مستقبل الحرب على إيران – تقدير موقف استراتيجي شامل

مدخل
منذ اندلاع الجولة الثانية من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، ونحن نتابع عن قرب، مع باقي العالم، تفاصيل المعارك ووتيرتها صعودًا وهبوطًا، وأصدرنا عددًا غير قليل من الأوراق والدراسات وتقديرات الموقف على مدار الأشهر الخمسة الماضية، يستهدف تلك الجولة من الحرب بالتحليل العميق في محاولة لاستكشاف الخط الإستراتيجي الناظم لها، واحتمالات تصاعدها، والسيناريوهات المختلفة لمألاتها. وقد أظهرت هذه الجهود بالفعل أن هناك خطًا استراتيجيًا يسير في اتجاه واحد؛ يتمثل في التصاعد المستمر للصراع دون وجود أفق واضح لإنهائه.
وكنا نرجح على الدوام، وفقًا للمعطيات المتاحة، أن السيناريو الأقرب للإنزلاق إليه هو أن هذا التدافع لن ينتهي إلا بحرب شاملة يستهدف حدوثها عدد من الأطراف الدولية والإقليمية النافذة، رغم أن الأطراف المباشرة في الصراع، الولايات المتحدة وإيران، قد لا يريدونها بهذا الشكل، تلك الأطراف أطلقنا عليها في أوائل مارس الماضي الروافع الخمسة للصراع؛ والتي لن تسمح له بأن ينتهي دون أن تغرق المنطقة في حالة من الفوضى التي تؤدي، وفقًا للأهداف الموضوعة، لتغيير وجه المنطقة وصولًا لما يطلق عليه رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو “الشرق الأوسط الجديد“.
وأثبتت الأيام، كما توقعنا في تحليلاتنا المختلفة، أن الخط الاستراتيجي للحرب يسير بالفعل في اتجاه التصاعد، وهذا بالضبط ما أطلق عليه أستاذ العلاقات الدولية المعروف روبرت بايب “فخ التصعيد – The Escalation Trap”، حيث أن هذه الحرب طالما قد بدأت فستستمر في التصعيد وفقًا لمراحل وموجات متتالية، حيث يعتقد كل طرف أن بإمكانه الضغط على الطرف الأخر للخضوع باتخاذ خطوات محسوبة، حتى نقطة ما، يكون من الصعب على أطراف الحرب إيقافها بمرور الوقت.
في هذه الدراسة، نقوم بتحديث تقديرنا للموقف بشكل شامل طبقًا للتطورات الأخيرة في الصراع، وهو ما سيظهر منه أن الخط الاستراتيجي الذي تحدثنا عنه طوال الأشهر الماضية لا يزال مستمرًا في نفس الإتجاه.
شكل رقم (1) – فخ التصعيد وفقًا للبروفيسور روبرت بايب

أولًا: من الهدنة إلى التصعيد… كيف تغيّر مسار الاتفاق؟
شكّل توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في الثامن عشر من يونيو 2026 محطة مفصلية في مسار المواجهة بين الطرفين، بعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي كاد أن يدفع المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود الخليج. في ذلك الوقت بدا لكثير من المحللين أن واشنطن وطهران توصلتا إلى قناعة بأن استمرار العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها سيؤدي إلى رفع كلفة الحرب بصورة قد تتجاوز المكاسب المتوقعة لكل طرف، وهو ما دفعهما إلى القبول بصيغة اتفاق مرحلي يؤسس لوقف الأعمال العدائية ويفتح الباب أمام مفاوضات سياسية وأمنية أكثر شمولًا.
أظهرت قرائتنا للاتفاق في حينه أنه لم يكن اتفاق سلام بالمعنى التقليدي، ولم يكن أيضًا تسوية نهائية تنهي جذور الأزمة الممتدة منذ عقود، وفوق ذلك لم يكن قابلًا للاستدامة، وإنما جاء أقرب إلى وقف عمليات مؤقت يهدف إلى تجميد المواجهة العسكرية وتهيئة بيئة تفاوضية تسمح للطرفين بإعادة ترتيب الملفات الخلافية الكبرى في ظل “استراحة محارب”، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني شاملًا التعامل مع اليورانيوم المخصب ل 60%، والأموال الإيرانية المجمدة، والعقوبات الاقتصادية، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وترتيبات الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وبناء على تحليلنا في ذلك الوقت، فإن تقييمنا للإتفاق لم يُبنى على مجرد إعلان وقف إطلاق النار أو تبادل البيانات السياسية، وإنما على مدى قابلية تنفيذ الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم من الطرفين، ومدى وجود إرادة سياسية حقيقية لتحويل الهدنة إلى اتفاق دائم؛ فالخبرة التاريخية للعلاقات الأمريكية – الإيرانية تشير إلى أن الاتفاقات المرحلية كثيرًا ما كانت تُستخدم لإدارة الصراع وليس لإنهائه، وأن الطرفين اعتادا استخدام المفاوضات كامتداد للأدوات العسكرية بوسائل سياسية مختلفة.
وانطلاقًا من هذه القراءة، ذهب تقدير الموقف الصادر عن المعهد المصري في الثامن عشر من يونيو 2026، والذي كان بعنوان ( قراءة أولية في المألات وحسابات المكاسب والخسائر لأطراف الصراع في إيران) إلى أن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران لن يخرج عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تم وضعها في ذلك الوقت:
تمثل السيناريو الأول في نجاح الهدنة المؤقتة وتحولها تدريجيًا إلى اتفاق نهائي، بحيث تنجح المفاوضات في معالجة الملفات الخلافية، ويقبل كل طرف بتقديم تنازلات متبادلة تسمح بإعادة بناء العلاقة على أسس جديدة، مع إنهاء حالة التصعيد العسكري ورفع العقوبات بصورة تدريجية مقابل ترتيبات تتعلق بالبرنامج النووي والأمن الإقليمي.
أما السيناريو الثاني، فقد افترض دخول الطرفين في مرحلة يمكن وصفها بمرحلة “اللا حرب واللا سلم”، وهي مرحلة لا تنتهي فيها الحرب بصورة كاملة، ولا تعود فيها المواجهة العسكرية الشاملة، وإنما تستمر المفاوضات لفترة طويلة، تتخللها عمليات عسكرية مختلفة الشدة، وضربات متبادلة، مع رسائل ردع متبادلة، وانتهاكات محسوبة، وضغوط سياسية واقتصادية متبادلة، بحيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي. ويُعد هذا النمط من إدارة الصراعات أحد أكثر الأنماط شيوعًا في النزاعات الدولية الممتدة، حيث تتحول المفاوضات نفسها إلى جزء من ميدان الصراع، وليس إلى بديل عنه.
أما السيناريو الثالث، فقد تمثل في انهيار العملية التفاوضية بالكامل، وعودة الحرب الشاملة بين الطرفين، سواء نتيجة فشل المفاوضات، أو بسبب عدم التزام أحد الطرفين ببنود الاتفاق، أو نتيجة تصعيد ميداني يخرج عن السيطرة ويفرض العودة إلى الخيار العسكري باعتباره الأداة الرئيسية لحسم الخلاف.
وتلخص تقديرنا للموقف بعد الدراسة إلى ما ذكرناه نصًا:
“من خلال قراءة المعطيات الحالية، لازال كلا السيناريوهين الثاني والثالث، من وجهة نظرنا، هما الأقرب للتحقق خلال المرحلة المقبلة من السيناريو الأول. فالفجوات القائمة بين الأطراف لا تزال كبيرة، كما أن الملفات الخلافية الرئيسية لم تُحسم بعد، وهو ما يجعل استمرار المفاوضات لفترة طويلة أو العودة إلى المواجهة العسكرية احتمالين أكثر واقعية من الوصول السريع إلى اتفاق نهائي وشامل. وعليه، فإن الهدنة المتوقعة – إذا تم التوصل إليها – ينبغي النظر إليها باعتبارها محطة ضمن مسار الصراع، وليست نهاية له، إذ ستظل التناقضات الاستراتيجية بين الأطراف المختلفة قائمة، بما يبقي احتمالات التوتر والتصعيد حاضرة خلال المرحلة المقبلة“.
وقد توافق ذلك أيضًا مع تقديراتنا السابقة على توقيع مذكرة التفاهم، فقد نشرنا بمناسبة مرور مائة يوم على اندلاع جولة الثامن والعشرين من فبراير من الصراع:
“في هذا السياق، قد يكون أحد أهداف واشنطن من تجنب الحرب الشاملة حاليًا هو كسب الوقت وإدارة الأزمة إلى ما بعد الانتخابات النصفية، بما يسمح بإعادة ترتيب الأولويات وتجهيز القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة أفضل إذا ما تقرر لاحقًا الانتقال إلى مرحلة أكثر تصعيدًا. ولذلك، فإن تأجيل الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء احتمالاتها، بل قد يكون مجرد تأجيل لمواجهة أكبر إذا فشلت المسارات السياسية في معالجة أسباب الصراع الأساسية.”
وكتبنا أيضًا لاحقًا في الحادي عشر من يونيو بعد إندلاع جولة محدودة من المعارك:
“…. فإن المعطيات الأخيرة ترجح أن تستمر أجواء المراوحة بين التهدئة، وبين الحرب والتوتر خلال الفترة القصيرة المقبلة، بحيث يرتفع مستوى التصعيد في بعض المراحل ثم يتراجع في مراحل أخرى، دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة أو الوصول إلى تسوية نهائية؛ فالمواجهة الحالية تعكس صراعًا عميقًا تتجاوز أسبابه الأحداث الآنية إلى خلافات جوهرية تتعلق بالنفوذ الإقليمي، والأمن، وموازين القوى في الشرق الأوسط. ……. ومع ذلك، فإن استمرار الفجوة الكبيرة في المواقف بين أطراف الصراع، وعدم معالجة جذورها الحقيقية، ورغبة أطراف أخرى في مقدمتها إسرائيل في تصعيد الصراع، وحتى طبيعة التصعيد المحسوب الذي قد يخرج عن السيطرة، يجعل أسباب عودة الحرب الشاملة في وقت لاحق قائمة بقوة. لذلك نرى أن العودة إلى المواجهة العسكرية الواسعة تظل الاحتمال الأكثر ترجيحًا على المدى المتوسط، حتى وإن شهدت المرحلة الحالية فترات من التهدئة المؤقتة أو التفاهمات المرحلية؛ فالأزمة لم تُحل، وإنما يجري إدارتها، وما دام جوهر الصراع قائمًا فإن احتمالات انفجاره مجددًا ستظل حاضرة في أي لحظة.”
واليوم، وبعد التطورات العسكرية الأخيرة، تبدو السيناريوهات التي رجحناها أكثر ارتباطًا بالواقع من أي وقت مضى. فالتصعيد الأخير لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حادث عسكري منفصل أو رد فعل محدود، وإنما يمثل مؤشرًا على أن الأزمة الأساسية التي حاولت مذكرة التفاهم احتواءها، ولو مؤقتًا، لم تُحل أصلًا، وأن الملفات الجوهرية التي دفعت الطرفين إلى المواجهة ما زالت قائمة، بل ربما ازدادت تعقيدًا.
فالملاحظ أن العلاقة بين واشنطن وطهران لم تنتقل منذ توقيع الاتفاق إلى مرحلة بناء الثقة، وإنما ظلت محكومة بمنطق الشك المتبادل، واستمرت كل دولة في التعامل مع الأخرى باعتبارها خصمًا استراتيجيًا، لا شريكًا تفاوضيًا. ولذلك لم تتحول الهدنة إلى بداية لتسوية سياسية، ولم تحقق أي من الأهداف المرحلية التي وضعتها، بقدر ما تحولت إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات أكثر تعقيدًا، تجمع بين التفاوض والردع العسكري والتأثير الإقليمي والضغوط الاقتصادية والرسائل السياسية في آن واحد (راجع مثلًا: إيران لم تنتهِ بعد.. روبرت بايب يحذر : الشرق الأوسط بعيد تماماً عن الاستقرار). هذا النمط يشكل نوعًا من حرب الاستنزاف، حيث لا يمكن اعتبار الهدنات المؤقتة دليلاً على انتهاء الصراعات، فالنزاعات غالباً ما تتغير أدواتها بدلاً من أن تنتهي.
ومن منظور استراتيجي، فإن القراءة الدقيقة لما يجري اليوم، والتي أكدنا عليها في جميع مراحل تقييمنا للصراع، تشير إلى أن الصراع الأمريكي – الإيراني لا يتمحور حقيقة حول البرنامج النووي كما كان يُطرح خلال السنوات الماضية، بل يدور حول سؤال أكبر وأكثر تعقيدًا، يتمثل في: من يملك حق رسم قواعد الأمن الإقليمي في الخليج العربي؟ وهل ستظل الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على فرض حرية الملاحة وإدارة خطوط الطاقة العالمية، أم أن إيران نجحت في فرض نفسها لاعبًا إقليميًا يمتلك القدرة على تعطيل تلك المعادلة وفرض قواعد اشتباك جديدة؟
ومن هنا، فإن التطورات العسكرية الأخيرة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حلقة جديدة في صراع أوسع على إعادة تشكيل موازين القوة في الخليج، وليس باعتبارها مجرد تبادل للضربات العسكرية. فكل عملية عسكرية، وكل تحرك بحري، وكل رسالة ردع متبادلة، ترتبط بصورة مباشرة بالصراع على مستقبل مضيق هرمز، وعلى حدود النفوذ الأمريكي في المنطقة، وعلى قدرة إيران على تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ردع استراتيجية.
وبناءً على ذلك، فإن فهم المرحلة الحالية لا يقتصر على متابعة العمليات العسكرية وحدها، وإنما يتطلب تحليل العلاقة بين الميدان العسكري ومسار التفاوض والضغوط السياسية، لأن ما يجري على الأرض أصبح جزءًا من أدوات التفاوض نفسها. فالضربات العسكرية لم تعد تهدف فقط إلى إلحاق خسائر بالخصم، وإنما أصبحت وسيلة لتحسين شروط التفاوض وفرض الوقائع قبل الجلوس إلى طاولة المباحثات.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بعد التصعيد الأخير لم يعد يتمثل في ما إذا كانت الهدنة قد انتهت أم لا، وإنما في طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها الصراع: هل ما زالت العمليات العسكرية تُستخدم كورقة ضغط داخل المسار التفاوضي؟ أم أن الطرفين تجاوزا بالفعل مرحلة إدارة الأزمة، ودخلا تدريجيًا في مرحلة إعادة إنتاج الحرب بصورة أكثر اتساعًا وتعقيدًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أولًا قراءة دقيقة لطبيعة الضربات العسكرية الأخيرة، وأهدافها العملياتية، والدلالات الاستراتيجية التي حملتها، وهو ما يتناوله المحور التالي من هذا التقدير.
ثانيًا: التصعيد العسكري الأخير… قراءة في الضربات الأمريكية والردود الإيرانية ودلالاتها العملياتية:
أ. الضربات الأمريكية
جاء التصعيد العسكري الأمريكي الأخير بنهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو، بعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من توقيع اتفاق الهدنة، ليؤكد أن حالة الهدوء النسبي التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم لم تكن سوى هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني حقيقي.
فقد بدأت الأزمة عقب استهداف إيران عددًا من القطع البحرية الأمريكية، التي حاولت، وفق الرواية الإيرانية، تجاوز المسارات التي حددتها طهران لحركة السفن داخل مضيق هرمز، عبر استخدام مسار بحري بديل بالقرب من سلطنة عُمان، وهو ما اعتبرته إيران تجاوزًا مباشرًا للقواعد التي فرضتها على الملاحة داخل المضيق منذ انتهاء الحرب الأخيرة، وعلى اتفاق مذكرة التفاهم الذي ينص، من وجهة نظرها، على أن إدارة الملاحة في المضيق تقع حصرًا بيد إيران، حتى لو لم تحصل رسومًا مقابل ذلك لمدة 60 يومًا فقط.
وقد جاء الرد الأمريكي سريعًا، منطلقًا من أن المذكرة تقر بأن لإيران حقًا في إدارة المضيق، نعم، ولكن هذا الحق ليس حصريًا. الرد الأمريكي حمل في طبيعته دلالات عسكرية تتجاوز مجرد الرد على حادث بحري محدود. إذ ركزت الضربات بصورة شبه كاملة على جنوب إيران، مستهدفة مواقع عسكرية ذات صلة مباشرة بمنظومة السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز. وشملت الضربات محيط مدينة بندر عباس، وتشابهار، وكنارك، إضافة إلى مواقع في محافظة بوشهر، وجزيرة أبو موسى، وجاسك وخارك، كما امتدت الضربات إلى قاعدة عسكرية جنوب مدينة بوشهر.
كما اتسعت، خريطة الاستهداف مع تقارير عن ضربات طالت مواقع عسكرية وبحرية من بوشهر جنوبي إيران إلى كنارك على ساحل خليج عمان، بعد ليلة ثانية من العمليات الأميركية التي امتدت إلى مطار وجسرين للسكك الحديدية ومنشآت مرتبطة بالملاحة، ووصلت الإستهدافات إلى مواقع في إيرانشهر بمحافظة سيستان وبلوشستان، فضلًا عن استهداف مواقع قرب الأهواز، في حين أعلن الحرس الثوري الإيراني تعرض موقع بمدينة آق قلا في محافظة غلستان لضربة بصاروخ كروز.
كما أشارت تقارير إعلامية أمريكية، من بينها ما نقله موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أمريكيين، إلى أن الأهداف الرئيسية للعملية شملت رادارات ساحلية، ومنظومات صواريخ مضادة للسفن، ومواقع دفاع جوي تابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي أهداف ترتبط بصورة مباشرة بقدرة إيران على فرض سيطرتها العملياتية على مضيق هرمز ومراقبة الحركة البحرية داخله.
شكل رقم (2) – أهم المواقع الإيرانية المستهدفة منذ عودة القصف

وبعد توقف محدود، عادت وتيرة أعمال القصف الأمريكي على نفس النهج تقريبا لعدة أيام، (لليلة السادسة على التوالي حتى يوم الإنتهاء من إعداد هذه الدراسة 17 يوليو 2026). بحسب التقارير المتاحة حتى الآن، فإن نمط الضربات منذ عودتها وحتى وقتنا الحالي يظهر أن العمليات تركزت بصورة رئيسية على جنوب إيران ومحيط مضيق هرمز، مع توسع تدريجي في بعض الضربات إلى العمق الإيراني، بينما ركزت إيران في المقابل في ردها على القواعد الأمريكية والمنشآت العسكرية المرتبطة بالانتشار الأمريكي في الخليج.
وعلى سبيل المثال، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم، صباح الثلاثاء 14 يوليو 2026، إكمال أحدث موجة من الهجمات على أهداف عسكرية في إيران. وقالت في بيان: ” أتمّت القيادة المركزية الأمريكية موجة أخرى من الضربات ضد إيران في الساعة 10:15 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة يوم 13 يوليو (تموز)”. وأوضحت أنه خلال المهمة التي استمرت خمس ساعات، نجحت القوات الأمريكية في ضرب أهداف عسكرية في أنحاء إيران شملت بوشهر، وتشابهار، وجاسك، وكونارك، وأبو موسى، وبندر عباس. وأشارت إلى أن الضربات تهدف إلى زيادة تقويض قدرة إيران على مهاجمة حركة الملاحة التجارية”).
وتصاعدت العمليات الامريكية على إيران طوال الأيام الماضية وجاءت بعض النماذج منها كالتالي:
1. جنوب إيران ومضيق هرمز (المحور الرئيسي) تركزت غالبية الضربات على مدينة بندر عباس ومحيطها، جزيرة أبو موسى، جزيرة طنب الكبرى (Greater Tunb)، مناطق جاسك بمحافظة هرمزغان. مناطق ساحلية مطلة على المضيق. محيط قشم في بعض الموجات اللاحقة. وكانت الأهداف العسكرية الرئيسية:
- رادارات الإنذار الساحلي.
- مواقع صواريخ كروز المضادة للسفن.
- منصات إطلاق الصواريخ الساحلية.
- أنظمة الدفاع الجوي.
- قدرات المراقبة الساحلية.
- مخازن الطائرات المسيّرة.
- البنية البحرية للحرس الثوري.
- مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري.
2. محافظة بوشهر: استهدفت الضربات قواعد عسكرية جنوب بوشهر، مواقع دعم عسكري ولوجستي. وسجلت انفجارات متكررة في المحافظة.
3. تشابهار وكُنارك: تعرضت مواقع عسكرية للقصف في: تشابهار، كُنارك. على الساحل الجنوبي على خليج عمان، وتركزت الضربات على منشآت مرتبطة بالقوات البحرية الإيرانية.
4. الأهواز وخوزستان: أبلغت إيران عن استهداف مناطق قرب الأهواز شمال الخليج العربي، ووقوع إصابات نتيجة الضربات الأمريكية. وتم إخلاء مستشفى السرطان للأطفال في الأهواز جراء الغارات الأميركية.
5. غلستان (شمال إيران): أعلنت إيران تعرض موقع قرب مدينة آق قلا لهجوم بصاروخ كروز استهدف منشآت عسكرية.
6. طهران: مع تصاعد العمليات توسعت الضربات لتشمل: مواقع قيادة عسكرية، منشآت مرتبطة بالصواريخ، بعض مواقع الدفاع الجوي. و امتدت الضربات لأول مرة في هذه الجولة الأخيرة من التصعيد حول طهران، إلى مناطق حول العاصمة الإيرانية طهران، ما يُظهر اتساع نطاق الأهداف الأمريكية.
وشنت الولايات المتحدة موجة ثانية من الضربات في وقت متأخر من مساء الخميس 16 يوليو 2026، قائلةً إنها تهدف إلى “مواصلة إضعاف” القدرات العسكرية الإيرانية.
من الناحية العسكرية، فإن اختيار أهداف القصف لم يكن عشوائيًا، وإنما يعكس وجود تصور عملياتي واضح لدى القيادة الأمريكية. فالضربات، بالأساس، لم تستهدف العمق الإيراني أو المنشآت النووية، وإنما ركزت بصورة أساسية على العقد العسكرية التي تشكل العمود الفقري لمنظومة منع الوصول والحرمان من المنطقة (A2/AD) التي بنتها إيران خلال السنوات الماضية في الخليج العربي. وتعتمد هذه المنظومة على شبكة مترابطة من الرادارات الساحلية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والدفاعات الجوية، والقواعد البحرية، ومنصات الطائرات المسيّرة، بما يسمح لإيران بفرض تهديد دائم على الملاحة الدولية داخل مضيق هرمز.
وبذلك، فإن الرسالة العسكرية الأمريكية لم تكن موجهة فقط إلى إيران، وإنما أيضًا إلى المجتمع الدولي، ومفادها أن الولايات المتحدة لن تسمح بتحول مضيق هرمز إلى منطقة تخضع للسيطرة الإيرانية المنفردة، وأنها لا تزال تمتلك القدرة على ضرب البنية العسكرية التي تستند إليها طهران في فرض معادلاتها الأمنية داخل الخليج.
في موجة التصعيد الحالية، لم تكتفِ الولايات المتحدة باستهداف مراكز القيادة والسيطرة ومناطق انتشار القوات البحرية الإيرانية في الجنوب، والتي تمثل الركيزة الأساسية لسيطرة إيران على مضيق هرمز، بل وسّعت نطاق عملياتها ليشمل البنية التحتية الإيرانية. فقد أعلن التلفزيون الإيراني في ليلة 17 يوليو تعرض محطة تفرع السكك الحديدية في بندر عباس للقصف، كما أفادت وكالة تسنيم بأن هجمات أمريكية استهدفت الجسر الرابط بين بندر عباس وشيراز جنوب إيران.
كذلك أعلن التلفزيون الإيراني أن جسرين في مدينة بندر خمير بمحافظة هرمزغان تعرضا لقصف أمريكي، ما أسفر عن مقتل سائق سيارة كان يعبر أحد الجسرين لحظة الهجوم، قبل أن تعلن وسائل إعلام رسمية لاحقا ارتفاع حصيلة الهجوم على جسري كوهورستان وغريوه إلى قتيلين وأربعة مصابين. لاحقًا، أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية أن القوات الأمريكية هاجمت 6 جسور في محافظة خمير جنوبي إيران. بعض الجسور المستهدفة تقع على شرايين حيوية تربط بوشهر، الميناء الرئيس لإيران في الجنوب والمناطق الداخلية في شيراز.
ويشير ذلك إلى أن الولايات المتحدة بدأت تتجه تدريجيًا نحو استهداف البنية التحتية الإيرانية، بما يعكس نمطًا من حرب استنزاف ممتدة تستهدف إضعاف القدرات اللوجستية والاقتصادية إلى جانب الأهداف العسكرية.
غير أن القراءة العسكرية للضربات تفتح بابًا أوسع للتفسير. فاستهداف الرادارات الساحلية ومنظومات الصواريخ المضادة للسفن والدفاعات الجوية يمثل في الفكر العسكري الحديث المرحلة الأولى لأي حملة تهدف إلى تحقيق التفوق الجوي والبحري قبل تنفيذ عمليات أوسع. إذ لا يمكن لأي قوة بحرية أو برية أن تتحرك بحرية في منطقة عمليات يسيطر عليها الخصم بواسطة شبكة كثيفة من وسائل الاستطلاع والرصد والصواريخ الساحلية والدفاعات الجوية.
شكل رقم (3) – استهداف مواقع إيرانية في بندر عباس

ولهذا، رأى عدد من المحللين العسكريين أن طبيعة الضربات الأخيرة قد لا تكون مجرد رد انتقامي محدود، وإنما قد تمثل مرحلة تمهيد نيراني وجوي (Shaping Operations) تسبق عمليات عسكرية أكبر إذا ما انهار المسار التفاوضي بصورة كاملة؛ فالعمليات التمهيدية في العقيدة العسكرية الغربية تهدف عادة إلى إضعاف منظومات القيادة والسيطرة، وشل وسائل الدفاع الجوي، وتحييد القدرات الساحلية، تمهيدًا لإعطاء القوات البحرية والجوية حرية أكبر في العمل داخل مسرح العمليات.
وفي هذا السياق، يصبح التركيز على جنوب إيران ذا دلالة خاصة. فهذه المنطقة ليست مجرد نطاق جغرافي يطل على الخليج، وإنما تمثل المركز الرئيسي لانتشار القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، والقوات المسؤولة عن تشغيل منظومات الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة التي تشكل أساس العقيدة الإيرانية في حماية مضيق هرمز. كما تضم هذه المنطقة الجزر الإيرانية المنتشرة عند مدخل المضيق، والتي تمثل نقاط ارتكاز متقدمة تسمح لطهران بمراقبة وإدارة الحركة البحرية بصورة مستمرة.
وقد قمنا في المعهد المصري بنشر دراستين حول استراتيجية الغزو البري واحتمالاته ونقاطه المحتملة في حالة حدوثه؛ الدراسة الأولى: خمس طرق يمكن للولايات المتحدة أن تغزو بها إيران، الدراسة الثانية: جولة التصعيد الأمريكي – الإيراني الأخيرة: بين الضغط التفاوضي واحتمالات المواجهة الأوسع – قراءة عسكرية .
شكل رقم (4) – المسارات المحتملة للغزو البري المنشورة في دراسة المعهد المصري

ويلاحظ من الشكل رقم (2) تطابق المواقع التي تم قصفها مؤخرا، ويتم استهدافها مرارًا وتكرارًا، مع المسارات المحتملة للإنزال البري رقم 1 إلى 4 التي يوضحها الشكل رقم (4) أعلاه، وهي المسارات المحيطة بمضيق هرمز وما حوله، والتي يضاف إليها المسارين رقم 5 و 6 المحتملين للغزو البري عن طريق الجانب العراقي.
ومن هنا، فإن استهداف هذه المواقع يمكن تفسيره ضمن سياقين رئيسيين؛ يتمثل السياق الأول في سعي الولايات المتحدة لزيادة الضغط العسكري على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات أكبر على طاولة المفاوضات، خصوصًا فيما يتعلق بترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي، ودور الحرس الثوري في الخليج. في هذه الحالة، تصبح الضربات جزءًا من أدوات الضغط السياسي أكثر منها بداية لحرب جديدة.
أما السياق الثاني، وهو الأكثر أهمية من المنظور العسكري، فيتمثل في احتمال أن تكون هذه الضربات جزءًا من إعداد عملياتي أوسع، يهدف إلى تهيئة البيئة القتالية أمام خيار التدخل البري المحدود إذا فشلت المفاوضات بصورة نهائية.
وفي هذا السياق، قد تبدأ أي عمليات مستقبلية بمحاولات للسيطرة على عدد من الجزر الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، بالتوازي مع إنزالات محدودة على بعض أجزاء الساحل الجنوبي الإيراني، بهدف تقويض قدرة الحرس الثوري على التحكم في المضيق، وانتزاع ورقة الضغط الأهم التي تمتلكها إيران في مواجهة الولايات المتحدة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن قرارًا أمريكيًا بالغزو قد تم اتخاذه بالفعل، إلا أن طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف تتوافق بصورة كبيرة مع الأهداف التي تُستهدف عادة في المراحل الأولى من الحملات العسكرية الكبرى. فإضعاف الرادارات الساحلية والدفاعات الجوية والصواريخ المضادة للسفن يمثل خطوة منطقية قبل أي تحرك بحري أو برمائي واسع، لأن بقاء هذه المنظومات فاعلة يعني تعريض أي قوة مهاجمة لخسائر كبيرة منذ اللحظات الأولى للعملية.
ب. ردود الأفعال الإيرانية
في المقابل، لا يبدو أن إيران تتعامل مع هذه الضربات باعتبارها حادثًا تكتيكيًا محدودًا، وإنما تقرؤها باعتبارها محاولة أمريكية لاختبار حدود الردع الإيراني، وربما لفرض أمر واقع جديد في مضيق هرمز.
ولهذا جاء الرد الإيراني سريعًا ومباشرًا عبر استهداف قواعد أمريكية في بحر العرب وعلى القرب من مضيق هرمز، وفي البحرين والكويت وقطر والأردن والعراق وسلطنة عمان ، في إطار استراتيجية تقوم على الرد الفوري، ومنع الولايات المتحدة من ترسيخ أي قواعد اشتباك جديدة يمكن أن تتحول لاحقًا إلى أمر واقع دائم.
الشكل رقم (5) يوضح أمثلة للمواقع التي استهدفتها إيران يومي 12 و 13 يوليو 2026.
شكل رقم (5) – الأصول الأمريكية التي استهدفتها إيران يومي 12 و 13 يوليو 2026

استمر أيضًا استهداف السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز من جهة باستخدام الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة في تصعيد لتهديد الملاحة التجارية والعسكرية داخل المضيق، ما أدى، طبقًا لبيانات موقع كبلر للبيانات الملاحية إلى انخفاض حركة عبور السفن في مضيق هرمز يوم 16 يوليو إلى 8 فقط في أدنى حركة منذ 3 أسابيع. تصاعد أيضًا قصف أهداف مختلفة في دول الخليج ، البعض منها استهدف البنية الأساسية ، مثلما تم استهداف محطة للقوى الكهربية وتقطير المياه في الكويت ليلة 16 يوليو، ما دعا وزرارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت إلى دعوة “المواطنين والمقيمين لترشيد استخدام الكهرباء خلال هذه المرحلة الاستثنائية”، طبقًا لبيان الوزارة.
واستمرت إيران في قصف المواقع والقواعد الأمريكية إلى وقت صدور هذا التقدير (الجمعة 17 يوليو 2026) وشملت استهداف قواعد أمريكية في الأردن ، بقاعدة موفق السلطي ، وكذلك قواعد في منطقة الأزرق.
وفي البحرين، تم استهداف مواقع عسكرية مرتبطة بالأسطول الخامس الأمريكي، من خلال هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي الكويت، تم استهداف قواعد أمريكية وتنفيذ هجمات صاروخية ومسيرات ضد منشآت عسكرية بشكل مكثف. مع قصف مصالح وقواعد أمريكية في كلًا من قطر والعراق وسلطنة عمان.
ج. خلاصة دلالات التصعيد الجديد
يكشف هذا التصعيد أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري حيوي، بل أصبح ساحة الصراع الرئيسية التي ستحدد إلى حد كبير مستقبل العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
وتبدو أهمية التصعيد الأخير، ليس في حجم الخسائر العسكرية التي خلفها، بل في الرسائل الاستراتيجية التي حملها. فهو يكشف أن الصراع بين واشنطن وطهران دخل مرحلة أصبحت فيها العمليات العسكرية وسيلة لإعادة رسم قواعد التفاوض، والانتقال إلى مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، مع تصاعد وتيرة الفعل ورد الفعل يومًا بعد يوم، مع بدأ استهدافات محدودة للبنية الأساسية من الطرفين.
إن استهداف إيران للبنية التحتية في بعض دول الخليج، ولا سيما قطاعات المياه والكهرباء، كما حدث في الكويت، جاء بعد انتقال الولايات المتحدة إلى استهداف البنية التحتية وقطاع النقل والطرق والجسور داخل إيران. ويشير ذلك بوضوح إلى أن طهران تتعامل وفق مبدأ “الشيء بالشيء”، وتسعى إلى تثبيت معادلة ردع مفادها أن استهداف البنية التحتية الإيرانية سيقابله استهداف فوري مماثل للبنية التحتية في دول الخليج التي تستضيف أو تدعم العمليات الأمريكية. ويؤشر هذا التحول إلى مستوى مرتفع من التصعيد، ينقل المواجهة إلى استهداف قطاعات مدنية وحيوية، وليس الأهداف العسكرية فقط. وإذا استمر هذا النمط من التصعيد واتسعت دائرته، فإن تداعياته على ضفتي الخليج ستكون كبيرة.
من الضروري لاستكمال التحليل الانتقال إلى قراءة مدى التزام الطرفين أصلًا ببنود مذكرة التفاهم، وما إذا كان الاتفاق قد دخل بالفعل مرحلة الانهيار قبل اندلاع هذا التصعيد الأخير.
ثالثًا: هل نُفذت بنود مذكرة التفاهم؟ قراءة في أسباب انهيار الهدنة بين واشنطن وطهران
يُعد تقييم مدى التزام أطراف الصراع ببنود مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو/حزيران 2026 أحد أهم المفاتيح لفهم التصعيد العسكري الأخير. فالعمليات العسكرية لا تنشأ في الفراغ، وإنما تكون غالبًا نتيجة مباشرة لفشل المسار السياسي أو انهيار التفاهمات التي كان يفترض أن تضبط سلوك الأطراف. ومن ثَمَّ، فإن الإجابة عن سؤال: هل نُفذت بنود الاتفاق؟ فضلًا عن استكشاف الدوافع الحقيقية وراء التوقيع عليه إذا لم تكن هناك نية أصلية لتنفيذه، تمثل خطوة ضرورية قبل الانتقال إلى تحليل دوافع التصعيد الحالي وسيناريوهاته المستقبلية.
بالعودة إلى نص مذكرة التفاهم، نجد أنها تضمنت أربعة عشر بندًا هدفت إلى إنشاء إطار شامل لإدارة الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، تمهيدًا للتتفاوض سعيًا للوصول إلى اتفاق نهائي ينهي حالة المواجهة المستمرة بين الطرفين. فقد نص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، بما في ذلك في الساحة اللبنانية، مع تأكيد إيران مجددًا التزامها بعدم تطوير أو امتلاك أسلحة نووية، وبدء حوار بين الجانبين حول مستقبل التخصيب النووي، وآليات التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب، مع التزام إيران بالحفاظ على الوضع القائم في برنامجها النووي طوال فترة المفاوضات.
كما تضمن الاتفاق التزامات أمريكية واضحة، تمثلت في إزالة الحصار البحري، وعدم فرض عقوبات جديدة، وعدم زيادة حجم القوات الأمريكية في المنطقة طوال فترة التفاوض، إلى جانب منح إيران إعفاءات مؤقتة تسمح لها ببيع النفط بحرية بالسعر العالمي، وإتاحة استخدام الأصول الإيرانية المجمدة بصورة تدريجية مع بدء تنفيذ الاتفاق.
وفي المقابل، تعهدت إيران بضمان مرور آمن ومجاني للسفن التجارية عبر مضيق هرمز لمدة ستين يومًا، على أن تُستكمل المفاوضات في سلطنة عُمان بمشاركة عدد من دول الخليج لبحث ترتيبات الملاحة والخدمات البحرية، تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق نهائي يشمل رفع العقوبات بالكامل، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة خلال ثلاثين يومًا، وإنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار، على أن يُعتمد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي.
وعند مقارنة هذه البنود بما جرى فعليًا على الأرض منذ توقيع الاتفاق وحتى التصعيد العسكري الأخير، يتبين أن الفجوة بين النصوص والواقع كبيرة للغاية. فباستثناء منح إيران إعفاءات مؤقتة لبيع النفط لفترة محدودة، لم يتحقق عمليًا أي بند من بنود الاتفاق.
لم تتوقف المناوشات العسكرية، ولم يحدث وقف فعلي لإطلاق النار في لبنان، ولم تُحل قضية اليورانيوم المخصب، ولم تبدأ أي مناقشة حقيقية لملف التخصيب النووي، ولم تُرفع العقوبات الاقتصادية بأي شكل، ولم تُفرج الولايات المتحدة عن أي مبلغ من الأصول الإيرانية المجمدة وفق ما نص عليه الاتفاق، كما لم يُنشأ صندوق إعادة الإعمار، ولم يُطرح أي جدول زمني فعلي لانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، فضلًا عن أن المفاوضات نفسها لم تحقق أي تقدم ملموس في القضايا الأساسية محل الخلاف. صحيح أن البعض من هذه النقاط كان من المفترض أن يستغرق بعض الوقت، لكن البعض الأخر منها كان من المفترض الشروع في تنفيذه على الفور.
بل إن التطورات اللاحقة كشفت أنه حتى البند الوحيد الذي بدأ تطبيقه بصورة جزئية، والمتعلق بالسماح لإيران بتصدير النفط، لم يستمر طويلًا، بعدما عادت الولايات المتحدة إلى تعطيل هذا المسار مع تصاعد التوترات العسكرية من جديد، لتصبح النتيجة النهائية أن الاتفاق بقي حبرًا على ورق، دون أن يتحول إلى واقع سياسي أو عسكري وأمني.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التصعيد العسكري الأخير لم يأتِ بعد انهيار اتفاق ناجح، وإنما جاء بعد تعثر اتفاق لم يدخل أصلًا مرحلة التنفيذ الحقيقي، ولم يكن لينجح في الأساس؛ فالهدنة التي أُعلن عنها لم تُترجم إلى إجراءات بناء ثقة بين الطرفين، بل بقي كل طرف يتعامل مع الآخر باعتباره خصمًا، مع استمرار الاستعداد العسكري والسياسي لاحتمال انهيار المفاوضات في أي لحظة.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية من مجرد تقييم تنفيذ البنود، وهو: هل كانت الولايات المتحدة تمتلك منذ البداية رغبة حقيقية في الوصول إلى اتفاق دائم مع إيران، أم أن الاتفاق كان مجرد هدنة تكتيكية استخدمتها واشنطن لإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية والسياسية والإقتصادية قبل استئناف الضغوط؟ هذا ما سنتناوله في المحور التالي.
رابعًا: لماذا وافقت الولايات المتحدة على الاتفاق؟ هدنة حقيقية أم وقفة تعبوية استعدادًا لجولة جديدة؟
يكتسب هذا السؤال أهميته لأن طبيعة السلوك الأمريكي بعد توقيع مذكرة التفاهم لا تعكس وجود استعداد حقيقي لتنفيذ الإتفاق، بل تشير إلى استمرار الضغوط بأشكال مختلفة، سواء عبر الإبقاء على أدوات الردع العسكري، أو عبر عدم تنفيذ الالتزامات الاقتصادية والسياسية المنصوص عليها في المذكرة، وكذلك عبر التصعيد المستمر في تصريحات الرئيس ترامب ، والذي قال نصًا أن “مذكرة التفاهم مع إيران قد انتهت وأن من يقودوا إيران هم مجموعة من المرضى”. وكذلك صرّح الرئيس الأمريكي في قمة “الناتو” قائلا: “التعامل معهم مضيعة للوقت”. وفي المقابل، استمرت إيران أيضًا في تطوير أدوات ردعها، وتعاملت مع الهدنة باعتبارها مرحلة مؤقتة لا تعني تخليها عن أوراق القوة التي تمتلكها، وعلى رأسها السيطرة العملياتية على مضيق هرمز.
ومن ثَمَّ، فإن القراءة الاستراتيجية لمسار الاتفاق تشير إلى أن الطرفين دخلا المفاوضات دون أن يتخلى أي منهما عن فرضية العودة إلى القوة العسكرية. فواشنطن لم تُفكك أدوات الضغط التي تمتلكها، وطهران لم تُعطل منظومة الردع التي بنتها طوال السنوات الماضية، وهو ما جعل الاتفاق أقرب إلى وقف عمليات مؤقت منه إلى بداية تسوية تاريخية.
ولهذا، فإن انهيار الهدنة بالكامل في أي وقت عندما “حدث” لم يكن “حدثًا” مفاجئًا، بل هو احتمال قائم منذ اليوم الأول لتوقيعها، لأن أسباب الصراع الجوهرية بقيت دون معالجة حقيقية، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والأهم من ذلك مستقبل السيطرة على مضيق هرمز، الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى العقدة المركزية في الصراع بين واشنطن وطهران.
ومن الملاحظ من خلال قراءة الموقفين الإيراني والأمريكي، أن إيران تمتلك مفهومها الخاص بشأن بنود مذكرة التفاهم المتعلقة بمضيق هرمز؛ إذ ترى أن هذه البنود تمنحها سيطرة كاملة ومنفردة على التحكم في المضيق وإدارته. في المقابل، يرى الجانب الأمريكي أن بنود الاتفاق تتيح للولايات المتحدة أو أية جهة أخرى المشاركة الفعالة في إدارة المضيق بسبل وأشكال شتى. وهذا ما أكد عليه المحلل السياسي الخبير بالشئون الإيرانية تريتا بارسي عند تناوله لأسباب الخلاف بين طهران وواشنطن على تطبيق المذكرة، والتي تتركز بالأساس حول مضيق هرمز، حيث أوضح بارسي أن وجود مثل هذا التباين في التفسيرات يعد أمراً وارداً ومتوقعاً في هذا النوع من التفاهمات ذات الصياغات الفضفاضة، عندما تريد أطرافها إنجاز الإتفاق بسرعة. لكن هذا التباين أدى إلى تصعيد عسكري كبير بين الطرفين ، وقد يؤدي إلى نسف الاتفاق بشكل كلي.
ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال إلى السؤال الأكثر حساسية في هذا التقدير، وهو: لماذا وافقت الولايات المتحدة أصلًا على توقيع الاتفاق؟ وهل كانت تسعى فعلًا إلى تسوية سياسية، أم أن الهدنة كانت مجرد وسيلة لكسب الوقت وإعادة بناء الجهد العسكري استعدادًا لجولة جديدة من المواجهة؟
منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم في 18 يونيو 2026، انقسمت التقديرات الاستراتيجية بشأن الدوافع الحقيقية التي دفعت الولايات المتحدة إلى القبول بتوقيع مذكرة التفاهم مع إيران في هذا التوقيت بعد حرب اتسمت بمستويات غير مسبوقة من التصعيد، خاصة في ظل البنود التي جاءت في المذكرة وأجمع المحللون أنها جاءت في صالح إيران بالكامل؛ ما أثار الكثير من علامات الاستفهام حول الدافع الأمريكي للقبول بها. فبينما اعتبر البعض أن واشنطن وصلت إلى قناعة بأن الحرب لم تعد تحقق أهدافها، وأن هذه الأهداف لا يمكن حسمها بالقوة العسكرية في ظل المقاومة الإيرانية، وأن الحل السياسي أصبح الخيار الأكثر واقعية، ذهبت تقديرات أخرى إلى أن الاتفاق لم يكن سوى هدنة مؤقتة فرضتها اعتبارات ظرفية إقتصادية وسياسية، وأن الولايات المتحدة كانت فقط تهدف لشراء الوقت (كما ذكرنا في تقديراتنا السابقة للموقف) ولم تتخلَّ في الأساس عن خيار استئناف الحرب متى توافرت الظروف المناسبة، والتي ستأتي عاجلًا أم أجلًا.
ويكتسب هذا الجدل أهمية كبيرة عند قراءة التطورات الأخيرة، لأن فهم دوافع قبول الاتفاق يساعد في تفسير أسباب انهياره السريع، كما يساعد في فهم طبيعة التصعيد العسكري الحالي، وما إذا كان يمثل خروجًا عن الاتفاق أم أنه امتداد لخطة كانت معدة منذ البداية.
وتبرز هنا أيضًا وجهة نظر الباحث والمحلل السياسي تريتا بارسي، الذي يرى أنه رغم وجاهة وجهة النظر حول أن أمريكا لم تكن تهدف لتحقيق اختراق حقيقي بالوسائل السياسية، إلا أنه لا يمكن استبعاد أن الولايات المتحدة كانت تمتلك بالفعل رغبة حقيقية في الوصول إلى اتفاق مع إيران، وتحاول تحقيق ذلك، وأن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تكون قد أدركت خطأ شن الحرب منذ البداية، حيث أن الحرب المفتوحة مع طهران ستفرض تكاليف عسكرية واقتصادية وسياسية يصعب تحملها على المدى الطويل، خاصة بعد أن أثبتت إيران قدرتها على الصمود والرد، وعدم انهيار منظومتها العسكرية أو السياسية رغم الضربات التي تعرضت لها.
ووفق هذا الرأي، فإن الاتفاق لم يكن تكتيكًا مؤقتًا، بل كان بداية لمسار تفاوضي طويل بطبيعته، إذ إن الملفات المطروحة بين الجانبين، وعلى رأسها البرنامج النووي، والعقوبات الاقتصادية، ومستقبل الوجود الأمريكي في الخليج، لا يمكن تسويتها خلال أسابيع أو أشهر، وإنما تحتاج إلى مفاوضات معقدة ومتدرجة قد تمتد لفترة طويلة. هذا الرأي لا يمنع، كما يجادل بارسي، بأن الولايات المتحدة كانت تحتفظ بخيارات عسكرية بديلة في حال تعثر المفاوضات، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”الخطة ب”، بحيث يبقى الخيار العسكري حاضرًا إذا وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود. يدلل بارسي على وجهة النظر تلك بأن الفترة التي أخذها انهيار المذكرة حتى يحدث كانت قصيرة جدًا بما لا يسمح للولايات المتحدة بتحقيق أهدافها من “شراء الوقت”، وبالتالي لا يمكن أن تكون أمريكا قد وقعت المذكرة وهي تنوي خرقها بعد ثلاثة أسابيع فقط بما لا يحقق لها أي ميزة من توقيعها.
في المقابل، تذهب وجهة نظر أخرى، نراها أكثر وجاهة، إلى قراءة مختلفة تمامًا، وترى أن الولايات المتحدة لم تكن تمتلك منذ البداية إرادة سياسية حقيقية للوصول إلى اتفاق دائم، وإنما وافقت على الهدنة باعتبارها وقفة عملياتية مؤقتة فرضتها ظروف المرحلة، وليس نتيجة تغير في أهدافها الاستراتيجية تجاه إيران.
وتستند هذه القراءة إلى عدد من المؤشرات السياسية والعسكرية. فمن الناحية الاقتصادية، تعيش أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب نتيجة التهديد المستمر لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط، وعلى المخزون العالمي الاستراتيجي للبترول والذي يوشك على النفاذ، وأثار مخاوف واسعة من دخول الاقتصاد العالمي في موجة جديدة من عدم الاستقرار. كما كانت الولايات المتحدة حريصة على إعادة فتح خطوط الملاحة بصورة مستقرة لتجنب أو الحد من الانعكاسات الاقتصادية الواسعة التي أثرت في الداخل الأمريكي وعلى الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير .
كما أن توقيت الاتفاق جاء قبل استحقاقات دولية مهمة، أبرزها الاستعدادات المرتبطة باستضافة الولايات المتحدة لبطولة كأس العالم، إلى جانب اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، وهي عوامل جعلت الإدارة الأمريكية بحاجة إلى تهدئة إقليمية مؤقتة، تمنع حدوث اضطرابات اقتصادية أو أمنية قد تنعكس على الداخل الأمريكي.
ومن المنظور العسكري، تكتسب هذه القراءة بعدًا أكثر أهمية. ففي العلوم العسكرية، كثيرًا ما تلجأ الجيوش إلى ما يُعرف بـالوقفة التعبوية، وهي مرحلة توقف مؤقت للعمليات لا تعني انتهاء الحرب، وإنما تهدف إلى إعادة تنظيم القوات، وتعويض الخسائر، وإعادة بناء المخزون اللوجستي، واستكمال عمليات الصيانة، وتحريك التعزيزات، وإعادة تقييم الخطط العملياتية قبل استئناف القتال بوتيرة أكبر.
وفي التاريخ العسكري، لم تكن الوقفات التعبوية تعني انتهاء الصراع، بل كانت في كثير من الأحيان تمثل المرحلة التي تسبق العمليات الكبرى. فالجيوش التي تدخل حربًا طويلة تحتاج بصورة دورية إلى إعادة ترتيب أوضاعها العملياتية حتى تحافظ على قدرتها القتالية، وهو ما يجعل الهدنة المؤقتة جزءًا من إدارة الحرب، وليس خروجًا منها.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، ترى هذه المدرسة في التحليل أن الاتفاق منح الولايات المتحدة فترة زمنية، وإن لم تكن كافية، لإعادة تقييم نتائج الحرب السابقة، وتعويض ما استهلكته من ذخائر دقيقة بقدر الإمكان، وإعادة توزيع قواتها البحرية والجوية، وإجراء مراجعة شاملة لخططها العملياتية، تمهيدًا لاستئناف الضغط العسكري إذا تبين أن إيران لم تقدم التنازلات المطلوبة.
وقد ذكر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بوضوح في إحدى المقابلات التلفزيونية أن توقيع إعلان المبادئ كان يهدف بالفعل “لشراء بعض الوقت” ، وإعادة ملئ مخزون البترول الإستراتيجي العالمي.
ومن منظور عسكري أيضًا ، فقد تعرضت الولايات المتحدة لمقاومة شرسة من جانب إيران، التي استطاعت أن توجه ضربات متزامنة في مسارح عمليات متعددة. ويبدو أن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية قد عجزت عن الإحاطة الكاملة بحقيقة القدرات العسكرية الإيرانية ومفاجآتها التكتيكية؛ وبالتالي فقد أدت كثافة الهجمات المضادة وحجم الخسائر الميدانية المرتفعة إلى إرغام الجيش الأمريكي على اتخاذ ‘وقفة تعبوية’ لإعادة تقييم الموقف وتعديل خططه العملياتية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن قرار استئناف الحرب كان محسومًا منذ البداية، لكنه يعني أن واشنطن لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية للصراع، وإنما باعتباره مرحلة انتقالية تستمر لبعض الوقت الذي يفيدها، بحيث تُبقي جميع الخيارات مفتوحة، وفي مقدمتها الخيار العسكري. ويمكن تفسير العودة السريعة للعمليات العسكرية دون شراء الوقت الكافي المطلوب وتحقيق الغرض منه بأن إيران كانت تتصدى بسرعة وحسم لكل المحاولات الأمريكية بفرض مسار بديل للسفن خلال مضيق هرمز، وبالتالي أدركت الولايات المتحدة أنها لن تستطيع فرض هيمنتها على المضيق بهذا الأسلوب، ما دفعها لسرعة استئناف العمليات العسكرية حتى لا تفرض إيران سيطرتها على المضيق كأمر واقع.
ويبدو أن التصعيد الأخير يمنح هذه القراءة قدرًا من الوجاهة، إذ إن سرعة الانتقال من مرحلة التفاوض إلى توجيه ضربات واسعة ضد مواقع عسكرية إيرانية تشير إلى أن البنية العملياتية اللازمة لتنفيذ هذه الضربات كانت جاهزة بالفعل، وأن العودة إلى العمل العسكري لم تتطلب إعدادًا طويلًا، وهو ما يوحي بأن الخطط العسكرية ظلت قائمة طوال فترة الهدنة ولم تُجمّد، على الرغم من أن أمريكا كانت تريد أن تطول الوقفة التعبوية بعض الشئ للتجهيز بشكل أفضل، وربما لتجاوز مرحلة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، لكن الواقع الميداني فرض عليها الاشتباك بشكل سريع كما أسلفنا.
وفي المقابل، لم تتعامل إيران هي الأخرى مع الاتفاق باعتباره نهاية للمواجهة. فقد واصلت الحفاظ على جاهزية قواتها، واستمرت في تطوير منظومات الردع، وتعاملت مع الهدنة باعتبارها فرصة لترسيخ معادلات الردع التي فرضتها بعد الحرب، لا باعتبارها بداية لتغيير استراتيجي في طبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة.
ومن هنا، يمكن القول إن الطرفين دخلا مرحلة التفاوض بينما كان كل منهما يستعد في الوقت نفسه لاحتمال انهيارها. فالسياسة والعملات العسكرية سارتا بالتوازي، ولم تحل إحداهما محل الأخرى، وهو ما يفسر سرعة العودة إلى التصعيد بمجرد ظهور أول خلاف جوهري يتعلق بالمصالح الاستراتيجية للطرفين،حول النقطة الأهم لكليهما؛ فرض السيطرة على مضيق هرمز.
وتشير قراءة التطورات الميدانية والسياسية بوضوح إلى أن جوهر الخلاف لم يعد يتمثل فقط حول تخصيب اليورانيوم أو برنامج الإيراني الباليستي و الصاروخي فرط الصوتي المتقدم أو رفع العقوبات، وإنما أصبح يتركز حول مضيق هرمز، باعتباره العقدة الاستراتيجية التي تتقاطع عندها المصالح العسكرية والاقتصادية للطرفين. فالولايات المتحدة تسعى إلى تكريس مبدأ حرية الملاحة وفق رؤيتها الأمنية، بينما تنظر إيران إلى أن المضيق أصبح أهم ورقة استراتيجية للجمهورية الإسلامية في إيران، بما يفوق حتى أهمية حيازة السلاح النووي، وترفض أي ترتيبات تنتقص من قدرتها على التحكم في هذا الممر الحيوي أو تسمح بوجود أمريكي يفرض قواعد جديدة لإدارته.
ومن ثَمَّ، فإن فهم مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني يتطلب أولًا فهم معركة مضيق هرمز نفسها، باعتبارها المحور الذي تدور حوله الحسابات العسكرية والاستراتيجية للطرفين.
خامسًا: جوهر الخلاف الحقيقي… لماذا أصبح مضيق هرمز محور الصراع بين واشنطن وطهران؟
بقراءة مسار الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأشهر الأخيرة، يتضح أن البرنامج النووي، رغم أهميته، لم يعد وحده القضية المركزية التي تحكم طبيعة الصراع بين الطرفين. فالتطورات العسكرية الأخيرة، وطبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، ومسار الردود الإيرانية، تشير جميعها إلى أن مضيق هرمز أصبح اليوم العقدة الاستراتيجية الرئيسية التي تدور حولها المواجهة الأمريكية الإيرانية، وأن الخلاف الحقيقي لم يعد يدور حول مستويات تخصيب اليورانيوم أو العقوبات الاقتصادية، وإنما امتد إلى مستقبل السيطرة الأمنية والعسكرية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقد بدأ العديد من الخبراء يتساءلون بقوة عن السبب في عدم قصف موقع اليورانيوم المخصب أثناء جولة الأربعين يومًا، والذي تتوافر الأدلة الدامغة على معرفة الولايات المتحدة بمكانه في جبل أصفهان، وأنه كانت هناك فرص لغلق هذا الملف بأشكال مختلفة، لكن يبدو أنه يتم استخدام هذا الأمر كمجرد تكئة لاستمرار الحرب على إيران لأسباب تختلف عن موضوع الملف النووي.
الولايات المتحدة تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممرًا دوليًا يجب أن يبقى مفتوحًا أمام حركة التجارة والطاقة العالمية وفق رؤيتها وإستراتيجتها، وأن يكون بعيدًا عن سيطرة أي دولة منفردة تستطيع استخدامه كورقة ضغط سياسية أو عسكرية. ومن هذا المنطلق، تعمل واشنطن على تثبيت معادلة بحرية تجعل الملاحة في المضيق خاضعة للسيطرة العسكرية الأمريكية وشبكة التحالفات البحرية الغربية في الخليج. الاستراتيجية الأمريكية، بقراءة تحركاتها الخارجية، تقوم بشكل عام على السعي إلى السيطرة على الممرات المائية الحيوية، بما يضمن لها الهيمنة على حركة التجارة العالمية. وهذه هي سياسة الدول العظمى والإمبراطوريات عبر التاريخ؛ إذ إن السيطرة على طرق التجارة تمثل أحد أهم أدوات النفوذ والتحكم والهيمنة.
في المقابل، تنظر إيران إلى مضيق هرمز باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، ليس فقط لأنه يمر بمحاذاة سواحلها الجنوبية، وإنما لأنه يمثل أهم ورقة ردع استراتيجية تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة. فطهران تدرك أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لصالحها من واقع الإمكانات العسكرية الأمريكية، ولذلك بنت خلال العقود الماضية استراتيجية مختلفة تقوم على رفع تكلفة أي مواجهة مع إيران، عبر امتلاك القدرة على تهديد حركة الملاحة العالمية متى تعرض أمنها القومي للخطر.
ولهذا السبب، استثمرت إيران بصورة كبيرة في بناء منظومة عسكرية متكاملة حول مضيق هرمز، تقوم على إدارة حرب غير متماثلة، وتضم قواعد بحرية للحرس الثوري، ورادارات ساحلية بعيدة المدى، ومنظومات صواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة للاستطلاع والهجوم، وزوارق هجومية سريعة، وألغامًا بحرية، فضلًا عن شبكة قيادة وسيطرة تسمح بإدارة العمليات على امتداد الساحل والجزر الإيرانية المنتشرة داخل المضيق.
ولا تنظر طهران إلى هذه المنظومة باعتبارها وسيلة لإغلاق المضيق بصورة دائمة، لأن ذلك سيضر بمصالحها الاقتصادية أيضًا، وإنما باعتبارها وسيلة ردع تضمن أن أي تصعيد ضد إيران ستكون له تكلفة دولية مرتفعة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التفاوض والمناورة السياسية وتحقيق النفوذ الإقليمي والدولي.
ومن هنا، يمكن فهم سبب الحساسية الإيرانية تجاه أي تحرك أمريكي حول المضيق. فإيران تعتبر أن أي محاولة لتجاوز القواعد التي فرضتها على الملاحة، أو أي وجود عسكري أمريكي يهدف إلى تقليص نفوذها العملياتي في المضيق، يمثل مساسًا مباشرًا بأهم ركائز أمنها القومي. ولهذا تبنت خلال المرحلة الأخيرة استراتيجية الردع المباشر واستراتيجية الهجوم الاستباقي، التي تقوم على أن أي اختراق لما تعتبره خطوطًا حمراء في مضيق هرمز يقابله رد عسكري مباشر وسريع، أو حتى استباقي، دون انتظار تصعيد سياسي أو دبلوماسي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الأزمة الأخيرة، حين تعاملت إيران مع محاولات عبور بعض القطع البحرية الأمريكية وبعض السفن التجارية، أيًا كان مالكوها، عبر مسارات اعتبرتها مخالفة للترتيبات التي وضعتها داخل المضيق، فردت باستهدافها بصورة مباشرة، في رسالة تؤكد أنها لن تسمح بتكريس أي قواعد اشتباك جديدة تنتقص من سيطرتها العملياتية على المنطقة.
أيضًا، فإن الرد الإيراني على الضربات الأمريكية لم يتأخر، حيث استهدفت طهران قواعد أمريكية في المنطقة في إطار معادلة واضحة تقوم على الرد المباشر والمتكافئ. ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في العقيدة العسكرية الإيرانية، خاصة بعد حرب ال 12 يوم في العام 2025؛ إذ لم تعد تعتمد على الرد غير المباشر أو عبر الحلفاء فقط، وإنما باتت تميل بصورة أكبر إلى توجيه ضربات مباشرة للقوات الأمريكية كلما تعرضت مصالحها الحيوية للاستهداف.
ومن منظور عسكري، فإن هذه الاستراتيجية تهدف إلى منع الولايات المتحدة من ترسيخ معادلة يكون فيها القصف الأمريكي أمرًا معتادًا لا يقابله رد. فإيران تدرك أن تثبيت مثل هذه القاعدة سيمنح واشنطن حرية أكبر في استخدام القوة مستقبلًا، ولذلك تسعى إلى فرض معادلة معاكسة تقوم على أن كل ضربة أمريكية ستقابلها ضربة إيرانية مباشرة، بما يحافظ على مستوى الردع المتبادل ويرفع كلفة التصعيد على الطرفين.
وفي المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة تحاول بدورها فرض معادلة مختلفة، عنوانها أن حرية الملاحة لا يمكن أن تبقى رهينة للقرار الإيراني، وأن استمرار سيطرة الحرس الثوري على المضيق بالصورة الحالية يمثل تهديدًا دائمًا للهيمنة الأمريكية. ولهذا جاءت الضربات الأخيرة، في الوقت الحالي على الأقل، مركزة على البنية العسكرية التي تمنح إيران هذه القدرة، وليس على أهداف أخرى داخل العمق الإيراني.
وعليه، فإن الصراع الدائر اليوم لم يعد صراعًا حول الاتفاق النووي، بل أصبح صراعًا حول من يمتلك حق رسم قواعد الأمن في الخليج العربي ويسطر على مضيق هرمز. فالولايات المتحدة تسعى إلى تكريس نظام أمني تقوده هي وشركاؤها، بينما تسعى إيران إلى فرض واقع أمني جديد يجعل أي ترتيبات في الخليج ومضيق هرمز تمر عبر الاعتراف بدورها ونفوذها العسكري.
وهذا ما يفسر أن كل جولة تفاوض بين الطرفين تعود في النهاية إلى النقطة نفسها؛ إذ قد تختلف العناوين المعلنة بين الملف النووي أو العقوبات والأصول المجمدة أو العقوبات النفطية، لكن جوهر الخلاف يبقى مرتبطًا بإعادة تشكيل ميزان القوة في الخليج، وبخاصة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى مركز الثقل الاستراتيجي في المواجهة بين واشنطن وطهران.
ومن ثم، فإن مستقبل الصراع لن يتحدد فقط بمدى نجاح أو فشل المفاوضات السياسية، وإنما أيضًا بقدرة كل طرف على فرض معادلاته العسكرية في هذا الممر الحيوي، وهو ما يجعل فهم البيئة العملياتية في جنوب إيران، وطبيعة أي مواجهة محتملة هناك، أمرًا ضروريًا لاستشراف المسارات المقبلة للصراع.
سادسًا: تطورات مهمة تغذي الصراع
صاحب التصعيد الأخير عدد من التطورات والتداعيات المهمة في عدد من الأصعدة، من المهم التوقف عندها بالرصد والتحليل نظرًا لما تحمله من عوامل مهمة تؤثر على الصراع في اتجاه التهدئة أو التصعيد.
1.التصعيد السياسي والإعلامي على الساحتين الأمريكية والإيرانية
أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز مؤخرًا حتى إشعر أخر، في حين قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مقابلة حديثة مع قناة فوكس نيوز: “نحن نفرض سيطرتنا على مضيق هرمز، وإيران لا تملك شيئًا، وكان ينبغي التحرك ضدها منذ 47 عامًا”.
وأضاف ترامب، في تصريحات لشبكة “فوكس نيوز”، “أن إيران نقضت الاتفاق الذي كان قائماً معها، قائلاً: “كان هناك اتفاق مع إيران لكنهم نقضوه، وهم ينقضون الاتفاق دائماً”.
وفي هذا المشهد المضطرب، يتضح أن الموقف يتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار. ورغم أن تصريحات ترامب تعكس ما تسعى إليه الولايات المتحدة، فإنها لا تعكس الواقع الميداني بصورة كاملة؛ إذ ما زالت إيران تحتفظ بقدرات عسكرية تمكّنها من فرض السيطرة العملياتية على مضيق هرمز. كما أن الولايات المتحدة أعلنت أكثر من مرة أنها نجحت في القضاء على القدرات البحرية الإيرانية، إلا أن التطورات الميدانية حتى الآن لا تؤيد هذا الطرح، إذ لا تزال إيران قادرة على التحكم في المضيق عبر قدراتها العسكرية القائمة. ومن ثم، فإن الأهمية الحقيقية لتصريحات ترامب لا تكمن في وصفها للواقع، وإنما في الدلالة على التوجه نحو التصعيد، وفي كشفها عن الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه واشنطن، والمتمثل في فرض رؤيتها بشأن مستقبل مضيق هرمز، سواء عبر الضغوط السياسية والتفاوضية، أو من خلال العمل العسكري المباشر إذا تعذر تحقيق ذلك سياسيًا.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “سنعيد حصار إيران، وستبدأ عملية الحصار فورًا، وستكون الولايات المتحدة هي الجهة التي تحمي مضيق هرمز، على أن يتم تعويضها بنسبة 20% من قيمة جميع الشحنات المارة عبره. وسيقتصر الحصار البحري على السفن الإيرانية وسفن عملائها، بينما ستتمتع جميع الدول الأخرى بحق استخدام المضيق.” وتعكس هذه التصريحات بوضوح أن واشنطن لم تعد تكتفي بضمان حرية الملاحة، بل تسعى إلى فرض إدارة فعلية للمضيق وإعادة تشكيل قواعد السيطرة عليه بما يتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية.
وقد تراجع ترامب لاحقًا عن موضوع التعويض هذا، وذكر أنه من الأفضل أن تكون هذه المبالغ في صورة استثمارات خليجية في الولايات المتحدة، حيث قال إنه قرر التراجع عن “رسوم التعويض الأميركية” البالغة 20% لصالح صفقات تجارية واستثمارية تعتزم دول خليجية مختلفة تنفيذها داخل الولايات المتحدة، وذلك بعد “محادثات مثمرة للغاية” مع قيادات في الشرق الأوسط.
وأضاف ترمب، في منشور على حسابه على موقع “تروث سوشيال“، أن هذه الاستثمارات ستكون “ضخمة”، وسترفع حجم الاستثمارات الدولارية داخل الولايات المتحدة إلى مستويات أكبر، بما يشمل تدفق مصانع ومنشآت ومعدات إلى البلاد، على نحو قال إنه سيخلق ملايين الوظائف الأميركية مرتفعة الأجر.
وأشار ترمب إلى أن مضيق هرمز مفتوح أمام جميع حركة السفن باستثناء إيران، معلناً فرض “حصار كامل” على السفن القادمة من الموانئ الإيرانية أو المتجهة إليها، أو التي تحمل أي شحنات مرتبطة بإيران. وأكد الرئيس الأميركي أن النفط “يتدفق كما لم يحدث من قبل”، بفضل ما وصفها بقوة الجيش الأميركي، مشدداً في الوقت نفسه على أن إيران “لن تمتلك سلاحاً نووياً”.
وفي السياق ذاته أعلنت البحرية الأمريكية يوم الاثنين 13 يوليو 2026 أن الحصار على جميع الموانئ الإيرانية يبدأ الثلاثاء 14 يوليو 2026 في تمام الساعة 20:00 بتوقيت غرينتش، وأضافت أن الحصار الأمريكي يشمل كامل الساحل الإيراني بما في ذلك الموانئ ومحطات النفط. كما قالت صحيحفة نيويورك تايمز ، ان ترامب أبلغ الكونغرس رسمياً باستئناف القتال في إيران. وفي رسالة أرسلها إلى قادة الكونغرس يوم الجمعة 10 يوليو 2026، وحصلت عليها صحيفة نيويورك تايمز يوم الاثنين 13 يوليو 2026، كتب الرئيس أن القوات الأمريكية نفذت “ضربات دفاعية ضد أهداف داخل إيران” في السابع من يوليو.
واستمرت لغة التصعيد في الارتفاع، إذ صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة ستستهدف أعمق موقع نووي تحت الأرض في إيران، المعروف باسم “جبل الفأس” بالقرب من نطنز. ويقع الموقع على عمق يزيد على 100 متر داخل جبل يتكون من صخور الجرانيت الصلبة، ويُعتقد أنه يضم منشآت لتخزين اليورانيوم عالي التخصيب، وربما يحتوي أيضًا على منشآت سرية إضافية مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
ويُعد هذا الموقع من أكثر المنشآت الإيرانية تحصينًا، إلى درجة أن الولايات المتحدة لم تستهدفه خلال العمليات العسكرية في عامي 2025 و2026. وتشير تقديرات عدد من المحللين العسكريين إلى أن تدميره بالكامل قد يتطلب استخدام وسائل تدمير فائقة الاختراق، بينما تذهب بعض التقديرات إلى أن حتى استخدام سلاح نووي تكتيكي قد لا يضمن القضاء عليه بصورة كاملة، نظرًا لطبيعة تحصينه وعمقه الصخري.
وبقراءة الجغرافيا العسكرية للموقع، فإن أي محاولة للوصول إلى المواد النووية الموجودة داخله أو الاستيلاء عليها قد تجعل الخيار البري أحد البدائل النظرية المطروحة، إلا أنه يُعد في الوقت نفسه الخيار الأكثر تعقيدًا وخطورة. فتنفيذ عملية برية ضد منشأة بهذا المستوى من التحصين، وفي بيئة جغرافية معقدة، ينطوي على مخاطر عملياتية مرتفعة للغاية، ويتطلب قدرات قتالية ولوجستية استثنائية، مع غياب أي ضمانات حقيقية للنجاح. ولذلك، فإن استهداف المواد النووية المخصبة داخل هذا الموقع، سواء عبر الضربات الجوية أو من خلال عملية برية، يظل من أصعب التحديات العسكرية التي قد تواجه أي قوة مهاجمة.
شكل رقم (7) – موقع جبل الفأس Pickaxe Mountain الإيراني

وجاء الرد الإيراني سريعًا وحاسمًا كالعادة في الأونة الأخيرة، إذ أعلن مقر خاتم الأنبياء أن “إيران لن تسمح مطلقًا للولايات المتحدة بالتدخل في إدارة مضيق هرمز”، محذرًا من أن أي مغامرة أمريكية في هذا الاتجاه ستعرض أمن المنطقة والتجارة الدولية وحركة الملاحة لمخاطر جسيمة. كما أكد أن القوات الإيرانية ستتعامل بحزم مع أي محاولة لعبور السفن عبر مسارات لا تحددها السلطات الإيرانية. وفي السياق نفسه، شدد المتحدث باسم الحرس الثوري على أن إيران ستواصل ممارسة سيادتها على مضيق هرمز، وستجبر القوى الأجنبية وحلفاءها على التراجع، معتبرًا أن التدخلات الأمريكية هي التي تعرض أمن إمدادات النفط والغاز العالمية للخطر.
2. أسعار النفط والمخزونات والتضخم في الولايات المتحدة
نظرًا لأن مضيق هرمز قد أصبح محور الصراع الأمريكي مع إيران كما أسلفنا، فالمتغير الأهم المرتبط به يتعلق بسعر النفط ومدى تأثره بالأحداث الجارية، على الرغم من تأثير المضيق على بضائع استراتيجية أخرى مثل الأسمدة والهيليوم والألومينيوم وغيرها، ولذلك فإن متابعة أسعاره تعطي دلالات مهمة حول الصراع ومستقبل تطوره.
الشكل رقم (8) يوضح تطور سعر العقود الأجلة لخام برنت القياسي على مدار الأشهر الستة الماضية، حيث يتضح الأثر الواضح لاندلاع الحرب في أخر فبراير 2026 على ارتفاع الأسعار لمستويات فاقت 110 دولار للبرميل، ثم بدأت في الإنخفاض مع تطور المفاوضات الأمريكية الإيرانية في شهر يونيو، وصولًا لتوقيع مذكرة التفاهم في منتصف يونيو حيث وصلت في نهاية المطاف إلى نحو 70 دولار للبرميل ، وهو ما يكافئ السعر قبل اندلاع الحرب تقريبا.
شكل رقم (8) – أسعار العقود الأجلة لخام برنت حتى 15 يوليو 2026

إلا أنه باندلاع الجولة الأخيرة من المعارك، عاد سعر الخام للارتفاع، حتى تعدى 85 دولار للبرميل يوم 15 يوليو 2026. من اللافت أن السعر لازال في نطاق مقبول بالنسبة لما وصل إليه في ذروة معركة الأربعين يومًا. ويمكن تفسير ذلك بانخفاض الطلب العالمي على النفط مؤخرًا، خاصة من قبل الصين، التي انخفض ما تستورده بنحو 5 ملايين برميل يوميًا، ولو عادت لمستوى ما قبل الحرب في حدود 11 إلى 12 مليون برميل لارتفع السعر كثيرًا، وهو ما يعكس حرص الصين على عدم انفلات السعر العالمي، خاصة وأن لديها مخزونات هائلة من الخام بالفعل، كما أن اعتمادها على النفط لا يشكل أصلًا أكثر من 18% من احتياجاتها من الطاقة، ويأتي الباقي من الفحم بالأساس، فضلًا عن الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى التي تتميز الصين في إنتاجها. إلا أن عدم استغلال الصين الإنخفاض النسبي لأسعار البترول لتعزيز مخزونها النفطي، أو للضغط على الولايات المتحدة للحصول على بعض المكاسب يظل لغزًا دون إجابة (قد يكون هناك اتفاق سري على شئ ما مع الولايات المتحدة).
بالإضافة لذلك، فقد التزمت الولايات المتحدة بتصدير جزء من احتياطيها الإستراتيجي للبترول Strategic Petroleum Reserve ، أو ال SPR ،لتعويض النقص الناتج عن غلق مضيق هرمز، ما يحافظ على السعر من الارتفاع الكبير، وهو ما يؤثر على الولايات المتحدة كثيرا في سعر جالون البنزين، وبالتالي مستوى التضخم الذي يؤثر مباشرة على مستوى معيشة المواطن الأمريكي، وبالتالي سيكون له تأثير مباشر على نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقبلة في شهر نوفمبر القادم.
و يبين الشكل رقم (9) التغير في مستوى الاحتياطي البترولي الاستراتيجي في الولايات المتحدة على مدار العام الفائت، وحتى يونيو من العام 2026.
شكل رقم (9) الإحتياطي الاستراتيجي للبترول SPR الأمريكي على مدار عام حتى أخر يونيو 2026

تظهر البيانات زيادة الاحتياطيات حتى حوالي 420 مليون برميل في بداية شهر إبريل، ثم بدأت في الانخفاض حتى وصلت بعد عدة أيام من بداية شهر يوليو إلى مستوى 316.5 مليون برميل، وهو أقل مستوى يصل إليه منذ إبريل من العام 1983.
الجدير بالذكر أن السحب من هذا الاحتياطي، وكما ساهم في التحكم في سعر النفط، فإن انخفاضه لهذه المستويات ممكن أن يشكل أثرًا سلبيًا بالغ الخطورة. يقول الخبراء أن المستوى الحرج الذي لايمكن تجاوزه هو حوالي 250 مليون برميل، وذلك لأسباب فنية تتعلق بالحفاظ على استقرار الكهوف الملحية التي يخزن فيها النفط في ولاية أوكلاهوما، وأسباب استراتيجية أيضًا تتعلق باحتياجات الولايات المتحدة حال خوضها حربًا ما. تقترب مستويات هذا الاحتياطي بسرعة نحو الحد الأدنى، الذي يمكن الوصول إليه إذا استمرت معدلات السحب الحالية، في وقت ما قبل نهاية أغسطس المقبل. ولعل ذلك كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة للإسراع بتوقيع مذكرة التفاهم سعيًا لتجنب هذا السيناريو.
إلا أنه من اللافت، كما يظهر من الشكل، أن مستوى السحب من الاحتياطي لم يتأثر بعد توقيع مذكرة التفاهم، بل استمر في الهبوط بنفس المعدل تقريبًا رغم إعادة فتح المضيق لنحو ثلاثة أسابيع. يرجع ذلك بالأساس إلى أن النفط يستغرق وقتًا بعد عبور المضيق حتى يصل إلى المصافي لتكريره والاستفادة منه، ما يجعل الالتزامات بالسحب من الاحتياطي لاتزال قائمة. وبالنظر بالطبع لعودة التوترات في المنطقة، فليس من المتوقع أن يتغير هذا الوضع في الأجل القريب.
التطورات الأخيرة تجعل النفط وتوافره وسعره، وكذلك مستوى الاحتياطي الاستراتيجي منه، عوامل مؤثرة كثيرًا على قرارات استمرار الحرب في المرحلة المقبل، وهو ما سنتناوله بالتحليل عند الحديث عن السيناريوهات المحتملة.
لكن من المنتظر أن يستمر سعر النفط في الارتفاع بوتيرة تختلف طبقًا للعوامل المؤثرة على العرض والطلب العالمي، مثل عودة الطلب الصيني، أو تأثير القصف الأوكراني المتنامي على سفن أسطول الظل الروسي ما يقلل من المعروض العالمي، أو التقليل من السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية، أو مستوى الركود العالمي المنتظر، الذي يمكن أن يؤثر على الطلب.
ورغم بعض الانخفاض النسبي في سعر جالون البنزين بالولايات المتحدة في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم، فقد عاد للارتفاع عقب التوترات الأخيرة، حيث وصل في المتوسط لنحو 4 دولارات للجالون، وهو مستوى مرتفع جدًا مقارنة بمستوى ما قبل 28 فبراير الذي لم يكن يتعدى 2.3 دولار للجالون.
كما ارتفع أيضا مستوى جالون الديزل إلى مستوى يفوق 5 دولار للجالون. هذا الرقم شديد الأهمية نظرًا لاعتماد عمليات النقل على الطرق السريعة للبضائع و الأغذية وغيرها على وقود الديزل.
سعر النفط والوقود في الولايات المتحدة يؤثر بالطبع على معدل التضخم. ويوضح الشكل رقم (10) التغيرات في معدل التضخم في الولايات المتحدة على مدار العام الماضي.
شكل رقم (10) – معدل التضخم في الولايات المتحدة على مدار العام حتى يونيو 2026

يوضح الشكل أن معدلات التضخم كانت قد بدأت بالوصول للمستويات المستهدفة قرب 2% في بداية 2026. إلا أن اندلاع الحرب دفع بهذه المعدلات للارتفاع حتى وصلت إلى 4.2% بنهاية مايو الماضي. انخفض المعدل بعد ذلك بنهاية يونيو إلى 3.5%، متأثرًا بالتهدئة ثم توقيع مذكرة التفاهم، وهو ما يمثل انخفاضًا كبيرًا ومرغوبًا فيه للاقتصاد الأمريكي. غني عن البيان أن المعدل سيعود للارتفاع بنهاية شهر يوليو إذا استمرت العمليات العسكرية، وما يتبعها من غلق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والأسمدة والمنتجات الأخرى على النحو الذي حدث منذ عدة أشهر. بالطبع فإن عودة ارتفاع معدل التضخم سيدفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى عدم خفض سعر الفائدة، بل قد يرفعها للتحكم في التضخم، مع ما لكل ذلك من أثار سلبية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
خبراء الاقتصاد يقولون أيضًا أن الأثار الثانوية لحرب ال 40 يومًا على موجة التضخم لم تصل بعد، وإذا تزامن وصولها مع موجة جديدة مصاحبة للتصعيد الأخير، فقد يؤدي ذلك لأثار شديدة السلبية، سواء على الإقتصاد الأمريكي أو العالمي. مرة أخرى، لايمكن فصل هذه التطورات عن القرار السياسي المصاحب للتصعيد العسكري، وهو ما سنوضحه عند الحديث عن السيناريوهات.
الجدير بالذكر أن من بين ما كان ترامب يقوله ليبرر التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران، أنه لا يريد أن يكون رئيسًا على غرار هوفر، في إشارة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق هربرت هوفر، والذي حدث في عهده الكساد العظيم عام 1929، ويثير اسمه ذكريات أليمة لدى الأمريكيين، ما يعني أن العامل الإقتصادي السلبي الذي كان سيؤثر على شعبيته بكل تأكيد هو الحافز الأهم لقرارات ترامب حول الحرب مع إيران.
3 .التطورات على الساحة اليمنية
أعلنت الحكومة اليمنية (المتحالفة مع المملكة العربية السعودية) الإثنين 12 يوليو 2026 استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، فيما توعّد الحوثيون بالردّ على الهجوم الذي نسبوه إلى السعودية، في توتر هو الأبرز منذ سنوات بين الحكومة المدعومة من الرياض والحوثيون الذين يسيطرون على صنعاء. وردًا على هذا التصعيد شن الحوثيون ضربات على مطار أبها الدولي جنوبي المملكة بعدد من الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة.
من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف التي تقودها السعودية في اليمن تركي المالكي إن “الدفاعات الجوية تعاملت مع تهديد بصواريخ بالستية اطلقتها المليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه المنطقة الجنوبية” في المملكة.
ويهدّد هذا التصعيد بإنهاء هدنة 2022 خصوصا مع استمرار الحرب بين واشنطن وطهران والتي تطال دول المنطقة.
التطورات الأخيرة في اليمن بين حكومة عدن والحوثيين قد لا تكون منفصلة عن المشهد العام في الإقليم. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار هو سبب تفجر هذا الموضوع الأن تحديدًا، خاصة من جانب المملكة التي يفترض أن تتفادى في هذا التوقيت تصعيدًا إضافيًا مع إيران ووكلائها، وقد تؤدي تداعياته لإغلاق مضيق باب المندب، ما سيشكل صعوبة في تصريف صادراتها النفطية التي تخرج عن طريق ميناء ينبع.
في نفس الوقت رشحت بعض الأنباء إلى أن الرئيس ترامب قد أعطى المملكة ضوءًا أخضر لهذا التصعيد ،ونقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن “مسؤولين أميركيين اثنين” أن ترامب عبّر لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، عن دعمه لشن عمل عسكري ضد جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن. وهو ما يدل على توجه ترامب للتصعيد الشامل، ليس فقط مع إيران مباشرة، بل في المنطقة كلها مع وكلائها.
قد يكون انشغال الحوثيين بجبهات داخلية أو بتصعيد منفصل قد يخدم –من الناحية العملياتية– تقليل قدرتهم على التدخل إذا عادت الحرب الشاملة بين واشنطن وطهران. ذلك أن أحد أهم عناصر الضغط الإيراني يتمثل في إمكانية تهديد الملاحة في باب المندب بالتوازي مع الضغط في مضيق هرمز، بما يشكل كماشة بحرية على أهم ممرين لتجارة الطاقة العالمية، وفي هذا السياق أعلن عضو المكتب السياسي لحركة أنصـار الله محمد الفرح ان باب المندب سيلتحم مع هرمز، والنفط سيصعد إلى 200 دولار، كما نقلت التصريحات المبينة في الشكل رقم (11) عن عبد الملك الحوثي في رد فعل على التصعيد السعودي.
شكل رقم (11) – تصريحات عبد الملك الحوثي ردًا على التصعيد السعودي

إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحييد الساحة اليمنية عن طريق إشغالها في صراع كبير مع السعودية ما يؤثر على قدرتها على إغلاق مضيق باب المندب، فإنها ستسعى إلى تقليل هذا الخطر، لكن نجاحها في ذلك ليس مضمونًا، خاصة في ظل الطبيعة المركبة للصراعات الإقليمية وتشابك ساحاتها.
على سبيل المثال، وللتدليل على مدى تعقيد المشهد، ونظرًا لاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين السعودية وباكستان، فقد برزت مخاوف حقيقية لدى باكستان من أن تنجر لهذا الصراع، وبدأت بعض المعارك الكلامية والتحذيرات في الحدوث، مع تأجيل لزيارة رسمية إيرانية كانت مخططة لباكستان.
4. الساحة العراقية
دخل العراق مرحلة سياسية وأمنية جديدة مؤخرًا بعد حملة اعتقالات واسعة نفذتها قوات أمنية عراقية، بينها جهاز مكافحة الإرهاب، داخل المنطقة الخضراء ومناطق أخرى، مستهدفة مسؤولين ونواباً ورجال أعمال على خلفية ملفات فساد مالي وإداري. وتُعد العملية واحدة من أكبر التحركات التي شهدتها بغداد منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وفتحت سريعاً باب التأويل حول ما إذا كانت مجرد حملة قانونية ضد الفساد، أم بداية لإعادة هندسة موازين القوة داخل الدولة العراقية.
ترى قراءات سياسية أن العملية تستهدف جزءاً من شبكات المال والنفوذ المرتبطة بالفصائل والقوى القريبة من إيران، لكنها لا تصل بالضرورة إلى كامل البنية التي تمسك بالاقتصاد والأمن والقضاء والسياسة منذ عام 2003.
الأهم هو السؤال حول من يمكن أن تطالهم الحملة، إن استمرت، وصولاً لرؤوس وقيادات كبيرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالميليشيات المسلحة، ومن وراءها إيران. إن حدث ذلك، فيمكن أن يكون ذلك مؤشراً على قرارٍ أمريكي بالسعي لتغيير المشهد العراقي بالفعل في غير صالح إيران. لكن بالنظر إلى قوة الميليشيات المسلحة، فسيكون ذلك تصعيداً كبيراً يفتح المجال لقدر كبير من الفوضى في العراق، فهل لدى أمريكا خطة للتعامل مع هذه المخاطر؟ أم أن إثارة مثل هذا الصراع، إن حدث، سيكون مقصوداً في حد ذاته، ليرتبط بشكل أو بأخر بجولة القتال التي تجددت بالفعل بين الولايات المتحدة وإيران، في إطار تصعيد شامل في المنطقة، خاصة في ظل بعض التقارير التي تتحدث عن حشد نحو 60 ألف من القوات الأمريكية للمشاركة في غزو بري لاحق لإيران، عبر أحد المسارين 5 أو 6 اللذان عرضهما الشكل رقم (4) في هذه الدراسة؟
يضاف إلى المشهد الهجمات التي تم شنها داخل كردستان العراق على مواقع فصائل كردية إيرانية معارضة، ما حدا بحكومة كردستان أن “تدين الهجوم الإيراني على أراضي الإقليم، وتطالب طهران بالتوقف الفوري عن التصعيد”.
وقد شنت إيران صباح الجمعه 17 يوليو، سلسلة من الهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على مقر حزب كومالا الكردستاني الإيراني في محافظة السليمانية بالعراق. وقد قتل ما لايقل عن ثمانية من أعضاء الحزب، وأصيب 13 أخرون بجروح، بعد أن أصابت ستة صواريخ مقر الحزب في مدينة زرغوز.
5. الهجمات على سوريا
في الجمعة 17 يوليو، وطبقًا لوكالة رويترز، شنت إيران هجومًا على شرق سوريا، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام رسمية إيرانية ومصدر عسكري سوري، في أول هجوم معروف تنفذه طهران على الأراضي السورية منذ اندلاع الحرب الإقليمية في وقت سابق من هذا العام.
وقالت قوات الحرس الثوري الإيراني إنها استهدفت مركز قيادة للقوات الخاصة الأميركية في منطقة التنف جنوب شرقي سوريا، وذلك ردًا على مقتل جنود إيرانيين في إيرانشهر، وفقًا لما نقلته وسائل الإعلام الرسمية. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من صحة هذا الادعاء.
من جانبه، قال مصدر عسكري سوري لـرويترز إن إيران نفذت هجومًا بالقرب من قاعدة التنف، لكنه أوضح أن الضربة لم تصب القاعدة نفسها، مضيفًا أنه لم تُسجل أي خسائر بشرية أو أضرار مادية
6. الغياب الإسرائيلي عن العمليات العسكرية
اللافت أنه أثناء هذه المرحلة من التصعيد ، حتى وقت إعداد هذا التقدير، لم تستهدف إيران إسرائيل، كما لم تشارك إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة في موجة التصعيد الحالية، وهو ما يفتح الباب للتساؤل في ظل الحماس الإسرائيلي لمهاجمة إيران منذ البداية. هناك ثلاثة احتمالات رئيسية من وجهة نظرنا:
الاحتمال الأول: أن إيران، خلال التصعيد الأخير وما أظهرته من قدرات نيرانية مرتفعة، أثبتت لإسرائيل قدرتها على إيلام الكيان وإحداث حالة كبيرة من القلق والتوتر الداخلي إذا ما شنت أي هجوم عليها. مما قد يكون دفع إسرائيل إلى النأي بنفسها عن هذه المرحلة من التصعيد، طالما الولايات المتحدة متحمسة للتصعيد بمفردها، حتى لا تعيد إدخال جبهتها الداخلية في حالة الارتباك، ولتلتقط أنفاسها بعد انخراطها في حروب ممتدة منذ عام 2023 وحتى الآن، مستغلة هذه الفترة لإعادة بناء جاهزيتها والاستعداد بصورة أكبر، تحسبًا لعودتها بقوة إذا اندلعت حرب شاملة مرة أخرى.
الاحتمال الثاني: أن إيران لا تريد فتح جبهة إسرائيل في الوقت الراهن، وطالما أن إسرائيل لم تبادر بمهاجمتها، فقد ركزت عملياتها العسكرية على الطرف الذي شن عليها الحرب، وهو الولايات المتحدة، حتى لا تتعرض لضربات متزامنة من واشنطن وتل أبيب كما حدث خلال حرب الأربعين يومًا، فهي تعتمد استراتيجية “الرد بالمثل”، أي أنها لن تهاجم إسرائيل ما دامت لم تدخل الحرب، لكنها سترد عليها إذا انخرطت في العمليات العسكرية.
من المنظور العسكري، يُعد هذا النهج منطقيًا، إذ يركز الجهد القتالي على جبهة وعدو واحد بدلًا من تشتيت القدرات على أكثر من جبهة. كما أن إيران خرجت من حرب الأربعين يومًا بخسائر كبيرة، وقد تكون حريصة على الحفاظ على مخزونها من الذخائر والصواريخ واستخدامه بأعلى كفاءة ممكنة، بما يمنع استنزافه في توقيت غير مناسب.
الاحتمال الثالث: وهو يرتبط بشكل ما مع الإحتمال الثاني، وهو التفسير الإسرائيلي نفسه، إذ اعتبر موقع البحث الاستراتيجي العبري أن امتناع إيران عن مهاجمة إسرائيل، في الوقت الذي تواصل فيه استهداف المصالح الأمريكية وبعض القواعد في المنطقة، يعكس نجاح ما يصفه بـ”الردع الاستراتيجي الإسرائيلي”، وليس عجزًا في القدرات الإيرانية.
ويرى المركز أن طهران تدرك أن أي هجوم مباشر على إسرائيل سيمنحها مبررًا لتوسيع عملياتها العسكرية، وهو ما تسعى إيران إلى تجنبه في المرحلة الحالية. وبحسب هذا التقدير، فإن إسرائيل نجحت في ترسيخ معادلة تجعل الخصم يحسب كلفة الهجوم مسبقًا ويمتنع عنه خشية رد إسرائيلي أشد.
ويخلص المركز إلى أن الردع الحقيقي يتحقق عندما يقتنع الخصم بأن المبادرة بالهجوم ستؤدي إلى نتائج أكثر ضررًا عليه، معتبرًا أن هذه المعادلة هي التي تفسر، من وجهة نظره، السلوك الإيراني الحالي.
سابعًا: السيناريوهات المستقبلية… إلى أين يتجه مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران؟
تشير قراءة مجمل التطورات السياسية والعسكرية حتى الأن إلى أن الأزمة الأمريكية – الإيرانية لم تعد تدور في أذهان أطرافها حول اتفاق سياسي قابل للحياة، أو حول حرب شاملة حتمية، وإنما أصبحت هذه الأطراف تتحرك داخل مساحة رمادية تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع المسارات الدبلوماسية، ويحاول خلالها كل طرف تحسين موقعه التفاوضي وتعظيم مكاسبه الاستراتيجية عبر استخدام القوة بصورة محسوبة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة على نتائجها.
وبقراءة طبيعة العمليات العسكرية الأخيرة، وردود الفعل الأمريكية والإيرانية، والخلاف المتزايد حول مضيق هرمز، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة، تختلف في درجة احتمالية تحققها، وتختلف بعض الشئ عن السيناريوهات التي قمنا بدراستها من قبل، بدرجة أعلى من التصعيد في كل سيناريو، لكنها جميعًا تظل واردة، بنسب مختلفة، وفق تطورات الميدان خلال الفترة المقبلة.
السيناريو الأول: استمرار التصعيد المحدود كوسيلة لتحسين شروط التفاوض وصولًا الى اتفاق نهائي
يقوم هذا السيناريو على افتراض أن الضربات الأمريكية الأخيرة، والردود الإيرانية عليها، لا تمثل بداية حرب جديدة لا يرغب فيها الطرفان، وإنما تأتي في إطار سياسة الضغط العسكري لرفع سقف المطالب الأمريكية على طاولة المفاوضات، مقابل استمرار إيران في الردود العسكرية المنضبطة بهدف منع واشنطن من فرض وقائع جديدة بالقوة.
وفق هذا السيناريو، سيستمر الطرفان في تبادل الضربات بصورة محسوبة، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة. وستبقى العمليات العسكرية بالتالي مركزة على أهداف عسكرية وانتقائية، مع استمرار الرسائل السياسية المتشددة من الجانبين، بالتوازي مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بصورة غير مباشرة عبر سلطنة عمان أو الوسطاء الإقليميين الأخرين.
ومن المتوقع وفق هذا السيناريو أن يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل العودة إلى طاولة التفاوض وصولًا الى اتفاق بين البلدين. فالولايات المتحدة ستحاول زيادة الضغط العسكري لإجبار إيران على تقديم تنازلات تتعلق بالمضيق والبرنامج النووي، بينما ستعمل إيران على إثبات أن الضغوط العسكرية لن تدفعها إلى تغيير مواقفها، وأنها ما زالت تمتلك القدرة على فرض تكلفة مرتفعة على أي تصعيد أمريكي.
ويمتاز هذا السيناريو بأنه يحقق للطرفين قدرًا من المرونة السياسية؛ إذ يسمح باستمرار التفاوض دون الظهور بمظهر المتراجع، ويمنح كل طرف فرصة لإقناع جمهوره الداخلي بأنه لم يقدم تنازلات مجانية، كما أنه يتوافق مع رغبة الطرفين في عدم الدخول في حرب مفتوحة يخرج منها كلاهما خاسرًا دون أن يستطيع تحقيق أهدافه المنشودة.
ورغم أن هذا السيناريو هو الذي يمثل الإقتراب المتعقل الذي تسير وفقه الدول المسئولة، ويظل بذلك قائمًا، إلا أن استمراره في المستقبل سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على ضبط إيقاع التصعيد ومنع أي خطأ ميداني قد يؤدي إلى انفجار مواجهة أوسع، وعلى تغيير إيران لقناعتها بعدم الثقة في التزام الطرف الأمريكي بأي نتيجة يتم الوصول إليها بالتفاوض، فضلًا بالطبع عن قدرة الأطراف الواقعية في الإدارة الأمريكية على مقاومة الأصوات المتشددة في الإدارة، فضلًا عن اللوبي الصهيوني واللوبيات الأخرى والحكومة الإسرائيلية، التي ستسعى دائما لتخريب هذا المسار ومنع التوصل الى اتفاق يمثل حلًا وسطًا مرضيًا. هذه الافتراضات جميعًا تكاد تفتقر، في الوقت الراهن على الأقل، لأي درجة من الواقعية.
المشكلة الرئيسية التي تواجه هذا السيناريو أيضًا هي أن الفجوة هائلة بين ما يريد كل طرف تحقيقه على حساب الطرف الأخر، وهو ما يجعل احتمال التوصل إلى اتفاق ضئيلًا جدًا، حتى بدون أية ضغوط خارجية.
السيناريو الثاني: الدخول في حرب استنزاف مفتوحة دون الإنزلاق لحرب إقليمية شاملة
طبقًا للخط الإستراتيجي الذي نتحدث عنه طوال الأشهر الماضية، يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي، من وجهة نظرنا، وهو ما تعضده أيضًا المعطيات الحالية. فالتطورات الأخيرة تشير إلى أن الولايات المتحدة دَفَعت بتصعيدها المستمر للإنزلاق نحو حرب استنزاف شاملة، وأنها كانت تنظر إلى المفاوضات باعتبارها وسيلة لكسب الوقت أكثر من كونها طريقًا نحو اتفاق نهائي، خاصة إذا كانت دوائر صنع القرار الأمريكية قد توصلت إلى قناعة بأن إيران لم تُبدِ استعدادًا حقيقيًا لتقديم التنازلات المطلوبة في الملفات الجوهرية، وعلى رأسها مستقبل مضيق هرمز، وطبيعة برنامجها النووي، ونفوذها العسكري الإقليمي.
يُضاف إلى ذلك الضغط المستمر من تيارات المعارضة الأمريكية للتفاهم مع إيران، والتي تصِمُ الاتفاق بأنه ‘انتقاصٌ من هيبة واشنطن’، وتدفع بقوة نحو خيار الحسم العسكري. ويرى هذا التيار المتشدد أن الأصوات الأمريكية التي تُقرّ بـ ‘انتصار إيران’ في معركة الاستنزاف من أمثال جون ميرشايمار ، وعن تحول إيران بعد الحرب كقوة إقليمية عظمى كما يطرح روبرت بايب، وغيرهما لا تخدم سوى تشجيع طهران على التصلب والتعنت في مواقفها، مما يمنعها من تقديم أي تنازلات؛ وعليه، يتصاعد تعالي الأصوات المنادية بإنهاء حالة التهدئة وتوجيه ضربة عسكرية استراتيجية كبرى للعمق الإيراني.
وفي المقابل، تبدو إيران مقتنعة بأن الوقت يعمل لصالحها أيضًا، وأنها بالفعل تحقق انتصارًا (سواءً اتفقنا مع هذه النتيجة أم لا)، وأن الطرف الأمريكي لن يقدم أي تنازل ويلتزم به إلا مرغمًا، وأن استمرار قدرتها على الصمود وفرض معادلات الردع سيؤدي في النهاية إلى تحسين شروطها التفاوضية، ومن ثم فهي لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية تحت ضغط القوة.
التطورات المتلاحقة خلال الأيام العشرة الماضية أظهرت أن مرحلة حرب الاستنزاف قد بدأت بالفعل، قد تتخللها بعض المفاوضات المتقطعة لاحقًا، بما يصاحب الموجات المتكررة من التصعيد العسكري، بحيث يستخدم كل طرف القوة بصورة دورية لتحسين موقفه قبل كل جولة تفاوض جديدة، إن أمكن الجلوس على مائدة التفاوض مرة أخرى.
الفرق في بناء هذا السيناريو عن نظيره الذي كنا ندرسه من قبل، أن النسخة السابقة كانت تتمثل في مسار رئيس من التفاوض قد تتخلله بعض العمليات العسكرية لتحسين الشروط التفاوضية. ما يبدو لنا أن السيناريو تحول الأن إلى أن يكون في الأصل مجموعة من العمليات العسكرية، ممثلة في حرب استنزاف للطرفين، قد تتخللها عمليات من التفاوض المعلن أو السري. هذا التغيير يؤشر لدرجة أعلى من التصعيد بدون شك.
في هذا السيناريو، ستواصل الولايات المتحدة إعادة بناء انتشارها العسكري في الخليج، وتعزيز وجودها البحري والجوي، وتطوير خططها الخاصة بالتعامل مع مضيق هرمز، وتسعى لتنفيذها على الأرض، بينما ستواصل إيران تعزيز دفاعاتها الساحلية، وتطوير قدرات الحرس الثوري، وترسيخ معادلات الردع المباشر ضد القواعد الأمريكية.
وهنا تصبح المفاوضات، إن حدثت، جزءًا من إدارة الصراع، وليست طريقًا لإنهائه، ويصبح التصعيد العسكري أداة تفاوضية، ولكنه يصبح في نفس الوقت مقدمة مباشرة للحرب، عندما يستقر الطرفان على أن السير قدمًا في التفاوض ما هو إلا تضييع وقت لن ينتج عنه شىء، وهذا ما صرح به ترامب عندما قال ان التفاوض مع إيران تضييع وقت، وقاله أيضًا نائبه جى دي فانس، بأن أمريكا بهدنة ال60 يومًا “تشتري وقتا”، لإعادة ملئ المخزون الاستراتيجي للبترول، ولحين اتضاح الرؤية السياسية والانتخابية.
غير أن خطورة هذا السيناريو تكمن في أن طول مدته يزيد احتمالات وقوع خطأ عملياتي أو سوء تقدير سياسي قد يدفع الطرفين إلى تجاوز مرحلة الضغوط المتبادلة والدخول في مواجهة مفتوحة.
ولهذا، فإن هذا السيناريو يمثل حالة انتقالية قد تستمر لبعض الوقت، لكنها تظل تحمل في داخلها احتمالية التحول في أي لحظة إلى حرب إقليمية شاملة.
ويحاول الأن كل طرف ليّ ذراع الطرف الآخر وفرض رؤيته بشأن مستقبل مضيق هرمز، الذي أصبح جوهر الخلاف الرئيسي بين واشنطن وطهران كما ذكرنا سابقًا.
من الواضح من حجم التصعيد الجاري أن الجدال بأن ترامب لن يسعى للتصعيد الأن بسبب إنتخابات الكونجرس المقبلة لا يعتبر قائمًا الأن كما كان من قبل، وبالتالي من المهم هنا الإجابة عن السؤال عن سبب تغير الاستراتيجية الأمريكية في هذا التوقيت تحديدًا، بعد ثلاثة أسابيع فقط من توقيع مذكرة التفاهم، بعد أن كان التوجه الأمريكي يسير نحو التهدئة لكسب الوقت لمعالجة بعض الأمور مثل احتياطي البترول أو التحكم في معدل التضخم، أو تفويت فترة الإنتخابات، أو تعويض بعض الذخائر؟
تحليلنا يقود لعدة أسباب، من وجهة نظرنا:
- قد تكون الولايات المتحدة أدركت أن إيران لن تنخدع مجددًا بأسلوب كسب الوقت الذي تسير عليه، وأنها لن تسمح بأية مخططات أمريكية لفرض أمر واقع حول إدارة مضيق هرمز، حيث أنها كانت ترد بشكل سريع وحاسم على أية محاولة في هذا الإطار، وبالتالي سيكون الأسلوب الوحيد لفرض التصور الأمريكي هو عن طريق المزيد من الضغط بمستوى أعلى من القوة. وإن كان الأمر كذلك، فالأفضل سيكون محاولة حسم هذه المسألة بسرعة بواسطة الضغط العسكري الكبير ، واستنزاف القدرات العسكرية الإيرانية بأكبر قدر ممكن، ليس فقط بالتركيز على قصف الأهداف العسكرية، ولكن باستهداف كل المقدرات التي تخدم على قدرات الحرس الثوري والجيش الإيراني للاستمرار في القتال، بما في ذلك البنية الأساسية والنفطية (لاحظ أن هذه هي المرحلة قبل الأخيرة على سلم التصعيد لروبرت بايب الموضح في الشكل رقم 1).
- السبب الأهم بالنسبة لترامب شخصيًا يكمن في الحرص على الإحتفاظ بكتلته الصلبة المؤيدة من أنصار الماجا. وقد أظهرت استطلاعات الرأي الحديثة المنشورة في منتصف يونيو استمرار التأييد الساحق لأنصار الماجا لاستمرار الحرب بما يصل إلى نحو 77%، بعد أن كانت نحو 90% في شهر مارس في انخفاض طفيف بعد كل ما ظهر من نتائج الحرب، وهو مستوى من التأييد الشعبي لسياسة ترامب العسكرية في قاعدته الانتخابية يفوق عموم الجمهوريين (نحو 63% في يونيو مقابل 77% في مارس). ويظهر ذلك أن المعارضة لسياسات ترامب من الحرب في القاعدة المحافظة ( بقيادة شخصيات مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور جرين وتوماس ماسي) لا تحظى بدعم كبير داخل هذا التيار. يرجع هذا التأييد إيمانًا من هذه القاعدة الصلبة بقدرة ترامب على القيادة والإنتصار، وبالتالي فخروجه من الحرب بمظهر المهزوم أو المستسلم للإرادة الإيرانية سيهدم هذا الدعم رأسًا على عقب. بالتأكيد ترامب يعلم أنه يأخذ مخاطرة بالتصعيد العسكري، ولكنه يراها بالتأكيد أقل من ألا يقوم بعمل أي شئ.
- قد تكون البيانات التي ظهرت مؤخرًا عن انخفاض معدل التضخم في الولايات المتحدة في شهر يونيو، مع عدم ارتفاع سعر النفط العالمي إلى مستويات حرجة، قد أعطت انطباعًا لترامب أنه ما زال هناك فسحة من الوقت تسمح بعمل عسكري سريع قبل حدوث أثار سلبية إقتصادية كبيرة أخرى، ما يمكن تلافيه لاحقًا قبل انتخابات الكونجرس، وقبل وصول احتياطيات البترول الإستراتيجية لمستويات حرجة. قد يدعم هذا قدرة الولايات المتحدة على إخراج عدد من السفن من المضيق، حتى وإن كان محدودًا، ما يسمح باستمرار الأسعار المعقولة للنفط لبعض الوقت. بيانات الإحتياطي البترولي الاستراتيجي أظهرت أيضًا، كما ذكرنا من قبل، أن توقيع مذكرة التفاهم لم يترتب عليه أي تغير في معدلات استنفاذ الاحتياطي، ما يعني أنه لا يوجد أي فائدة تذكر بالنسبة للولايات المتحدة من استمرار الهدنة في هذا البعد.
- أن تكون هناك ضغوط إسرائيلية أو من اللوبي الصهيوني في أمريكا لترك المسار التفاوضي والتوجه نحو العمل العسكري الحاسم. وقد يدعم ذلك ما قد يقوله نتنياهو لترامب، أنه كان محقًا في أن إيران “لا يوثق بها”، وأن التفاوض السياسي لن يؤدي إلى نتيجة، وأنه ليس هو من كان يسعى لتخريب الاتفاق، طبقًا للانطباع السائد، بل أن إيران لا يمكن الإتفاق معها!
وتشير عودة الحديث الأمريكي إلى فرض حصار بحري، وما قابله من تمسك إيراني بسيادتها الكاملة على المضيق، إلى أن الصراع دخل مرحلة جديدة أصبح فيها مضيق هرمز محور المواجهة الرئيسي بين الطرفين. كما تعكس هذه التصريحات أن كلا الجانبين يحاول استخدام التصعيد العسكري والسياسي كورقة ضغط لتحسين شروطه التفاوضية وفرض أهدافه الاستراتيجية. إلا أن استمرار هذا النهج، بالتزامن مع تعثر المفاوضات، يزيد من احتمالات انتقال الأزمة من مرحلة الضغوط المتبادلة إلى مرحلة التصعيد العسكري الأوسع في أي وقت، وهو ما يدخل الطرفين في مرحلة حرب استنزاف مفتوحة بهدف إضعاف قدراتهما العملياتية، ويمنح سيناريو عودة الحرب الشاملة قدرًا أكبر من الوجاهة إذا استمرت الأزمة في مسارها الحالي.
ونتيجةً لهذه التطورات، ومن واقع قراءتنا، فإن إيران من الوارد جدًا أن تعلن انسحابها من مذكرة التفاهم (رغم أن التصريحات الرسمية حتى الأن تقترب من ذلك بطريقة غير مباشرة مع الحرص على عدم إقرار ذلك رسميًا حتى الأن)، مما يقرّب المشهد من تصعيد عسكري يقترب من مواجهة مباشرة، أو تصعيد ثنائي قد يخرج عن السيطرة إذا لم يستطع الوسطاء الحد من ذلك التصعيد.
وبالطبع فإن إسرائيل، التي سعت بكل الطرق إلى تخريب الهدنة، تدفع الولايات المتحدة إلى العودة للحرب مرة أخرى، لتكون حربًا شاملة تحاول فيها الحد من القدرات النووية والباليستية الإيرانية بصورة أكبر مما حدث في الجولة الماضية، وهو ما يدفع دائمًا باحتمالات التصعيد؛ فالأمريكي يسعى إلى السيطرة على مضيق هرمز، بينما يسعى الإسرائيلي إلى إضعاف القدرات الإقليمية لإيران، بما يعزز الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم. وهنا يعاد المشهد، وتتقاطع الرؤيتان الأمريكية والإسرائيلية، ويشن الطرفان حربًا جديدة على إيران، بما يدخل المنطقة في حالة من الفوضى تُضعَف فيها جميع الأطراف لصالح تعزيز الهيمنة الإسرائيلية. وهذه هي الأهداف التي فشلت إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيقها خلال حرب الأربعين يومًا، ويبدو الأن الدفع بحرب استنزاف لقدرات إيران بشكل أكثر حدة من الجولة الماضية في محاولة لتحقيقها.
بالطبع ليس شرطًا أن تنجح أمريكا وإسرائيل في تحقيق هذه الأهداف نتيجة التصعيد الجديد؛ فإيران ما زالت تحتفظ بجزء مهم من قدراتها، ومصرة على عدم الاستسلام. إذا استمرت وتيرة المواجهة في التصاعد دون تحقيق الأهداف الأمريكية، فإما أن تعود القناعة بالسيناريو الأول، الذي سيصعب جدًا قبوله وقتها، أو يتم الانتقال إلى الحرب الشاملة في المنطقة، وهذا هو الأرجح من وجهة نظرنا في هذه الحالة.
السيناريو الثالث: اندلاع الحرب الشاملة
يبقى هذا السيناريو حاضرًا بقوة، رغم كلفته العالية، خاصة إذا وصلت القيادة الأمريكية إلى قناعة بأن سياسة الضغط التدريجي باستخدام كافة الوسائل السياسية والإقتصادية والعسكرية لم تعد تحقق أهدافها، وأن إيران نجحت في تثبيت معادلات ردع تجعل استمرار الوضع الحالي أكثر كلفة من العودة إلى العمل العسكري واسع النطاق، وظهر أن فترة الهدنة لم يترتب عليها تحسن ذو قيمة في الوضع الإقتصادي الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط، واحتياطياته الاستراتيجية كما ذكرنا سابقًا.
وتستند هذه القراءة إلى افتراض أن الضربات الأخيرة قد لا تكون سوى بداية لمسار تصعيدي متدرج، يبدأ باستهداف البنية العسكرية الإيرانية في الجنوب، ثم يتوسع تدريجيًا ليشمل أهدافًا أكثر حساسية، تمهيدًا لتوجيه ضربة أكبر تستهدف إضعاف القدرات العسكرية والإقتصادية الإيرانية بصورة حاسمة.
غير أن نجاح الولايات المتحدة وفقًا لهذا السيناريو سيظل مرتبطًا بقدرتها على استعادة عنصر المبادأة العملياتية، وامتلاكها القدرات العسكرية التي تمكّنها من خوض حرب شاملة ضد إيران، بهدف تحقيق أهدافها عبر الخيار العسكري، وبمشاركة إسرائيل. إلا أن هذا الأمر يبدو أكثر تعقيدًا في ضوء التطورات الأخيرة، خاصة وأن الجيش الأمريكي استهلك جانبًا كبيرًا من صواريخه وقدراته العسكرية الهجومية والدفاعية خلال حرب الأربعين يومًا، واستمر هذا الاستهلاك منذ الهدنة التي بدأت في 18 يونيو 2026، والتي تخللتها موجات من التصعيد العسكري بين الحين والآخر، وصولًا إلى التصعيد الحالي، بما يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تستطع بعد تعويض خسائرها أو استكمال إعادة بناء وتجهيز قدراتها العسكرية بالوتيرة التي تتيح لها الانخراط في حرب واسعة جديدة.
إلا أن ما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية من أن أكثر من 50 ألف جندي أمريكي ينتشرون حاليًا في أنحاء الشرق الأوسط، يشير إلى حجم التعبئة العسكرية التي حشدتها الولايات المتحدة في المنطقة. ويعكس هذا الانتشار استعدادًا عسكريًا واسع النطاق، قد يكون مرتبطًا بفرض الحصار البحري الذي أعلنت عنه واشنطن، أو بالتهيؤ لمستويات أعلى من التصعيد العسكري خلال المرحلة المقبلة، مثل الغزو البري واحتلال أحد أو بعض الجزر في المضيق لمحاولة انتزاع السيطرة عليه من الجانب الإيراني، إذا استمرت الأزمة في التفاقم أو تعثرت المسارات التفاوضية، وهو ما يدلل عليه سير العمليات العسكرية الجديدة والأهداف المستهدفة بالقصف كما ذكرنا سابقًا.
من الدلائل الأخرى على الاستعداد للعمل العسكري واسع النطاق، الذي يتجاوز طبيعة العمليات الجارية حتى الأن، ما نشرته صحيفة الوول ستريت جورنال يوم 14 يوليو عن أن ترامب يميل إلى توسيع العمليات العسكرية الأمريكية في إيران، بما في ذلك نشر قوات برية وقصف موقع نووي سري في جيبل بيكآكس (ارجع للشكل 7 سابقًا). ووفقًا للصحيفة، عقد ترامب اجتماعًا في غرفة العمليات في البيت الأبيض يوم الثلاثاء لمناقشة ثلاثة خيارات تصعيدية:
1. الاستيلاء على جزيرة خارك (مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي) باستخدام القوات الأمريكية.
2. قصف جبل بيكآكس، وهو مجمع أنفاق شديد التحصين مرتبط بمشاريع نووية لم تستهدفه الولايات المتحدة بعد. تقع الأنفاق في الجبل على عمق يتراوح بين 100 و150 مترًا داخل الصخور الجرانيتية شديدة الصلابة، ما قد يجعلها خارج نطاق قدرة القذائف الأمريكية الخارقة للتحصينات، وقد يفرض استخدام قنابل نووية تكتيكية لهذا الغرض.
3. توسيع نطاق الغارات الجوية لتشمل مواقع الطاقة.
و ذكرت الصحيفة أن ترامب لم يتخذ ترامب قرارًا نهائيًا بعد.
إيران، بخلاف ما كانت عليه في مراحل سابقة، أصبحت لا تثق في إلتزام الولايات المتحدة بأي إتفاق، وتتبنى استراتيجية تقوم على الرد المباشر والفوري، بل أصبحت تعتمد استراتيجية الهجوم الاستباقي؛ إذ تباد ر بالنيران أولًا ويكون الرد من الجانب الأمريكي ، وهذا ما تم مؤخرًا عدة مرات سواء على القواعد الأمريكية أو بقصف إسرائيل عندما قصفت الأخيرة الضاحية الجنوبية ببيروت بعد التحذير الإيراني، بما يمنع الولايات المتحدة من تنفيذ عملياتها دون تحمل تكلفة عسكرية مقابلة. كما أن استمرار الضربات الإيرانية ضد القواعد الأمريكية يشير إلى أن طهران تحاول حرمان واشنطن من فرصة تنفيذ ضربة مفاجئة تعيد تشكيل ميزان القوى.
وبالتالي، فإن كل تصعيد أمريكي يقابله تصعيد إيراني، وهو ما يربك عملية التخطيط الأمريكية، ويجعل الانتقال إلى حرب شاملة أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرار سياسي.
بدراسة سلوك ترامب وتصريحاته والمتغيرات المؤثرة عليه، تبدو لنا الصورة من وجهة نظره كالتالي:
- توقيع ترامب على مذكرة التفاهم لن يوصله ليتجنب أن يكون رئيسًا على غرار هربرت هوفر بالنسبة للإقتصاد الأمريكي، وسيستمر إنخفاض الاحتياطي البترولي الاستراتيجي حتى يصل للوضع الحرج في غضون شهر من الأن.
- إيران متمسكة بالسيطرة على المضيق، ما يستوجب الرد الأمريكي الحاسم لمنع ذلك. العمليات العسكرية بالوتيرة المعتادة ستؤدي لنفس النتائج السابقة، فيرتفع سعر النفط ويرتفع التضخم.
- الغالبية العظمى من القاعدة الداعمة لترامب تقف وراء استمرار العمليات العسكرية لتحقيق الانتصار الساحق على إيران، ما يستوجب أن يستجيب ترامب لذلك، ولا يستسلم للإرادة الإيرانية فيخسر هذه القاعدة بحلول انتخابات الكونجرس في نوفمبر.
- يجب بالتالي أن تكون الضربات العسكرية أكثر شدة وحسما واتساعا لتنهي المهمة في أسرع وقت ممكن.
- قد يكون في ذلك مخاطرة، لكن المخاطرة ستكون أكبر على الحظوظ الإنتخابية في نوفمبر إن لم يفعل شيئًا وفرضت طهران إرادتها.
- الأمل في أن يدفع هذا التصعيد إيران للرضوخ، ويخرج ترامب في مظهر المنتظر، ما ينهي جميع المشاكل!
إلا أن الأمور من الصعب أن تسير بالطريقة التي نعتقد أن ترامب يفكر بها، حيث أن الولايات المتحدة لا تعمل في الفراغ، فضلًا على أن التقديرات تشير إلى أن استعادة الوضع الطبيعي في منظومة سريان البترول والغاز خارج المضيق لن تستغرق أيامًا أو أسابيع، وإنما أشهر، ما يتجاوز بكثير مرحلة الإنتخابات. لذلك فالتطور المنطقي بعد بدأ هذه الموجة من التصعيد، واستمرارها في التصاعد والرد والرد المضاد، هو أحد طريقين لا ثالث لهما؛ إما أن تقبل الولايات المتحدة بالهزيمة وتعقد اتفاقًا يسمح لإيران بما تريده، ما يرفع من وضعها كقوة إقليمية كبرى، ويشجعها حتى لحيازة السلاح النووي في المستقبل لتزيد من قوتها وأوراقها، أو تستمر الولايات المتحدة في التصعيد الذي لن ينتهي إلا بالغزو البري في بعض المواقع سعيًا للسيطرة على المضيق.
وفي المقابل، إذا استطاعت إيران الحفاظ على تماسك جبهات وكلائها الإقليميين، فإن تكلفة أي حرب أمريكية جديدة سترتفع بصورة كبيرة، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما أيضًا على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
سيدفع هذا الولايات المتحدة للمزيد من التصعيد والتدمير، وإيقاع الكثير من الضحايا من المدنيين، ومن البنية الأساسية، ما سيرفع من حالة الرغبة في الإنتقام لدى الجانب الإيراني ويزيد من السعي في إيلام “كل أعدائه”، وهو ما سيدفع في نهاية المطاف إلى الفوضى الشاملة وسط أتون حرب لا تنتهي في المنطقة.
في نهاية المطاف، وإذا تحقق هذا السيناريو، ففي الأغلب لن ينظر الشعب الأمريكي لترامب فقط مثل هربرت هوفر، ولكن أيضًا مثل لندون جونسون الذي دفع في عهده إلى كارثة الهزيمة في فيتنام.
عودة الحرب الشاملة بعد المرحلة الحالية التي بدأت الأن بحرب الاستنزاف، يبدو لنا احتمالًا ليس بالقليل، لكنها إن عادت فستكون مختلفة جذريًا عن المواجهات السابقة؛ إذ ستكون حربًا متعددة الساحات والأطراف، ومتعددة الأدوات، يصعب فيها تحقيق الحسم لأي من الأطراف، ما يدخل المنطقة بالكامل في مرحلة جديدة تمامًا.
سابعًا: الخلاصة
تكشف قراءة مجمل التطورات منذ توقيع مذكرة التفاهم في 18 يونيو 2026 وحتى التصعيد العسكري الأخير أن الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران لم تدخل مرحلة التسوية السياسية، وإنما انتقلت من مرحلة الحرب المباشرة خلال الأربعين يومًا إلى مرحلة إدارة الصراع وحرب الاستنزاف، وهي مرحلة تستخدم فيها الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية بصورة متوازية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب دون الوصول –حتى الآن– إلى مواجهة شاملة.
الوقائع الميدانية تشير إلى أن الاتفاق الذي وُقّع بين الجانبين لم يتحول إلى اتفاق حقيقي بالمعنى الاستراتيجي؛ بل قد يكون انتهى بشكل كبير، وبقي إطارًا سياسيًا هشًا لم تُنفَّذ أيٍ من بنوده الأساسية، الأمر الذي جعل عودة التصعيد مسألة وقت أكثر منها احتمالًا بعيدًا. فواشنطن لم ترفع العقوبات، ولم تبدأ تنفيذ الالتزامات الاقتصادية والسياسية التي نصت عليها مذكرة التفاهم، كما أن إيران لم تحصل على الضمانات التي كانت تعتبرها شرطًا أساسيًا لأي اتفاق دائم.
وفي المقابل، لم تتخلَّ إيران عن فلسفة الردع التي بنتها خلال السنوات الماضية، بل عززتها بصورة أكبر بعد الحرب الأخيرة، وأصبحت تعتمد بصورة واضحة على استراتيجية الرد المباشر بشكل أفقي (أي على نطاق جغرافي واسع)، بحيث يقابل كل استهداف أمريكي رد عسكري مباشر على القوات أو المصالح الأمريكية والخليجية المتعلقة بها، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في العقيدة العملياتية الإيرانية، ويهدف إلى منع الولايات المتحدة من فرض قواعد اشتباك جديدة أو تثبيت واقع عسكري يحد من قدرة إيران على المناورة.
ومن ناحية أخرى، تكشف طبيعة الضربات الأمريكية الأخيرة أن واشنطن لم تستهدف مواقع عسكرية عشوائية، وإنما ركزت على منظومة السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، بما يشير إلى أن الصراع انتقل من التركيز على البرنامج النووي وحده إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان القوة في الخليج، وتقليص قدرة الحرس الثوري على التحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا التطور يمنح مضيق هرمز أهمية تتجاوز كونه ممرًا لنقل الطاقة، ليصبح مركز الثقل الحقيقي للصراع الأمريكي الإيراني. فإيران ترى أن الحفاظ على سيطرتها العملياتية في المضيق يمثل جزءًا من أمنها القومي، بينما ترى الولايات المتحدة أن استمرار هذا الواقع يمنح طهران قدرة على تهديد الاقتصاد الأمريكي والعالمي كلما تصاعدت الأزمة، وهو ما تسعى إلى تغييره.
كما أن طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، وتركيز العمليات على الجنوب الإيراني والجزر المطلة على المضيق، تدعم التقديرات التي ترى أن الولايات المتحدة قد تكون بصدد إعداد البيئة العملياتية لخيارات عسكرية أوسع إذا فشل الضغط العسكري والمسار السياسي المصاحب له بصورة نهائية. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى عمليات برية سيظل قرارًا شديد التعقيد، نظرًا لما تفرضه البيئة الجغرافية من تحديات، ولما تمتلكه إيران من قدرات على خوض حرب استنزاف طويلة باستخدام تكتيكات الحرب غير المتماثلة.
وفي هذا السياق، فإن أي انخراط بري أمريكي في جنوب إيران لن يكون مجرد توسع في العمليات العسكرية، بل سيكون انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الحرب تختلف في طبيعتها عن الضربات الجوية والبحرية. فالتضاريس الوعرة، والمرتفعات، والجزر المتناثرة، وشبكة الدفاعات الإيرانية، كلها عوامل تمنح القوات المدافعة أفضلية تكتيكية، وتجعل تحقيق حسم سريع أمرًا بالغ الصعوبة، حتى في ظل التفوق الجوي الأمريكي.
كما أن التجارب التاريخية تؤكد أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يكفي وحده لحسم الحروب البرية داخل البيئات الجغرافية المعقدة، وهو ما قد يجعل أي عملية إنزال أو توسع بري معرضة للتحول إلى حرب استنزاف طويلة، ترتفع خلالها الكلفة البشرية والسياسية والاقتصادية بصورة متزايدة.
من منظور استراتيجي، يبدو أن الولايات المتحدة وإيران أصبحتا تتحركان داخل معادلة جديدة تقوم على الردع المتبادل أكثر من قيامها على الحسم العسكري. فكل طرف يحاول منع الآخر من فرض إرادته بالقوة، وفي الوقت نفسه يتجنب –قدر الإمكان– الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة وتفتح ساحات صراع جديدة في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن يتمثل في استمرار حالة العمليات العسكرية، والرد والرد المضاد، ما قد يصل لحالة مبكرة من حرب الاستنزاف، مع بقاء باب المفاوضات مفتوحًا شكليًا، وهو ما يمنح كل طرف فرصة لتحسين شروطه قبل أي تسوية مستقبلية.
غير أن هذا السيناريو لا يعني استقرار الأوضاع، بل على العكس، فهو يبقي المنطقة أمام مستوى مرتفع من المخاطر؛ لأن أي خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية، أو أي عملية تتجاوز حدود الردع المتبادل، قد تدفع الأزمة بسرعة نحو مواجهة أوسع يصعب احتواؤها. بل أننا نرجح أن الحرب الإقليمية الشاملة ستكون السيناريو الأرجح على المدى المتوسط، كامتداد حتمي للوقوع في فخ التصعيد الذي لامخرج منه.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المنطقة لم تغادر مرحلة الحرب كما كان يظن البعض عند توقيع مذكرة التفاهم، وإنما انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع المركب، تتداخل فيها العمليات العسكرية الموسعة والمتصاعدة مع الضغوط الاقتصادية والحصار والتفاوض السياسي. هذا التفاوض تراجع للوراء بشكل كبير وقد يفشل بالمطلق خلال المرحلة المقبلة بعد التصعيد الأمريكي وفرض الحصار مجددًا على إيران، بينما يبقى مضيق هرمز هو النقطة الأكثر حساسية في ميزان الصراع. وستحدد قدرة كل طرف على فرض معادلته في هذا الممر البحري الحيوي اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة، سواء نحو تسوية مؤقتة جديدة، أو نحو دورة تصعيد أكبر قد تعيد المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة.



