أسيا وافريقياتقارير

روسيا والهجرة في الساحل الأفريقي: اتهامات بتوظيف المسارات الصحراوية للضغط على أوروبا

تعود منطقة الساحل الأفريقي إلى واجهة التنافس الدولي، ليس فقط بسبب الأمن والإرهاب والانقلابات العسكرية، بل أيضاً بسبب ملف الهجرة غير النظامية الذي بات يُنظر إليه في أوروبا بوصفه ورقة ضغط محتملة في يد روسيا. فمع تصاعد تدفق المهاجرين نحو الجزائر وتونس وليبيا، تتزايد في الأوساط الغربية اتهامات لموسكو بالسعي إلى إعادة تشكيل مسارات الهجرة عبر تحالفاتها الجديدة في الساحل، خصوصاً في النيجر.

وتتمحور هذه الاتهامات حول إلغاء المجلس العسكري الحاكم في النيجر، بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، قانوناً صدر عام 2015 كان يجرّم تهريب المهاجرين عبر الأراضي النيجرية، وخاصة عبر إقليم أغاديز، الذي يُعد من أهم الممرات الصحراوية باتجاه شمال أفريقيا. وكان هذا القانون قد أُقرّ سابقاً تحت ضغط أوروبي للحد من تدفق المهاجرين نحو السواحل المتوسطية.

وبإلغاء القانون، عاد طريق أغاديز إلى النشاط مجدداً، ما أثار مخاوف أوروبية من أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المتجهين إلى شمال أفريقيا، ومن ثم إلى أوروبا عبر قوارب الهجرة غير النظامية.

الهجرة كسلاح هجين

تذهب تقديرات سياسية وأمنية غربية إلى أن روسيا قد تستخدم ملف الهجرة كجزء من أدوات “الحرب الهجينة” ضد أوروبا، عبر تسهيل حركة المهاجرين أو غضّ الطرف عن شبكات التهريب في مناطق نفوذها الجديدة. ووفق هذا الطرح، فإن موسكو لا تحتاج إلى إدارة الهجرة مباشرة، بل يكفي أن تستفيد من الفوضى وتراجع الضبط الأمني في دول الساحل لتزيد الضغط على العواصم الأوروبية.

ويرى باحثون أن إلغاء قانون 2015 في النيجر لم يكن مجرد قرار داخلي، بل جاء في سياق سياسي أوسع بعد انقلاب 2023، وتراجع النفوذ الفرنسي، وصعود تحالفات جديدة بين نيامي وموسكو. فقد تحولت النيجر، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، إلى إحدى بوابات الحضور الروسي في الساحل الأفريقي، سواء عبر التعاون العسكري أو الاتفاقات الأمنية والاقتصادية.

وبحسب هذا التصور، فإن فتح مسارات الهجرة مجدداً قد يخدم موسكو في أكثر من اتجاه: فهو يربك أوروبا داخلياً، ويزيد الضغط على حكوماتها، ويغذي صعود الأحزاب اليمينية التي تستثمر سياسياً في ملف الهجرة، كما قد يضعف الإجماع الأوروبي حول دعم أوكرانيا.

أغاديز: عقدة الهجرة الصحراوية

يمثل إقليم أغاديز في شمال النيجر نقطة مركزية في مسارات الهجرة الأفريقية. فمن خلاله تعبر قوافل المهاجرين القادمة من غرب ووسط أفريقيا نحو ليبيا والجزائر، ومنها إلى تونس أو السواحل الليبية، تمهيداً لمحاولة الوصول إلى أوروبا.

وكان التعاون بين النيجر والاتحاد الأوروبي قد أدى خلال السنوات الماضية إلى الحد من نشاط شبكات التهريب في أغاديز، لكن انهيار هذا التعاون بعد الانقلاب أعاد فتح المجال أمام المهربين. وقد حذر المعهد الدنماركي للدراسات الدولية من أن سقوط التعاون الأوروبي–النيجري في ملف الهجرة جعل المنطقة أكثر قابلية لعودة شبكات التهريب.

كما حذرت وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية فرونتكس من أن التمركز الروسي في ليبيا والساحل قد يمنح موسكو ورقة ضغط مرتبطة بحركة الهجرة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تزايد الفوضى الأمنية في دول العبور.

اتهامات بدور لفاغنر

تتحدث بعض التقارير الغربية عن دور محتمل لعناصر مرتبطة بـ فاغنر، أو الهياكل التي خلفتها تحت مسميات جديدة، في تسهيل حركة المهاجرين داخل الساحل وليبيا. وتذهب هذه التقارير إلى أن شاحنات مرتبطة بشبكات روسية أو موالية لروسيا قد تكون شاركت في نقل مهاجرين من نيامي إلى أغاديز، أو في تسهيل وصولهم إلى شبكات التهريب.

وفي ليبيا، تشير تقديرات أمنية إلى أن الوجود الروسي في مناطق استراتيجية قد يسمح بالتأثير في حركة المهاجرين نحو البحر المتوسط، سواء عبر تسهيل بعض التحركات أو استخدام الملف كورقة تفاوضية مع أوروبا.

لكن هذه الاتهامات لا تزال محل جدل، إذ يصعب إثباتها بشكل قاطع. فهي تعتمد غالباً على تقديرات أمنية وتقارير استخباراتية وتحليلات لمسارات النفوذ، أكثر من اعتمادها على أدلة علنية حاسمة.

الرواية الروسية: شيطنة سياسية

في المقابل، يرفض باحثون ومحللون روس هذه الاتهامات، ويرون أنها جزء من حملة غربية أوسع لـ “شيطنة” روسيا وربطها بكل أزمات القارة الأفريقية. ووفق هذه الرواية، فإن تصاعد الهجرة من دول الساحل لا يحتاج إلى تفسير روسي، بل يرتبط أساساً بالأزمات الداخلية في هذه الدول: الفقر، وانعدام الأمن، والجفاف، والإرهاب، وضعف الدولة، وتراجع فرص العمل.

ويرى هذا الاتجاه أن موسكو لديها مصالح في أفريقيا، سواء عبر التعاون العسكري أو الاقتصادي، لكنها لا تستخدم ملف الهجرة عمداً للضغط على أوروبا. كما يعتبر أن تحميل روسيا مسؤولية تصاعد الهجرة يتجاهل جذور الأزمة المرتبطة بعقود من الفشل التنموي والتدخلات الخارجية والصراعات المسلحة.

ومن هذا المنظور، فإن موجة الهجرة الحالية ليست نتيجة قرار روسي، بل نتيجة انهيار منظومات ضبط الحدود بعد الانقلابات، وتراجع التمويل الأوروبي، وتنامي شبكات التهريب التي كانت موجودة أصلاً قبل صعود النفوذ الروسي.

النيجر بين الهجرة واليورانيوم

لا تنفصل الاتهامات المتعلقة بالهجرة عن المصالح الاقتصادية في النيجر. فالبلاد تعد من أبرز منتجي اليورانيوم في العالم، وهو مورد بالغ الأهمية للطاقة النووية، وخاصة بالنسبة إلى أوروبا. ويرى بعض المحللين أن موسكو قد تسعى إلى تعزيز نفوذها في النيجر ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً للاستفادة من ثرواتها الطبيعية.

وفي هذا السياق، قد يشكل ملف الهجرة ورقة ضغط إضافية تساعد روسيا على تحسين موقعها التفاوضي في الساحل. فكلما ازداد اعتماد الأنظمة العسكرية على الدعم الروسي، زادت قدرة موسكو على الوصول إلى الموارد الطبيعية، وعلى التأثير في الملفات التي تهم أوروبا، وفي مقدمتها الهجرة والطاقة والأمن.

سياق أوسع من التنافس الدولي

تأتي هذه التطورات ضمن مشهد أوسع في أفريقيا، حيث نجحت روسيا خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ نفوذها في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو ومدغشقر، مستفيدة من موجة الانقلابات العسكرية، وتراجع الثقة بالغرب، وتصاعد الخطاب المناهض لفرنسا.

وتقدم موسكو نفسها في هذه الدول كبديل عن الشراكة الغربية، عبر خطاب يركز على السيادة وعدم التدخل ومناهضة الاستعمار. لكن منتقديها يرون أن هذا الخطاب يخفي مصالح أمنية واقتصادية عميقة، تشمل السلاح، والمعادن، والطاقة، والتمدد السياسي.

وبذلك، لم تعد منطقة الساحل مجرد فضاء أمني لمكافحة الإرهاب، بل أصبحت ساحة صراع بين أوروبا وروسيا على النفوذ والموارد ومسارات الهجرة.

هل تعيد روسيا فعلاً تشكيل مسارات الهجرة؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية تثبت بشكل قاطع أن روسيا تدير عمليات الهجرة من الساحل نحو أوروبا بصورة مباشرة. لكن ما يبدو أكثر وضوحاً هو أن صعود النفوذ الروسي تزامن مع انهيار ترتيبات أوروبية سابقة لضبط الهجرة، ومع عودة طرق تهريب قديمة إلى النشاط.

لذلك، قد لا تكون موسكو هي من صنعت الأزمة، لكنها قد تكون مستفيدة منها، وربما قادرة على توظيفها سياسياً. فالضغط الناتج عن الهجرة داخل أوروبا يمثل نقطة ضعف معروفة، ويؤثر في الانتخابات، ويغذي الانقسامات الداخلية، ويضع الحكومات الأوروبية أمام خيارات صعبة بين الأمن والحقوق والالتزامات الإنسانية.

خلاصة

تكشف الاتهامات الموجهة إلى روسيا بشأن الهجرة في الساحل الأفريقي عن طبيعة التنافس الجديد بين موسكو والغرب. فالهجرة لم تعد ملفاً إنسانياً أو أمنياً فقط، بل أصبحت جزءاً من أدوات الضغط الجيوسياسي، تماماً كما هي الطاقة والغذاء والمعادن والحروب الإعلامية.

ومع أن الرواية التي تتهم روسيا بإدارة هذا الملف لا تزال بحاجة إلى أدلة أقوى، فإن التحولات على الأرض واضحة: قانون تهريب المهاجرين في النيجر أُلغي، طريق أغاديز عاد إلى النشاط، التعاون الأوروبي–النيجري تراجع، والنفوذ الروسي يتوسع في قلب الساحل.

وبين من يرى في ذلك سلاحاً هجيناً ضد أوروبا، ومن يعتبره مجرد محاولة غربية لاتهام موسكو، تبقى الحقيقة الأهم أن دول الساحل نفسها تدفع الثمن الأكبر. فالهجرة تتصاعد، وشبكات التهريب تستعيد قوتها، والصراع الدولي على النفوذ يجعل أمن المنطقة واستقرارها أكثر هشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى