نحن والعالم

نحن والعالم عدد 11 يونيو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 24 مايو 2026 – 11 يونيو 2026، والتي تضمنت فترة عطلة عيد الأضحى المبارك، وكل عام وأنتم بخير.

تناول التقرير أبرز التحولات في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وفي مقدمتها تداعيات الحرب مع إيران على شبكة القواعد العسكرية الأميركية والدول المضيفة.

كما رصدت اتساع الخلاف بين ترامب ونتنياهو حول إدارة الحرب، بالتزامن مع قلق داخل البنتاغون من نشاط استخباراتي إسرائيلي ضد مسؤولين أميركيين.

وسلّط الضوء على صعود الحضور العربي والمسلم في الانتخابات التمهيدية الأميركية، وظهور لجنة “أميركان برايورتيز” كلوبي انتخابي مؤيد للفلسطينيين في مواجهة نفوذ “أيباك”.

كما تناول تحركات الكونغرس لتعميق التعاون الدفاعي مع إسرائيل، إلى جانب مساعي إدارة ترامب لإعادة بناء سياسة الرسوم الجمركية بعد تعثرها أمام القضاء.

تناول التقرير أيضاً الخلافات والتصدعات المتنامية في حزب الشعب الجمهوري التركي، ورصد العلاقات المتنامية بين تركيا وأرمينيا بعد عقود من الخلافات والتوترات.

رصد التقرير  المخاوف المتزايدة في بريطانيا من تنامي نفوذ شركة بالانتير الأمريكية في السيطرة على بيانات القطاع الصحي البريطاني، بالنظر للأجندة المثيرة للجدل التي تتبناها الشركة وعلاقاتها الاستخبارية ودورها في منظومة التحكم العالمي الجديدة.

رصد التقرير أيضا تصاعد المخاوف العالمية من الأثار  السلبية على الاقتصاد العالمي نتيجة استمرار الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

في النهاية رصد عدداً من التطورات على الساحة العربية في السودان والعراق، فضلاً عن التطورات المؤثرة على الساحة السياسية في عدد من الدول الإفريقية مثل السنغال ونيجيريا وتنزانيا.

أمريكا

يركز قسم الأخبار الأمريكية على تحولات عميقة في علاقة واشنطن بالشرق الأوسط، بدءاً من تداعيات الحرب مع إيران على شبكة القواعد الأميركية، حيث باتت الدول المضيفة أكثر عرضة للرد الانتقامي وأكثر تردداً في منح واشنطن حرية الوصول العسكري.

 كما يبرز التباين المتزايد بين ترامب ونتنياهو، إذ تسعى واشنطن إلى إنهاء الحرب واحتواء كلفتها الاقتصادية والسياسية، بينما تميل إسرائيل إلى مواصلة التصعيد ضد إيران وحزب الله. ويتناول القسم أيضاً قلق البنتاغون من نشاط تجسسي إسرائيلي ضد مسؤولين أميركيين، ما يعكس حدود الثقة داخل التحالف رغم التنسيق العسكري الواسع.

 وفي الداخل الأميركي، تظهر الانتخابات التمهيدية صعوداً لافتاً للمرشحين العرب والمسلمين وللتيار المؤيد لفلسطين، بالتوازي مع ظهور لجنة “أميركان برايورتيز” كلوبي انتخابي جديد يتحدى نفوذ “أيباك”.

ويختتم القسم برصد اتجاهين متوازيين: محاولة الكونغرس تعميق الاندماج الدفاعي مع إسرائيل، وسعي إدارة ترامب لإعادة بناء سياسة الرسوم الجمركية بعد تعثرها أمام القضاء.

كلفة الحروب الأمريكية على الدول المضيفة: هل تغيّر إيران قواعد اللعبة بشكل استراتيجي؟

لا تزال دوافع الإدارة الأمريكية لخوض الحرب ضد إيران محل نقاش واسع، بين من يربطها بالبرنامج النووي الإيراني، ومن يقرأها في إطار إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة. غير أن زاوية أساسية غالباً ما تغيب عن هذا الجدل، وهي أن الولايات المتحدة استطاعت خوض حرب على بعد آلاف الأميال من أراضيها لأنها تملك شبكة عالمية من القواعد والتسهيلات العسكرية التي تمنحها قدرة شبه دائمة على الوصول إلى مناطق الصراع. هذا الموضوع ناقشته مؤخراً الكاتبة راتشيل ميتز في مقال نشرته مجلة الفورين أفيرز في 5 يونيو 2026.

فمن الناحية العسكرية البحتة، لا يفترض أن يكون إسقاط القوة على مسافات بعيدة مهمة سهلة، حتى بالنسبة إلى الدول الكبرى. فالطائرات تحتاج إلى قواعد قريبة أو إلى عمليات تزوّد بالوقود، والذخائر والمعدات تحتاج إلى خطوط إمداد طويلة ومعقدة، والقوات المنتشرة بعيداً عن أراضيها تحتاج إلى موانئ ومطارات ومنشآت صيانة وخدمات لوجستية مستمرة. لكن الولايات المتحدة نجحت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في تحويل هذه العقبات إلى مسألة قابلة للإدارة، بفضل شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الذين سمحوا لها باستخدام أراضيهم ومجالاتهم الجوية وموانئهم في أوقات الحرب.

خلال العقود الماضية، خاضت واشنطن عمليات عسكرية واسعة في مناطق متعددة من العالم، من أفغانستان والعراق إلى البلقان وليبيا وسوريا واليمن والصومال. ولم تكن هذه القدرة نابعة فقط من قوة الجيش الأمريكي، بل من البنية العالمية التي تتيح له الاقتراب من ساحات القتال وكأنها تقع على حدوده المباشرة. فالقواعد والتسهيلات الأجنبية لا تمنح واشنطن مواقع للتمركز فحسب، بل تختصر المسافات، وتخفف كلفة العمليات، وتمنح صانع القرار الأمريكي هامشاً أوسع للجوء إلى القوة.

الوصول العسكري بوصفه سر القوة الأمريكية

تكمن إحدى أهم ميزات القوة الأمريكية في ما يعرف بـ“حق الوصول في زمن الحرب”، أي سماح الدول المضيفة للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها أو أجوائها أو موانئها لتنفيذ عمليات عسكرية مباشرة أو تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي. وقد يتخذ هذا الوصول أشكالاً مختلفة؛ فقد تسمح دولة ما بمرور الطائرات دون السماح بانطلاق هجمات من أراضيها، وقد توافق أخرى على عمليات دعم فقط دون عمليات قتالية، بينما تمنح دول أخرى تفويضاً أوسع يشمل القواعد الجوية والموانئ ومنشآت المراقبة والاستخبارات.

هذا الحق كان عنصراً حاسماً في أغلب الحروب الأمريكية الحديثة. ففي أفغانستان، احتاجت واشنطن إلى تعاون دول مجاورة لتسهيل الغزو والعمليات اللاحقة. وفي العراق عام 2003، مثّلت الكويت نقطة الانطلاق الرئيسية للقوات الأمريكية، كما لعبت الأردن ودول أخرى أدواراً مساندة. وحتى في عمليات أبعد زمنياً، مثل الضربة الأمريكية ضد ليبيا عام 1986، اعتمدت واشنطن على قواعد في دول حليفة (من بريطانيا).

بهذا المعنى، لا تتحرك القوة الأمريكية في فراغ. فكل ضربة بعيدة، وكل حشد عسكري واسع، وكل عملية بحرية أو جوية طويلة المدى، تعتمد بدرجة أو بأخرى على قرار سياسي تتخذه دولة مضيفة بالسماح للقوات الأمريكية بالعمل من أراضيها أو عبر مجالها الحيوي.

إيران تكشف هشاشة المعادلة

في الحرب الأخيرة مع إيران، عادت هذه الحقيقة إلى الواجهة بقوة. فقد احتاجت الولايات المتحدة إلى شبكة من القواعد والتسهيلات في الشرق الأوسط وخارجه لنقل الطائرات، وتوزيع القوات، وتأمين عمليات التزود بالوقود، وتشغيل منظومات الاستخبارات والمراقبة، ودعم القطع البحرية في المنطقة.

استخدمت واشنطن قواعد جوية في الخليج وشرق المتوسط، واستفادت من موانئ قريبة لتأمين حاملات الطائرات والسفن الحربية، كما اعتمدت على منشآت لوجستية واستخباراتية في دول عدة. ورغم أن كثيراً من الحكومات لم تعلن تفاصيل تعاونها بشكل صريح، فإن حجم التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة كان كافياً لإظهار أن العملية لم تكن ممكنة دون تسهيلات واسعة من الدول المضيفة.

لكن الحرب مع إيران حملت اختلافاً جوهرياً عن حروب أمريكية سابقة: الدول التي منحت واشنطن حق الوصول لم تعد بمنأى عن الرد الانتقامي. فقد وجّهت إيران ضربات صاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد قواعد ومنشآت في دول اعتبرتها داعمة للجهد الحربي الأمريكي. وبذلك تحولت بعض الدول المضيفة من مجرد منصات لوجستية إلى جزء من ساحة المواجهة.

هذا التحول قد يترك أثراً عميقاً في حسابات الحلفاء والشركاء. فالسؤال الذي كان يدور سابقاً حول المكاسب السياسية والعسكرية من التعاون مع واشنطن، بات اليوم مرتبطاً بكلفة مباشرة: هل تستحق استضافة القوات الأمريكية احتمال التعرض لضربات صاروخية أو هجمات بالطائرات المسيّرة؟

مأزق الدول المضيفة

تواجه الدول المضيفة معضلة صعبة. فمن جهة، يوفر التعاون العسكري مع الولايات المتحدة مظلة أمنية، وامتيازات سياسية، وعلاقات استراتيجية قد تكون ضرورية في بيئات إقليمية مضطربة. ومن جهة أخرى، فإن السماح للجيش الأمريكي باستخدام الأراضي أو القواعد في زمن الحرب قد يجعل هذه الدول هدفاً مباشراً لخصوم واشنطن.

في الماضي، كانت كثير من الدول تراهن على أن التفوق الأمريكي قادر على ردع الخصوم أو حمايتها من الانتقام. لكن انتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة الرخيصة نسبياً غيّر هذه المعادلة. فالخصوم لم يعودوا بحاجة إلى قوة جوية تقليدية لمهاجمة القواعد والمنشآت؛ يكفيهم إطلاق موجات من المسيّرات والصواريخ لإرباك الدفاعات وإلحاق أضرار اقتصادية وعسكرية وسياسية.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون كلفة الهجوم أقل بكثير من كلفة الدفاع. فاعتراض طائرة مسيّرة رخيصة قد يتطلب صاروخاً دفاعياً باهظ الثمن، ما يجعل حماية كل قاعدة ومطار وميناء ومنشأة حيوية مهمة مكلفة ومرهقة حتى بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

دروس محتملة لما بعد الحرب

قد تدفع تجربة الحرب مع إيران دولاً كثيرة إلى إعادة التفكير في شروط استضافة القوات الأمريكية. فبدل منح واشنطن وصولاً واسعاً ومفتوحاً، قد تطالب هذه الدول بقيود أوضح وضمانات أكبر، مثل حصر استخدام القواعد في العمليات الدفاعية، أو منع الهجمات المباشرة من أراضيها، أو الحصول على أنظمة دفاع جوي إضافية، أو ضمانات سياسية وأمنية أكثر صرامة.

وقد تذهب بعض الدول إلى أبعد من ذلك، فتفضّل عدم التورط أصلاً في حروب أمريكية لا ترى فيها مصلحة مباشرة. هذا الاحتمال لا يعني نهاية التحالفات الأمريكية، لكنه قد يحد من قدرة واشنطن على التحرك بسرعة وحرية كما اعتادت.

اللافت أن بعض الحلفاء سبق أن رفضوا أو قيّدوا الوصول العسكري الأمريكي في محطات سابقة. تركيا، مثلاً، رفضت عام 2003 السماح بفتح جبهة شمالية ضد العراق من أراضيها. كما شهدت عمليات أمريكية أخرى تحفظات من دول أوروبية أو إقليمية على استخدام قواعدها ومجالاتها الجوية. غير أن الحرب مع إيران قد تجعل هذه التحفظات أكثر شيوعاً، لأنها أبرزت بشكل مباشر كلفة استضافة العمليات الأمريكية.

انعكاسات عالمية تتجاوز الشرق الأوسط

لا تقتصر تداعيات هذه المسألة على الشرق الأوسط. ففي أي مواجهة محتملة مع الصين حول تايوان، ستحتاج الولايات المتحدة إلى قواعد وتسهيلات في دول مثل اليابان وأستراليا وربما الفلبين وكوريا الجنوبية. لكن هذه الدول ستسأل نفسها: هل سيؤدي السماح للطائرات الأمريكية بالعمل من أراضينا إلى تعريض مدننا وقواعدنا وبنيتنا التحتية لهجمات صينية؟

هذا السؤال قد يكون حاسماً في مستقبل النفوذ العسكري الأمريكي. فإذا بدأت الدول الحليفة في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط بوضع قيود صارمة على الوصول العسكري، فإن قدرة واشنطن على التدخل السريع والواسع ستتراجع. عندها لن تكون المشكلة في حجم الجيش الأمريكي أو قدراته التقنية فقط، بل في غياب المنصات الجغرافية والسياسية التي تسمح له باستخدام هذه القدرات بفاعلية.

هل يكون التقييد مفيداً؟

من منظور أمريكي تقليدي، قد يبدو تراجع حرية الوصول العسكري خسارة استراتيجية كبيرة، لأنه يحد من قدرة واشنطن على الردع والتدخل وحماية الحلفاء. لكن من زاوية أخرى، قد يكون لهذا التراجع أثر إيجابي، إذ قد يدفع الولايات المتحدة إلى التفكير ملياً قبل اللجوء إلى الحرب.

فحين تكون كلفة العمليات العسكرية منخفضة نسبياً وسهلة التنفيذ، يصبح استخدام القوة خياراً أكثر إغراءً لصناع القرار. أما عندما تصبح العمليات أكثر صعوبة، وتتطلب موافقات معقدة، وضمانات أكبر، وتحمل كلفة سياسية على الحلفاء، فقد تقل احتمالات التورط في حروب غير محسوبة.

بهذا المعنى، قد لا تؤدي تجربة إيران فقط إلى إعادة رسم علاقة واشنطن بحلفائها، بل قد تفرض أيضاً مراجعة أوسع لطريقة استخدام الولايات المتحدة لقوتها العسكرية في العالم.

خاتمة

كشفت الحرب مع إيران أن القوة العسكرية الأمريكية لا تقوم على التفوق التقني والعددي وحده، بل على شبكة واسعة من الدول التي تتيح لها الوصول إلى ساحات بعيدة. لكن هذه الشبكة لم تعد بلا ثمن. فالدول المضيفة باتت أكثر عرضة للرد الانتقامي، وأكثر  وعياً بأن استضافة القوات الأمريكية في زمن الحرب قد تجعلها طرفاً في المواجهة.

إذا بدأت هذه الدول في تقييد وصول واشنطن إلى أراضيها ومجالاتها الجوية وموانئها، فقد تدخل الهيمنة العسكرية الأمريكية مرحلة جديدة، لا تنتهي فيها القوة الأمريكية بالضرورة، لكنها تصبح أقل حرية وأعلى كلفة. وربما يكون هذا التحول أحد أهم الدروس الاستراتيجية التي تتركها الحرب مع إيران: أن القدرة على شن الحرب لا تعتمد فقط على امتلاك السلاح، بل على استعداد الآخرين لتحمل كلفة الحرب معك. 

ترامب ونتنياهو: حرب بدأت بتوافق وانتهت بتباين الحسابات

كشفت الضربات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وإيران عن اتساع الفجوة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما بدا الرجلان في بداية الحرب وكأنهما يتحركان ضمن رؤية واحدة. فالحرب التي انطلقت بتنسيق أمريكي–إسرائيلي وثيق أخذت، مع مرور الوقت، تكشف اختلافاً جوهرياً في الأهداف والحسابات السياسية والعسكرية لكل طرف.

كان ترامب قد حذّر إسرائيل علناً من استهداف بيروت في سياق حربها ضد حزب الله المدعوم من إيران. لكن إسرائيل نفذت ضربتها، لترد طهران بإطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان. وبعد ذلك، عادت إسرائيل لتقصف إيران، في وقت كان ترامب يخوض فيه مفاوضات حساسة مع طهران.

صحيح أن جولة التصعيد الأخيرة هدأت نسبياً، إلا أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب يبدو أعمق من حادثة عسكرية عابرة. فترامب، الذي يواجه حزبه انتخابات لاحقة هذا العام، يسعى إلى إنهاء حرب غير شعبية، وإعادة فتح مضيق هرمز لتخفيف أسعار الوقود والسلع. أما نتنياهو، الذي يواجه بدوره استحقاقات انتخابية، فيتعرض لضغط داخلي لإثبات أنه قادر على ردع حزب الله، وتحقيق مكاسب واضحة في الحرب ضد إيران وحلفائها.

أهداف سياسية متعارضة

عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 فبراير/شباط، بدا الحليفان في حالة اصطفاف كامل. أعلن نتنياهو أن الهدف هو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وإنهاء برامجها النووية والصاروخية، وإسقاط حكومتها. أما ترامب، فذهب أبعد في خطابه، معلناً مقتل المرشد الإيراني في الضربة الأولى، وداعياً الإيرانيين إلى “استعادة” بلادهم.

لكن سرعان ما ظهر أن ترامب كان يبحث عن انتصار سريع، شبيه بما حققه في فنزويلا، بينما كان نتنياهو يريد حرباً أطول وأكثر حسماً، تستهدف إيران وحلفاءها بصورة جذرية، حتى لو تطلب الأمر صراعاً ممتداً.

ومع صمود إيران أمام أسابيع من الضربات، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، بدأ الغضب يتصاعد في الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن لأسباب مختلفة. ففي الداخل الأمريكي، ارتفعت أسعار الوقود والسلع، وبدأ حتى بعض مؤيدي ترامب يتهمونه بالتورط في مستنقع جديد في الشرق الأوسط، خلافاً لوعوده الانتخابية بعدم إشعال حروب جديدة.

أما في إسرائيل، فتصاعد الغضب من عجز نتنياهو عن تحقيق نصر حاسم في الحروب التي اندلعت منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فبعد أكثر من عامين، لا تزال حماس تسيطر على أجزاء من غزة، ولا يزال حزب الله يطلق الصواريخ، كما بقي النظام الإيراني وبرنامجه النووي قائمين رغم الخسائر الكبيرة.

لبنان في قلب الخلاف

يمر الخلاف الأمريكي–الإسرائيلي اليوم عبر الساحة اللبنانية. فإيران تريد إدراج لبنان في أي هدنة إقليمية أوسع، وهو مطلب يبدو أن ترامب قبله في سبيل الوصول إلى اتفاق مع طهران. وقد هددت إيران بمهاجمة إسرائيل مجدداً إذا واصلت ضرباتها على لبنان.

في المقابل، تصر إسرائيل على فصل الجبهات، ومواصلة حملتها ضد حزب الله في لبنان إلى أن تعتبر أن التهديد قد أُزيل. وتسيطر إسرائيل على مساحات واسعة من جنوب لبنان، وترى أن وقف حملتها هناك قبل تحقيق أهدافها سيُعد تراجعاً سياسياً وعسكرياً لنتنياهو.

وقد خرج التوتر إلى العلن عندما أقر ترامب بأنه أجرى اتصالاً حاداً مع نتنياهو بشأن لبنان، مستخدماً تعبيرات قاسية لوصف امتعاضه من التصعيد الإسرائيلي، معتبراً أن الحرب ضد حزب الله تهدد المفاوضات الجارية مع إيران.

كما عبّر ترامب عن انزعاجه من الضربة الإسرائيلية على بيروت، التي استهدفت مبنى سكنياً وأسفرت، بحسب السلطات اللبنانية، عن قتلى وجرحى. وبعد إطلاق إيران صواريخ على إسرائيل رداً على تلك الضربة، دعا ترامب إسرائيل إلى ضبط النفس، مؤكداً أنه هو من “يتخذ القرارات”، لا نتنياهو.

لكن بعد ساعات فقط، قصفت إسرائيل إيران.

محاولات لتخفيف حدة الخلاف

رغم وضوح التباين، حاول المسؤولون في الجانبين التقليل من أهمية الخلاف. فقد قيل إن ترامب دعا إلى ضبط النفس بهدف تهدئة الأسواق ومنع انهيار المفاوضات مع إيران. أما الجانب الإسرائيلي، فدافع عن موقفه بالقول إن الولايات المتحدة نفسها لن تقبل التعرض لهجوم من دون رد سريع.

كما يدرك الطرفان أن عدم رد إسرائيل على الضربات الإيرانية كان سيضع نتنياهو في موقف سياسي بالغ الصعوبة داخلياً، خصوصاً في ظل اتهامه بالعجز عن حسم الجبهات المفتوحة مع حماس وحزب الله وإيران.

من جهته، حرص نتنياهو على التقليل من حجم التباينات، مؤكداً أن لإسرائيل كامل الحق في الدفاع عن نفسها، وأنها تمارس هذا الحق “بالقدر اللازم”. كما أشار إلى أنه يقول ذلك في محادثاته مع ترامب، الذي وصفه بـ“الصديق”، في محاولة للحفاظ على صورة العلاقة الخاصة بينهما.

خلافات قديمة بثوب جديد

ليست هذه هي المرة الأولى التي يختلف فيها ترامب ونتنياهو علناً بشأن عملية عسكرية. ففي مارس/آذار، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، أبدى ترامب غضبه من قرار نتنياهو مهاجمة حقل غاز إيراني حيوي، وهي ضربة دفعت إيران إلى الرد على بنية الطاقة في الخليج.

حينها قال ترامب إنه طلب من نتنياهو عدم تنفيذ الضربة، لكنه أضاف أن العلاقة بينهما جيدة وأن التنسيق قائم، مع إقراره بأن نتنياهو “يفعل شيئاً ما أحياناً” خارج ما تفضله واشنطن.

ورغم أن ترامب انتقد القرار علناً، أشارت مصادر مطلعة إلى أن الولايات المتحدة كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل. وهذا يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين الطرفين: خلافات سياسية علنية، لكنها لا تعني بالضرورة غياب التنسيق العملياتي.

هل يتضرر التحالف؟

حتى الآن، لا يبدو واضحاً ما إذا كان الخلاف الأخير سيترك أثراً طويل المدى على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فالعلاقات الأمريكية–الإسرائيلية شهدت تاريخياً توترات مشابهة، لكن المختلف هذه المرة هو أن الخلاف يدور علناً، وفي لحظة حرب إقليمية مفتوحة، ومع رئيسين يواجهان حسابات انتخابية ضاغطة.

يرى بعض الخبراء أن التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست أمراً نادراً، لكن العلنية التي تظهر بها الآن تجعلها أكثر حساسية. كما أن ترامب معروف بخلافاته العلنية مع قادة دول آخرين، حتى من بين الحلفاء المقربين.

في المقابل، يستبعد آخرون أن يؤدي هذا التباين إلى تهديد حقيقي للتحالف، طالما أن إسرائيل لا تدفع الولايات المتحدة إلى حرب أوسع لا تريدها. فالمشكلة ليست في وجود خلافات، بل في احتمال أن تتحول هذه الخلافات إلى خطوات عسكرية تفرض على واشنطن مساراً لا ترغب فيه.

خاتمة

تكشف الحرب مع إيران وحلفائها أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، رغم قوته، ليس خالياً من التناقضات. فقد بدأت واشنطن وتل أبيب الحرب من موقع توافق شبه كامل، لكن اختلاف الأهداف سرعان ما ظهر: ترامب يريد إنهاء الصراع وتحويل الضغط العسكري إلى مكسب تفاوضي، بينما يريد نتنياهو مواصلة الحرب حتى يحقق صورة نصر حاسم أمام الداخل الإسرائيلي.

وبين الرغبة الأمريكية في التهدئة، والإصرار الإسرائيلي على مواصلة الضربات في لبنان وإيران، تتسع مساحة التوتر بين الحليفين. وربما لا يصل الخلاف إلى حد كسر التحالف، لكنه يكشف أن الحرب التي بدأت بقرار مشترك لم تعد تُدار وفق حسابات واحدة.

التجسس الإسرائيلي يقلق البنتاغون: تحالف وثيق وحدود استخباراتية متآكلة

تثير تقارير استخباراتية أمريكية حديثة ، وفقاً لصحيفة النيويورك تايمز، قلقاً متزايداً داخل وزارة الدفاع الأمريكية بشأن اتساع أنشطة التجسس الإسرائيلية ضد مسؤولين أمريكيين، خصوصاً في ظل المفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق سلام مع إيران. وتكشف هذه التقارير عن مفارقة حساسة في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب: تعاون عسكري غير مسبوق في الحرب، يقابله انعدام ثقة متصاعد في المجال الاستخباراتي.

ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل اعتادتا، ضمنياً، على مراقبة كل منهما للأخرى، فإن ما تعتبره واشنطن تصعيداً إسرائيلياً في محاولة معرفة المواقف الأمريكية من المفاوضات مع إيران بدا، وفق مسؤولين أمريكيين، تجاوزاً للخطوط الحمراء التقليدية بين الحلفاء.

قلق من استهداف كبار المسؤولين

تشير التقارير إلى مخاوف أمريكية من تكثيف إسرائيل جهودها للتنصت على مسؤولين بارزين في إدارة ترامب، بينهم ستيف ويتكوف، كبير مفاوضي الرئيس الأمريكي، وإلبريدج كولبي، المسؤول الرفيع عن السياسات في البنتاغون، إضافة إلى مايكل ديمينو، المسؤول عن ملفات الشرق الأوسط في وزارة الدفاع.

وبحسب تقرير أعدته وكالة استخبارات الدفاع، بمشاركة مكاتب استخبارات عسكرية أخرى ووكالة الدفاع لمكافحة التجسس والأمن، فقد رُفع مستوى التهديد الذي تشكله إسرائيل في مجال مكافحة التجسس من “مرتفع” إلى “حرج”، وهي الدرجة القصوى في هذا النوع من التقييمات.

ويستعرض التقرير وقائع متعددة تتعلق بمحاولات إسرائيلية للتجسس على عسكريين ومسؤولين حكوميين أمريكيين خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك حوادث اكتشف فيها موظفون في وزارة الدفاع الأمريكية داخل إسرائيل وجود برمجيات تجسس زُرعت خلسة على هواتفهم للتنصت على اتصالاتهم.

تحالف عسكري لا يلغي الشكوك

تأتي هذه المخاوف في لحظة شديدة الحساسية، حيث تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مشتركة ضد إيران، في ظل تنسيق عسكري بلغ مستويات غير مسبوقة. يعمل ضباط إسرائيليون جنباً إلى جنب مع نظرائهم الأمريكيين داخل القيادة المركزية الأمريكية، كما يشارك الجيش الأمريكي كميات كبيرة من المعلومات التكتيكية والعملياتية مع إسرائيل.

لكن هذا التعاون الوثيق لا يعني، وفق المسؤولين الأمريكيين، أن إسرائيل تكتفي بالمعلومات التي تحصل عليها رسمياً. فواشنطن تعتقد أن تل أبيب تسعى إلى معرفة أعمق بتفكير ترامب واستراتيجيته المتقلبة حيال المفاوضات مع إيران، خصوصاً أن أهداف الطرفين لم تعد متطابقة بالكامل.

في بداية الحرب، بدت الولايات المتحدة وإسرائيل متوافقتين إلى حد كبير، إذ دعم ترامب هدف بنيامين نتنياهو المتمثل في إسقاط الحكومة الإيرانية أو إضعافها جذرياً. غير أن التباين ظهر لاحقاً، بعدما باتت واشنطن تميل إلى استخدام الضغط العسكري لدفع طهران إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، بينما واصلت إسرائيل السعي إلى إضعاف النظام الإيراني، وتحجيم أذرعه الإقليمية، ومواصلة الضغط العسكري على حزب الله في لبنان.

قيود محتملة على تبادل المعلومات

قد تؤدي هذه التحذيرات إلى تعقيد جهود دمج التخطيط العسكري بين القيادة المركزية الأمريكية وإسرائيل. فإذا قرر البنتاغون فرض قيود جديدة على المعلومات التي يشاركها مع الضباط الإسرائيليين، فقد يتأثر مستوى التنسيق العملياتي بين الطرفين، رغم الحاجة المشتركة إلى العمل الميداني ضد إيران.

وتشير حساسية الوضع إلى معضلة بنيوية في علاقة واشنطن وتل أبيب: فكل طرف يحتاج الآخر عسكرياً وسياسياً، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى حماية أسراره الأكثر حساسية. حتى في مراكز التنسيق المشتركة، مثل المركز المدني–العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في كريات جات داخل إسرائيل، توجد مساحات منفصلة للأمريكيين وأخرى للإسرائيليين، تتيح لكل طرف مناقشة ملفاته الحساسة بعيداً عن الطرف الآخر.

هذه الترتيبات تعكس حقيقة أساسية: التحالف لا يلغي الحذر، والتنسيق لا يعني الثقة المطلقة.

تاريخ من الحوادث الاستخباراتية

لا تبدو المخاوف الأمريكية جديدة تماماً. فقد أشار التقرير إلى أن حوادث مكافحة التجسس المرتبطة بإسرائيل بدأت بالتصاعد منذ أواخر عام 2024، بالتزامن مع ضغط إدارة بايدن على إسرائيل لتقليص عملياتها في غزة، ثم استمرت خلال عام 2025، مع بحث إدارة ترامب خيارات مهاجمة إيران.

كما يورد التقرير حوادث سابقة، بينها ضبط ضباط استخبارات عسكرية إسرائيليين عام 2021 وهم يزرعون أجهزة تنصت في مقر وكالة استخبارات الدفاع، إضافة إلى محاولة من عناصر في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” زرع جهاز تنصت في إحدى سيارات الخدمة السرية الأمريكية خلال العام الماضي.

ورغم نفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن لهذه الادعاءات وتأكيدها أن إسرائيل لا تتجسس على المسؤولين أو المؤسسات الأمريكية، فإن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين يرون أن سلوك إسرائيل في جمع المعلومات الاستخباراتية بات أكثر عدوانية، وأن مستوى التهديد الذي تمثله أصبح أعلى من أي حليف آخر، بل أعلى من بعض الدول المصنفة خصوماً لواشنطن.

ووصف أحد كبار المسؤولين الأمريكيين عمليات جمع المعلومات الإسرائيلية ضد مسؤولي إدارة ترامب بأنها “منفلتة”، في إشارة إلى حجم الجرأة التي باتت تميز النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي تجاه واشنطن.

الهواتف الشخصية والثغرات الأمنية

تلفت التقارير كذلك إلى عامل أمريكي داخلي ساهم في زيادة القابلية للاختراق، وهو اعتماد بعض كبار مسؤولي إدارة ترامب على الهواتف الشخصية في إدارة أعمال مرتبطة بالأمن القومي، وسفرهم على متن طائرات خاصة، وتجنبهم في بعض الأحيان الاعتماد على موظفي السفارات الأمريكية في الخارج.

وبحسب مسؤولين سابقين، جعلت هذه الممارسات بعض المسؤولين أهدافاً سهلة ليس فقط لأجهزة التجسس الإسرائيلية، بل أيضاً لأجهزة استخبارات دول حليفة وخصمة. ويبدو أن ويتكوف وكولبي وديمينو كانوا موضع اهتمام خاص، نظراً إلى أدوارهم في ملفات إيران والسياسة الدفاعية والشرق الأوسط.

فكولبي، المعروف بتوجهاته المتحفظة في السياسة الخارجية، يُعد شخصية مؤثرة داخل البنتاغون، بينما يشرف ديمينو على سياسات الشرق الأوسط، ما يجعله هدفاً طبيعياً لمحاولات فهم التوجهات الأمريكية تجاه إسرائيل وإيران والمنطقة.

خاتمة

تكشف هذه التطورات عن جانب بالغ الحساسية في العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية. فخلف مشاهد التحالف الوثيق والتنسيق العسكري المكثف، توجد معركة صامتة على المعلومات، ومحاولة مستمرة من كل طرف لفهم نوايا الآخر وحدود حركته.

لكن خطورة اللحظة الحالية تكمن في أن هذا التوتر الاستخباراتي يتزامن مع حرب مفتوحة ضد إيران ومفاوضات سلام معقدة، ما يجعل أي اختراق أو تنصت محتمل عاملاً قادراً على التأثير في مسار القرارات الاستراتيجية الأمريكية.

وبينما تنفي إسرائيل اتهامات التجسس، يرى مسؤولون أمريكيون أن حجم النشاط الاستخباراتي المنسوب إليها بات يتجاوز حدود المقبول بين الحلفاء. وإذا استمر هذا القلق داخل البنتاغون، فقد تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على تحالفها العسكري الوثيق مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تمنع حليفها الأقرب في الشرق الأوسط من اختراق أسرارها الأكثر حساسية؟

المسلمون والعرب في الانتخابات التمهيدية الأمريكية: معركة التمثيل في زمن الاستقطاب

تشهد الانتخابات التمهيدية الحالية في الولايات المتحدة حضوراً لافتاً للجاليتين العربية والمسلمة، في تحول واضح عن مرحلة طويلة من العزوف السياسي والتردد في خوض المعارك الانتخابية. ويأتي هذا الحضور قبل الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي تشمل مقاعد في مجلسي النواب والشيوخ، ومناصب حكام الولايات، إضافة إلى مواقع محلية وولائية متعددة.

طبقاً لنون بوست، لا تكمن أهمية هذه المشاركة في اتساعها العددي فحسب، بل في طبيعة الخطاب السياسي الذي يحمله المرشحون العرب والمسلمون، إذ يسعون إلى الانتقال من موقع التأثر بالسياسات الأمريكية إلى موقع التأثير فيها. ويستند هذا التحول إلى نمو الجاليتين، وتزايد حضورهما التنظيمي والانتخابي، إضافة إلى شعور متصاعد بأن السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية تمسهم مباشرة، سواء عبر الإسلاموفوبيا ومعاداة المهاجرين، أو عبر الحروب الأمريكية والدعم غير المشروط لإسرائيل.

من الهامش إلى ساحة المعركة

تجري الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات الأمريكية، لاختيار المرشحين الذين سيخوضون الانتخابات النصفية المقبلة. وستكون نتائجها مؤثرة في شكل السياسة الأمريكية خلال العامين المقبلين، خصوصاً في ظل إدارة ترامب وسياساتها المثيرة للجدل تجاه المسلمين والمهاجرين والشرق الأوسط.

تاريخياً، ظل تمثيل المسلمين في المؤسسات السياسية الأمريكية محدوداً للغاية مقارنة بحجم حضورهم المجتمعي. فالمسلمون من بين أقل المجموعات الدينية تمثيلاً في الكونغرس، إذ يتركز وجودهم في مجلس النواب، مع غياب كامل عن مجلس الشيوخ. هذا الخلل لا يعكس ضعفاً عددياً بقدر ما يعكس تراكم عوامل سياسية واجتماعية وتنظيمية، من بينها ضعف المشاركة الانتخابية، وقلة التمويل، والخوف من حملات التشويه، إضافة إلى إرث طويل من الشك والوصم بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول.

لكن المشهد بدأ يتغير. فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن نسبة كبيرة من الناخبين المسلمين المسجلين في ولايات رئيسية يعتزمون التصويت في الانتخابات التمهيدية. وتعود هذه التعبئة إلى رفض واسع للحروب الأمريكية في الشرق الأوسط، وسياسات إدارة ترامب في الداخل، والمواقف المتساهلة مع الحرب على غزة. وبذلك بات التصويت، بالنسبة إلى كثيرين، أداة للدفاع عن الذات السياسية والكرامة المجتمعية، لا مجرد ممارسة انتخابية دورية.

الإسلاموفوبيا كدافع مضاد

لم تنشأ هذه المشاركة في فراغ، بل جاءت في مواجهة بيئة سياسية شديدة العداء للمسلمين. فمنذ قانون الوطنية بعد 11 سبتمبر، مروراً بقرارات حظر السفر، وصولاً إلى حملات التشهير الرقمي والإعلامي، تعرض المسلمون الأمريكيون لمنظومة متكاملة من الرقابة والوصم والاتهام.

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ازدادت المخاوف داخل الجاليات المسلمة والمهاجرة. فقد رافقت سياسات إدارته قرارات تقيد الهجرة ودخول مواطني دول ذات أغلبية مسلمة، إلى جانب هجمات على الطلبة والناشطين المؤيدين لفلسطين، وخطاب سياسي وإعلامي يصور المسلمين كخطر داخلي.

غير أن هذا الضغط لم يؤد بالضرورة إلى الانسحاب من المجال العام، بل دفع شرائح واسعة من المسلمين إلى الانخراط السياسي. فقد شكّل صعود شخصيات مسلمة في مواقع انتخابية بارزة، مثل زهران ممداني في منصب عمدة نيويورك، إشارة رمزية إلى أن الناخب الأمريكي قد يكون مستعداً لتجاوز حملات التخويف واختيار مرشحين مسلمين من أصول مهاجرة في مواقع حساسة.

لكن الطريق لا يزال صعباً. فحملات الكراهية، والتهديدات، والعنصرية، لا تزال تشكل عائقاً أمام كثير من المرشحين المسلمين، خصوصاً النساء والمهاجرين والملونين. ومع ذلك، تبدو الدورة الانتخابية الحالية مختلفة من حيث حجم الجرأة والتنظيم والوضوح السياسي.

جيل جديد من المرشحين

يخوض مئات المسلمين والعرب الانتخابات على مستويات مختلفة، حاملين برامج انتخابية لا تقتصر على قضايا الشرق الأوسط، بل تشمل العدالة الاقتصادية، والرعاية الصحية، والسكن، والتعليم، والبيئة، وحقوق العمال، ومكافحة الفساد والعنصرية.

ومن أبرز الأسماء عبد الرحمن السيد، المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وهو طبيب وأكاديمي من أصول مصرية. ويحظى السيد بزخم خاص لأن فوزه المحتمل قد يجعله أول مسلم من أصول عربية يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي. وقد بنى حملته على خطاب تقدمي يربط بين العدالة الاجتماعية في الداخل الأمريكي ورفض الدعم غير المشروط لإسرائيل في الخارج.

تركز حملة السيد على التأمين الصحي للجميع، والسكن الميسر، والتعليم الجيد، وحماية البيئة، وإخراج المال الفاسد من السياسة. كما يحظى بدعم شخصيات تقدمية بارزة، إضافة إلى تأييد نقابي مهم من نقابة عمال السيارات المتحدة، ما يمنحه قاعدة تنظيمية مؤثرة في ولاية محورية مثل ميشيغان.

وفي نيوجيرسي، برز اسم آدم حموي، الطبيب من أصول مصرية أيضاً، الذي نجح في التفوق على عدد كبير من المرشحين الديمقراطيين في دائرته الانتخابية في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. وقد اكتسب حموي حضوراً خاصاً بسبب مواقفه الواضحة من القضية الفلسطينية، وتطوعه طبياً في قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عام 2023.

كما تخوض عائشة وهب، الأمريكية المسلمة من أصول أفغانية، سباقاً انتخابياً في كاليفورنيا، مدعومة من شخصيات ومؤسسات ديمقراطية عديدة. وفي الوقت نفسه، يعيد نواب مسلمون معروفون مثل إلهان عمر ورشيدة طليب وأندريه كارسون ولطيفة سايمون ترشيح أنفسهم، بعد أن فتحوا الطريق أمام جيل جديد من السياسيين العرب والمسلمين.

تفكيك الصورة النمطية

أثبتت هذه الحملات أن العرب والمسلمين في الولايات المتحدة ليسوا كتلة انتخابية محصورة في السياسة الخارجية أو القضية الفلسطينية فقط، كما تحاول بعض السرديات الإعلامية تصويرهم. صحيح أن غزة وفلسطين حاضرتان بقوة في خطابهم السياسي، لكن برامجهم تتعامل كذلك مع هموم المواطن الأمريكي اليومية: الأجور، الرعاية الصحية، السكن، التعليم، الديون، البيئة، والفساد السياسي.

هذا التحول مهم لأنه يعيد تعريف موقع المسلمين والعرب داخل المجتمع الأمريكي. فهم لا يتحدثون بوصفهم جالية معزولة أو كتلة وافدة، بل بوصفهم جزءاً أصيلاً من المجتمع، يتأثرون بسياساته الداخلية كما يتأثرون بسياسته الخارجية. ومن هنا تأتي قوة خطابهم؛ فهو يربط بين العدالة في الداخل والعدالة في الخارج، وبين المال السياسي الذي يضر بالطبقات العاملة، والمال نفسه حين يستخدم لتبرير الحروب ودعم الاحتلال.

أيباك وحرب المال السياسي

في المقابل، لم تقف جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، وعلى رأسها أيباك، مكتوفة الأيدي أمام صعود المرشحين المؤيدين لفلسطين أو المنتقدين لإسرائيل. فقد ضخت أموالاً ضخمة في عدد من السباقات التمهيدية، إما لدعم منافسين أكثر قرباً من الموقف الإسرائيلي، أو لإضعاف المرشحين الذين يتبنون مواقف صريحة ضد الحرب على غزة.

وتعتمد هذه الحملات غالباً على أسلوب غير مباشر. فبدل مهاجمة المرشحين بسبب مواقفهم من إسرائيل، يتم التشكيك في أهليتهم، أو تاريخهم المهني، أو علاقاتهم الشخصية، أو تصويرهم كمتطرفين وغير صالحين للمناصب العامة. وهكذا تتحول القضية من نقاش سياسي حول فلسطين والسياسة الخارجية إلى حملة شخصية تهدف إلى إسقاط المرشح أمام الناخبين.

في إلينوي، أنفقت أيباك مبالغ كبيرة في سباقات انتخابية عدة، وكان من أبرز أهدافها كات أبو غزالة، الأمريكية الفلسطينية التي بنت حملتها على نقد المؤسسة الديمقراطية والرأسمالية والدعم الأمريكي للحرب على غزة. ورغم أن مرشحة أيباك نفسها لم تفز، فإن المنظمة احتفت بعدم تأهل أبو غزالة بوصفه انتصاراً سياسياً.

لكن هذا الاحتفاء كشف، في نظر منتقدي أيباك، حدود تأثير المنظمة وتراجع صورتها داخل القاعدة الديمقراطية. فكلما زاد إنفاقها ضد المرشحين التقدميين، زادت التساؤلات حول دور المال السياسي في توجيه اختيارات الناخبين الأمريكيين خدمة لأجندات خارجية.

آدم حموي وعبد الرحمن السيد تحت الهجوم

لم يسلم آدم حموي من حملات التشويه بعد فوزه في نيوجيرسي. فقد حاولت جهات موالية لإسرائيل تفسير نجاحه بالتمويل وحده، متجاهلة أثر موقفه من غزة والسياسة الخارجية الأمريكية في تعبئة الناخبين. كما جرى النبش في ماضيه وعلاقاته القديمة لتصويره كمرشح مثير للريبة أو تهديد محتمل للأمن القومي.

أما عبد الرحمن السيد في ميشيغان، فيواجه بدوره حملة مركزة تصفه بالمرشح المتطرف أو الهامشي، في مقابل تقديم منافسيه بوصفهم أكثر اعتدالاً وقابلية للفوز. وتستند هذه الحملة إلى منطق مألوف في السياسة الأمريكية: تصوير أي مرشح ينتقد إسرائيل أو يرفض المال السياسي الموالي لها على أنه خطر انتخابي على الحزب الديمقراطي.

وتزداد حساسية سباق ميشيغان لأن الولاية تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة، ولأنها ولاية متأرجحة لها وزن حاسم في الانتخابات العامة. لذلك تبدو المعركة هناك أكبر من مجرد سباق على مقعد في مجلس الشيوخ؛ إنها اختبار لمستقبل الحزب الديمقراطي، وحدود نفوذ جماعات الضغط، وقدرة الناخبين العرب والمسلمين والتقدميين على فرض أجندة جديدة.

فلسطين في قلب الوعي الانتخابي

أظهرت هذه الدورة الانتخابية أن القضية الفلسطينية لم تعد هامشية في وعي قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين، خصوصاً الشباب والتقدميين والملونين والعرب والمسلمين. فالحرب على غزة، وما رافقها من دعم أمريكي لإسرائيل، دفعت كثيرين إلى إعادة تقييم مواقفهم من السياسة الخارجية، ومن المرشحين الذين يبررون هذه السياسات أو يصمتون عنها.

لكن حضور فلسطين لا يعني غياب القضايا الداخلية. بالعكس، كثير من المرشحين العرب والمسلمين يحاولون الربط بين النضال ضد الإبادة والاحتلال في الخارج، والنضال ضد الفقر والعنصرية والفساد واللامساواة في الداخل. وهذا الربط يمنح حملاتهم بعداً أخلاقياً وسياسياً أوسع، ويجعلها قادرة على مخاطبة ناخبين من خارج الجاليات العربية والمسلمة.

خاتمة

تكشف الانتخابات التمهيدية الأمريكية الحالية عن لحظة سياسية جديدة بالنسبة إلى المسلمين والعرب في الولايات المتحدة. فبعد سنوات من التهميش والشيطنة والخوف من الانخراط العلني، باتت هذه الجاليات أكثر استعداداً لخوض المعركة من داخل النظام السياسي نفسه.

غير أن هذه المعركة ليست سهلة. فهي تدور في بيئة مشحونة بالإسلاموفوبيا، ومعاداة المهاجرين، والاستقطاب الحزبي، وضغط جماعات موالية لإسرائيل تملك أدوات مالية وإعلامية واسعة. ومع ذلك، فإن صعود مرشحين مثل عبد الرحمن السيد وآدم حموي وعائشة وهب، واستمرار حضور شخصيات مثل إلهان عمر ورشيدة طليب، يشير إلى أن التمثيل العربي والمسلم لم يعد استثناءً عابراً، بل يتحول تدريجياً إلى قوة سياسية منظمة.

قد لا ينجح جميع هؤلاء المرشحين في الوصول إلى مواقعهم، لكن مجرد خوضهم هذه المعركة يغيّر قواعد اللعبة. فهم لا يطالبون فقط بمقاعد انتخابية، بل يعيدون طرح سؤال أعمق: من يملك حق تمثيل أمريكا؟ ومن يحدد أولويات سياستها؟ وهل تستطيع الجاليات التي طالما وُضعت في موقع الدفاع عن نفسها أن تتحول إلى قوة قادرة على صياغة القرار؟

“أميركان برايورتيز”… اللوبي الفلسطيني الجديد الذي يتحدى نفوذ “أيباك” في الولايات المتحدة

برز اسم لجنة العمل السياسي الأميركية الجديدة “أميركان برايورتيز”، أو “أولويات أميركا”، بوصفها أحد أهم التحولات الناشئة في المشهد الانتخابي الأميركي، بعدما قدّمت نفسها كأول “سوبر باك” مؤيد للفلسطينيين يسعى بصورة مباشرة إلى موازنة نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك” داخل الانتخابات الأميركية.

وخلال فترة قصيرة، تحولت اللجنة إلى لاعب سياسي صاعد داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، عبر إنفاق ملايين الدولارات لدعم مرشحين يتبنون مواقف ناقدة لإسرائيل، أو يدعون إلى تقييد المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة لها.

نشأة اللجنة وخلفيات التأسيس

تأسست لجنة “أميركان برايورتيز” رسمياً في شباط/فبراير 2026، بعد تقديم وثائق تسجيلها إلى لجنة الانتخابات الفدرالية الأميركية. وجاءت هذه الخطوة في سياق تصاعد تيار داخل الحزب الديمقراطي يسعى إلى بناء قوة مالية وتنظيمية مضادة لـ “أيباك”، التي تُعد منذ عقود من أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.

ومنذ انطلاقها، أعلنت اللجنة نيتها إنفاق أكثر من 10 ملايين دولار خلال انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، بهدف حماية المرشحين المؤيدين للفلسطينيين من الحملات الانتخابية الممولة بكثافة من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

وترى اللجنة أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع التقليدي داخل القاعدة الديمقراطية، لا سيما بعد الحرب على غزة، معتبرة أن التحولات داخل الرأي العام الأميركي، وخاصة بين الشباب والتيارات التقدمية، فتحت الباب أمام بناء لوبي انتخابي جديد يربط بين القضية الفلسطينية والأجندة التقدمية داخل الولايات المتحدة.

قيادة يهودية وهدف سياسي واضح

تقود اللجنة المستشارة السياسية الأميركية اليهودية هانا فيرتيغ، التي عملت سابقاً في حملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020، كما شغلت مواقع داخل منظمة “جاستس ديموكراتس” التقدمية.

وتؤكد فيرتيغ أن الهدف الأساسي من اللجنة هو توفير “حماية سياسية” للمرشحين الذين ينتقدون السياسات الأميركية الداعمة لإسرائيل، بحيث يتمكنون من طرح مواقفهم بشأن الحكومة الإسرائيلية أو المساعدات العسكرية من دون الخشية من تدخل مالي واسع لإسقاطهم انتخابياً.

وتحاول “أميركان برايورتيز” إعادة إنتاج النموذج المالي والسياسي الذي تستخدمه “أيباك”، لكن في الاتجاه المعاكس؛ أي لصالح المرشحين التقدميين والمؤيدين للحقوق الفلسطينية داخل الحزب الديمقراطي.

وبحسب تعريفها الرسمي، فإن اللجنة تعمل كلجنة فدرالية مستقلة للإنفاق السياسي، تنشط في مجال المناصرة والاتصالات الانتخابية المرتبطة بالانتخابات الفدرالية، مع تأكيدها أنها لا تنسق مع أي مرشح أو حملة انتخابية أو حزب سياسي.

تراجع صورة “أيباك” داخل القاعدة الديمقراطية

يأتي صعود “أميركان برايورتيز” في ظل تراجع متزايد في شعبية “أيباك” بين قطاعات واسعة من الناخبين الديمقراطيين، وخصوصاً بين الشباب والتيارات اليسارية والتقدمية.

وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “غالوب” في شباط/فبراير أن 65 بالمئة من الديمقراطيين الذين شملهم الاستطلاع يتعاطفون مع الفلسطينيين في الصراع المستمر، مقابل 17 بالمئة فقط قالوا إنهم يتعاطفون مع إسرائيل.

هذا التحول دفع عدداً من الشخصيات الديمقراطية البارزة إلى تجنب تلقي أموال من “أيباك” علناً، خشية أن ينعكس ذلك سلباً على صورتها داخل القواعد الحزبية.

أولى المعارك الانتخابية

ركزت “أميركان برايورتيز” منذ تأسيسها على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، باعتبارها الساحة الأكثر تأثيراً في تشكيل تركيبة الكونغرس المقبلة.

وكانت أولى تدخلاتها في ولايتي كارولاينا الشمالية وتكساس. ففي كارولاينا الشمالية، دعمت اللجنة المرشحة ندى علام، وهي أول امرأة أميركية مسلمة تُنتخب لمنصب عام في تاريخ الولاية، في مواجهة النائبة فاليري فوشي. وأنفقت اللجنة مئات آلاف الدولارات على إعلانات ورسائل انتخابية ركزت على دعم “أيباك” وشركات كبرى لمنافستها.

ورغم خسارة علام بفارق محدود، اعتُبر السباق اختباراً مبكراً لقدرة اللجنة الجديدة على منافسة جماعات الضغط التقليدية.

أما في تكساس، فقد دعمت اللجنة القس فريدريك هاينز الثالث في الانتخابات التمهيدية على مقعد الدائرة الثلاثين، حيث جعل من معارضة نفوذ “أيباك” في السياسة الأميركية جزءاً من خطابه الانتخابي، وتمكن من تحقيق فوز مريح.

نيويورك.. المواجهة الأبرز

برزت نيويورك كإحدى أهم ساحات تدخل “أميركان برايورتيز”، بعدما خصصت اللجنة نحو مليوني دولار لدعم ثلاثة مرشحين ديمقراطيين هم: براد لاندر، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وكلير فالديس.

وينتمي هؤلاء المرشحون إلى الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ويتبنون مواقف ناقدة لإسرائيل أو داعية إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة لها.

ويُعد براد لاندر من أبرز الأسماء التي دعمتها اللجنة. فهو سياسي يهودي يصف نفسه بأنه “صهيوني تقدمي”، لكنه في الوقت ذاته وصف الحرب على غزة بأنها “إبادة جماعية”، ودعا إلى ربط المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل باحترام القانون الدولي، بل طالب بوقف تمويل منظومة “القبة الحديدية” من أموال دافعي الضرائب الأميركيين.

كما امتنع لاندر، إلى جانب عمدة نيويورك زهران ممداني، عن المشاركة في “يوم إسرائيل” في نيويورك، مؤكداً أنه لن يشارك ما دامت إسرائيل تواصل انتهاك القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

ودعمت اللجنة أيضاً المرشحة دارياليزا أفيلا شوفالييه، التي شاركت في احتجاجات جامعة كولومبيا المؤيدة للفلسطينيين بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، كما استعانت في حملتها بصورة الناشط الفلسطيني محمود خليل، الذي تحول إلى رمز داخل التيار التقدمي الأميركي بعد توقيفه خلال احتجاجات الجامعة.

شبكة تمويل تقدمية ومسلمة

تحظى “أميركان برايورتيز” بدعم مالي من رجال أعمال أميركيين مسلمين، وشخصيات مرتبطة بقطاع التكنولوجيا، إلى جانب دعم منظمات تقدمية، في مقدمتها “جاستس ديموكراتس”.

وبحسب تقارير نشرتها مواقع أميركية متخصصة في تغطية السياسة الانتخابية واللوبيات، فإن عدداً من ممولي اللجنة سبق أن دعموا حملات سياسيين تقدميين، من بينهم زهران ممداني في نيويورك.

ويتولى منصب أمين صندوق اللجنة مارك هانا، وهو ناشط ديمقراطي من بروكلين، ارتبط سابقاً بشبكات تقدمية قريبة من ممداني، كما شغل موقعاً في منظمة “يلا بروكلين” التقدمية.

محاولة لتغيير نقاش الكونغرس حول إسرائيل

لا تنظر “أميركان برايورتيز” إلى دورها باعتباره مجرد دعم انتخابي لمرشحين مؤيدين للفلسطينيين، بل تسعى إلى تغيير طبيعة النقاش داخل الكونغرس الأميركي بشأن إسرائيل.

وترى اللجنة أن زيادة عدد النواب المنتقدين للسياسات الإسرائيلية يمكن أن تفتح الباب أمام فرض شروط على المساعدات العسكرية الأميركية، أو تأخير صفقات السلاح، أو زيادة الضغط السياسي على الإدارات الأميركية المتعاقبة فيما يتعلق بالحرب على غزة والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.

في المقابل، تواجه اللجنة انتقادات حادة من جماعات مؤيدة لإسرائيل، ترى فيها محاولة لإضعاف الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي.

كما دخلت اللجنة في مواجهة مباشرة مع “أيباك”، التي تتهمها باستخدام لجان وأسماء تنظيمية غير واضحة لإخفاء حجم إنفاقها الانتخابي في بعض الولايات الأميركية.

وتشير “أميركان برايورتيز” إلى أن منظمات مرتبطة بـ “أيباك” أنفقت ملايين الدولارات عبر كيانات تحمل أسماء عامة، مثل “إلكت شيكاغو وومن” و”أفوردابل شيكاغو ناو”، بهدف مهاجمة مرشحين منتقدين لإسرائيل من دون إبراز البعد الحقيقي للحملة الانتخابية.

وترى اللجنة أن هذه الأساليب تعكس إدراك جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لتراجع شعبيتها داخل القاعدة الديمقراطية، ما يدفعها إلى إخفاء هويتها السياسية في الحملات الانتخابية.

وقال المتحدث باسم اللجنة غريغ كريغ إن غالبية واضحة من الناخبين الديمقراطيين ترفض السياسات التي تنفق “أيباك” ملايين الدولارات من أجل فرضها داخل الحزب.

تحول سياسي يتجاوز حجم اللجنة

ورغم أن “أميركان برايورتيز” لا تزال أصغر بكثير من “أيباك” من حيث النفوذ والتمويل والخبرة الانتخابية، فإن ظهورها يعكس تحولاً سياسياً متسارعاً داخل الولايات المتحدة.

فالقضية الفلسطينية، التي كانت لسنوات طويلة ملفاً هامشياً أو حساساً داخل الحملات الانتخابية الأميركية، بدأت تتحول إلى محور انقسام حقيقي داخل الحزب الديمقراطي، بين جناحه التقدمي وقاعدته الشابة من جهة، والمؤسسة التقليدية للحزب من جهة أخرى.

ومن هنا، لا تكمن أهمية “أميركان برايورتيز” في حجم إنفاقها الحالي فقط، بل في كونها مؤشراً على انتقال الجدل حول إسرائيل وفلسطين من هامش السياسة الأميركية إلى قلب الصراع الانتخابي داخل الحزب الديمقراطي.

انتهاء صفة باراك الرسمية كمبعوث لسوريا لا ينهي دوره في ملفات دمشق وبغداد وأنقرة

أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، سيغادر منصبه الرسمي بعد انتهاء تفويضه، لكنه سيواصل لعب دور محوري في إدارة سياسة إدارة ترامب تجاه سوريا والعراق، إلى جانب بقائه سفيراً للولايات المتحدة لدى تركيا.

وقال روبيو في بيان نشره على منصة “إكس” إن السفير توم باراك أدى “دوراً لا يقدر بثمن” بصفته مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، موضحاً أن اللقب الرسمي سينتهي، لكن دوره داخل الإدارة لن ينتهي معه. وأضاف أن خبرة باراك وعلاقاته وفهمه لأجندة “أمريكا أولاً” ستواصل تحقيق مكاسب للولايات المتحدة في سوريا والعراق.

ويعني ذلك أن واشنطن لا تتجه إلى استبعاد باراك من الملف السوري، بل إلى إعادة ترتيب صفته الرسمية مع الإبقاء عليه باعتباره الشخصية الأمريكية المركزية في إدارة الملفات المتداخلة بين سوريا والعراق وتركيا.

وقال نانار هواش، كبير محللي الشأن السوري في مجموعة الأزمات الدولية، إن انتهاء لقب باراك كمبعوث خاص “لا يغير الكثير عملياً”، لأنه كان ينسق بالفعل ملفات سوريا والعراق وتركيا معاً قبل انتهاء التفويض. واعتبر أن عدم تسمية خلف له يشير إلى رغبة واشنطن في الحفاظ على الاستمرارية والاستفادة من شبكة علاقاته القائمة، بدل الدخول في إعادة ضبط كاملة للسياسة الأمريكية تجاه سوريا.

دور باراك في التحول الأمريكي نحو دمشق

تولى باراك، وهو رجل أعمال ومستثمر عقاري مقرب منذ فترة طويلة من الرئيس دونالد ترامب، منصب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا منذ مايو/أيار 2025، بالتزامن مع عمله سفيراً للولايات المتحدة لدى تركيا.

وخلال فترة عمله، أشرف باراك على تحول واضح في سياسة واشنطن تجاه الإدارة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وقد كان له تأثير بارز في الدفع نحو تخفيف العقوبات الاقتصادية الثقيلة المفروضة على دمشق، والتنسيق مع حلفاء إقليميين، بينهم تركيا ودول خليجية، في ملفات مكافحة تنظيم الدولة وإعادة ترتيب العلاقة مع السلطة الجديدة في سوريا.

كما لعب دوراً في الوساطة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، ضمن مسار هدف إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار  واتفاق دمج بين الطرفين. غير أن هذا الدور أثار انتقادات حادة من القيادة الكردية، التي رأت أن واشنطن تتخلى عن حلفائها القدامى لصالح تعزيز سلطة الدولة المركزية في دمشق.

شخصية مثيرة للجدل

لم يكن دور باراك خالياً من الجدل. فرجل الأعمال البارز، الذي جمع أموالاً كبيرة من صناديق سيادية إماراتية، لطالما أثار أسئلة بشأن تأثير العلاقات المالية الخليجية على السياسة الأمريكية، رغم تبرئته عام 2022 من اتهامات فيدرالية تتعلق بالعمل كوكيل غير مسجل لصالح أبوظبي.

كما واجه انتقادات في لبنان بعد مؤتمر صحفي فوضوي طلب فيه من الصحفيين التصرف بطريقة “حضارية” لا “حيوانية”، وهي عبارة أثارت ردود فعل غاضبة. وزادت تصريحاته عن أن “الملكية الخيّرة” أو أنماط الحكم السلطوية قد تكون أنسب للشرق الأوسط من الديمقراطية من حدة الجدل حول رؤيته السياسية للمنطقة.

وفي تركيا، حيث يواصل عمله سفيراً، واجه باراك انتقادات من شخصيات معارضة اتهمته بالتصرف كأنه “حاكم استعماري”، في إشارة إلى اتساع دوره وتداخله في ملفات إقليمية حساسة تتجاوز مهامه الدبلوماسية التقليدية في أنقرة.

استمرار الدور رغم انتهاء اللقب

رغم انتهاء صفته الرسمية كمبعوث خاص إلى سوريا، يبدو أن باراك سيظل أحد أبرز  وجوه السياسة الأمريكية في المشرق. فإدارة ترامب، بحسب تصريحات روبيو، تريد الحفاظ على دوره في الملفات الثلاثة المتصلة: سوريا والعراق وتركيا.

ويعكس هذا الترتيب رغبة واشنطن في إدارة هذه الساحات بوصفها ملفاً إقليمياً واحداً، لا ملفات منفصلة. فتركيا لاعب حاسم في شمال سوريا، والعراق يشكل امتداداً أمنياً وسياسياً للمعادلة السورية، بينما تحتاج واشنطن إلى شخصية قادرة على التواصل مع دمشق وأنقرة وبغداد في آن واحد.

لذلك، فإن خروج باراك من المنصب الرسمي لا يعني تراجع نفوذه، بل ربما يعكس انتقاله إلى دور أكثر مرونة، أقل تقيداً باللقب الدبلوماسي، وأكثر ارتباطاً بإدارة التوازنات السياسية المعقدة في سوريا والعراق وتركيا.

الكونغرس يتحرك بهدوء نحو دمج أعمق بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي

في لحظة يتزايد فيها تراجع ثقة قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي بالحكومة الإسرائيلية، يمضي الكونغرس بهدوء نحو خطوة قد تربط المؤسسة العسكرية الأمريكية بإسرائيل أكثر من أي وقت مضى.

ففي النسخة التي طرحها مجلس النواب من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027، ظهر بند يحمل عنوان “مبادرة التعاون الدفاعي التكنولوجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل”. ورغم أن البند يبدو تقنياً في ظاهره، فإنه قد يفتح الباب أمام مستوى غير مسبوق من التكامل بين قطاعي الدفاع في البلدين، بما يتجاوز نموذج المساعدات العسكرية التقليدية الذي حكم العلاقة منذ عقود.

ومنذ تأسيس إسرائيل عام 1948، تلقت تل أبيب أكثر من 200 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية بعد احتساب التضخم. غير أن البند الجديد لا يقتصر على تقديم سلاح أو تمويل، بل يؤسس لمسار أكثر عمقاً: التعاون في البحث والتطوير، والإنتاج المشترك للأسلحة، والمشروعات المشتركة، واتفاقيات الترخيص، وتبادل التكنولوجيا الدفاعية في مجالات تشكل مستقبل الحروب.

من المساعدة إلى الاندماج

تعاونت واشنطن وتل أبيب لسنوات طويلة في مجالات الدفاع الصاروخي، لكن البند الجديد يوسّع نطاق التعاون ليشمل مجالات أكثر حساسية، من بينها الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والأنظمة ذاتية التشغيل، والطاقة الموجهة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية.

الأخطر في هذا السياق أن النص يتحدث أيضاً عن “تكامل الشبكات” و“دمج البيانات”، وهي عبارات قد تعني عملياً أن بيانات الجيش الأمريكي قد تصبح أكثر انفتاحاً أمام الجيش الإسرائيلي، والعكس. وبهذا ينتقل التعاون من مستوى شراء السلاح أو تطوير منظومات محددة، إلى مستوى أعمق يمس بنية المعلومات والأنظمة العسكرية نفسها.

وإذا طُبق هذا المسار بالكامل، فقد يمنح إسرائيل مستوى من الاندماج العسكري–الصناعي مع الولايات المتحدة لا تتمتع به أي دولة أخرى، حتى بين حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي. صحيح أن الولايات المتحدة تتعاون مع شركائها في الناتو في الإنتاج الدفاعي وسلاسل الإمداد، لكنها غالباً تبقى الطرف المصدّر والمهيمن، بينما يقتصر دور الحلفاء على الشراء أو المشاركة الجزئية في التصنيع.

أما هنا، فالمقترح يبدو مختلفاً. إنه لا يكتفي بتسليح إسرائيل، بل يدفع باتجاه دمج قطاعات الدفاع في البلدين ضمن منظومة واحدة تمتد إلى ميادين الحرب المستقبلية.

نفوذ إسرائيلي جديد داخل السياسة الأمريكية

لا تتوقف تداعيات هذا البند عند المجال العسكري. فالتوسع في الإنتاج المشترك والمشروعات الدفاعية داخل الولايات المتحدة يمكن أن يمنح إسرائيل أداة نفوذ سياسية إضافية داخل الكونغرس.

فإذا توسعت شركات إسرائيلية أو مشروعات مشتركة في ولايات أمريكية، وأنشأت مصانع أو خطوط إنتاج في مناطق انتخابية محددة، ستتمكن الحكومة الإسرائيلية من القول إنها توفر وظائف للأمريكيين. وهذا قد يعزز دعم أعضاء الكونغرس الذين تمثل ولاياتهم أو دوائرهم تلك الوظائف، ويضيف بعداً اقتصادياً محلياً إلى النفوذ السياسي التقليدي للوبي الإسرائيلي.

بهذا المعنى، قد لا يعود الدعم لإسرائيل قائماً فقط على الاعتبارات الأيديولوجية أو الأمنية أو نفوذ جماعات الضغط، بل يصبح مرتبطاً أيضاً بمصالح اقتصادية مباشرة داخل الولايات المتحدة. وهذا قد يجعل النظام السياسي الأمريكي أكثر حساسية تجاه رغبات الحكومة الإسرائيلية، حتى عندما تتعارض سياساتها مع أولويات قطاعات متزايدة من الأمريكيين.

تعاون أعمق وشفافية أقل

يمثل البند المقترح انتقالاً من نموذج المساعدات العلنية إلى نموذج الاندماج داخل آليات التعاقد الدفاعي. ففي النموذج التقليدي، تخضع المساعدات العسكرية لإسرائيل لنقاشات وتصويتات علنية، ويمكن للناخبين والمنظمات مراقبتها والاعتراض عليها.

أما إذا انتقلت العلاقة إلى داخل شبكات البحث والتطوير والمشتريات الدفاعية والإنتاج المشترك، فإنها تصبح أقل وضوحاً للرأي العام، وأكثر ارتباطاً بآليات بيروقراطية وفنية يصعب تتبعها. وبذلك يصبح التعاون أعمق، لكنه في الوقت نفسه أقل خضوعاً للمساءلة السياسية والدبلوماسية.

وهنا تكمن خطورة التحول. فالمشكلة لا تتعلق فقط بحجم التعاون العسكري، بل بطريقة إخفائه داخل بنية الدفاع الأمريكية، بحيث يصبح جزءاً من “الماكينة” الدفاعية بدل أن يبقى موضوعاً سياسياً قابلاً للنقاش العام.

فجوة بين الرأي العام والسياسة الرسمية

يأتي هذا التحرك في وقت تتسع فيه الفجوة بين مواقف الرأي العام الأمريكي وسياسات القيادة السياسية تجاه إسرائيل. فاستطلاعات حديثة تشير إلى أن نسبة محدودة فقط من الأمريكيين تؤيد استمرار تزويد إسرائيل بالسلاح دون قيود، بينما تؤيد قطاعات أوسع وقف الإمدادات كلياً أو ربطها بشروط تتعلق بكيفية استخدام السلاح.

كما أن الحرب مع إيران، والدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، أثارا انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة، خصوصاً مع اتهامات باستخدام أسلحة أمريكية في ضربات انتهكت القانون الدولي الإنساني في غزة، ومع تكرار خروقات وقف إطلاق النار في أكثر من جبهة.

ورغم ذلك، لا تزال القيادات التقليدية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري متمسكة بدعم واسع لإسرائيل، ما يسمح بتمرير بنود مثل هذا داخل النصوص التشريعية الأساسية قبل فتح باب التعديلات والنقاش الأوسع.

اعتراضات داخل الحزبين

مع ذلك، بدأت تظهر مؤشرات تغير داخل الحزبين. ففي المعسكر الديمقراطي، انتقد السيناتور كريس فان هولين الدعم غير المشروط للحكومات الإسرائيلية، معتبراً أن هذا الدعم أصبح في حالات كثيرة يتعارض مع المصالح والقيم الأمريكية.

وعلى الجانب الجمهوري، انتقد نواب سابقين مثل توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين نفوذ اللوبي الإسرائيلي داخل السياسة الأمريكية، في مواقف نادرة داخل حزب ظل تقليدياً أكثر تشدداً في دعمه لإسرائيل.

ورغم أن هذه الأصوات لا تزال محدودة مقارنة بالتيار الرئيسي في الكونغرس، فإنها تعكس تحوّلاً تدريجياً في النقاش الأمريكي حول إسرائيل، خصوصاً مع تصاعد كلفة الحروب في الشرق الأوسط، وتزايد رفض الناخبين للتورط العسكري الخارجي.

اختبار للكونغرس

يرى منتقدو البند أن على أعضاء الكونغرس المعترضين على سياسات إسرائيل في المنطقة أن يتحركوا الآن لإزالة المادة 224 من قانون الدفاع، قبل أن تتحول إلى أساس قانوني لاندماج عسكري–صناعي طويل المدى بين البلدين.

فالسؤال لم يعد فقط: كم تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل من مساعدات؟ بل أصبح: هل ستصبح إسرائيل جزءاً بنيوياً من منظومة الدفاع الأمريكية؟ وهل يمكن لهذا الاندماج أن يجر واشنطن إلى صراعات إقليمية لا يريدها الرأي العام الأمريكي؟

إذا أُقر هذا المسار، فقد تنتقل العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية إلى مرحلة جديدة، لا تقوم على المساعدات فقط، بل على دمج القدرات والبيانات والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج. وهذا سيجعل فك الارتباط أو حتى فرض قيود سياسية مستقبلية أكثر صعوبة.

خاتمة

يعكس البند 224 من مشروع قانون الدفاع الأمريكي لعام 2027 تحولاً بالغ الأهمية في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فمن نموذج الدعم العسكري المباشر، يتجه الكونغرس نحو نموذج الاندماج الدفاعي العميق، حيث تتشابك الصناعات والبيانات والتقنيات والوظائف والمصالح السياسية.

قد يُقدم هذا التحول بوصفه تعاوناً تكنولوجياً بين حليفين، لكنه في جوهره يطرح أسئلة كبيرة حول السيادة، والشفافية، والمساءلة، ومخاطر ربط الجيش الأمريكي بشكل أعمق بسياسات حكومة إسرائيلية يزداد الجدل حولها داخل الولايات المتحدة نفسها.

وبينما تتراجع شعبية الدعم غير المشروط لإسرائيل بين قطاعات متزايدة من الأمريكيين، يبدو أن الكونغرس يتحرك في الاتجاه المعاكس: لا لتقليص الارتباط، بل لتعميقه ونقله إلى مستويات يصعب على الرأي العام رؤيتها أو محاسبتها.

إدارة ترامب تبحث عن مسار جديد للرسوم الجمركية بعد تعثرها أمام القضاء

تسابق إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الوقت لإعادة بناء جدار الرسوم الجمركية الذي هدمته المحكمة العليا قبل أقل من أربعة أشهر، بعدما قضت بأن الإدارة تجاوزت صلاحياتها في فرض رسوم واسعة على معظم شركاء الولايات المتحدة التجاريين.

وفي أحدث خطوة ضمن هذا المسار، اقترحت الإدارة فرض رسوم جمركية مزدوجة الرقم على واردات قادمة من عشرات الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، وذلك عقب تحقيق في السلع التي يُزعم أنها صُنعت باستخدام العمل القسري. ومن المرجح أن لا تكون هذه الحزمة الأخيرة، إذ تستعد واشنطن لمزيد من الإجراءات الجمركية خلال الأسابيع المقبلة.

وبموجب المقترح الذي كُشف عنه في واشنطن، ستواجه 16 جهة اقتصادية، من بينها كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي وتايوان والمملكة المتحدة، رسوماً بنسبة 10%، بدعوى تقصيرها في إنفاذ الحظر المفروض على السلع المنتجة بالعمل القسري. أما 44 شريكاً تجارياً آخر، من بينهم الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وسويسرا، فقد تُفرض عليهم رسوم بنسبة 12.5%.

وتأتي هذه الرسوم في إطار محاولة ترامب تعويض الإيرادات التي فقدتها حكومته بعد إبطال المحكمة العليا للرسوم العالمية الواسعة التي فرضها العام الماضي. كما تعكس إصرار الإدارة على إبقاء الاقتصاد الأمريكي محاطاً بجدار حمائي، رغم الانتكاسات القضائية والاعتراضات الدولية.

العمل القسري كمدخل قانوني جديد

بررت إدارة ترامب خطوتها الجديدة بالقول إن فشل الشركاء التجاريين في منع دخول السلع المصنوعة بالعمل القسري إلى الأسواق العالمية يضر بالتجارة الأمريكية، ويخلق منافسة غير عادلة ضد العمال الأمريكيين.

وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير إن تقاعس الشركاء التجاريين عن معالجة هذه القضية “غير مقبول”، لأنه يضع العمال الأمريكيين في مواجهة منافسة عالمية غير متكافئة. واعتبر مكتبه أن هذا الفشل يمثل ممارسة “غير معقولة” تقيّد التجارة الأمريكية أو تثقلها.

غير أن منتقدي الخطة يرون أن ملف العمل القسري يُستخدم هنا كغطاء قانوني وسياسي لإعادة فرض رسوم واسعة على عشرات الدول، بعدما فشلت الإدارة في الدفاع عن الرسوم السابقة أمام القضاء. فالاتحاد الأوروبي، مثلاً، رفض الاتهامات الأمريكية، معتبراً أن بروكسل تبنت من بين أكثر القواعد صرامة في العالم ضد المنتجات المصنوعة بالعمل القسري.

أما الصين، فرفضت الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أنه لا وجود للعمل القسري في البلاد، ومعتبرة أن واشنطن تستخدم هذا الملف ذريعة للمناورة السياسية والضغط التجاري.

محاولة لتجنب أثر الأسعار

تدرك إدارة ترامب أن الرسوم الجمركية يدفعها في النهاية المستوردون الأمريكيون، الذين غالباً ما ينقلون التكلفة إلى المستهلكين. ولذلك تحاول الإدارة الحد من الأثر المباشر على الأسعار، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وارتفاع قلق الأمريكيين من التضخم وتكاليف المعيشة.

ولهذا السبب، يتضمن المقترح إعفاءات واسعة تشمل قائمة طويلة من السلع، من بينها قطع غيار الطائرات، وبعض المنتجات الغذائية مثل القهوة واللحوم، إضافة إلى المعادن النادرة الضرورية لصناعة الهواتف الذكية والسيارات. كما ستُستثنى المنتجات القادمة من كندا والمكسيك إذا كانت مشمولة باتفاقية التجارة في أمريكا الشمالية.

ولن تدخل الرسوم الجديدة حيز التنفيذ فوراً، إذ ستخضع أولاً لفترة تعليقات عامة ومراجعة رسمية، على أن تبدأ جلسات الاستماع العامة بشأنها في يوليو/تموز.

خلفية قضائية معقدة

تأتي هذه المناورة الجديدة بعد سلسلة انتكاسات قانونية تعرضت لها سياسة ترامب الجمركية. ففي فبراير/شباط، قضت المحكمة العليا بأن الرئيس تجاوز صلاحياته عندما استخدم قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 لفرض رسوم واسعة على معظم دول العالم.

وقد أدى هذا الحكم إلى إسقاط تلك الرسوم، وفتح الباب أمام الشركات التي دفعتها للمطالبة باسترداد أموالها. وبعد الخسارة القضائية، لجأ ترامب إلى قانون آخر لفرض رسوم مؤقتة بنسبة 10% على الواردات العالمية، لكن هذه الرسوم تنتهي في 24 يوليو/تموز. كما قضت محكمة تجارية متخصصة بعدم قانونيتها، رغم السماح للحكومة مؤقتاً بمواصلة تحصيلها ريثما تُستكمل الإجراءات القضائية.

هذه التطورات وضعت الإدارة أمام مأزق مزدوج: فهي تريد الحفاظ على الإيرادات الجمركية، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى سند قانوني أكثر صلابة من المسارات السابقة التي أبطلتها المحاكم.

العودة إلى المادة 301

لهذا السبب، تتجه الإدارة إلى استخدام المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة قانونية تسمح بفرض رسوم أو عقوبات تجارية على الدول التي تمارس سياسات “غير مبررة” أو “غير معقولة” أو “تمييزية” تضر بالتجارة الأمريكية.

سبق لترامب أن استخدم هذه المادة خلال ولايته الأولى لفرض رسوم كبيرة على الصين، وقد صمدت هذه الأداة أمام تحديات قانونية سابقة، ما يجعلها أكثر جاذبية للإدارة في المرحلة الحالية.

ويرى بعض خبراء التجارة أن ربط المادة 301 بملف العمل القسري يمنح الإدارة موقعاً سياسياً قوياً، لأن معارضة مكافحة العمل القسري تبدو صعبة من الناحية الأخلاقية والسياسية. لكن هذا لا يلغي الاتهامات بأن الإدارة تحاول تطويع الوقائع لتناسب هدفاً مقرراً مسبقاً: إعادة بناء الرسوم الجمركية التي أسقطتها المحاكم.

الإيرادات في قلب المعركة

لا تتعلق الرسوم الجمركية بالسياسة التجارية وحدها، بل بالإيرادات أيضاً. فقد وفرت رسوم ترامب عشرات المليارات من الدولارات للحكومة الفيدرالية، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من فجوة مزمنة بين الإنفاق العام والإيرادات الضريبية.

وكان ترامب يعوّل على الرسوم الواسعة لتعويض جزء من الإيرادات التي تراجعت بسبب التخفيضات الضريبية الكبيرة التي أقرها عام 2025. لكن التحصيل الجمركي بدأ يتراجع بعد الهزائم القضائية، بعدما بلغ ذروته في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بأكثر من 31 مليار دولار، قبل أن ينخفض إلى نحو 22 مليار دولار في مارس/آذار وأبريل/نيسان.

لذلك تعهد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت بتعويض الإيرادات المفقودة، ما يفسر السرعة الكبيرة التي تتحرك بها الإدارة لإعداد الحزمة الجديدة قبل انتهاء الرسوم المؤقتة في يوليو/تموز.

مسارات أخرى قيد الإعداد

لا تقتصر تحركات الإدارة على ملف العمل القسري. فهي تتابع أيضاً قضية أخرى بموجب المادة 301 تتعلق بما تصفه بالإفراط في الإنتاج لدى 16 شريكاً تجارياً، من بينهم الصين والاتحاد الأوروبي واليابان، وهي اقتصادات تمثل مجتمعة نسبة كبيرة من الواردات الأمريكية.

وتتهم واشنطن هذه الدول بإغراق الأسواق بالسلع، وخفض الأسعار بطريقة تضر بالمصنّعين الأمريكيين. كما اقترحت الإدارة فرض رسوم بنسبة 25% على البرازيل، متهمة إياها بممارسات تجارية “غير معقولة”، تشمل ضعف تطبيق قوانين مكافحة الفساد وفرض رسوم غير عادلة.

بهذا المعنى، يبدو أن إدارة ترامب لا تسعى فقط إلى استبدال الرسوم التي أسقطتها المحكمة، بل إلى بناء منظومة جمركية جديدة أوسع وأكثر تماسكاً قانونياً، تعتمد على عدة ملفات: العمل القسري، والإفراط في الإنتاج، والممارسات التجارية غير العادلة.

خاتمة

تكشف الخطوة الجديدة عن إصرار إدارة ترامب على إبقاء الرسوم الجمركية في قلب سياستها الاقتصادية، رغم العوائق القضائية والاعتراضات الدولية. فالبيت الأبيض لا ينظر إلى الرسوم بوصفها أداة تجارية فقط، بل كوسيلة لحماية الصناعة الأمريكية، والضغط على الشركاء التجاريين، وتوفير إيرادات للخزانة.

غير أن المسار الجديد لن يكون خالياً من التحديات. فالدول المستهدفة ترفض الاتهامات، والشركات الأمريكية تخشى انتقال الكلفة إلى المستهلكين، والمحاكم قد تعود لتفحص مدى قانونية هذه الإجراءات. وبين الحاجة إلى الإيرادات، وضغط الأسعار، وحسابات الانتخابات، تبدو الرسوم الجمركية مرة أخرى في قلب معركة ترامب الاقتصادية والسياسية.

إيران

إيران بعد خامنئي: تحالف وحيدي وجعفري يعيد رسم موازين القوة داخل الحرس الثوري

كشف تقرير لصحيفة “التليغراف” عن تحولات عميقة داخل بنية السلطة في إيران، مع تراجع موقع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وصعود تحالف نافذ داخل الحرس الثوري يجمع بين أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس، ومحمد علي جعفري، القائد السابق للمؤسسة العسكرية الأكثر نفوذاً في البلاد.

وبحسب التقرير، فإن مرحلة ما بعد وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، وما أعقبها من اختفاء غامض لنجله وخليفته المفترض مجتبى خامنئي، فتحت الباب أمام موجة من التكهنات بشأن هوية الرجل الأقوى في طهران. وفي البداية، ذهبت قراءات عديدة إلى تصوير قاليباف، القيادي السابق في الحرس الثوري ورئيس البرلمان الحالي، بوصفه “بوتين إيران” أو الشخصية القادرة على ملء فراغ القيادة.

غير أن هذه الصورة لم تدم طويلاً. فمع أن الحرس الثوري لا يزال يمسك بمفاصل النظام، إلا أن مركز الثقل الفعلي، وفق التقرير، لا يبدو في يد قاليباف، بل داخل تحالف أكثر تشدداً وأعمق ارتباطاً بالبنية الأمنية والأيديولوجية للحرس.

أحمد وحيدي في الواجهة

تشير “التليغراف” إلى أن أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس الثوري، بات الشخصية الأقوى داخل النظام الإيراني، وهو تقدير تقول الصحيفة إن مصادر استخباراتية غربية أكدته لاحقاً.

ورغم أن وحيدي يُعد من الوجوه القديمة والمؤثرة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، فإنه ابتعد خلال السنوات الماضية عن القيادة المباشرة للحرس بسبب توليه مناصب حكومية وبيروقراطية. لذلك، فإن عودته إلى رأس الحرس الثوري فرضت عليه تحدياً أساسياً: بناء قاعدة نفوذ داخل المؤسسة، خصوصاً بين الأجيال الشابة من الحرس وميليشيا الباسيج.

هنا يبرز دور محمد علي جعفري، القائد السابق للحرس الثوري، الذي تصفه الصحيفة بأنه ربما ثاني أقوى شخصية في إيران حالياً. فجعفري يمتلك شبكة تأثير عميقة داخل الحرس، ولا سيما بين العناصر الشابة والمتشددة أيديولوجياً، وهي القاعدة التي يحتاجها وحيدي لترسيخ موقعه الجديد.

خصومة قديمة مع قاليباف

لا يبدو التحالف بين وحيدي وجعفري مجرد تقاطع مصالح عابر، بل يقوم أيضاً على خصومة مشتركة مع قاليباف. فقد ظهر الصراع بين جعفري وقاليباف إلى العلن عام 2022، بعد تسريب تسجيل صوتي يعود إلى عام 2018، قيل إنه يوثق محادثة بين جعفري، حين كان قائداً للحرس الثوري، ومسؤول اقتصادي في المؤسسة، تطرقت إلى اتهامات فساد تطال قاليباف.

ورغم أن جعفري نفسه خسر منصبه لاحقاً، فإن الخصومة بقيت حاضرة داخل أجنحة الحرس. وبحسب التقرير، فإن قاليباف لم يُهمّش فقط في المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل باتت أوساط داخل الحرس، خصوصاً بين القيادات الأصغر سناً، تتحدث عن شعوره بالاستياء بعد استبعاده من الدائرة الضيقة للنفوذ.

وتضيف الصحيفة أن وحيدي، بوصفه من المتشددين الأيديولوجيين، قد ينظر هو الآخر بريبة إلى قاليباف بسبب ملفات الفساد التي أضرت بصورة الحرس الثوري كقوة عقائدية تدّعي الطهارة الثورية والانضباط الإسلامي.

محمد علي جعفري ومقر “بقية الله”

رغم خروجه من قيادة الحرس عام 2019، لم يختف جعفري من المشهد. فقد تولى قيادة واحدة من أكثر المؤسسات غموضاً داخل بنية النظام، وهي مقر “بقية الله”، الذي يُعد ذراعاً اجتماعية وثقافية للحرس الثوري.

وتكشف تسريبات حصلت عليها “التليغراف” أن هذا المقر يتمتع بمكانة خاصة، قريبة من مكانة قوة القدس، إذ يرفع تقاريره مباشرة إلى مكتب المرشد. وهذا يمنحه وزناً استثنائياً في إدارة المجتمع، وتوجيه الرأي العام، وصياغة النتائج السياسية والاجتماعية داخل إيران.

ويُنظر إلى جعفري باعتباره أحد أبرز الاستراتيجيين داخل الحرس الثوري. فخلال قيادته للمؤسسة بين عامي 2007 و2019، قاد عملية إعادة هيكلة واسعة للحرس، تقوم على اللامركزية والاستعداد لحربين متزامنتين: حرب خارجية مع خصوم إيران، واضطرابات داخلية تهدد النظام.

وفي عهده، توسعت قدرات الحرس العسكرية والأمنية بشكل كبير. فقد ساهم في إنشاء جهاز استخبارات الحرس، وأسس القيادة السيبرانية، وعزز قدرات الحرب غير المتكافئة ضد الولايات المتحدة، كما لعب دوراً أساسياً في قمع الاحتجاجات الداخلية.

“الحلقة الوسطى”: قاعدة النظام المتشددة

من أبرز الأدوات التي طورها جعفري بعد عام 2019 ما يعرف داخل أدبيات الحرس الثوري بـ“الحلقة الوسطى”، وهي شبكة من الشباب المتشددين أيديولوجياً، تعمل في الأحياء والمجتمعات المحلية بوصفها قوة تعبئة ورقابة وتأثير سياسي.

كان هدف جعفري، بحسب التقرير، إنشاء مئات آلاف المجموعات الصغيرة التي تضم ملايين الأعضاء خلال سنوات قليلة، بهدف تنفيذ عمليات ثقافية وسياسية تتراوح بين الدعاية والرقابة الأيديولوجية، والتأثير في الانتخابات، وتوجيه المجتمع بما يخدم بقاء النظام.

ومنذ عام 2019، استُخدمت هذه الشبكة في هندسة المسارات الانتخابية، وترسيخ النفوذ بين الأجيال الثالثة والرابعة من الحرس والباسيج. وهذه الفئات الشابة والمتشددة هي تحديداً ما يحتاجه وحيدي اليوم لبناء قاعدة شخصية داخل المؤسسة.

تحالف مصلحة وأيديولوجيا

يقوم تحالف وحيدي وجعفري على تبادل واضح للمصالح. فوحيدي يحتاج إلى شبكات جعفري داخل “الحلقة الوسطى” وبين الأجيال الشابة في الحرس والباسيج كي يرسخ قيادته الجديدة. في المقابل، يستخدم جعفري صعود وحيدي لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الحرس، وتهميش خصومه، وفي مقدمتهم قاليباف.

لكن التحالف لا يقوم على الحسابات الشخصية وحدها، بل على أرضية أيديولوجية مشتركة. فكلا الرجلين يمثلان تياراً متشدداً داخل الحرس، يرى السياسة والمجتمع والمنطقة من منظور أمني–ديني صارم. وإذا نجح هذا التحالف في تثبيت نفسه، فقد يدفع الحرس الثوري نحو مزيد من التشدد والانغلاق، ويمنح نفوذاً أكبر للأجنحة الشابة الأكثر التزاماً بالعقيدة الثورية، والأقل ارتباطاً بالبيروقراطية التقليدية في طهران.

من دولة يحميها الحرس إلى دولة يحكمها الحرس

تخلص القراءة التي تقدمها الصحيفة إلى أن صعود محور وحيدي–جعفري قد يسرّع تحول النظام الإيراني من دولة دينية يحميها الحرس الثوري إلى دولة أمنية–دينية يهيمن عليها الحرس نفسه بصورة مباشرة.

داخلياً، قد يعني ذلك مزيداً من القمع والرقابة وتضييق المجال العام، خصوصاً إذا أصبحت شبكات “الحلقة الوسطى” أكثر حضوراً في الأحياء والجامعات والمؤسسات الاجتماعية. أما خارجياً، فقد يدفع الحرس، إذا أمسك بالقرار السياسي بصورة أوسع، نحو سياسة أكثر عدوانية، ترى المواجهة مع الخصوم لغة طبيعية للسلطة، لا مغامرة ينبغي تجنبها.

وبذلك لا يبدو تهميش قاليباف مجرد صراع شخصي داخل النخبة، بل علامة على تحول أعمق في بنية النظام الإيراني. فالتيار الصاعد داخل الحرس لا يسعى فقط إلى إدارة المرحلة الانتقالية بعد خامنئي، بل إلى إعادة صياغة الدولة نفسها وفق منطق أمني وعقائدي أكثر صرامة.

وإذا نجا النظام الإيراني من الحرب ومن ارتدادات مرحلة ما بعد خامنئي، فإن تحالف وحيدي وجعفري قد يصبح أحد أهم مفاتيح فهم إيران المقبلة: إيران أكثر عسكرة، أكثر أيديولوجية، وأقل استعداداً للتسويات الداخلية والخارجية.

تركيا

أزمة قيادة داخل حزب الشعب الجمهوري التركي: صراع الشرعية ينتقل إلى أبواب البرلمان

يشهد حزب الشعب الجمهوري التركي واحدة من أكثر أزماته الداخلية حدة، بعدما تحولت الخلافات حول القيادة والشرعية الحزبية إلى مواجهة مفتوحة أمام البرلمان التركي، على خلفية قرار قضائي وُصف بـ “البطلان المطلق”، أعاد خلط الأوراق داخل الحزب ودفع جناحي كمال كليتشدار أوغلو وأوزغور أوزيل إلى صدام سياسي وتنظيمي مباشر.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام تركية، أدى القرار القضائي إلى اعتبار كمال كليتشدار أوغلو عائداً قانونياً إلى موقع رئاسة الحزب، ما فتح الباب أمام أزمة قيادة مزدوجة داخل حزب الشعب الجمهوري. وفي ظل هذا المناخ، أعلن كليتشدار أوغلو عزمه عقد اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب في البرلمان، بينما تمسك أوزغور أوزيل، رئيس الكتلة، بحقه في إدارة الاجتماع والتحدث من على المنصة.

البرلمان يتحول إلى ساحة مواجهة

بدأ التوتر منذ ساعات الصباح الأولى أمام بوابة ديكمن التابعة للبرلمان التركي، حيث تجمع أنصار الطرفين بالتزامن مع دعوات متعارضة لعقد اجتماع الكتلة البرلمانية في التوقيت نفسه. ومع احتشاد المؤيدين، ارتفعت حدة التوتر سريعاً، لتندلع مناوشات كلامية وجسدية بين أنصار كليتشدار أوغلو وأوزيل.

ووثقت الكاميرات لحظات مشادة حادة بين امرأتين من أنصار الطرفين، بعدما أطلقت إحداهما وصف “خائن”، لترد الأخرى بأن “لا أحد في حزب الشعب الجمهوري خائن”. وتصاعدت المشادة إلى تبادل اتهامات وشتائم، في مشهد عكس عمق الانقسام داخل الحزب.

ومع اتساع الفوضى، أغلقت قوات الأمن وحرس البرلمان المداخل، وأُعلن منع الدخول والخروج، بما في ذلك أمام الصحفيين، في محاولة لمنع تحول الخلاف الحزبي إلى اشتباك أوسع داخل مقر البرلمان.

اجتماعان وشرعيتان

تتمحور الأزمة حول من يملك حق الدعوة إلى اجتماع الكتلة البرلمانية ومن يملك حق الحديث باسم الحزب. فقد أرسل كليتشدار أوغلو خطاباً رسمياً إلى رئاسة البرلمان، أعلن فيه عقد اجتماع كتلة حزب الشعب الجمهوري في 9 يونيو/حزيران، مؤكداً أنه سيلقي الكلمة الافتتاحية بصفته رئيساً للحزب.

في المقابل، أعلن أوزغور أوزيل أن اجتماع الكتلة سيُعقد وفق إجراءات الكتلة البرلمانية، وأن الكلمة الافتتاحية ستكون له. ووصف محاولة جناح كليتشدار أوغلو عقد اجتماع موازٍ بأنها “اجتماع غير شرعي”، معتبراً أن تنظيم اجتماع الكتلة لا يتم إلا بقرار من رئاسة الكتلة أو إدارتها.

كما أكد أوزيل أن كليتشدار أوغلو لن يتمكن من جمع العدد اللازم من النواب لعقد اجتماع مستقل، مشيراً إلى أن الاجتماع الرسمي سيُدار من قبل رئاسة الكتلة، وأنه هو من سيتحدث أمام النواب.

إجراءات أمنية وقيود على الزوار

مع تصاعد الأزمة، قررت رئاسة البرلمان التركي فرض قيود على دخول الزوار إلى مباني البرلمان، خصوصاً في محيط قاعات اجتماعات الأحزاب. وبموجب هذه الإجراءات، لن يُسمح بالدخول إلا للأشخاص الذين يتم إبلاغ أسمائهم رسمياً من قبل مسؤولي الكتل البرلمانية، ويحملون بطاقات دخول خاصة باجتماعات الكتل.

ويعني ذلك عملياً أن السيطرة على قوائم الدخول قد تصبح جزءاً من الصراع التنظيمي داخل الحزب. فإذا لم تُرسل إدارة الكتلة، الخاضعة لخط أوزيل، قوائم أنصار كليتشدار أوغلو إلى رئاسة البرلمان، فقد يُمنع هؤلاء من دخول الاجتماع.

كليتشدار أوغلو يدعو إلى الوحدة

في خضم التصعيد، نشر كمال كليتشدار أوغلو رسالة دعا فيها أعضاء الحزب إلى التماسك وضبط النفس، مؤكداً أن أبناء حزب الشعب الجمهوري ليسوا خصوماً لبعضهم، بل رفاق يسيرون “كتفاً إلى كتف” من أجل الهدف نفسه.

كما أعلن أن اجتماع مجلس الحزب المقرر  في 11 يونيو/حزيران سيشهد إطلاق مسار المؤتمر العام، في محاولة لإعادة تنظيم المشهد الداخلي عبر الآليات الحزبية. ودعا كليتشدار أوغلو كل التنظيمات الحزبية إلى المشاركة في اجتماع الكتلة بروح واحدة وبحس من المسؤولية والرفاقية.

غير أن دعوته إلى الوحدة لم تمنع استمرار التراشق بين الجناحين. فقد اعتبر بعض المقربين منه أن رئاسة الكتلة تعمل تحت سلطة رئيس الحزب، وأن الكلمة الأخيرة ينبغي أن تكون للقيادة العامة. في المقابل، شدد جناح أوزيل على أن إدارة اجتماع الكتلة شأن يخص نواب الحزب ورئاسة الكتلة البرلمانية.

اتهامات بإنشاء “مركز موازٍ”

قال فائق أوزتراك، أحد الأسماء القريبة من كليتشدار أوغلو، إن رئيس الكتلة يعمل تحت سلطة رئيس الحزب، معتبراً أن الكلمة النهائية يجب أن تكون للقيادة العامة وفق النظام الداخلي. كما اتهم خصوم كليتشدار أوغلو بمحاولة إنشاء “مركز عام موازٍ” داخل البرلمان، مشيراً إلى أن بعض من لا يريدون التخلي عن مواقعهم يضرون بالحزب.

من جهة أخرى، قال مصدر من إدارة الكتلة البرلمانية إن صلاحية الدعوة إلى اجتماع الكتلة تعود إلى مجموعة حزب الشعب الجمهوري في البرلمان، مضيفاً أنه إذا حضر كليتشدار أوغلو، فبإمكانه الاستماع أولاً إلى كلمة أوزيل، ثم التحدث بعده أو مغادرة القاعة.

أزمة تتجاوز خلاف الأشخاص

لا تبدو أزمة حزب الشعب الجمهوري مجرد خلاف بين زعيمين على المنصة أو توقيت اجتماع برلماني. فهي تكشف صراعاً أعمق على الشرعية داخل الحزب، بين شرعية قضائية يستند إليها كليتشدار أوغلو بعد قرار “البطلان المطلق”، وشرعية تنظيمية وبرلمانية يتمسك بها أوزيل وأنصاره بوصفهم أصحاب إدارة الكتلة الحالية.

كما أن هذه الأزمة تأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث يواجه الحزب أسئلة صعبة حول قدرته على إدارة خلافاته الداخلية، والحفاظ على صورته بوصفه الحزب المؤسس للجمهورية وأكبر قوة معارضة في البلاد.

وقد حذر متحدثون باسم جناح كليتشدار أوغلو من أن أي فوضى أو تصعيد داخل البرلمان سيُعد إساءة إلى الحزب وإلى الإرث السياسي لمصطفى كمال أتاتورك، في إشارة إلى حساسية المشهد ورمزيته داخل الحياة السياسية التركية.

خاتمة

تضع الأزمة الحالية حزب الشعب الجمهوري أمام اختبار صعب في البرلمان وخارجه. فالصراع لم يعد محصوراً في أروقة الحزب، بل انتقل إلى أبواب المؤسسة التشريعية، مع احتمال أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة بين أنصار جناحين يتنازعان الشرعية والقيادة.

وبين دعوة كليتشدار أوغلو إلى إطلاق مسار المؤتمر العام، وتمسك أوزيل بإدارة الكتلة البرلمانية، يبدو أن الحزب مقبل على مرحلة شديدة الاضطراب، قد تحدد ليس فقط هوية رئيسه، بل أيضاً قدرته على البقاء موحداً في مواجهة الاستحقاقات السياسية المقبلة.

تركيا وأرمينيا نحو تطبيع حذر: هل تنتصر المصالح على ذاكرة الصراع؟

تشهد العلاقات التركية–الأرمينية في المرحلة الأخيرة حراكاً لافتاً باتجاه توسيع مساحة التفاهم، في ظل رغبة متبادلة في دفع مسار التطبيع إلى مستويات أكثر تقدماً. ويأتي هذا التحول في سياق إقليمي شديد الاضطراب، أعادت فيه التحولات الجيوسياسية المتسارعة ترتيب حسابات القوى في جنوب القوقاز  والشرق الأوسط، وفرضت على دول المنطقة مراجعة خياراتها ومواقعها.

ورغم الإرث التاريخي الثقيل الذي ظل لعقود عائقاً أمام أي تقارب حقيقي بين أنقرة ويريفان، فإن منطق الضرورة والمصلحة بدأ يفرض نفسه بقوة على حسابات الطرفين. فالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من ارتباك في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وخطوط التجارة، دفعت البلدين إلى النظر إلى التطبيع من زاوية براغماتية، تتجاوز مؤقتاً على الأقل الملفات التاريخية الشائكة.

لم يبدأ مسار التقارب التركي–الأرمني من الصفر؛ فقد شهدت السنوات الماضية محاولات دبلوماسية متقطعة لإعادة فتح قنوات الحوار بين الجانبين. غير أن التطورات الأخيرة منحت هذا المسار زخماً جديداً، وجعلته جزءاً من حسابات إقليمية أوسع تتعلق بالممرات التجارية، والطاقة، وإعادة التموضع في جنوب القوقاز.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل أصبح التطبيع بين تركيا وأرمينيا أقرب من أي وقت مضى، أم أن أثقال الماضي وحسابات القوى الإقليمية ستظل أقوى من منطق المصالح؟

التطبيع كضرورة لا كترف سياسي

لم يعد التطبيع التركي–الأرمني مجرد خيار دبلوماسي يمكن تأجيله، بل بات أقرب إلى ضرورة فرضتها المتغيرات الإقليمية المتلاحقة. فمنذ حرب قره باغ، مروراً بالحرب الروسية–الأوكرانية، وصولاً إلى التصعيد ضد إيران، تكشفت حدود القطيعة الطويلة بين البلدين، وظهرت كلفتها السياسية والاقتصادية على الطرفين.

بالنسبة إلى أرمينيا، يمثل الانفتاح على تركيا محاولة للخروج من العزلة الجغرافية والسياسية التي تعمقت بعد حرب قره باغ. فأرمينيا دولة حبيسة، ظلت لعقود محاصرة بحدود مغلقة مع تركيا وأذربيجان، ومقيدة بممرات محدودة جعلتها أكثر اعتماداً على أطراف خارجية، وفي مقدمتها روسيا.

لكن تراجع الدور الروسي في جنوب القوقاز، بفعل انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، دفع يريفان إلى البحث عن بدائل أوسع، وفتح هامش مناورة جديد باتجاه تركيا والغرب. ومن هذا المنطلق، لم يعد التطبيع بالنسبة إلى أرمينيا مجرد رغبة سياسية، بل بات وسيلة محتملة لإعادة تعريف موقعها الجغرافي، والتحول من دولة محاصرة إلى عقدة عبور  في جنوب القوقاز.

أما تركيا، فتنظر إلى التطبيع مع أرمينيا من زاوية استراتيجية واقتصادية أوسع. فأنقرة تسعى إلى تعزيز مكانتها بوصفها مركزاً إقليمياً للطاقة والنقل والتجارة، يربط بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا. ومن شأن فتح قنوات التعاون مع أرمينيا أن يدعم هذا الطموح، خصوصاً عبر مشاريع الربط والبنية التحتية، وفي مقدمتها خط كارس–جيومري.

لذلك، لا يمكن التعامل مع اجتماع مجموعة العمل التركية–الأرمينية الخاصة بإعادة تأهيل وتشغيل هذا الخط باعتباره ملفاً فنياً محدوداً، بل هو مؤشر سياسي على انتقال التطبيع من مستوى التصريحات إلى مستوى المشاريع العملية.

الاقتصاد بوابة السياسة

عندما تعجز السياسة عن تجاوز الأزمات التاريخية، قد يصبح الاقتصاد المدخل الأكثر قدرة على كسر الجمود. وهذا ما تحاول تركيا وأرمينيا اختباره اليوم. فالمصالح التجارية والاستثمارية تبدو أقل حساسية من الملفات التاريخية، وأكثر قابلية للتحول إلى أرضية مشتركة.

في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة تشغيل خط سكك الحديد كارس–جيومري، الذي يربط شرق تركيا بشمال غرب أرمينيا. فهذا الخط لا يمثل مجرد مسار للنقل، بل يحمل رمزية سياسية واقتصادية كبيرة، لأنه كان تاريخياً جزءاً من شبكة أوسع تربط تركيا بالقوقاز، قبل أن يتوقف عملياً بعد إغلاق الحدود التركية–الأرمينية عام 1993 على خلفية حرب قره باغ الأولى.

إعادة طرح هذا الخط اليوم تعني أن البلدين يختبران إمكانية تحويل التطبيع من فكرة سياسية إلى واقع ملموس. فالسكك الحديدية هنا لا تنقل البضائع فقط، بل تختبر أيضاً جدية الإرادة السياسية، واستعداد الطرفين لبناء مصالح مشتركة قابلة للاستمرار.

كما يحضر ملف الطاقة بقوة في خلفية هذا المسار. فالاضطرابات التي شهدتها المنطقة بعد التصعيد ضد إيران جعلت القوقاز  أكثر أهمية بوصفه مساحة عبور استراتيجية بين الشرق والغرب. ومن ثم، فإن تحويل جنوب القوقاز إلى منطقة ربط للطاقة والتجارة قد يمنح تركيا وأرمينيا مكاسب متبادلة، ويجعل القطيعة أقل جدوى من التعاون.

أذربيجان وإيران: الحاضران في الخلفية

لا يمكن فهم التطبيع التركي–الأرمني بمعزل عن أذربيجان. فباكو هي الحليف الاستراتيجي لأنقرة، والطرف الأكثر حساسية تجاه أي تقارب بين تركيا وأرمينيا. لذلك، فإن أي خطوة تركية باتجاه يريفان ستظل محكومة بمدى قبول أذربيجان لها، أو على الأقل عدم اعتراضها عليها.

تمتلك باكو قدرة واضحة على التأثير في مسار التطبيع، سواء عبر دعمه إذا رأت فيه جزءاً من تسوية أوسع في جنوب القوقاز، أو عبر تعطيله إذا اعتبرته مساساً بمصالحها الأمنية والسياسية. ولهذا، فإن العلاقة التركية–الأرمينية ليست ملفاً ثنائياً خالصاً، بل تتحرك ضمن مثلث إقليمي يضم أنقرة ويريفان وباكو.

أما إيران، فهي حاضرة في خلفية المشهد، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً في مسار التطبيع. تنظر طهران بحساسية إلى أي ترتيبات جديدة قد تقلص نفوذها في جنوب القوقاز، أو تضعف دورها بوصفها طريقاً بديلاً للتجارة والعبور. فالممرات التي قد تربط تركيا بأذربيجان وآسيا الوسطى عبر القوقاز يمكن أن تعزز النفوذ التركي–الأذربيجاني على الحدود الشمالية لإيران، وتقلل من أهمية الجغرافيا الإيرانية في بعض مسارات النقل والتجارة.

لذلك، يبقى نجاح التطبيع مشروطاً بقدرة أنقرة ويريفان على إدارة هذه الحسابات المتداخلة، لأن المسار لا يتحرك داخل فراغ، بل ضمن بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تختلط فيها المصالح الاقتصادية بالهواجس الأمنية.

الداخل بين الذاكرة والمصلحة

لا تقل الحسابات الداخلية أهمية عن الحسابات الإقليمية. ففي أرمينيا، يبقى التطبيع مع تركيا ملفاً بالغ الحساسية بسبب الذاكرة التاريخية الثقيلة. وأي اندفاع حكومي نحو التقارب قد يثير اتهامات داخلية بالتفريط في الذاكرة الوطنية أو تجاوز  تضحيات الماضي.

لكن في المقابل، هناك تيار أرمني براغماتي يرى أن استمرار القطيعة لم يعد يخدم المصالح الوطنية، بل يفاقم العزلة، ويضعف الاقتصاد، ويزيد الاعتماد على روسيا أو على ممرات محدودة. لذلك تجد الحكومة الأرمنية نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تنفتح على تركيا دون أن تبدو كأنها تتنازل عن الذاكرة أو تقبل بتسوية غير متوازنة؟

في تركيا، يبدو الملف أقل حساسية داخلياً، لكنه ليس خالياً من التعقيد. فالتطبيع مع أرمينيا قد يمنح أنقرة مكاسب اقتصادية واستراتيجية، ويساعد على تنشيط شرق الأناضول، ويفتح الباب أمام مشاريع في التجارة والسياحة والبنية التحتية. غير أن العلاقة الوثيقة مع أذربيجان تظل محدداً أساسياً لأي خطوة تركية.

فأنقرة لا تستطيع التعامل مع التطبيع مع يريفان كملف منفصل عن باكو. وأي خطوة غير محسوبة قد تُقرأ في أذربيجان بوصفها تجاوزاً لمصالحها أو تقليلاً من وزن التحالف التركي–الأذربيجاني. لذلك تتحرك السياسة التركية ضمن توازن دقيق: الانفتاح على أرمينيا بما يخدم مصالحها الإقليمية، دون إرباك علاقتها الاستراتيجية مع أذربيجان.

هل يكفي الاقتصاد وحده؟

يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المصالح الاقتصادية أن تتجاوز ذاكرة الصراع؟ الإجابة ليست بسيطة. فالاقتصاد لا يمحو التاريخ، ولا يلغي الذاكرة الوطنية، لكنه قادر على إعادة ترتيب الأولويات وخلق مصالح يومية تجعل القطيعة أكثر كلفة من إدارتها.

فتح الحدود، وتشغيل خطوط النقل، وتوسيع التجارة، وربط الأسواق، كلها خطوات يمكن أن تخلق واقعاً جديداً يخفف من حدة العداء، ويمنح الطرفين أسباباً عملية للحفاظ على التواصل. ومع الوقت، قد تتحول هذه المصالح إلى شبكة أمان سياسية تمنع العودة السهلة إلى القطيعة.

لكن ذلك لا يعني أن التطبيع سيتحول سريعاً إلى مصالحة تاريخية كاملة. فالأرجح أن البلدين يتجهان، في المرحلة الحالية، نحو تطبيع وظيفي مدفوع بالضرورة، لا نحو مصالحة شاملة تنهي كل رواسب الماضي. إنه تطبيع يقوم على البراغماتية، وعلى إدراك مشترك بأن الجغرافيا والاقتصاد قد يفرضان أحياناً خيارات أقوى من الخطابات التاريخية المغلقة.

خاتمة

تقف تركيا وأرمينيا اليوم أمام لحظة إقليمية معقدة، لكنها تفتح في الوقت نفسه نافذة نادرة لإعادة التفكير في كلفة القطيعة وجدوى الانفتاح. فالمصالح الاقتصادية، ومشاريع الربط، وتحولات الطاقة، وتراجع بعض الضمانات التقليدية في جنوب القوقاز، كلها عوامل تدفع البلدين إلى اختبار مسار جديد.

غير أن هذا المسار سيظل محكوماً بثلاثة شروط رئيسية: قدرة الطرفين على إدارة الذاكرة التاريخية بحذر، ومراعاة حسابات أذربيجان وإيران، وتحويل المصالح الاقتصادية إلى مشاريع ملموسة ومستدامة.

وعليه، فإن التطبيع التركي–الأرمني قد لا يكون مصالحة كاملة مع الماضي، لكنه قد يكون بداية لتطبيع عملي تفرضه ضرورات الجغرافيا والاقتصاد. وفي منطقة يعاد فيها رسم الممرات والنفوذ، قد تصبح المصالح أقوى من القطيعة، حتى إن لم تكن قادرة وحدها على شفاء كل جراح التاريخ.

متابعات عربية

أول شكوى جرائم حرب ضد قوات الدعم السريع تُقدَّم في كينيا

قدّم عدد من ضحايا الانتهاكات المرتبطة بالحرب في السودان،  شكوى إلى الادعاء العام في كينيا، مطالبين بالتحقيق في مزاعم تعذيب وعنف جنسي ارتكبها عناصر من قوات الدعم السريع، في أول محاولة لملاحقة أفراد من هذه القوات خارج السودان.

وتستهدف الشكوى، التي قدمتها منظمة “العمل القانوني العالمي” ومقرها سويسرا، عشرة من عناصر قوات الدعم السريع، يعتقد أن بعضهم يقيم في كينيا. ويدعو الضحايا، وعددهم 12 شخصاً، مدير النيابات العامة الكيني إلى الموافقة على توجيه اتهامات لهم بموجب قانون الجرائم الدولية الكيني لعام 2008.

وتتضمن الشكوى تفاصيل عن انتهاكات وقعت في مواقع مختلفة داخل الخرطوم ومحيطها بين أبريل/نيسان 2023 ومارس/آذار 2025، وهي الفترة التي كانت فيها العاصمة السودانية تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

مزاعم تعذيب وعنف جنسي

بحسب الشكوى، احتُجز الضحايا في ظروف غير إنسانية، مع نقص شديد في الغذاء والمياه، وغياب شبه كامل للخدمات الصحية ومرافق النظافة. كما قالوا إنهم تعرضوا للضرب والحرق والخنق والصعق بالكهرباء، إضافة إلى اعتداءات جنسية شملت الاغتصاب.

وتشير الإفادات أيضاً إلى أن بعض المحتجزين أُجبروا على نقل جثث من مراكز الاحتجاز، في مشاهد تعكس حجم القسوة التي رافقت الحرب السودانية، خصوصاً في المناطق التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع.

وقالت أنطونيا مولفي، مؤسسة منظمة “العمل القانوني العالمي”، إن كينيا تمتلك فرصة مهمة للعب دور قيادي في مكافحة الإفلات من العقاب، رغم حساسية القضية سياسياً. وأضافت أن السلطات الكينية تستطيع أن تثبت قدرة مؤسساتها القضائية والادعائية على التعامل مع أخطر الجرائم الدولية، بغض النظر عن مكان وقوعها.

لماذا كينيا؟

تكتسب القضية أهمية خاصة بسبب صلات قوات الدعم السريع بكينيا، حيث سبق للرئيس الكيني وليام روتو أن استضاف قائد القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” في محادثات قال إنها تهدف إلى دفع جهود السلام في السودان. غير أن تلك الخطوة أثارت توترات دبلوماسية، في ظل الاتهامات الواسعة الموجهة لقوات الدعم السريع بارتكاب فظائع ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وقال المحامي الكيني ويليس أوتينو، الذي تولى تقديم الشكوى محلياً، إن هناك معلومات تشير إلى أن بعض الأشخاص المعنيين بالتحقيق لديهم روابط بكينيا، مؤكداً أن البلاد تملك الإطار القانوني اللازم للتحقيق في مثل هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها.

وأضاف أوتينو أن مكتب مدير النيابات العامة في كينيا يتمتع بالكفاءة اللازمة للتعامل مع الملف، معرباً عن ثقته بأن السلطات ستتعامل مع الشكوى بجدية.

العدالة خارج السودان

ترى المنظمة القانونية أن الضحايا لا يستطيعون الحصول على العدالة داخل السودان، بسبب انهيار النظام القضائي وصعوبة الوصول إليه في ظل الحرب. كما أشارت إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر على إقليم دارفور، ولا يشمل الجرائم التي ارتُكبت في الخرطوم ومحيطها.

ومن هنا، تسعى الشكوى إلى استخدام مبدأ الولاية القضائية خارج الحدود، بما يسمح لكينيا بملاحقة جرائم دولية خطيرة حتى لو لم تُرتكب على أراضيها، متى توفرت صلات قانونية كافية أو  وجود مشتبه بهم داخل البلاد.

قوات الدعم السريع وسجل الانتهاكات

تخوض قوات الدعم السريع حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل/نيسان 2023، بعدما انفجرت التوترات بين الطرفين إلى صراع مفتوح في الخرطوم ومناطق أخرى من البلاد.

وتعود جذور هذه القوات إلى ميليشيات الجنجويد العربية، التي اتُهمت بارتكاب فظائع واسعة في دارفور مطلع الألفية ضد جماعات تُعرّف نفسها بأنها من أصول إفريقية شرقية أو وسطى.

ومنذ اندلاع الحرب الحالية، اتهمت منظمات حقوقية والأمم المتحدة قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة في دارفور، حيث تحتفظ القوات بوجود قوي. وتشمل الاتهامات القتل الجماعي، والاغتصاب الجماعي، والجرائم ذات الدوافع العرقية.

وفي واحدة من أخطر الهجمات المنسوبة إليها، اتُهمت قوات الدعم السريع بقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال ثلاثة أيام في مدينة الفاشر بدارفور في أكتوبر/تشرين الأول، في هجوم وصفه خبراء مكلفون من الأمم المتحدة بأنه يحمل “سمات الإبادة الجماعية”.

كما كانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد اتهمت قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، بمن فيهم دقلو.

أزمة إنسانية غير مسبوقة

خلّفت الحرب في السودان ما لا يقل عن 59 ألف قتيل خلال ثلاث سنوات، وفق مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، وهو رقم يُرجح أنه أقل من الواقع بسبب صعوبة التوثيق في مناطق القتال.

كما تسببت الحرب في أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج نحو 34 مليون شخص، أي ما يقارب ثلثي سكان السودان، إلى مساعدات إنسانية، بحسب الأمم المتحدة.

اختبار للعدالة الدولية

تمثل الشكوى المقدمة في كينيا اختباراً مهماً لمسار العدالة الدولية في النزاع السوداني. فإذا وافقت السلطات الكينية على فتح تحقيق وملاحقة المشتبه بهم، فقد يفتح ذلك باباً جديداً أمام ضحايا الحرب لملاحقة المتورطين خارج السودان، خاصة في ظل عجز المؤسسات القضائية السودانية وتقييد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

وبينما لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع، فإن هذه الخطوة قد تشكل بداية مسار قانوني عابر للحدود، يضع قادة وعناصر الجماعات المسلحة السودانية أمام احتمالات ملاحقة لا تقتصر على الداخل السوداني.

العراق يقرّ حكومة جزئية برئاسة علي الزيدي وسط خلافات على حقيبتي الدفاع والداخلية

صوّت البرلمان العراقي على منح الثقة لحكومة جزئية برئاسة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، في خطوة أبقت عدداً من الحقائب الوزارية الحساسة دون حسم، وفي مقدمتها وزارتا الداخلية والدفاع، وسط خلافات سياسية حادة بين الكتل النيابية.

وأدى الزيدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة، بعدما وافق البرلمان على تعيين 14 وزيراً، في حين بقيت 9 وزارات معلّقة بسبب عدم التوصل إلى توافق بشأن مرشحيها. وشهدت الجلسة نقاشات متوترة بين النواب، خصوصاً حول المرشح لحقيبة الداخلية، التي تُعد من أبرز المناصب الأمنية في البلاد.

وقال النائب مقداد الخفاجي إن البرلمان أقرّ 14 وزارة، بينما لم تُحسم 9 حقائب أخرى، مشيراً إلى أن ثلاثة مرشحين فشلوا في نيل ثقة البرلمان خلال الجلسة.

وشملت التعيينات الوزارية الجديدة اختيار باسم محمد وزيراً للنفط، فيما احتفظ فؤاد حسين بمنصب وزير الخارجية في الحكومة الجديدة.

وكان الإطار التنسيقي، وهو تحالف يضم قوى سياسية شيعية بارزة، قد رشّح الزيدي في أبريل الماضي لتولي رئاسة الوزراء، مانحاً إياه مهلة ثلاثين يوماً لتشكيل الحكومة. كما تلقى الزيدي دعماً علنياً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عبّر في اتصال هاتفي مطلع مايو عن تأييده لتوليه المنصب.

ويُعرف الزيدي، وهو في الأربعينيات من عمره، بكونه رجل أعمال ثرياً يمتلك مصالح في قطاعات متعددة، من بينها القطاع المصرفي وبرنامج السلة الغذائية الحكومي الذي يخدم ملايين العراقيين.

وتنتظر الحكومة الجديدة ملفات شائكة، أبرزها التعامل مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، ومكافحة الفساد المتجذر  في مؤسسات الدولة، إضافة إلى إدارة توازن دقيق في علاقات بغداد مع كل من واشنطن وطهران.

ويعكس تمرير الحكومة بشكل جزئي حجم التعقيدات السياسية التي تواجه الزيدي منذ بداية ولايته، خصوصاً في ظل بقاء الوزارات الأمنية الأساسية خارج معادلة الحسم، ما قد يضعف قدرة حكومته على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية في المرحلة المقبلة.

متابعات إفريقية

جنوب السودان يطلب إغلاق منشأة عسكرية مصرية قرب إثيوبيا وسط إعادة تموضع في حوض النيل

طلبت حكومة جنوب السودان إغلاق منشأة عسكرية مصرية في بلدة باجاك الحدودية، القريبة من إثيوبيا، في خطوة تعكس تحولات متسارعة في حسابات جوبا الإقليمية، وتكشف عن إعادة ترتيب أوسع للتحالفات داخل حوض النيل.

وبحسب تقارير  إعلامية، كانت المنشأة الواقعة في ولاية أعالي النيل تُستخدم من قبل مصر كـ“قاعدة عمليات متقدمة”، تشمل مهام التدريب والدعم الفني والتنسيق اللوجستي، إضافة إلى مراقبة تدفقات نهر النيل، خصوصاً في ضوء التطورات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير.

ونُقل عن مسؤول حكومي مصري أن الوحدة الموجودة في باجاك تضم نحو 260 فرداً يعملون في مجالات الدعم الفني، والتدريب العسكري، وأنظمة المراقبة المتقدمة، والتنسيق اللوجستي. وتكتسب البلدة أهمية خاصة بسبب موقعها في منطقة حدودية ثلاثية شديدة الحساسية بين جنوب السودان وإثيوبيا والسودان، ما يجعلها نقطة استراتيجية في معادلات الأمن الحدودي والبنية الجيوسياسية لحوض النيل.

موقع حساس ورسائل متعددة

لا يبدو قرار جوبا مجرد إجراء أمني محدود، بل يحمل دلالات سياسية أوسع. فجنوب السودان، الذي ظل لفترة طويلة يتحرك ضمن شبكة علاقات متوازنة بين القاهرة وأديس أبابا، يبدو اليوم أكثر حرصاً على تجنب التحول إلى ساحة نفوذ أو مواجهة غير مباشرة بين القوى الإقليمية المتنافسة.

ويأتي القرار في ظل أربع تحولات رئيسية في حسابات جنوب السودان. أولها انضمام جوبا إلى اتفاقية إطار التعاون في حوض النيل أواخر عام 2024، وهي خطوة وضعتها أقرب إلى مقاربة دول المنبع في إدارة ملف مياه النيل، وأبعد نسبياً عن الموقف المصري التقليدي.

أما التحول الثاني، فيتصل بتزايد اعتماد جنوب السودان على طرق بديلة لتصدير النفط ونقله عبر إثيوبيا، في ظل الاضطرابات المستمرة في السودان، والتي أضعفت الاعتماد على المسارات التقليدية المرتبطة بالبنية التحتية السودانية.

ويتمثل التحول الثالث في مخاوف جوبا من أن تتحول أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة بين أطراف إقليمية، خصوصاً مع تصاعد التنافس المصري–الإثيوبي حول ملف النيل وسد النهضة. فوجود منشأة عسكرية مصرية قرب الحدود الإثيوبية قد يُقرأ في أديس أبابا كرسالة أمنية مباشرة، وهو ما قد يضع جنوب السودان في موقع حرج.

أما التحول الرابع، فيرتبط بحسابات الداخل السياسي، إذ يسعى الرئيس سلفا كير ميارديت إلى إرسال رسائل تؤكد استقلالية قراره، في وقت تواجه فيه حكومته ضغوطاً اقتصادية ومنافسة سياسية داخلية متزايدة.

انعكاسات على القاهرة وأديس أبابا

بالنسبة إلى مصر، يمثل إغلاق المنشأة المحتملة خسارة لنقطة تمركز متقدمة في منطقة بالغة الحساسية من حوض النيل، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف مع إثيوبيا حول سد النهضة وتداعياته على الأمن المائي المصري.

أما بالنسبة إلى إثيوبيا، فقد يُقرأ القرار بوصفه مؤشراً إيجابياً على رغبة جوبا في تخفيف أي وجود عسكري أجنبي قد يُنظر إليه كتهديد قريب من حدودها. كما قد يفتح الباب أمام تعزيز التعاون الإثيوبي–الجنوب سوداني، خاصة في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية.

ومع ذلك، لا يعني القرار بالضرورة انتقال جنوب السودان بالكامل إلى المعسكر الإثيوبي، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ضبط التوازن بين القاهرة وأديس أبابا، وتفادي دفع ثمن الاصطفاف الحاد في واحدة من أكثر قضايا المنطقة حساسية.

إعادة تنظيم أوسع في حوض النيل

تكشف هذه الخطوة عن مرحلة جديدة في تفاعلات حوض النيل، حيث لم تعد الحسابات محصورة في ملف المياه وحده، بل باتت تشمل الأمن الحدودي، ومسارات النفط، والطرق التجارية، والتحالفات العسكرية، والتموضع السياسي للدول الصغيرة بين القوى الإقليمية الأكبر.

وبينما تسعى مصر إلى الحفاظ على أدوات نفوذها في جنوب السودان ومحيط النيل، تعمل إثيوبيا على توسيع علاقاتها الإقليمية بعد سنوات من التوتر حول سد النهضة. أما جوبا، فتبدو في موقع من يحاول تحويل موقعه الجغرافي من عبء أمني إلى ورقة تفاوضية، دون الانزلاق إلى مواجهة لا تخدم مصالحه المباشرة.

خاتمة

يشير طلب جنوب السودان إغلاق المنشأة العسكرية المصرية في باجاك إلى تحوّل دقيق في موازين حوض النيل. فالقرار لا يتعلق بقاعدة محدودة فقط، بل يعكس رغبة جوبا في إعادة تعريف موقعها بين القاهرة وأديس أبابا، وتجنب الانخراط في صراع إقليمي مفتوح.

وفي ظل اضطراب السودان، وتصاعد أهمية إثيوبيا كممر بديل للطاقة والنقل، واستمرار الخلاف حول سد النهضة، يبدو أن جنوب السودان يدخل مرحلة جديدة من البراغماتية الجيوسياسية، عنوانها تقليل المخاطر، وتنويع الشراكات، والحفاظ على مسافة محسوبة من صراعات الكبار في حوض النيل.

السنغال: فاي يشكّل حكومة جديدة ويُقصي جناح سونكو من الواجهة

أعلن الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي تشكيل حكومة جديدة، في خطوة عمّقت الأزمة السياسية داخل معسكره الحاكم، بعد استبعاد حزب حليفه السابق عثمان سونكو من التشكيلة الوزارية الجديدة.

وجاء الإعلان في بث تلفزيوني مباشر، بعد أقل من أسبوعين على إقالة فاي لرئيس الوزراء عثمان سونكو وحلّ الحكومة، على خلفية خلافات سياسية متصاعدة بين الرجلين، شملت ملفات اقتصادية وإدارية حساسة في بلد يواجه ضغوطاً مالية وأزمة ديون متفاقمة.

وكان سونكو، الذي يُعد من أبرز الشخصيات السياسية في السنغال وأكثرها شعبية، قد مثّل لسنوات مرشداً سياسياً لفاي، وحليفه الأقرب. غير أن العلاقة بينهما دخلت مرحلة توتر حاد، بعدما تصاعد الخلاف حول إدارة السلطة وتشكيل الحكومة الجديدة.

وعقب إقالته من رئاسة الوزراء، انتُخب سونكو سريعاً رئيساً للبرلمان من قبل حلفائه، في جلسة قاطعتها المعارضة، ما زاد من حدة الأزمة السياسية في البلاد. ولا يزال سونكو الزعيم الأبرز لحزب “باستيف”، الذي أسسه عام 2014، وينتمي إليه الرئيس فاي نفسه، ويسيطر الحزب على 130 مقعداً من أصل 165 في البرلمان السنغالي.

وفي إطار التشكيلة الجديدة، عيّن فاي الخبير الاقتصادي أحمدو الأمينو محمد لو رئيساً للوزراء، مؤكداً أن الرجل يمتلك الخبرة اللازمة للتعامل مع التحديات الاقتصادية، وفي مقدمتها أزمة الديون التي تضغط على السنغال.

وفي اليوم نفسه، أعلن رئيس الوزراء الجديد قائمة تضم 30 وزيراً. ورغم أن بعض أعضاء حزب “باستيف” احتفظوا بمواقع داخل الحكومة، فإن غياب شخصيات بارزة من الحزب كانت حاضرة في الحكومة السابقة عُدّ مؤشراً واضحاً على تراجع نفوذ جناح سونكو داخل السلطة التنفيذية.

من جانبه، أعلن سونكو أن حزبه لن يشارك في الحكومة الجديدة، بعد خلاف مع فاي بشأن التشكيلة الوزارية خلال “محادثة مطولة” جرت بينهما في وقت سابق من يوم الإعلان.

وتعكس هذه التطورات انتقال الأزمة داخل السلطة السنغالية من خلاف شخصي بين الرئيس ورئيس وزرائه السابق إلى صراع أوسع على قيادة المشروع السياسي الذي أوصل فاي إلى الحكم. فبينما يحاول الرئيس تثبيت سلطته التنفيذية عبر حكومة جديدة يقودها تكنوقراط اقتصادي، يسعى سونكو إلى الحفاظ على ثقله الشعبي والبرلماني من موقعه الجديد في رئاسة البرلمان.

وبذلك تدخل السنغال مرحلة سياسية أكثر تعقيداً، حيث بات الحزب الحاكم نفسه منقسماً بين رئاسة الجمهورية والبرلمان، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استقرار سياسي لمواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

بيتر أوبي يترشح مجدداً لرئاسة نيجيريا وسط انقسام المعارضة

أعلن السياسي النيجيري بيتر أوبي ترشحه مجدداً للانتخابات الرئاسية المقررة في يناير/كانون الثاني المقبل، بعد فوزه بترشيح حزبه، في خطوة تمهد لمواجهة جديدة مع الرئيس الحالي بولا تينوبو، وسط معارضة لا تزال تعاني من الانقسام.

وجاء إعلان ترشح أوبي بعد فوزه، يوم الأحد، في الانتخابات التمهيدية لحزب المؤتمر الديمقراطي النيجيري، وذلك بعد أقل من شهر على انسحابه من تحالف معارض كان يسعى إلى الاتفاق على مرشح واحد لمنافسة تينوبو.

وأثار قبول أوبي الترشح منفرداً خيبة أمل لدى بعض مؤيدي المعارضة، الذين كانوا يأملون في عودته إلى التحالف وتوحيد صفوف القوى المناهضة للحكومة. ويرى هؤلاء أن تكرار مشهد الانقسام قد يمنح تينوبو فرصة جديدة للاستفادة من تشتت الأصوات المعارضة.

وكان أوبي قد حل ثالثاً في الانتخابات الرئاسية السابقة، بعدما نجح في تعبئة قطاعات واسعة من الشباب والناخبين الغاضبين من أداء الطبقة السياسية التقليدية. وقد مثّل صعوده حينها إحدى أبرز مفاجآت المشهد السياسي النيجيري، إذ قدّم نفسه بوصفه مرشحاً إصلاحياً قادراً على مخاطبة جيل جديد من الناخبين.

ويمهد ترشحه الجديد لاحتمال تكرار المنافسة الثلاثية التي شهدتها انتخابات عام 2023، لكن في سياق أكثر تعقيداً، إذ تواجه نيجيريا غضباً شعبياً متزايداً بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتدهور الأوضاع الأمنية، واتساع الإحباط من أداء الحكومة.

ويبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان هذا الغضب سيتحول إلى تصويت عقابي ضد تينوبو، أم أن انقسام المعارضة سيعيد إنتاج النتيجة نفسها، ويمنح الرئيس الحالي أفضلية انتخابية رغم التحديات التي تواجه حكمه.

وفي بيان صدر مساء الأحد، شدد أوبي على ضرورة التعامل مع ملف الأمن بحزم وسرعة، قائلاً إن أي دولة لا يمكن أن تزدهر بينما يعيش مواطنوها في خوف دائم.

وتواجه نيجيريا أزمات أمنية متداخلة، لا تقتصر على التمرد الجهادي في شمال شرق البلاد، حيث تخوض جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا صراعاً مستمراً منذ أكثر من 15 عاماً، بل تمتد أيضاً إلى العنف المسلح، وعمليات الخطف، والنزاعات المحلية في مناطق عدة.

وبذلك يدخل أوبي السباق الرئاسي الجديد حاملاً خطاباً يركز على الأمن والإصلاح الاقتصادي، لكنه يواجه تحدياً سياسياً كبيراً يتمثل في قدرة المعارضة على تجاوز انقساماتها، أو على الأقل منعها من التحول مرة أخرى إلى عامل يصب في مصلحة الحزب الحاكم.

رئيسة تنزانيا في موسكو  وسط تدهور علاقاتها مع الغرب

بدأت رئيسة تنزانيا سامية سولوهو حسن زيارة دولة رسمية إلى روسيا تستغرق ثلاثة أيام، التقت خلالها الرئيس فلاديمير بوتين، في خطوة تأتي بينما تواجه حكومتها انتقادات غربية وحقوقية حادة على خلفية القمع السياسي وأعمال العنف التي شهدتها البلاد مؤخراً.

وتأتي الزيارة في وقت تضررت فيه صورة تنزانيا لدى العواصم الغربية، بعدما اتهم دبلوماسيون غربيون ومنظمات حقوقية حكومة حسن بالمسؤولية عن مقتل مئات الأشخاص خلال اضطرابات وقعت في أكتوبر/تشرين الأول، إضافة إلى سلسلة من عمليات الاختطاف والقتل التي استهدفت منتقدين ومعارضين قبيل الانتخابات.

وفي أعقاب تلك الأحداث، أعلنت الولايات المتحدة أنها تراجع علاقاتها مع تنزانيا، كما فرضت الأسبوع الماضي عقوبات على ضابط شرطة رفيع المستوى، متهمة إياه بالتورط في تعذيب ناشطين بارزين.

ورغم تصاعد الضغوط الدولية، لم تُظهر حسن تراجعاً عن نهجها الأمني، بل وصفت النشطاء والمتظاهرين بأنهم “أطفال وقحون” يجب “ضربهم بالعصي”، في تصريحات زادت من حدة الانتقادات الموجهة إلى حكومتها.

وتصطحب الرئيسة التنزانية وفداً تجارياً إلى موسكو، على أمل إبرام اتفاقيات في مجالات التجارة والسياحة والمعادن، ضمن محاولة لتعزيز علاقات بلادها مع روسيا في ظل فتور متزايد مع الغرب.

وتُعد هذه الزيارة الأولى من نوعها لرئيس تنزاني إلى روسيا منذ زيارة مؤسس البلاد جوليوس نيريري في أكتوبر/تشرين الأول 1969، ما يمنحها بعداً رمزياً إضافياً في مسار إعادة تموضع دار السلام خارجياً.

وتعكس زيارة حسن إلى موسكو رغبة تنزانيا في تنويع شراكاتها الدولية، لكنها تحمل أيضاً رسالة سياسية واضحة: فبينما تضيق مساحة العلاقة مع الغرب بسبب ملف حقوق الإنسان، تبدو روسيا مستعدة لاستقبال شركاء أفارقة يبحثون عن بدائل دبلوماسية واقتصادية أقل اشتراطاً.

متابعات دولية

بالانتير داخل الدولة البريطانية: حين تتحول البيانات العامة إلى نفوذ خاص

تتزايد المخاوف في بريطانيا من تمدد شركة “بالانتير” الأمريكية داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في قطاعات الصحة والدفاع والشرطة، وسط أسئلة متصاعدة حول السيادة الرقمية، وأمن البيانات، وحدود النفوذ الذي باتت شركات وادي السيليكون تمارسه على الحكومات الحديثة.

لم تعد القضية مجرد تعاقد تقني مع شركة برمجيات، بل تحولت إلى نقاش سياسي وأمني أوسع: هل يجوز لشركة مرتبطة بالجيش الأمريكي، وبوكالات أمنية واستخباراتية، وببرامج مراقبة وتعقب هجرة مثيرة للجدل، أن تتعامل مع أكثر البيانات حساسية لدى المواطنين البريطانيين، من السجلات الصحية إلى الملفات الدفاعية؟

شركة عسكرية بثوب تقني

تقدم بالانتير نفسها بوصفها شركة تكنولوجيا متقدمة قادرة على تنظيم البيانات وتحليلها وربطها بطرق تساعد الحكومات والمؤسسات الكبرى على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر فاعلية. غير أن منتقديها يرونها شيئاً آخر: مقاولاً عسكرياً واستخباراتياً أمريكياً يعمل في قلب أنظمة المراقبة والحرب والهجرة.

فالشركة تزود جهات أمريكية حساسة بأدوات تحليل بيانات، من بينها الجيش الأمريكي، ووكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، وجهات أمنية أخرى. كما ارتبط اسمها باستخدام الذكاء الاصطناعي في تعقب الأفراد، وتحديد الأهداف، وإدارة قواعد بيانات ضخمة قد تتحول إلى أدوات رقابة أو قمع إذا وُضعت في سياقات سياسية خطرة.

ومن هنا تنبع الحساسية البريطانية. فالشركة نفسها التي تعمل مع مؤسسات عسكرية وأمنية أمريكية، أصبحت حاضرة داخل منظومة الصحة البريطانية، وحصلت على عقود واسعة مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية  NHS، إضافة إلى حضورها في وزارة الدفاع ومؤسسات أمنية أخرى.

بيانات الصحة ككنز استراتيجي

تُعد بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية من أكثر قواعد البيانات جاذبية في العالم. فهي تضم سجلات صحية مركزية تمتد من الولادة حتى الوفاة، وتشمل معظم سكان البلاد، ما يجعلها مورداً فريداً لا يتوفر بالصيغة نفسها في دول مثل الولايات المتحدة، حيث النظام الصحي أكثر تفككاً وتوزعاً بين مؤسسات متعددة.

لهذا السبب، تنظر شركات التكنولوجيا الكبرى إلى بيانات الـNHS باعتبارها كنزاً استراتيجياً. فهذه البيانات قادرة على تغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج تجارية وصحية وأمنية ضخمة، وربما إنتاج قيمة اقتصادية وسياسية هائلة لمن يملك حق الوصول إليها أو القدرة على تحليلها.

لكن السؤال الأخطر هو: من يتحكم فعلياً بهذه البيانات؟ حتى لو بقيت الملكية القانونية بيد الدولة البريطانية، فإن الشركة التي تبني النظام وتديره وتفهم خرائطه الداخلية تملك نفوذاً عملياً يصعب تجاهله. فمعرفة كيفية ترتيب البيانات، وربطها، واستخراج الأنماط منها، قد تمنح الشركة قوة تتجاوز مجرد تقديم خدمة تقنية.

وهنا يظهر الخوف من أن العلاقة بين الدولة والشركة قد تتحول إلى اعتماد طويل الأمد. تبدأ العقود أحياناً بأسعار منخفضة أو عروض تجريبية، ثم تخلق مع الوقت تبعية تقنية تجعل إخراج الشركة من النظام أمراً صعباً ومكلفاً.

من الجائحة إلى التغلغل المؤسسي

ساهمت جائحة كورونا في فتح الباب أمام شركات تقنية كثيرة لدخول مؤسسات الدولة البريطانية بسرعة غير مسبوقة. ففي لحظة طوارئ، جرى تعليق بعض الإجراءات المعتادة للتعاقدات العامة، وبرزت الحاجة إلى حلول تقنية عاجلة لإدارة البيانات الصحية واللوجستية.

في هذا السياق، وجدت بالانتير فرصة مثالية للتوسع. فقد قدمت خدماتها في البداية ضمن عقود محدودة أو منخفضة الكلفة، لكنها تمكنت لاحقاً من ترسيخ موقعها داخل البنية الرقمية للدولة. ومع مرور الوقت، انتقلت من دور المساعد التقني المؤقت إلى شريك بنيوي في إدارة بيانات حساسة.

ويرى منتقدون أن ما حدث يعكس نمطاً متكرراً في عمل بعض شركات وادي السيليكون: الدخول السريع في لحظة أزمة، تقديم حلول تبدو سهلة وفعالة، ثم بناء اعتماد مؤسسي يصعب التراجع عنه لاحقاً.

الباب الدوار بين الدولة والشركة

لا يقتصر نفوذ بالانتير على التكنولوجيا وحدها، بل يمتد إلى شبكات العلاقات السياسية والإعلامية. فقد كشفت تقارير عن انتقال مسؤولين وخبراء سابقين من الحكومة البريطانية ومؤسساتها إلى العمل مع الشركة، بمن فيهم مسؤولين من وزارة الدفاع، وهيئة الخدمات الصحية، ودوائر الاتصال الحكومي.

هذا “الباب الدوار” يمنح بالانتير قدرة على فهم آليات الدولة من الداخل، والتواصل مع صناع القرار، وإدارة صورتها في الإعلام السياسي بدل الاكتفاء بمخاطبة الصحافة التقنية. وبهذا المعنى، لا تعمل الشركة كفاعل تكنولوجي فقط، بل كفاعل سياسي يعرف كيف يدخل إلى قلب النقاش العام ويؤثر فيه.

كما يثير وجود شخصيات بريطانية نافذة داخل الشركة أو حولها أسئلة إضافية حول طبيعة العلاقات بين النخب السياسية وشركات التكنولوجيا الأمريكية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعقود تمس الأمن القومي والبيانات الصحية للمواطنين.

الدفاع والأمن القومي

تزداد المخاوف حين ينتقل الحديث من الصحة إلى الدفاع. فوجود بالانتير داخل وزارة الدفاع البريطانية، وارتباطها بعقود تتصل ببرامج عسكرية حساسة، يفتح نقاشاً أوسع حول السيادة الأمنية.

تؤكد الشركة والجهات الرسمية عادة أن البيانات تبقى “سيادية” وتحت سيطرة الدولة. لكن المنتقدين يرون أن هذا الرد لا يكفي. فالوصول التقني، وفهم بنية النظام، والقدرة على تحليل البيانات، كلها أمور تمنح الشركة معرفة عميقة حتى لو لم تكن تملك البيانات رسمياً.

يشبّه بعض الخبراء هذا الأمر بفتح رسالة خاصة ثم إغلاقها وإعادتها إلى صاحبها؛ صحيح أن الرسالة ما زالت ملكاً لصاحبها، لكن من فتحها بات يعرف ما بداخلها. وبالنسبة إلى ملفات دفاعية أو صحية أو أمنية، فإن هذه المعرفة بحد ذاتها قد تكون قوة هائلة.

الشرطة والهجرة واحتمال تسليح البيانات

تزداد خطورة المسألة عند ربطها بملفات الشرطة والهجرة. ففي الولايات المتحدة، تلعب بالانتير دوراً مهماً في أنظمة تستخدمها وكالة الهجرة والجمارك لتعقب المهاجرين وتحديد أماكنهم وترحيلهم. وتعتمد هذه الأنظمة على دمج بيانات من مصادر متعددة لتكوين صورة شاملة عن الأفراد.

هذا النموذج يثير مخاوف بريطانية، خصوصاً مع صعود تيارات سياسية يمينية (مثل حزب إصلاح المملكة المتحدة ورئيسه نايجل فاراج) تتحدث صراحة عن استخدام أدوات شبيهة لاستهداف المهاجرين. فإذا كانت بالانتير موجودة أصلاً داخل أنظمة الصحة أو الشرطة أو مؤسسات الدولة، فإن احتمال استخدام البيانات لاحقاً في سياسات ترحيل أو مراقبة يصبح مصدر قلق حقيقي.

حتى لو لم يحدث ذلك الآن، فإن بناء البنية التقنية التي تسمح به قد يكون كافياً لإضعاف ثقة الناس بالمؤسسات العامة. فالـ NHS، بالنسبة إلى كثير من البريطانيين، ليست مجرد مؤسسة صحية، بل رمز للثقة العامة والتضامن الاجتماعي. وأي شعور بأن بيانات المرضى قد تُستخدم خارج سياق العلاج والرعاية يمكن أن يقوّض هذه الثقة بعمق.

بيتر ثيل وتحالف المال والتكنولوجيا والسياسة

لا تنفصل بالانتير عن شخصية بيتر ثيل، أحد مؤسسيها وأبرز رموز  وادي السيليكون السياسيين. يمثل ثيل نموذجاً لرأس المال التكنولوجي الذي لا يكتفي بالاستثمار في الشركات، بل يسعى إلى إعادة تشكيل السياسة نفسها.

تثير أفكار ثيل حول الدولة، والديمقراطية، وإدارة المجتمعات كشركات خاصة، قلقاً واسعاً لدى منتقديه. فهو لا ينظر إلى التكنولوجيا كقطاع اقتصادي فقط، بل كأداة لإعادة بناء السلطة. ومن خلال استثماراته وعلاقاته السياسية، أصبح له تأثير واضح في تيارات اليمين الأمريكي، خصوصاً في محيط ترامب ونائبه جي دي فانس، الذي كان الداعم الرئيس له للوصول لهذا المنصب.

هذا التحالف بين وادي السيليكون واليمين الشعبوي الأمريكي يطرح سؤالاً خطيراً: ماذا يحدث عندما تلتقي تقنيات المراقبة الضخمة مع مشروع سياسي سلطوي؟ بالنسبة إلى منتقدي بالانتير، الخطر لا يكمن فقط في البرمجيات، بل في الرؤية السياسية التي يمكن أن توظف هذه البرمجيات لخدمة الضبط والمراقبة والإقصاء.

بريطانيا والسيادة الرقمية الغائبة

تبدو بريطانيا، وفق هذا النقد، أكثر تساهلاً من بعض جيرانها الأوروبيين في التعامل مع شركات التكنولوجيا الأمريكية. فبينما تتحدث دول أوروبية، مثل فرنسا، بجدية عن بناء سيادة رقمية أوروبية وتطوير بنية تقنية مستقلة، تبدو بريطانيا أكثر استعداداً للدخول في عقود عميقة مع شركات أجنبية تتحكم بالبنية التحليلية للبيانات العامة.

هذا الوضع يخلق نوعاً من “العقود الاستعمارية الرقمية”، حيث تعتمد الدولة على قوة خارجية لإدارة جزء من بنيتها الحساسة، بما يجعل استقلال القرار التقني والسياسي أقل وضوحاً. فالدولة التي لا تملك أدواتها الرقمية الأساسية قد تجد نفسها، مع الوقت، مقيدة بشركات لا تخضع بالكامل لأولوياتها الوطنية.

توني بلير ولاري إليسون ونفوذ عمالقة البيانات

لا يقتصر القلق من بالانتير وحدها. فهناك أيضاً حضور متزايد لشركات وشخصيات أخرى، مثل شركة أوراكل ومؤسسها لاري إليسون، في النقاش حول بيانات الصحة والذكاء الاصطناعي. كما يبرز اسم معهد توني بلير بوصفه لاعباً مؤثراً في تسويق رؤية تكنوقراطية تعتمد على الشراكة مع شركات خاصة لإدارة وظائف كانت تقليدياً من صميم عمل الدولة.

هذا النموذج، كما يراه منتقدوه، لا يبيع مجرد كفاءة تقنية، بل يروج لفكرة أوسع: أن الحكومات عاجزة، وأن الشركات الخاصة قادرة على إدارة المستقبل بدلاً منها. وفي هذا التصور، تتحول السياسة من نقاش ديمقراطي حول المصلحة العامة إلى إدارة تقنية تقودها شركات ضخمة وأثرياء يملكون نفوذاً عابراً للحدود.

هل بالانتير قوية فعلاً؟

رغم الصورة التي تقدمها بالانتير عن نفسها بوصفها شركة استثنائية، يشير منتقدون إلى أن قدراتها التقنية ليست دائماً بالحجم الذي تروّج له. فقد رفضت جهات أوروبية، بينها الجيش السويسري، عروضاً للشركة بعد تقييم تقني خلص إلى أن المنتج لا يستحق الكلفة أو لا يلبي التوقعات.

ومن اللافت أن الشركة تبدو شديدة الحساسية تجاه النقد الذي يشكك في جودة تقنيتها أو قيمتها الفعلية، أكثر من حساسيتها تجاه الاتهامات السياسية والأخلاقية. فاتهامها بأنها شركة خطيرة أو متورطة في أنظمة مراقبة قد يكون مألوفاً في النقاش العام، أما وصفها بأنها برنامج مرتفع الكلفة ومحدود الجودة، فيمس جوهر صورتها التجارية.

تعليق المعهد المصري

تكشف قضية بالانتير في بريطانيا عن صراع أكبر من مجرد عقد حكومي أو نظام بيانات. إنها معركة حول من يملك البنية التحتية الرقمية للدولة، ومن يحق له الوصول إلى بيانات المواطنين، وكيف يمكن حماية الصحة والأمن والديمقراطية من تغول شركات تملك المال والتقنية والعلاقات السياسية، وهو الموضوع الذي تناولناه كثيراً في المعهد المصري خلال السنوات الأخيرة، في إطار سعي أباطرة التكنولوجيا للتحكم في النظام العالمي الجديد.

الخطر لا يكمن فقط في احتمال إساءة استخدام البيانات اليوم، بل في بناء اعتماد طويل الأمد يجعل الدولة أقل قدرة على الانسحاب غداً. وحين تصبح سجلات المرضى، وملفات الدفاع، وبيانات الشرطة، جزءاً من منظومات تديرها شركات خاصة مرتبطة بمشاريع عسكرية وأمنية، فإن السؤال لا يعود تقنياً فقط، بل سيادياً وأخلاقياً وسياسياً.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالخوف من التكنولوجيا بحد ذاتها، بل بالخوف من تسليم أكثر مؤسسات الدولة حساسية إلى شركات لا تخضع بالضرورة لمنطق المصلحة العامة. فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى أنظمة ذكية، بل إلى ضمانات ديمقراطية تحمي الناس من أن تتحول بياناتهم إلى أداة نفوذ ضدهم.

منظمة التعاون الاقتصادي: الحرب الطويلة قد تضغط على النمو العالمي وتدفع التضخم للصعود

حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن آفاق الاقتصاد العالمي باتت مرتبطة إلى حد كبير بمدة استمرار الحرب في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن إطالة أمد الصراع حتى العام المقبل قد تدفع بعض الاقتصادات نحو الركود، وتؤدي إلى ارتفاع حاد في معدلات التضخم.

وقالت المنظمة إن السيناريو الأساسي يفترض بقاء الاضطرابات ضمن نطاق زمني محدود، بما يسمح بعودة إنتاج النفط والغاز في الخليج تدريجياً إلى مستوياته السابقة اعتباراً من الربع الثالث من العام. وفي هذه الحالة، ستبقى النقص في الإمدادات محصوراً بدرجة أكبر في آسيا، مع إمكانية تخفيفه عبر المخزونات الاستراتيجية وزيادة الشحنات من منتجين آخرين.

وبناء على هذا السيناريو، تتوقع المنظمة تباطؤ النمو العالمي من 3.4% في عام 2025 إلى 2.8% في عام 2026، قبل أن يتعافى جزئياً إلى 3.1% في عام 2027، وهي تقديرات قريبة من توقعاتها السابقة الصادرة في مارس/آذار.

لكن المنظمة حذّرت من أن استمرار اضطرابات الطاقة لفترة أطول قد يغيّر الصورة جذرياً. ففي حال امتد أثر الحرب إلى العام المقبل، قد يتراجع النمو العالمي إلى 2.1% في 2026، ثم إلى 1.8% في 2027، وهي مستويات لا تُسجّل عادة إلا في أوقات الأزمات الكبرى، مثل الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2009 أو جائحة كورونا.

الطاقة في قلب المخاطر

تتمثل قناة الخطر الأساسية في أسواق الطاقة. فاستمرار الاضطراب في إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط قد يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويضغط على سلاسل الإمداد، ويزيد كلفة المعيشة على الأسر والشركات.

وفي السيناريو المتشائم، تتوقع المنظمة أن تضيف أسعار الطاقة المرتفعة 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي في عام 2026، وأن يرتفع الأثر إلى 1.3 نقطة مئوية في عام 2027. وقد يدفع ذلك البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بما يتراوح بين 0.5 و0.75 نقطة مئوية في الأجل القصير، في محاولة لكبح التضخم.

أما في السيناريو الأساسي، فتتوقع المنظمة أن يبلغ التضخم في اقتصادات مجموعة العشرين ذروته عند 4% هذا العام، قبل أن يتراجع إلى 3.1% العام المقبل، مع بقاء أسعار الفائدة مستقرة غالباً خلال العام الحالي، وإمكانية خفضها في العام التالي.

غير أن الأرقام الاقتصادية لا تعكس وحدها حجم الأثر الاجتماعي للأزمة. فقد أشار الأمين العام للمنظمة، ماتياس كورمان، إلى أن نحو ثلث اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد تشهد تراجعاً في الأجور الحقيقية هذا العام، ما يعني انخفاض مستويات المعيشة لدى العمال في تلك الدول.

تجارة عالمية أبطأ ودعم من قطاع التكنولوجيا

تتوقع المنظمة أن يتباطأ نمو التجارة العالمية بعد الأداء القوي الذي سجله في عام 2025. لكن الطلب القوي على السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستثمارات التقنية، خصوصاً في آسيا، قد يوفر بعض الدعم للنشاط الاقتصادي العالمي.

ومع ذلك، يبقى هذا الدعم غير كافٍ لمعادلة صدمة طاقة طويلة الأمد إذا استمرت الحرب، لأن اضطرابات الإمداد وارتفاع الأسعار ينعكسان على معظم قطاعات الاقتصاد، من الصناعة والنقل إلى الغذاء والاستهلاك اليومي.

تفاوت واضح بين الاقتصادات الكبرى

تظهر توقعات المنظمة أن تأثير الأزمة لن يكون متساوياً بين الاقتصادات الكبرى. ففي الولايات المتحدة، قد تساعد صادرات الطاقة الأقوى على دعم النمو، ما يخفف جزئياً من أثر ارتفاع الأسعار على القوة الشرائية للأسر. وتتوقع المنظمة أن يتراجع النمو الأمريكي من 2.1% في عام 2025 إلى 2.0% في 2026، ثم إلى 1.8% في 2027.

أما في منطقة اليورو، فمن المتوقع أن يتباطأ النمو من 1.4% إلى 0.8% هذا العام، قبل أن يرتفع إلى 1.2% العام المقبل. وتراهن المنظمة هنا على صمود أسواق العمل وزيادة الإنفاق الدفاعي لتخفيف أثر سياسات ضبط الإنفاق الحكومي.

وفي بريطانيا، تتوقع المنظمة تباطؤ النمو إلى 0.9% هذا العام، قبل أن يتعافى إلى 1.1% في عام 2027، مع استقرار التجارة العالمية وتيسير الأوضاع المالية تدريجياً.

أما الصين، فمن المتوقع أن يتباطأ نموها من 5.0% في 2025 إلى 4.5% في 2026، ثم إلى 4.3% في 2027. وتستفيد بكين من احتياطيات طاقة كبيرة تحد من تعرضها المباشر لصدمات أسعار النفط، كما قد تستفيد صادراتها من انخفاض الرسوم الأمريكية ومن قوة قطاع التكنولوجيا، رغم استمرار أزمة العقارات كعامل ضاغط على الاقتصاد.

اليابان بين الأكثر تضرراً

تبدو اليابان من بين الاقتصادات الأكثر عرضة لتداعيات اضطرابات التجارة والطاقة المرتبطة بالصراع في الخليج. وتتوقع المنظمة أن يتباطأ نموها من 1.1% في 2025 إلى 0.6% في 2026، قبل أن يتحسن قليلاً إلى 0.8% في 2027، وهو تعديل سلبي مقارنة بتوقعات مارس/آذار.

ورغم أن الدعم الحكومي قد يساعد في تخفيف أثر صدمة الطاقة على الأسر والشركات، فإن المنظمة دعت طوكيو إلى تبني خطة واضحة وموثوقة لضبط المالية العامة على المدى المتوسط، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة كلفة خدمة الدين.

خاتمة

تكشف تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مفترق حساس: فإذا بقيت الحرب محدودة زمنياً، يمكن احتواء آثارها عبر المخزونات الاستراتيجية وتعديل مسارات الإمداد. أما إذا طال أمدها، فقد تتحول من أزمة إقليمية إلى صدمة عالمية تضغط على النمو، وترفع التضخم، وتدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية.

وبين أسعار الطاقة، وتراجع الأجور الحقيقية، وتباطؤ التجارة، تبدو كلفة الحرب أبعد من ساحات القتال. فكلما طال الصراع، زادت احتمالات انتقاله من أزمة أمنية في الشرق الأوسط إلى أزمة اقتصادية عالمية تمس مستويات المعيشة والنمو والاستقرار الاجتماعي في دول عديدة.

راما يتمسك بمشروع منتجع كوشنر رغم احتجاجات “ثورة الفلامنغو” في ألبانيا

أكد رئيس الوزراء الألباني إدي راما أن حكومته ستمضي قدماً في تنفيذ مشروع منتجع فاخر مرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على امتداد ساحلي ناءٍ في ألبانيا، رغم الاحتجاجات المتواصلة والمخاوف البيئية المتزايدة بشأن تأثير المشروع على منطقة طبيعية محمية.

ويواجه المشروع، الذي تخطط له جهات استثمارية مرتبطة بكوشنر، معارضة واسعة من ناشطين وسكان محليين، خرج الآلاف منهم في تظاهرات في العاصمة تيرانا وعلى الساحل الجنوبي، مطالبين بإلغائه بسبب ما يقولون إنه يهدد أراضي رطبة محمية تضم طيور الفلامنغو والفقمات ومواقع تعشيش السلاحف البحرية.

وقد تحوّل طائر الفلامنغو إلى رمز للحركة الاحتجاجية، حيث رفع المتظاهرون مجسمات وردية ولافتات تحمل عبارة “ثورة الفلامنغو”، في إشارة إلى رفضهم تحويل منطقة ذات حساسية بيئية إلى مشروع سياحي فاخر.

راما: مشروع جميل وسنفتخر به

في مقابلة مع رويترز، بدا راما غير متراجع أمام الضغوط الشعبية، مؤكداً أن المطورين سيكشفون خلال الأشهر المقبلة عن خطط “ستدهش” المتابعين، وأن أجزاء من المشروع قد تُفتح أمام الجمهور قبل نهاية العقد الحالي.

وقال راما إن المشروع سيكون “جميلاً”، مضيفاً أن ألبانيا ستفتخر به بوصفه مساهمة في تحديث البلاد وتعزيز حضورها الأوروبي. وأضاف أنه انتُخب من أجل تنفيذ مثل هذه المشاريع، لا لكي تقوده مجموعات تملك تصوراً مختلفاً عن كيفية تطوير البلاد.

لكن الاحتجاجات لم تعد محصورة في البعد البيئي وحده. فقد خرج آلاف المتظاهرين في تيرانا مساء الاثنين، مطالبين بوقف المشروع، ومعبّرين في الوقت نفسه عن غضب أوسع من حكم راما المستمر منذ 13 عاماً، متهمين حكومته بالإخفاق في مكافحة الفساد وتحسين الخدمات الأساسية.

وقال الطالب ألبانو لوشي إن الحركة الاحتجاجية تتسع، مؤكداً أن المحتجين سيواصلون الضغط حتى استقالة راما، ليس فقط دفاعاً عن التنوع الحيوي، بل احتجاجاً على “كل أشكال الظلم” التي يواجهونها.

حلم سياحي كبير وسط جدل بيئي

يرى راما، البالغ من العمر 61 عاماً، وهو لاعب كرة سلة وفنان سابق تولى السلطة عام 2013، أن المشروع جزء من مسار تحديث ألبانيا، الدولة التي عانت لعقود من عزلة فرضها نظام شيوعي صارم حتى تسعينيات القرن الماضي. كما يربط المشروع بطموح بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتعزيز مكانتها السياحية في البلقان.

ويعود المشروع إلى جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب، اللذين أبديا إعجابهما بألبانيا خلال زيارة سابقة على متن قارب. وقال راما إنه التقى بهما خلال تلك الزيارة، ووجد أنهما شخصان “لطيفان ومتواضعان وإنسانيان”.

وتشارك شركة الاستثمار التابعة لكوشنر، “أفينيتي بارتنرز”، في مشروع تقدر قيمته بنحو 1.4 مليار يورو قرب منطقة فيوسا-نارتا المحمية، إضافة إلى مشروع آخر في جزيرة سازان القريبة. وبحسب راما، قد تصل قيمة المشروعين معاً إلى نحو 5 مليارات يورو.

وقال رئيس الوزراء الألباني إن “الأحلام الكبيرة واجهت دائماً الجدل”، في إشارة إلى أن المعارضة الحالية لا ينبغي أن توقف المشروع.

ولم ترد شركة “أفينيتي بارتنرز” أو كوشنر على طلبات التعليق، بينما قالت شركة “سازان ريال إستيت ديفلوبمنت”، المسؤولة عن تطوير الخطط، إنها ستنفذ المشروع بطريقة مسؤولة.

وعود بحماية الحياة البرية

بدأت موجة الاحتجاجات أواخر مايو/أيار، بعدما أُغلق الموقع القريب من فيوسا-نارتا بسياج من الأسلاك الشائكة، بالتزامن مع أعمال شق طريق تمهيدي وتحضيرات أولية للبناء. وأصيب بعض المتظاهرين خلال مواجهات مع عناصر أمن خاص، قبل أن يمتد الغضب إلى العاصمة تيرانا.

وقد أزيل السياج لاحقاً، واعترف راما بأن وضعه كان “فكرة مخزية”. ومع ذلك، قلل من شأن المخاوف البيئية، مؤكداً أن تقييم الأثر البيئي لم يكتمل بعد، وأنه سيُنجز بالتوازي مع مراحل تطوير المشروع.

وشدد راما على أن حكومته فخورة بما أنجزته لحماية الحياة البرية في ألبانيا، مضيفاً أن المفوضية الأوروبية لا تملك سبباً للشك في إرادة بلاده حماية كل ما يجب حمايته من طبيعة وتنوع حيوي.

مشروع بين التنمية والاحتجاج

يعكس الجدل حول منتجع كوشنر في ألبانيا صداماً متصاعداً بين رؤية حكومية تضع السياحة والاستثمار الفاخر في قلب مشروع التحديث الاقتصادي، وحركة احتجاجية ترى أن التنمية لا ينبغي أن تأتي على حساب البيئة والمناطق المحمية والشفافية العامة.

وبينما يصر راما على أن المشروع سيضع ألبانيا على خريطة السياحة الفاخرة في أوروبا، يحذر المعارضون من أن الثمن قد يكون تدمير واحدة من أكثر المناطق البيئية حساسية على الساحل الأدرياتيكي.

ومع استمرار تقييم الأثر البيئي وتصاعد التظاهرات، يبدو أن المشروع لم يعد مجرد استثمار سياحي، بل تحول إلى اختبار سياسي وبيئي واسع لحكومة راما، ولصورة ألبانيا كدولة تسعى إلى التحديث والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون التفريط بثروتها الطبيعية.

مشروع كوشنر وإيفانكا في ألبانيا يشعل احتجاجات بيئية وسياسية

أثار مشروع منتجع سياحي فاخر تدعمه إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر على الساحل الألباني موجة احتجاجات متواصلة في العاصمة تيرانا، وسط مخاوف من تأثيره على واحدة من أكثر المناطق البيئية حساسية على البحر الأدرياتيكي، ومن غياب الشفافية في إجراءات الموافقة عليه.

وبدأت الاحتجاجات بعدما شرعت آليات ثقيلة في تنفيذ أعمال أولية مرتبطة بالمشروع، الذي يتألف من جزأين: تطوير شاطئي على الساحل الأدرياتيكي، ومنتجع آخر في جزيرة سازان غير المأهولة القريبة. ويرى المحتجون، ومن بينهم ناشطون بيئيون، أن المشروع يهدد منطقة طبيعية نادرة تضم كثباناً ساحلية قديمة، وبحيرات، وغابات، ومستنقعات، وتشكل موطناً لأنواع متعددة من الطيور والحيوانات البرية.

وفي مقابلة نُشرت بالتزامن مع بدء الاحتجاجات، تحدثت إيفانكا ترامب مطولاً عن المشروع، واصفة إياه بأنه “خلاصة تجربتها في قطاع العقارات”. وقالت إن جزيرة سازان “جزيرة خاصة مذهلة وجميلة تمتد على مساحة 1400 هكتار في قلب المتوسط”، موضحة أنها وجاريد كوشنر تعرّفا إلى المكان خلال رحلة بحرية على متن قارب أحد الأصدقاء.

وأضافت إيفانكا: “توقفنا للسباحة، وبشكل ما هكذا وجدناها. سبحنا إلى الجزيرة، ثم قمنا بجولة سيراً على الأقدام حتى القمة، حفاة تماماً. لقد سحرنا المكان، وبقي في ذاكرتنا منذ ذلك الوقت”.

لكن هذه اللغة الرومانسية التي استخدمتها إيفانكا قوبلت بغضب في ألبانيا، حيث رأى محتجون أن الحديث عن “اكتشاف” المكان يتجاهل كونه أرضاً ألبانية ذات قيمة بيئية ووطنية، لا مجرد فرصة استثمارية خاصة. ورفع المتظاهرون شعارات تنتقد ترامب وكوشنر، وأخرى تستهدف رئيس الوزراء الألباني إدي راما، الذي يدافع بقوة عن المشروع.

ويقول معارضو المشروع إن الحكومة الألبانية غيّرت أو التفت على قوانين حماية البيئة لفتح الطريق أمام الاستثمار. وكانت منطقة زفيرنيتس، وهي من أكثر المناطق حساسية بيئياً ضمن الساحل المستهدف، مصنفة سابقاً كمنطقة محمية لا يُسمح فيها حتى بالتخييم. لكن الحكومة عدّلت القانون عام 2024 بما يتيح إنشاء منشآت سياحية فاخرة من فئة “خمس نجوم أو أكثر”.

وقال ناشطون إن ما يجري لا يتعلق بالبيئة وحدها، بل بطريقة إدارة الأرض العامة وحقوق المواطنين. ورفع بعضهم شعار “ألبانيا ليست للبيع”، معتبرين أن المشروع يعكس نموذجاً يسمح لشخص واحد أو دائرة ضيقة من السلطة بتحديد مصير أراضٍ محمية دون نقاش عام كافٍ.

من جانبه، دافع راما عن المشروع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أنه يمثل فرصة كبرى لألبانيا كي تتحول إلى لاعب أساسي في سوق السياحة الفاخرة في البلقان. وقال في تصريحات سابقة إن بلاده لا تريد أن تبقى وجهة سياحية منخفضة التكلفة، مشيراً إلى أن عوائد عدد محدود من اليخوت الفاخرة قد تعادل ما تحققه عشرات الآلاف من الزيارات السياحية منخفضة الإنفاق.

كما نشر راما مقطعاً لشركة قال إن المستثمرين تعاقدوا معها لتصميم المشهد الطبيعي للمشروع، مؤكداً أن الفريق المعني لن يسبب أضراراً للطبيعة، بل سيحقق “انسجاماً” بين التنمية والحفاظ على البيئة. وأشار إلى أن المشروع قد يجذب استثمارات بقيمة تصل إلى 4 مليارات يورو، متهماً أطرافاً بمحاولة حرمان ألبانيا من هذه الفرصة.

وتتركز مطالب المحتجين أيضاً على دور شركة “أفينيتي بارتنرز”، وهي شركة الأسهم الخاصة التي أسسها جاريد كوشنر بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض في ولايته الأولى. وقد حصلت الشركة على تمويلات بمليارات الدولارات، بينها تمويل كبير من صندوق الثروة السيادي السعودي، ما زاد من التساؤلات حول طبيعة شبكة المصالح المحيطة بالمشروع.

ولا يخلو المشروع من حساسية سياسية إضافية بسبب ارتباطه بعائلة ترامب، وبسبب صلات كوشنر السياسية والاستثمارية التي تطورت خلال عمله في البيت الأبيض. وكان كوشنر قد أقر سابقاً بأنه استفاد من علاقات بناها أثناء عمله الحكومي، لكنه قال إنه لا يبيع خدماته بناءً على العلاقات، بل يعمل بصفته مستثمراً.

ويأتي الجدل الألباني بعد تعثر مشروع آخر كانت شركة كوشنر تنوي تطويره في صربيا، قبل أن تنسحب منه لاحقاً وسط خلافات تتعلق بحماية التراث واتهامات بالفساد. وقالت الشركة حينها إن المشاريع المهمة ينبغي أن توحّد لا أن تقسّم.

في ألبانيا، لا يزال مشروع سازان والساحل الأدرياتيكي في قلب اختبار سياسي وبيئي مفتوح. فالحكومة تراه بوابة لتحديث السياحة وجذب الاستثمارات الكبرى، بينما يراه المحتجون نموذجاً خطيراً لتحويل المناطق المحمية إلى مشاريع نخبوية خاصة.

وبين وعود التنمية الفاخرة وشعارات “ألبانيا ليست للبيع”، يبدو أن المشروع تجاوز كونه استثماراً عقارياً، ليتحول إلى معركة أوسع حول البيئة، والشفافية، والسيادة على الأرض، وحدود النفوذ السياسي لعائلة ترامب خارج الولايات المتحدة.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى