ترامب يلوّح بدور سوري في لبنان ضد حزب الله… هل تعود دمشق إلى الساحة اللبنانية بعد نصف قرن؟

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح أحد أكثر الملفات حساسية في المشرق، بعد حديثه عن احتمال اضطلاع سوريا بدور في مواجهة حزب الله داخل لبنان. التصريحات، التي جاءت على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، أثارت تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت واشنطن تفكر فعلاً في استخدام دمشق الجديدة كأداة ضغط على الحزب، أم أن الأمر لا يتعدى رسالة سياسية في لحظة إقليمية شديدة التوتر.
وقال ترامب إنه تحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حزب الله، من دون أن يكشف تفاصيل المحادثة أو موقف دمشق النهائي. وكان قد صرح قبل ذلك بأن سوريا قد تقوم بعمل “أفضل” من إسرائيل في مواجهة الحزب اللبناني، منتقداً في الوقت نفسه طريقة إسرائيل في التعامل مع حزب الله، خصوصاً عندما تؤدي عملياتها إلى تدمير مبانٍ سكنية ومقتل مدنيين.
وتكمن حساسية هذه التصريحات في أنها تستحضر ذاكرة لبنانية ثقيلة: دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، واستمرار الوجود العسكري والأمني السوري حتى عام 2005. لذلك، فإن أي حديث عن دور سوري جديد داخل لبنان، حتى لو كان موجهاً ضد حزب الله، يثير مخاوف عميقة من تكرار التاريخ بصيغة مختلفة.
ماذا قال ترامب؟
في 16 حزيران/يونيو، قال ترامب خلال لقاء مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على هامش قمة السبع، إنه اقترح على إسرائيل أن “تترك سوريا تتولى أمر حزب الله”، مضيفاً أنه يعتقد أن السوريين “قد يقومون بعمل أفضل”. وفي اليوم التالي، أكد رداً على سؤال صحفي أنه تحدث مع الشرع بالفعل بشأن حزب الله، لكنه لم يوضح ما إذا كانت دمشق مستعدة لأي دور مباشر.
وأشاد ترامب بالشرع، قائلاً إن من “يدير سوريا الآن” قام بعمل “مذهل” في إعادة توحيد البلاد، بمساعدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وآخرين. لكنه أضاف أن الشرع “ليس ملاكاً”، في إشارة إلى خلفيته السياسية والعسكرية السابقة، قبل أن يؤكد أنه “يتعامل جيداً مع حزب الله” ولا يحبه.
اللافت في هذه التصريحات أن ترامب لم يذكر أي دور للحكومة اللبنانية، ولم يتحدث عن تنسيق مع بيروت، رغم أن أي دور سوري داخل لبنان يمس سيادة الدولة اللبنانية مباشرة. وقد التزمت الحكومة اللبنانية الصمت، فيما ردت الخارجية اللبنانية على سؤال لـ بي بي سي عربي بعبارة مقتضبة: “لا تعليق”.
دمشق تنفي التدخل العسكري
في المقابل، كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد نفى قبل أيام من قمة السبع ما وصفها بـ “إشاعات” عن نية سوريا التدخل عسكرياً في لبنان. وقال خلال لقاء مع وجهاء من ريف دمشق إن ما يُشاع عن “دخول سوريا إلى لبنان” غير صحيح، مؤكداً أن ما تطرحه دمشق هو وقف الحرب، وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعزيز الربط الاقتصادي، وتهدئة الأوضاع قدر الإمكان.
وتحدث الشرع عن وجود “جرح لبناني” بسبب التدخلات السورية السابقة في لبنان، و ”جرح سوري” بسبب تدخل حزب الله في سوريا خلال الحرب إلى جانب نظام بشار الأسد. وهذه اللغة تكشف أن دمشق تدرك حساسية الملف اللبناني، وأن أي اندفاع عسكري نحو لبنان قد يفتح عليها أبواباً داخلية وإقليمية لا تستطيع تحملها في هذه المرحلة.
كما نقلت تقارير إسرائيلية عن مصدر سوري أن دمشق تستبعد التدخل العسكري المباشر ضد حزب الله، لأن العالم العربي قد ينظر إلى خطوة كهذه باعتبارها خدمة للمصالح الإسرائيلية. وتحدثت تقارير أخرى عن رسائل تركية إلى دمشق تحثها على تجنب مواجهة مباشرة مع حزب الله خشية أن يؤدي ذلك إلى تعزيز موقع إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة.
إسرائيل ترفض الحاجة إلى دمشق
لم يلقَ طرح ترامب ترحيباً إسرائيلياً واضحاً. فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل “ليست بحاجة” إلى الرئيس السوري في لبنان، واصفاً الشرع باسمه السابق “الجولاني” بأنه “إرهابي ببدلة”. وأضاف أن إسرائيل “تقوم بالعمل بنفسها”، في إشارة إلى عملياتها العسكرية ضد حزب الله.
هذا الرد يعكس شكوكاً إسرائيلية عميقة تجاه القيادة السورية الجديدة، حتى لو كانت في خصومة مع حزب الله. فإسرائيل لا تريد أن تمنح دمشق شرعية أمنية في لبنان، ولا أن تستبدل تهديد حزب الله بوجود قوة سورية جديدة على حدودها أو داخل الجغرافيا اللبنانية.
ذاكرة 1976: شبح التدخل السوري القديم
لا يمكن فصل الجدل الحالي عن تاريخ التدخل السوري في لبنان. ففي عام 1976، دخلت القوات السورية إلى لبنان بعد نحو عام على اندلاع الحرب الأهلية، بذريعة وقف القتال ومنع انهيار البلاد. لكن هذا الوجود تحول لاحقاً إلى نفوذ عسكري وأمني وسياسي طويل، استمر حتى عام 2005، حين انسحبت القوات السورية بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وتحت ضغط احتجاجات لبنانية واسعة وقرار مجلس الأمن 1559.
بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، لا يُستقبل أي حديث عن “دور سوري” في لبنان كاقتراح أمني محايد، بل كاستدعاء لذاكرة السيطرة والوصاية والاعتقالات والتدخل في القرار الداخلي. لذلك، فإن إعادة طرح هذا السيناريو، حتى ضد حزب الله، قد يواجه رفضاً واسعاً من قوى لبنانية مختلفة، لا من بيئة الحزب وحدها.
حزب الله بعد سقوط الأسد
تغير موقع حزب الله جذرياً بعد سقوط حكم الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فقد خسر الحزب حليفه السوري الأساسي وخط إمداد رئيسياً كان يربط إيران بلبنان عبر الأراضي السورية. كما اضطر عدد كبير من مقاتليه وقادته إلى مغادرة سوريا خلال الحرب مع إسرائيل والتركيز على الجبهة اللبنانية.
لكن رغم هذه الضربة الاستراتيجية، لا يزال حزب الله يمتلك حضوراً عسكرياً وسياسياً قوياً في لبنان، وقاعدة اجتماعية قادرة على الالتفاف حوله إذا شعر أن بيئته مستهدفة خارجياً أو طائفياً. وهذا ما يجعل أي تدخل سوري محتمل شديد الخطورة: فقد يمنح الحزب فرصة لإعادة تقديم نفسه كمدافع عن الطائفة والسيادة اللبنانية ضد “قوات خارجية”، حتى لو كان يعاني من ضغوط سياسية وعسكرية.
لماذا يبدو التدخل السوري صعباً؟
هناك عدة عوامل تجعل أي تدخل عسكري سوري في لبنان محفوفاً بالمخاطر:
أولاً، الدولة السورية الجديدة لا تزال في طور تثبيت سيطرتها الداخلية بعد سنوات من الحرب وسقوط النظام السابق. فتح جبهة خارجية في لبنان قد يستنزفها سياسياً وعسكرياً ويفتح الباب أمام اضطرابات داخلية.
ثانياً، قد يؤدي التدخل إلى تصعيد إقليمي أوسع، خاصة إذا دخلت شبكات مدعومة من إيران في العراق أو سوريا أو لبنان على خط المواجهة. وقد حذرت جماعات عراقية مرتبطة بمحور المقاومة الشرع من أي تحرك عسكري باتجاه لبنان، وهددت بتحويل الأراضي السورية إلى “ساحة مفتوحة للنار”.
ثالثاً، قد يؤجج التدخل توترات طائفية خطيرة. فمن المرجح أن يصور حزب الله أي قوة سورية تتحرك ضده على أنها قوة “سنية جهادية” تستهدف البيئة الشيعية، ما قد يعزز الالتفاف حوله ويعيد إنتاج الصراع بصيغة مذهبية.
رابعاً، قد يضعف أي وجود عسكري سوري جديد شرعية الدولة اللبنانية نفسها، لأن كثيرين في لبنان سينظرون إليه كإكراه خارجي لا كدعم للسيادة، خاصة في ضوء تجربة الوجود السوري السابق.
لبنان بين الدولة والحزب والحدود السورية
الوضع اللبناني نفسه يزيد المسألة تعقيداً. فالدولة اللبنانية تعاني من أزمة اقتصادية عميقة، وانقسام سياسي وطائفي حول سلاح حزب الله، وضعف مؤسساتي يجعل أي صدمة أمنية قابلة للتحول إلى أزمة وطنية. كما أن المناطق الحدودية مع سوريا ليست ذات لون سياسي أو طائفي واحد، بل تضم تركيبات اجتماعية ومذهبية مختلفة، ما يجعل أي عملية عسكرية سورية محتملة أكثر تعقيداً من مجرد استهداف خطوط إمداد لحزب الله.
ومنذ سقوط الأسد، شهدت الحدود اللبنانية–السورية توترات متكررة بين قوات سورية ومجموعات مرتبطة بحزب الله. وقد حاولت دمشق، وفق تصريحات الشرع، تعزيز أمن الحدود ومنع انتقال الصراع إلى الداخل السوري، لا التحضير لعمليات خارجية. وهذا يعني أن الأولوية السورية الحالية تبدو دفاعية أكثر منها هجومية.
حسابات واشنطن: تفكيك محور المقاومة بأدوات جديدة
من منظور أمريكي، قد يكون طرح دور سوري في لبنان جزءاً من محاولة أوسع لإعادة هندسة التوازنات بعد الحرب الأمريكية–الإيرانية ومذكرة التفاهم مع طهران. فإذا كان الاتفاق مع إيران يؤجل أو يحد من المواجهة المباشرة، فإن واشنطن قد تبحث عن أدوات إقليمية للضغط على حزب الله من دون الاعتماد الكامل على إسرائيل.
هنا تظهر سوريا الجديدة كخيار محتمل، لأنها خصم لحزب الله بعد تدخله السابق في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد، ولأنها تسيطر على الجغرافيا التي كانت تمثل جزءاً من خط إمداد الحزب. لكن تحويل هذا الدور من ضبط حدود إلى مواجهة داخل لبنان أمر مختلف تماماً، وقد تكون كلفته أكبر من فائدته.
بين طرح ترامب وحسابات الشرع: واقعية سياسية أم محاولة توريط؟
وقد فتحت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية منح سوريا دوراً في ملف حزب الله باباً واسعاً للنقاش حول موقع دمشق الجديد في المعادلة اللبنانية، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه بعد سنوات طويلة من الحرب والانكفاء الداخلي. فبينما قدّم ترامب الطرح بصيغة مباشرة توحي بإمكانية “تسليم” ملف حزب الله إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، جاء رد دمشق أكثر حذراً وواقعية، رافضاً أي تدخل عسكري ومؤكداً أن سوريا تبحث عن “خطوط اقتصادية لا خطوط عسكرية” مع لبنان.
تصريحات ترامب حملت أكثر من رسالة. فهو عبّر عن إحباطه من عدم قدرة إسرائيل على القضاء على حزب الله، وانتقد أسلوبها العسكري القائم على التدمير الواسع، معتبراً أن سوريا بقيادة الشرع قد تكون أقدر على التعامل مع الملف بطريقة “أكثر دقة”. لكن هذا الطرح، رغم حدّته الإعلامية، لا يبدو بالضرورة خطة أمريكية مكتملة، بقدر ما يعكس أسلوب ترامب المعتاد في استخدام التصريحات الصادمة كأداة ضغط على أطراف متعددة، من حزب الله وإيران إلى إسرائيل والدولة اللبنانية نفسها.
في المقابل، حرص الشرع على تفكيك المعنى العسكري للتصريحات الأمريكية. ففي مقابلته الأخيرة، أكد أن سوريا لا تنوي الدخول إلى لبنان عسكرياً ولا المشاركة في حرب ضد حزب الله، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب والبحث عن حلول غير تقليدية، تشمل الاقتصاد والسياسة والمجتمع وبعض الإجراءات الأمنية. وبهذا المعنى، حاول الشرع تحويل النقاش من فكرة “المواجهة” إلى فكرة “إعادة بناء الروابط”، ومن منطق السلاح إلى منطق الاستقرار.
تكشف هذه المقاربة عن إدراك سوري لحساسية الملف اللبناني. فدمشق، التي تدرك عمق الجرح الذي خلّفه تدخل حزب الله إلى جانب نظام الأسد خلال سنوات الحرب، لا تريد في الوقت نفسه الظهور كطرف ثأري أو كقوة تسعى للعودة إلى زمن الوصاية على لبنان. لذلك بدت تصريحات الشرع قائمة على مزيج من البراغماتية وضبط النفس؛ فهو لم يغلق الباب أمام الحوار مع حزب الله إذا كان ذلك يخدم مصلحة لبنان ويؤمّن المصالح السورية، لكنه في الوقت نفسه رفض تحويل سوريا إلى أداة عسكرية في صراع داخلي لبناني شديد التعقيد.
وتنبع حذَر دمشق من عدة اعتبارات: أولها، أن سوريا ما زالت منشغلة بأولويات داخلية كبرى، في مقدمتها إعادة الإعمار، تحسين الوضع الاقتصادي، تنظيم علاقاتها الدولية، واستعادة موقعها الإقليمي. وثانيها، أن أي تدخل مباشر في لبنان قد يؤدي إلى نتائج عكسية داخل سوريا ولبنان معاً، وقد يمنح خصوم دمشق فرصة لاتهامها بمحاولة استعادة نفوذها القديم. أما الاعتبار الثالث، فيتعلق بالخوف من الانزلاق إلى مواجهة مذهبية أو إقليمية أوسع، قد تتحول إلى مستنقع يستنزف الدولة السورية في مرحلة هي بأمسّ الحاجة فيها إلى الاستقرار.
من هنا تظهر الفجوة بين المقاربتين الأمريكية والسورية. واشنطن، وفق قراءة العديد من المحللين، تستخدم فكرة الدور السوري كورقة ضغط ضمن معادلة إقليمية معقدة، بينما تحاول دمشق تقديم نفسها كطرف قادر على المساعدة في تثبيت الاستقرار لا كطرف مستعد لخوض حرب جديدة. فالطرح الأمريكي يبدو أقرب إلى محاولة دفع اللاعبين الإقليميين إلى إعادة حساباتهم، في حين أن الطرح السوري يسعى إلى تحويل الأزمة اللبنانية إلى ملف تسوية سياسية واقتصادية لا إلى ساحة مواجهة عسكرية.
كذلك لا يمكن فصل تصريحات ترامب عن العلاقة المتوترة نسبياً مع الأداء الإسرائيلي في لبنان. فانتقاده لقدرة إسرائيل على حسم ملف حزب الله يوحي بأن واشنطن تبحث عن بدائل ضغط أو عن أدوات إضافية لا تعتمد بالكامل على تل أبيب. غير أن هذا لا يعني أن سوريا مستعدة لقبول دور عسكري مفروض عليها، خصوصاً أن الشرع يدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله قد يفتح أبواباً لا يمكن ضبطها، سواء داخل لبنان أو على الحدود السورية أو في علاقات دمشق الإقليمية.
في هذا السياق، يبدو أن الشرع يحاول رسم دور سوري جديد في لبنان: دور لا يقوم على الوصاية، ولا على التدخل العسكري، ولا على الانتقام من حزب الله، بل على الواقعية السياسية وحماية المصالح السورية عبر الاستقرار اللبناني. فلبنان بالنسبة لسوريا ليس ملفاً خارجياً عادياً، بل امتداد أمني واقتصادي واجتماعي مباشر. ولذلك فإن أي انفجار داخلي لبناني سينعكس بالضرورة على دمشق، سواء عبر الحدود أو التجارة أو الأمن أو حركة اللاجئين والاقتصاد.
الرهان السوري، كما يظهر من هذه المقاربة، يقوم على إقناع واشنطن والدول الإقليمية بأن الحل في لبنان لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط. فملف سلاح حزب الله، مهما بلغت الضغوط الخارجية، يبقى مرتبطاً بالتوازنات الداخلية اللبنانية وبقدرة الدولة اللبنانية على إنتاج تسوية تحمي السلم الأهلي. ومن هنا فإن دور سوريا، إذا طُلب منها، قد يكون في تسهيل الحوار، دعم الاستقرار، وفتح قنوات اقتصادية وسياسية، لا في الدخول كقوة صدامية جديدة.
في النهاية، لا تبدو تصريحات ترامب مجرد جملة عابرة، لكنها أيضاً لا تكفي وحدها لصناعة مسار عملي. هي أقرب إلى اختبار سياسي ورسالة ضغط متعددة الاتجاهات. أما رد الشرع، فقد جاء ليؤكد أن سوريا “تستطيع” من حيث المبدأ، لكنها “لا تريد” أن تتحول إلى أداة حرب في لبنان. وبين الطرح الأمريكي القائم على الضغط، والمقاربة السورية القائمة على الواقعية، يبقى لبنان أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن معالجة أخطر ملف داخلي فيه من دون تفجير الدولة، ومن دون إعادة إنتاج تدخلات خارجية تزيد الأزمة تعقيداً؟ (انظر) (انظر)
خلاصة:
حتى الآن، يبدو طرح ترامب أقرب إلى رسالة ضغط سياسية منه إلى خطة عسكرية جاهزة. فهو يوجه رسالة لإسرائيل بأن هناك بدائل عن القصف الواسع، ورسالة لإيران وحزب الله بأن بقاء الحزب ليس خارج الحسابات، ورسالة إلى دمشق بأنها قد تصبح طرفاً مطلوباً في هندسة أمن لبنان إذا أرادت مزيداً من الشرعية الدولية.
لكن تنفيذ هذا التصور يصطدم بواقع بالغ الصعوبة: ذاكرة الاحتلال السوري للبنان، هشاشة الدولة السورية الجديدة، رفض إسرائيلي للثقة بالشرع، عدم استعداد سوري للقيام بهذا الدور، مخاطر الطائفية، وتهديدات محور المقاومة، وغياب أي موافقة لبنانية معلنة.
لذلك، قد يكون الدور السوري الواقعي في المرحلة المقبلة محصوراً في ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد، والتعاون الاستخباراتي غير المباشر، بديلا عن أي دخول عسكري إلى الأراضي اللبنانية.
ويعيد حديث ترامب عن دور سوري محتمل في لبنان فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ المنطقة. فبعد خمسين عاماً تقريباً على دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، يبدو أن واشنطن تلمح إلى دور جديد لدمشق، لكن هذه المرة ضد حزب الله، لا لحماية معادلة الحرب الأهلية القديمة.
غير أن التاريخ لا يعود بسهولة من دون أثمان. فاللبنانيون لا ينسون الوجود السوري الطويل، وسوريا الجديدة لا تزال منشغلة بترميم دولتها، وحزب الله قد يستفيد من أي تدخل خارجي لإعادة تعبئة بيئته. أما إسرائيل، فلا تبدو مستعدة لمنح دمشق دوراً أمنياً في لبنان.
لذلك، يبقى السيناريو الأقرب هو استخدام الفكرة كورقة ضغط سياسية لا كخطة تدخل وشيكة. لكن مجرد طرحها يكشف حجم التحول في المنطقة: سوريا التي كانت يوماً ممراً لحزب الله وحليفة لمحوره، تُطرح اليوم في واشنطن، بنظام سياسي ذو خلفية من جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، كطرف محتمل في تطويقه. وهذا وحده كافٍ لإظهار عمق الانقلاب الاستراتيجي الذي أحدثه سقوط الأسد في معادلات لبنان وسوريا وإيران.




