوفر اتصالات عالية السرعة في مناطق واسعة من العالم، وأظهرت قيمتها الاستراتيجية خلال الأزمات والحروب.

لكن هذا النجاح خلق أيضاً اعتماداً متزايداً على شركة أميركية خاصة.

ولهذا تحاول أوروبا بناء بديل خاص بها عبر “IRIS²”، الذي يفترض أن يوفر اتصالات حكومية وعسكرية وتجارية أكثر أماناً.

إلا أن الفارق في الحجم ما يزال كبيراً.

فشركة SpaceX لا تهيمن على شبكات الأقمار الصناعية فحسب، بل تسيطر أيضاً على جزء ضخم من سوق الإطلاق العالمي.

وقد أطلقت الشركة نحو 170 صاروخاً خلال العام الماضي، بينما تستطيع برامج الإطلاق الأوروبية مجتمعة تنفيذ نحو 12 رحلة سنوياً فقط.

عودة أريان 6.. لكنها ليست كافية

استعادت أوروبا في الفترة الأخيرة جزءاً من قدرتها المستقلة على الوصول إلى الفضاء مع زيادة عمليات إطلاق صاروخ “Ariane 6” الفرنسي وبرنامج “Vega” الإيطالي.

وتنطلق هذه الصواريخ من مركز الفضاء الأوروبي في غويانا الفرنسية.

كما حققت شركة “Isar Aerospace” الألمانية إنجازاً مهماً بعد أن أصبحت أول شركة تجارية تطلق صاروخاً إلى المدار من الأراضي الأوروبية.

لكن المشكلة أن القارة لا تزال متأخرة في الجيل المقبل من التكنولوجيا: الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام.

فنجاح SpaceX في إعادة استخدام المرحلة الأولى من صواريخ Falcon خفض تكلفة الإطلاق بشكل كبير وسمح للشركة بتنفيذ عمليات بوتيرة لا تستطيع الشركات الأوروبية منافستها حالياً.

وهكذا لا تتعلق الفجوة فقط بعدد الصواريخ، بل أيضاً باقتصاديات الإطلاق نفسها.

مشروع “برومو”

في مواجهة هذا الضغط، بدأت شركات الفضاء الأوروبية الكبرى محاولة توحيد قدراتها.

فشركات “Airbus” و”Thales” و”Leonardo” اتفقت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على دمج وحداتها الفضائية ضمن مشروع يحمل الاسم الرمزي “Bromo”.

ويجري حالياً التحضير للحصول على موافقة المفوضية الأوروبية المتعلقة بقواعد المنافسة.

والهدف واضح: إنشاء كيان أوروبي أكبر يستطيع منافسة الشركات الأميركية والصينية.

فالقطاع الأوروبي ظل لفترة طويلة مجزأ بين شركات ودول مختلفة، بينما ظهرت في الولايات المتحدة شركات ذات حجم هائل مثل SpaceX وBlue Origin.

ويعتقد مؤيدو الدمج أن أوروبا لن تستطيع المنافسة إذا استمرت كل دولة في تطوير قدراتها بمفردها.

هل يصبح الفضاء مشروعاً أوروبياً موحداً؟

هذا هو جوهر الرسالة التي يتوقع أن تقدمها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في قمة باريس.

فبحسب التقرير، ستؤكد أن الفضاء أصبح قطاعاً حيوياً بدرجة لا تسمح بتركه لكل دولة عضو على حدة.

وتتشابه هذه الرسالة مع النقاشات الأوروبية في مجالات أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والدفاع والحوسبة السحابية.

فالقارة بدأت تدرك أن امتلاك السوق الكبيرة وحده لا يكفي.

إذا لم تملك التكنولوجيا والبنية التحتية التي تعتمد عليها تلك السوق، فإنها تبقى معرضة لقرارات قوى خارجية.

ومن هنا يتحول مفهوم “السيادة الأوروبية” من شعار سياسي إلى قائمة من الأصول المادية: صواريخ، أقمار صناعية، مراكز بيانات، رقائق إلكترونية ومنظومات دفاع.

الصين تزيد الضغوط

لا تنظر أوروبا إلى الولايات المتحدة وحدها.

فالصين بدورها توسع برنامجها الفضائي بسرعة، مع تطوير محطات فضائية وأقمار صناعية وصواريخ وبرامج لاستكشاف القمر.

كما تعمل بكين على بناء منظومات مستقلة للملاحة والاتصالات والمراقبة.

وهذا يعني أن المنافسة الفضائية لم تعد ثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا كما كانت خلال الحرب الباردة.

بل أصبحت سوقاً وصراعاً استراتيجياً ثلاثياً تقريباً، بينما تحاول أوروبا ألا تتحول إلى مجرد مستخدم للتكنولوجيا التي يطورها الآخرون.

لماذا الآن؟

هناك ثلاثة عوامل تدفع أوروبا إلى التحرك.

الأول هو الحرب في أوكرانيا، التي أظهرت أن الفضاء أصبح جزءاً مباشراً من ساحة المعركة.

والثاني هو التوتر السياسي المتكرر مع واشنطن بشأن الدفاع وحلف الناتو والتجارة والتكنولوجيا.

أما الثالث فهو الصعود الصيني السريع.

وبذلك، بدأت أوروبا تنظر إلى اعتمادها على القدرات الأميركية بالطريقة نفسها التي نظرت بها سابقاً إلى اعتمادها على الغاز الروسي: قد يكون فعالاً في الظروف العادية، لكنه يصبح مصدر خطر عندما تتغير السياسة أو تبدأ الأزمة.

التحدي الأكبر: المال والسرعة

لكن المشكلة الأوروبية لا تكمن في نقص الخطط.

فالقارة لديها وكالات علمية وشركات متطورة وخبرات هندسية واسعة.

المشكلة هي تحويل هذه القدرات إلى حجم صناعي ينافس الولايات المتحدة والصين.

ويتطلب ذلك استثمارات بمليارات اليوروهات، إلى جانب قرارات أسرع بشأن المشتريات والعقود والتجارب.

كما تحتاج أوروبا إلى قبول قدر أكبر من المخاطر.

فالقطاع الأميركي، خصوصاً SpaceX، استفاد من نموذج يسمح بفشل التجارب والتعديل السريع.

أما البرامج الأوروبية فغالباً ما تخضع لعمليات تفاوض طويلة بين الحكومات، مع توزيع العقود والمكونات بين الدول الأعضاء.

وهذا النموذج يوفر توافقاً سياسياً لكنه يبطئ التنفيذ.

سباق على السيادة لا على القمر فقط

لهذا فإن قمة باريس لا تتعلق في حقيقتها بمن سيصل إلى القمر أولاً.

فالرهان أكبر بكثير.

من يملك بنية فضائية مستقلة يستطيع حماية اتصالاته ومراقبة حدوده وإدارة قواته العسكرية وتشغيل اقتصاده الرقمي من دون الاعتماد على طرف خارجي.

ومن لا يمتلكها يصبح معرضاً لانقطاع خدمة أو تغيير عقد أو قرار سياسي يصدر في عاصمة أخرى.

ولهذا فإن التأخر الأوروبي في الفضاء أصبح جزءاً من سؤال أوسع يواجه القارة في السنوات الأخيرة: كيف يمكن لأوروبا أن تتحدث عن استقلال استراتيجي إذا كانت لا تزال تعتمد على الآخرين في التقنيات التي أصبحت أساساً للأمن الحديث؟

قد تكون أريان 6 وIRIS² واندماج الشركات الأوروبية خطوات في الاتجاه الصحيح.

لكن الفارق مع الولايات المتحدة والصين ما يزال كبيراً، والوقت الذي تحتاجه أوروبا للحاق بهما قد يكون العامل الأكثر خطورة.

فالفضاء لم يعد ساحة مستقبلية بعيدة، بل أصبح بالفعل جزءاً من الاقتصاد والحرب والسيادة.

والتحدي الأوروبي اليوم ليس أن تصبح القارة قوة فضائية مثل أميركا أو الصين فحسب، بل أن تتجنب الوصول إلى لحظة تكتشف فيها أن جزءاً أساسياً من أمنها يعتمد على صاروخ أو قمر صناعي أو شركة لا تملك السيطرة عليها.

صعود الين يهز الأسواق.. هل بدأت نهاية تجارة التمويل اليابانية الرخيصة؟

عاد الين الياباني إلى قلب الأسواق العالمية بعد ارتفاعه إلى أقوى مستوياته منذ فبراير/شباط، مدفوعاً بتزايد الرهانات على رفع جديد للفائدة من بنك اليابان الأسبوع المقبل، في حركة أعادت المخاوف من تفكك واحدة من أكثر الاستراتيجيات المالية انتشاراً في العالم: الاقتراض بالين الرخيص واستثمار الأموال في أصول أعلى عائداً.

وصعد الين إلى نحو 152.9 مقابل الدولار، بعدما كان قد هبط في يوليو/تموز إلى أدنى مستوى في نحو أربعة عقود قرب 164 يناً للدولار، وهو ما دفع حينها السلطات اليابانية والأميركية إلى التدخل لدعم العملة. واليوم، تتحرك السوق في الاتجاه المعاكس، إذ يسارع مستثمرون إلى تقليص رهاناتهم على ضعف الين قبل اجتماع بنك اليابان في 17 و18 سبتمبر/أيلول.

لكن أهمية ما يحدث تتجاوز سعر صرف العملة اليابانية نفسها.

فالين ظل لعقود إحدى أهم عملات التمويل في العالم، بسبب أسعار الفائدة شديدة الانخفاض في اليابان. وكان المستثمر يستطيع الاقتراض بالين بكلفة محدودة، ثم تحويل الأموال إلى الدولار أو عملات أخرى وشراء سندات أو أسهم أو أصول تقدم عائداً أعلى.

وهذه الاستراتيجية المعروفة باسم Carry Trade تكون مربحة طالما بقي الين ضعيفاً والفائدة اليابانية منخفضة.

أما عندما يرتفع الين وتزداد تكلفة الاقتراض في اليابان، تبدأ المعادلة في الانقلاب.

لماذا يرتفع الين الآن؟

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تقف خلف التحول.

الأول هو توقع الأسواق أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس الأسبوع المقبل، من 1% إلى 1.25%.

وتسعر الأسواق حالياً احتمالاً يقارب 97% إلى 98% لهذه الخطوة، بعد أن كانت احتمالات الرفع أقل بكثير قبل شهر.

أما العامل الثاني فهو تحسن البيانات الاقتصادية اليابانية.

فأظهرت بيانات حكومية أن الاقتصاد نما بمعدل سنوي قدره 1.4% في الربع الثاني من 2026، بعد تعديل القراءة الأولية البالغة 1.1%.

كما ارتفعت الأجور الحقيقية في يوليو/تموز بنسبة 2.4% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة منذ مايو/أيار 2021، وللشهر السابع على التوالي.

وهذه الأرقام تمنح بنك اليابان مساحة أكبر لمواصلة رفع الفائدة من دون الخوف من دفع الاقتصاد سريعاً نحو الركود.

أما العامل الثالث فهو التضخم.

فارتفاع أسعار الطاقة بسبب الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب ضعف الين خلال الأشهر السابقة وارتفاع تكاليف الواردات، يزيد الضغط على البنك المركزي لمنع عودة التضخم بصورة أقوى.

نهاية عصر الفائدة الصفرية

لفهم أهمية التطورات الحالية، يجب العودة إلى خصوصية اليابان.

فعلى مدى عقود، عاش الاقتصاد الياباني في بيئة انكماش أو تضخم شديد الانخفاض، ما دفع بنك اليابان إلى تبني أسعار فائدة قرب الصفر وأحياناً سالبة.

لكن هذه المرحلة بدأت تنتهي.

وبدأ البنك دورة رفع للفائدة في 2024، قبل أن يصل السعر الأساسي إلى 1% في يونيو/حزيران 2026، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً.

والآن يرجح أن يرتفع إلى 1.25%، مع توقعات بتحركات إضافية قد تصل بالفائدة إلى 1.5% بحلول بداية العام المقبل.

وهنا يتغير دور اليابان في النظام المالي العالمي.

فبدلاً من أن تكون مصدراً شبه مجاني لرأس المال، قد تصبح تدريجياً سوقاً تستطيع تقديم عوائد مغرية للمستثمر الياباني داخل بلاده.

ما هي تجارة الـCarry Trade؟

لنفترض أن مستثمراً كان يستطيع الاقتراض في اليابان بفائدة 0.5% ثم شراء سندات أميركية بعائد 4.5%.

الفارق بين الفائدتين يصبح مصدراً للربح.

وإذا بقي سعر صرف الين مستقراً أو انخفض، تصبح الصفقة أكثر ربحية.

ولهذا تمول الأموال اليابانية استثمارات حول العالم، من السندات الأميركية إلى الأسهم والأسواق الناشئة والعملات ذات العائد المرتفع.

لكن إذا ارتفع الين بسرعة، فقد يمحو مكسب سعر الصرف كل فارق الفائدة.

وعندها يحتاج المستثمر إلى بيع الأصل الذي اشتراه في الخارج، وشراء الين مجدداً لسداد قرضه.

وهذا ما يسمى فك صفقات الكاري تريد.

2.35 تريليون دولار في الخلفية

لا توجد طريقة دقيقة لحساب الحجم الحقيقي لجميع صفقات التمويل بالين، لأن جزءاً كبيراً منها يتم عبر أدوات مشتقة وأسواق خاصة.

لكن بيانات حللتها “جيفريز” اعتماداً على بنك التسويات الدولية تشير إلى أن الاقتراض بالين عبر الحدود وصل إلى مستوى قياسي بلغ 360 تريليون ين، أي نحو 2.35 تريليون دولار، حتى مارس/آذار.

وهو أكبر تراكم لمثل هذا الاقتراض خلال ثلاثة عقود.

ولا يعني ذلك أن الـ2.35 تريليون دولار كلها رهانات مضاربية مباشرة.

لكنه يعطي مؤشراً إلى حجم الأموال التي قد تصبح أكثر حساسية إذا تغيرت تكلفة التمويل الياباني وسعر صرف الين في الوقت نفسه.

ولهذا يراقب المستثمرون التحرك الحالي بحذر.

لماذا قد يتأثر العالم؟

إذا بدأ المستثمرون في إغلاق صفقات ممولة بالين، فإنهم لا يبيعون الين، بل يفعلون العكس.

يبيعون الأصول الأجنبية التي اشتروها، ثم يشترون الين لإعادة الأموال إلى اليابان.

وهذا يمكن أن يضغط على مجموعة واسعة من الأسواق.

قد تتراجع الأسهم، وتنخفض بعض العملات ذات العائد المرتفع، وترتفع التقلبات في أسواق السندات.

وقد ظهرت بعض هذه العلامات بالفعل.

فالين ارتفع بنحو 5% منذ بداية سبتمبر/أيلول أمام عملات كانت مفضلة في صفقات الكاري تريد مثل البيزو المكسيكي والليرة التركية، بينما قفزت تقلبات زوج الدولار-ين إلى أعلى مستوى في ستة أشهر.

كما تعرض مؤشر نيكاي الياباني لضغوط مع ارتفاع العملة، لأن الين القوي يضغط على أرباح الشركات اليابانية المصدرة عند تحويل مبيعاتها الخارجية إلى العملة المحلية.

شبح أغسطس 2024

المخاوف الحالية تعيد إلى الأذهان ما حدث في أغسطس/آب 2024.

فعندما رفع بنك اليابان الفائدة وارتفع الين بسرعة، تعرضت صفقات التمويل اليابانية لتفكك مفاجئ، وانتقلت الضغوط إلى أسواق الأسهم العالمية خلال أيام.

هذه التجربة لا تزال حاضرة في أذهان المتداولين.

لكن الفارق هذه المرة أن الأسواق تتوقع رفع الفائدة مسبقاً، بدلاً من أن تفاجأ به.

ولهذا يرى بعض المحللين أن فك المراكز قد يكون أكثر تدريجية.

لكن هناك أيضاً عامل يزيد المخاطر: حجم المراكز أصبح كبيراً جداً.

فإذا دفع المزيد من ارتفاع الين المستثمرين إلى إغلاق رهاناتهم، يمكن أن تتحول الحركة تدريجياً إلى عملية ذاتية التسارع: شراء الين يؤدي إلى ارتفاعه، وارتفاعه يؤدي إلى المزيد من إغلاق الصفقات، ثم مزيد من شراء الين.

ماذا لو وصل الين إلى 145؟

يتوقع بعض المحللين أن استمرار تصفية المراكز يمكن أن يدفع الدولار إلى منطقة منتصف 140 يناً.

وهذا سيكون تحولاً ضخماً مقارنة بمستويات قرب 164 في يوليو.

لكن الوصول إلى هذا المستوى سيعتمد بدرجة كبيرة على ما سيقوله بنك اليابان بعد اجتماعه.

فإذا رفع الفائدة وأشار إلى استمرار التشديد بوتيرة أسرع، فقد تستمر قوة الين.

أما إذا جاءت لهجة البنك أكثر حذراً من توقعات السوق، فقد ينعكس جزء من الارتفاع سريعاً.

وهنا تكمن المفارقة: الأسواق ربما أصبحت متشددة في توقعاتها إلى درجة أن رفعاً عادياً بمقدار 25 نقطة أساس قد لا يكون كافياً لدعم الين إذا لم يترافق مع إشارات واضحة إلى زيادات إضافية.

لماذا لا يرفع بنك اليابان 50 نقطة أساس؟

ظهرت تكهنات بأن البنك قد يفاجئ الأسواق برفع أكبر بمقدار نصف نقطة مئوية.

لكن رويترز نقلت عن مصادر مطلعة على تفكير البنك أنه لا يوجد ميل قوي إلى هذه الخطوة.

فالبنك يفضل التحرك تدريجياً حتى لا يصدم اقتصاداً اعتاد لعقود على الاقتراض شديد الرخص.

كما يخشى أن يعطي رفعاً كبيراً انطباعاً بأن البنك فقد السيطرة على التضخم واضطر إلى التحرك بصورة متأخرة.

ولهذا يبقى السيناريو الأساسي هو رفع الفائدة إلى 1.25%، ثم التحرك مجدداً في ديسمبر/كانون الأول أو مطلع 2027 إذا استمرت ضغوط الأسعار.

اليابان قد تعيد أموالها إلى الداخل

لكن الخطر الأكبر على الأسواق العالمية قد لا يأتي من المضاربين وحدهم.

فالمستثمرون اليابانيون التقليديون، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد والبنوك، يمتلكون كميات ضخمة من الأصول الخارجية.

وطوال سنوات، دفعتهم العوائد المنخفضة داخل اليابان إلى الاستثمار في السندات الأميركية والأوروبية وغيرها.

أما اليوم، فعوائد السندات اليابانية نفسها ارتفعت إلى مستويات هي الأعلى منذ نحو ثلاثة عقود.

وهذا يعني أن المستثمر الياباني لم يعد مضطراً بالدرجة نفسها إلى تحمل مخاطر العملة والسفر برأس ماله إلى الخارج للحصول على عائد.

وكما قال أحد مديري الاستثمار لرويترز، أصبح للأموال الآن مكان يمكن أن تعود إليه داخل اليابان.

وهذا قد تكون له تداعيات مهمة على الطلب العالمي على السندات.

ماذا عن سندات الخزانة الأميركية؟

اليابان واحدة من أكبر حائزي سندات الخزانة الأميركية في العالم.

ولذلك فإن ارتفاع العوائد المحلية يمكن أن يقلل الحافز لدى المؤسسات اليابانية لزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة.

ولا يعني ذلك أنها ستبيع سنداتها الأميركية بصورة جماعية.

لكن حتى تغير نسبي في توزيع المحافظ يصبح مهماً في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى جذب مشترين لكميات ضخمة من الدين لتمويل العجز وإعادة تمويل السندات المستحقة.

ومن هنا يتقاطع صعود الين مع قصة أخرى تحدث في الأسواق حالياً: ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي عالمياً.

فإذا أصبحت الأموال اليابانية أقل وفرة في الخارج في الوقت نفسه الذي تصدر فيه الحكومات المزيد من الديون، فقد يضيف ذلك ضغطاً صعودياً على العوائد.

النفط يزيد المشكلة تعقيداً

التوقيت نفسه حساس بالنسبة إلى البنوك المركزية.

فأسعار خام برنت عادت تقترب من 100 دولار للبرميل بسبب تصاعد الصراع مع إيران والهجمات الحوثية على منشآت الطاقة السعودية.

وارتفاع النفط يعني مزيداً من مخاطر التضخم.

وهذا يجعل خفض أسعار الفائدة أصعب، بل يدفع الأسواق إلى توقع زيادات إضافية في بعض الاقتصادات.

وبذلك تجتمع ثلاثة عوامل في الوقت نفسه: نمو عالمي أكثر قوة مما كان متوقعاً، وارتفاع في أسعار الطاقة، وفائدة مرشحة للبقاء مرتفعة.

وهذه ليست بالضرورة بيئة مريحة للأسواق التي اعتادت على توقع خفض الفائدة.

آسيا تتحرك مع الين

ولم يكن الين العملة الآسيوية الوحيدة التي ارتفعت أمام الدولار.

فاليوان الصيني والوون الكوري حققا مكاسب أيضاً، بالتزامن مع بيانات تجارية صينية قوية.

فقد قفزت صادرات الصين 25% على أساس سنوي في أغسطس/آب، وبلغ الفائض التجاري الشهري نحو 119 مليار دولار، مدفوعاً خصوصاً بصادرات التكنولوجيا والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وهذا يعزز صورة اقتصاد آسيوي أكثر قوة، ويقلل في الوقت نفسه من الفارق في السياسة النقدية الذي دعم الدولار خلال سنوات.

هل انتهت الـCarry Trade؟

ليس بعد.

حتى بعد رفع الفائدة اليابانية، ستظل هناك فروق كبيرة بين العوائد في اليابان وأسواق أخرى.

ولهذا يمكن أن تبقى صفقات التمويل بالين مربحة.

لكن الذي تغير هو طبيعة المخاطرة.

فالفكرة القديمة كانت تقوم على افتراض أن الفائدة اليابانية ستظل منخفضة جداً وأن الين سيبقى ضعيفاً.

هذا الافتراض لم يعد مضموناً.

وبالتالي، كما يقول محللون، لم تعد الـCarry Trade “غداءً مجانياً”.

أصبحت تتضمن إلى جانب مخاطر السوق مخاطر سياسة نقدية وتدخل حكومي وسعر صرف أكثر حدة.

من عملة ضعيفة إلى مصدر اضطراب عالمي

التحول الذي تشهده اليابان ربما يكون أكبر من رفع للفائدة بمقدار ربع نقطة.

فعلى مدى عقود، كان أحد الثوابت في النظام المالي العالمي هو وجود اقتصاد ضخم يوفر رأس مال منخفض التكلفة ويصدر جزءاً كبيراً منه إلى الخارج.

إذا بدأت هذه المعادلة في التغير، فقد يتغير معها سلوك تريليونات الدولارات من الاستثمارات.

ولهذا فإن السؤال أمام الأسواق ليس فقط ما إذا كان الين سيصل إلى 150 أو 145 مقابل الدولار.

السؤال الأكبر هو ما إذا كانت اليابان تدخل بالفعل مرحلة يصبح فيها الاحتفاظ بالأموال داخل البلاد مجدياً مرة أخرى.

فإذا كان الجواب نعم، فإن نهاية عصر الين الرخيص لن تكون قصة يابانية فقط.

قد تعني أيضاً ارتفاع تكلفة المال في أماكن أخرى من العالم، وتراجع بعض السيولة التي دعمت الأسهم والسندات والعملات لسنوات، وإعادة ترتيب واسعة للمحافظ الاستثمارية العالمية.

والاختبار الأول لهذه الفرضية سيكون اجتماع بنك اليابان في 17 و18 سبتمبر/أيلول.

حينها لن تراقب الأسواق قرار الفائدة اليابانية فقط، بل ستبحث عن إجابة لسؤال أكبر: هل بدأ فعلاً تفكيك واحدة من أكبر آلات التمويل الرخيص في النظام المالي العالمي؟

الشركات الألمانية تعزز استثماراتها في الصين وتتراجع بقوة في الولايات المتحدة

رفعت الشركات الألمانية استثماراتها في الصين خلال النصف الأول من عام 2026، في وقت خفضت فيه استثماراتها في الولايات المتحدة بصورة حادة، في تحول يعكس استمرار جاذبية السوق الصينية للصناعة الألمانية رغم تصاعد التوترات التجارية والمخاوف الأوروبية من المنافسة المدعومة حكوميا.

وبحسب دراسة أعدها المعهد الاقتصادي الألماني (IW) استنادا إلى بيانات البنك المركزي الألماني، زادت استثمارات الشركات الألمانية في الصين بنحو 5.6 مليارات يورو، أي ما يعادل نحو 6.5 مليارات دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وجاء مستوى الاستثمار في الصين متماشيا تقريبا مع متوسط الاستثمارات نصف السنوية المسجلة بين عامي 2020 و2025، ما يشير إلى أن الشركات الألمانية لم تتجه إلى تقليص حضورها في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، رغم الدعوات الأوروبية المتكررة إلى خفض المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الصين.

في المقابل، تراجعت استثمارات الشركات الألمانية في الولايات المتحدة بنحو الثلثين، لتصل إلى قرابة 4.3 مليارات يورو خلال النصف الأول من العام، في ظل التوترات التجارية والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويرى المعهد الاقتصادي الألماني أن التباين بين المسارين الصيني والأميركي يعكس مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية التي تدفع الشركات الألمانية إلى تعزيز وجودها داخل الصين.

وقال يورغن ماتيس، الخبير في المعهد، إن الشركات الألمانية تملك هامشا محدودا للمناورة عندما يتعلق الأمر بالسوق الصينية، إذ لا تزال الصين تمثل بالنسبة إليها سوقا رئيسية للمبيعات، إلى جانب كونها بيئة تنافسية تدفع الشركات إلى تطوير قدراتها.

ووصف ماتيس السوق الصينية بأنها بمثابة “صالة تدريب” للشركات، تستطيع من خلالها بناء قدراتها التنافسية في مواجهة الشركات الصينية، التي باتت تنافس المصنعين الأوروبيين ليس فقط داخل الصين وإنما في الأسواق العالمية أيضا.

غير أن الدراسة تربط هذا التوسع أيضا بمزايا تنافسية تعتبرها غير عادلة، وفي مقدمتها الدعم الحكومي الذي تحصل عليه الشركات في الصين، إلى جانب ما وصفه ماتيس بانخفاض قيمة اليوان، وهو ما يجعل تكاليف الإنتاج داخل الصين منخفضة بصورة مصطنعة مقارنة بمنافسين في دول أخرى.

وبحسب هذا التقدير، فإن الشركات الألمانية تجد نفسها مضطرة إلى زيادة إنتاجها واستثماراتها محليا في الصين حتى تتمكن من منافسة نظيراتها الصينية من حيث الأسعار والتكاليف، سواء في السوق الصينية أو خارجها.

لكن هذا الاتجاه يثير في الوقت نفسه مخاوف داخل ألمانيا، إذ حذر ماتيس من أن زيادة الاستثمار الصناعي الألماني في الصين تعني أن جزءا أكبر من الإنتاج وفرص العمل قد ينتقل تدريجيا من ألمانيا إلى السوق الصينية.

ودعا الخبير الاتحاد الأوروبي إلى الرد على ما وصفه بالمنافسة غير العادلة من خلال فرض رسوم تعويضية على الواردات الصينية، بهدف الحد من أثر الدعم الحكومي والمزايا السعرية التي تتمتع بها الشركات الصينية.

وتعكس الأرقام مفارقة واضحة في توجهات الاستثمار الألماني خلال 2026. ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى جذب مزيد من رؤوس الأموال الأوروبية، ساهمت التوترات التجارية والرسوم الأميركية في تقليص الاستثمارات الألمانية هناك، بينما دفعت المنافسة داخل الصين الشركات الألمانية إلى زيادة انخراطها في السوق المحلية بدلا من الانسحاب منها.

وبذلك، تكشف الدراسة عن معضلة تواجه الاقتصاد الألماني: فمن ناحية، تريد برلين والاتحاد الأوروبي تقليل الاعتماد الاقتصادي على الصين وحماية الصناعة الأوروبية، ومن ناحية أخرى لا تزال الشركات الألمانية تعتبر الوجود داخل السوق الصينية ضروريا للحفاظ على مبيعاتها وقدرتها التنافسية عالميا.

ويشير هذا الاتجاه إلى أن سياسة “خفض المخاطر” مع الصين لا تعني بالضرورة تراجع الاستثمارات الألمانية فيها، بل قد تترافق، على الأقل في بعض القطاعات، مع زيادة الاستثمار والإنتاج المحلي داخل الصين لمواجهة صعود الشركات الصينية نفسها.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى