من التنافس إلى الاحتكاك: تركيا وإسرائيل في بيئة أمنية متغيرة بين سوريا وشرق المتوسط

ملخص تنفيذي
تبحث هذه الدراسة في التحول الذي طرأ على العلاقة التركية–الإسرائيلية في أعقاب عدد من المتغيرات الرئيسية التي حدثت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية؛ مثل حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسقوط نظام بشار الأسد، والحرب الإسرائيلية–الإيرانية، وما رافق هذه التطورات من إعادة تشكيل لموازين القوة والنفوذ في سوريا وشرق المتوسط. وتنطلق الدراسة من أن التوتر بين أنقرة وتل أبيب لم يعد مجرد خلاف سياسي أو دبلوماسي مرتبط بغزة أو بالخطاب المتبادل، بل تحول تدريجيًا ليكون تنافسًا استراتيجيًا بنيويًا متعدد الساحات، يتعلق بشكل النظام الإقليمي المقبل، وحدود النفوذ، وترتيبات الأمن والطاقة والممرات البحرية والبرية.
ولا تنطلق الدراسة من افتراض أن مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل باتت حتمية أو وشيكة؛ فالطرفان لا يظهران، في المرحلة الراهنة، رغبة مؤسسية واضحة في خوض حرب شاملة أو حتى محدودة، حيث توجد بينهما مجموعة من القيود والكوابح الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي ترفع كلفة الصدام. غير أن غياب نية الحرب لا يعني غياب خطرها؛ إذ أصبحت البيئة الإقليمية، ولا سيما الساحة السورية، أكثر قابلية لإنتاج احتكاكات قد تتصاعد بفعل سوء التقدير أو تداخل مناطق النفوذ أو تحركات فاعلين غير دولتيين، حتى من دون قرار مسبق من أنقرة أو تل أبيب بالذهاب إلى المواجهة.
التحول الرئيسي في العلاقة التركية–الإسرائيلية
تتمثل النتيجة الأساسية للدراسة في أن العلاقة التركية–الإسرائيلية انتقلت من خلاف سياسي يمكن احتواؤه إلى تنافس طويل الأمد على إعادة هندسة المجال الإقليمي. فقد بدأت تركيا تحتل مساحة أوسع في النقاشات الأمنية الإسرائيلية، ليس فقط بسبب موقفها من الحرب في غزة أو علاقتها بحركة حماس، وإنما بسبب قدرتها على التأثير في مستقبل سوريا، وامتلاكها جيشًا نظاميًا وصناعة دفاعية متقدمة، وحضورًا مباشرًا في شرق المتوسط والقوقاز والمشرق، فضلًا عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي.
ولا يعني ذلك أن تركيا أصبحت بديلًا مباشرًا عن إيران في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أو أن هناك إجماعًا إسرائيليًا على اعتبارها العدو المركزي المقبل. إلا أن تل أبيب باتت تنظر بقلق متزايد إلى احتمال تشكل بيئة سورية–تركية أكثر تماسكًا، تقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وقدراتها العسكرية والأمنية بدعم تركي. وقد يؤدي هذا المسار، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى تقييد حرية عمل إسرائيل في الأجواء السورية والجبهة الشمالية، بعد سنوات استفادت فيها من ضعف الدولة السورية وتفكك منظومتها العسكرية.
في المقابل، اتسع الإدراك الأمني التركي تجاه إسرائيل. فلم تعد أنقرة تقرأ التحركات الإسرائيلية باعتبارها مرتبطة بغزة أو بمواجهة إيران وحزب الله فقط، بل باتت تراها جزءًا من شبكة أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب المجال الإقليمي من سوريا ولبنان إلى قبرص وشرق المتوسط. وتنظر تركيا بصورة خاصة إلى التوغلات والضربات الإسرائيلية في سوريا باعتبارها عاملًا يعرقل إعادة بناء الدولة السورية ويهدد وحدتها وسيادتها، كما تنظر إلى التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص وبعض القوى الإقليمية في مجالات الطاقة والأمن البحري والبنية التحتية باعتباره محاولة محتملة لتقييد الدور التركي أو تجاوز تركيا في خرائط الاتصال والطاقة الجديدة.
وبذلك، لا يكمن التناقض بين الطرفين في خلافهما على ملفات منفصلة فحسب، وإنما في اختلاف تعريفهما لطبيعة النظام الإقليمي والاستقرار المطلوب. فتركيا تدفع نحو بيئة تقوم على استعادة الدولة السورية لوحدتها ومركزيتها، بما يساعدها على ضبط الحدود، ومنع الكيانات الانفصالية، وتقليص الفوضى والتدخلات الخارجية. أما إسرائيل فتفضّل بيئة سورية مفككة ومنخفضة القدرة العسكرية، لا تسمح بتشكل تهديد جديد قرب الجولان ولا تفرض قيودًا على عملياتها الوقائية في الجبهة الشمالية.
سوريا بوصفها نقطة التماس الأخطر
تخلص الدراسة إلى أن سوريا تمثل الساحة الأكثر قابلية لتحويل التنافس التركي–الإسرائيلي إلى احتكاك ميداني. فمنذ سقوط نظام الأسد، تغيرت قواعد الاشتباك التي حكمت الساحة السورية خلال العقد الماضي. ولم تعد إسرائيل تركز فقط على ضرب التموضع الإيراني أو خطوط إمداد حزب الله، بل اتجهت إلى محاولة التأثير في شكل البيئة الأمنية السورية، ولا سيما في الجنوب، من خلال الضربات الجوية، والتوغلات، والمناطق العازلة، والترتيبات المحلية والأمنية.
وفي الوقت نفسه، تعمل تركيا على تثبيت نفوذها داخل الدولة السورية الجديدة، عبر الدعم السياسي والأمني والعسكري، وتدريب القوات السورية، واحتمالات استخدام بعض القواعد أو تطوير القدرات الدفاعية. وترى أنقرة أن إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية شرط أساسي للاستقرار ومنع عودة الفوضى والجماعات المسلحة، بينما ترى إسرائيل أن بعض أوجه هذا البناء، وخاصة تطوير الدفاعات الجوية أو تثبيت وجود عسكري تركي طويل الأمد، قد يشكل تهديدًا مستقبليًا لحريتها العملياتية.
ومن هنا، قد ينشأ الصدام لا نتيجة قرار سياسي بالحرب، بل بسبب استهداف إسرائيلي لموقع أو منشأة تضم معدات أو مستشارين أتراكًا، أو ضرب رادار أو منظومة دفاع جوي مدعومة من أنقرة، أو اقتراب القوات المدعومة تركيًا من مناطق تعتبرها إسرائيل حساسة. كما يمكن لحادث جوي أو إسقاط طائرة مسيرة أو خطأ استخباراتي أن يفرض على أحد الطرفين الرد، ثم يدفع الآخر إلى رد مضاد ضمن بيئة ردع لم تتبلور قواعدها بعد.
وتظهر المفاوضات السورية–الإسرائيلية الأخيرة أن إسرائيل تسعى إلى الانتقال من مجرد إدارة التهديدات إلى إدارة المجال الأمني في الجنوب السوري، من خلال آليات اتصال وترتيبات لخفض التصعيد وضبط الحدود. ولا يبدو هذا المسار تطبيعًا سياسيًا شاملًا بقدر ما يمثل «أمننة للتطبيع»، أي جعل الترتيبات الأمنية المدخل الأساسي لأي تفاهم بين دمشق وتل أبيب. وتحاول دمشق استخدام هذه القنوات لتقليل الضربات واستعادة جزء من السيادة، بينما تراقب تركيا المسار بحذر، خشية أن يؤدي إلى تكريس جنوب سوري محدود السيادة أو إلى ترتيبات تؤثر في بنية الدولة السورية ودور أنقرة داخلها.
شرق المتوسط والطاقة والممرات
لا ينفصل التنافس في سوريا عن شرق المتوسط، الذي تحول من ساحة خلاف حول الغاز والحدود البحرية إلى مجال لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي عبر الموانئ والكابلات الكهربائية والاتصالات وخطوط الطاقة والممرات التجارية والتحالفات الأمنية. وترى الدراسة أن إسرائيل تحاول الاستفادة من تعاونها مع اليونان وقبرص وبعض القوى الخليجية والأوروبية لتأسيس شبكة ربط تمتد من الخليج والمشرق إلى أوروبا، بما يعزز موقعها الاقتصادي والأمني.
أما تركيا فترى أن استبعادها من هذه الشبكات لا يمثل خسارة اقتصادية فقط، بل تهديدًا لدورها كدولة عبور ومركز جغرافي يربط آسيا وأوروبا. ومن هنا تكتسب عقيدة «الوطن الأزرق»، والاتفاقات البحرية التركية، والحضور في قبرص وليبيا وشرق المتوسط، أهمية تتجاوز الدفاع عن الحقوق البحرية إلى حماية موقع تركيا داخل النظام الإقليمي المقبل.
وتبرز قبرص بوصفها عقدة مركزية في التصور الأمني التركي؛ فهي لا تُقرأ باعتبارها نزاعًا منفصلًا مع اليونان أو الإدارة القبرصية اليونانية، بل بوصفها امتدادًا مباشرًا لأمن الأناضول وركيزة في المجال البحري التركي. ولذلك، قد يؤدي تعميق التعاون العسكري والأمني الإسرائيلي مع اليونان وقبرص إلى توسيع جغرافيا التنافس التركي–الإسرائيلي، بحيث لا يبقى محصورًا في سوريا، بل يمتد إلى لبنان وقبرص وشرق المتوسط.
الحرب الإسرائيلية–الإيرانية و«الاستنزاف المُدار»
تؤكد الدراسة أن الحرب الإسرائيلية–الإيرانية لم تُنتج معادلة بسيطة تقوم على تراجع إيران وظهور فراغ تتنافس تركيا وإسرائيل على ملئه. فإيران بقيت فاعلًا مؤثرًا، بينما لم تتمكن إسرائيل من تحويل تفوقها العملياتي إلى نظام إقليمي مستقر خاضع لإرادتها بصورة كاملة. وبدلًا من الحسم، عمقت الحرب السيولة الاستراتيجية، ودفعت القوى الإقليمية إلى مراجعة تصوراتها للردع والدفاع الجوي وحماية البنية التحتية واستخدام الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الإطار، تقترح الدراسة مفهوم «الاستنزاف المُدار» لتفسير النمط الحالي من الصراع الإسرائيلي – الإيراني؛ الذي لا يستهدف إقصاء الخصم أو إسقاطه بصورة نهائية، وإنما إضعافه وإبقاؤه تحت الضغط ضمن مستوى يمنعه من تغيير النظام الإقليمي، من دون السماح بانهياره الكامل، وما قد يترتب على ذلك من فراغ وفوضى. ووفق هذا المنظور، لا يكون غياب الحسم دليلًا بالضرورة على فشل الحرب، بل قد يعكس تحول وظيفتها من تحقيق النصر النهائي إلى إدارة موازين القوة.
وتحذر الدراسة من بقاء «اللحظة المفصلية المؤجلة» كامنة داخل هذا النمط؛ أي اللحظة التي تفقد فيها الأطراف القدرة على إبقاء الاستنزاف تحت السيطرة، نتيجة انهيار أحد الفاعلين، أو تغير نوعي في ميزان القوة، أو تجاوز سقف غير معلن للتصعيد. وعندئذ قد تنتقل المنطقة من استنزاف مضبوط إلى إعادة تشكيل واسعة وغير منضبطة للنظام الإقليمي.
الفاعلون غير الدولتيين وخطر التصعيد غير المقصود
من أبرز نتائج الدراسة أن خطر المواجهة لا يرتبط فقط بقرارات تركيا وإسرائيل كدول ومؤسسات، بل أيضًا بقدرة الفاعلين غير الدولتيين داخل سوريا على إنتاج أزمات تتجاوز حجمها المحلي. وتشمل هذه الأطراف خلايا تنظيم الدولة والتنظيمات الجهادية خارج السيطرة الكاملة للدولة، وحزب الله، وقوات سوريا الديمقراطية، والمجموعات الدرزية والعشائرية، والشبكات المسلحة والمهربين.
فأي هجوم من أي من الفصائل قرب موقع حساس قد يمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها داخل سوريا، وأي تصعيد في السويداء قد يستدعي تدخلًا إسرائيليًا تحت عنوان حماية الدروز، بينما قد يدفع تعثر دمج «قسد» أو الاشتباه بوجود دعم إسرائيلي لها تركيا إلى توسيع تدخلها العسكري. كما يمكن لاتساع الحرب بين إسرائيل وحزب الله أن يحول الأراضي السورية إلى امتداد للجبهة اللبنانية.
وتكمن الخطورة في أن حادثًا محليًا قد يُقرأ من خلال تصورات أمنية إقليمية متعارضة؛ فتراه إسرائيل دليلًا على عجز دمشق أو تهديدًا لحدودها، بينما تعتبره تركيا مبررًا لتعزيز قبضة الدولة السورية أو حماية أمنها القومي. وعندها يمكن أن تتحول شرارة محدودة إلى أزمة تركية–إسرائيلية من دون أن يكون أي من الطرفين قد خطط لها مسبقًا.
كوابح الصدام وحدودها
على الرغم من اتساع التنافس، توجد مجموعة من العوامل التي تجعل الحرب المباشرة أقل ترجيحًا في المدى القريب. ومن أهمها الكلفة العسكرية والاقتصادية العالية لأي مواجهة، وعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، وعلاقات الطرفين بالولايات المتحدة، واستمرار بعض أشكال الاعتماد المتبادل في الطاقة والتجارة، إضافة إلى الدور الأذربيجاني وقنوات منع الاحتكاك في سوريا.
وتؤدي أذربيجان دورًا مهمًا بوصفها حليفًا استراتيجيًا لتركيا وشريكًا طاقيًا وأمنيًا لإسرائيل، كما توفر قناة مناسبة للاتصالات التقنية المتعلقة بمنع الحوادث غير المقصودة. ويؤكد إنشاء آليات لمنع الاحتكاك أن الطرفين يدركان واقعية خطر التصادم. لكن وجود هذه الآليات لا يلغي الخلاف البنيوي، بل يساعد فقط على ضبطه مؤقتًا.
أما الولايات المتحدة فتؤدي دور «مدير التوازنات» أكثر من دور الوسيط المحايد. فهي منحازة بنيويًا إلى أمن إسرائيل، لكنها لا تستطيع خسارة تركيا أو دفعها خارج المنظومة الغربية لما لذلك من انعكاسات على الناتو والبحر الأسود وسوريا وشرق المتوسط. ولذلك تسعى واشنطن إلى إبقاء التنافس تحت سقف الاحتواء، من دون امتلاكها القدرة على إزالة التناقضات التي تغذيه.
السيناريوهات والتقدير العام
ترجّح الدراسة، على المدى القصير، استمرار سيناريو «الاحتواء المتوتر» أو «الخصومة المنضبطة»، حيث يتواصل التصعيد السياسي والإعلامي، وتستمر العمليات الإسرائيلية في سوريا، ويتعمق النفوذ التركي داخل الدولة السورية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لمنع الصدام المباشر.
أما الخطر الأكثر واقعية في المدى القصير والمتوسط، فهو اندلاع حرب أو موجة تصعيد داخل سوريا دون أن تكون في بدايتها حربًا تركية–إسرائيلية. فقد يؤدي انفجار ملفات الدروز أو «قسد» أو الجماعات الجهادية أو حزب الله إلى تدخل الطرفين بوسائل مختلفة، وتحويل سوريا إلى ساحة اختبار بين مشروع تركي يدعم الدولة المركزية ومشروع إسرائيلي يفضّل ترتيبات أمنية محلية وسوريا منخفضة القدرة العسكرية.
ويأتي بعد ذلك سيناريو الاحتكاك المحدود، من خلال استهداف موقع سوري مرتبط بتركيا أو حادث جوي أو ضربة لمعدات أو مستشارين أتراك، مع ترجيح احتواء الحادث عبر وساطة أمريكية أو أذربيجانية.
وعلى المدى المتوسط والطويل، قد يتجه التنافس إلى صراع غير مباشر على إعادة هندسة الدولة السورية، أو يمتد إلى لبنان وقبرص وشرق المتوسط.
أما سيناريو الحرب الإقليمية الواسعة فيظل الأقل ترجيحًا في المدى القريب، لكنه الأعلى خطورة. ويرتفع احتماله إذا تزامن انهيار آليات منع الاحتكاك مع ضربة تمس مصالح تركية مباشرة، وتصعيد في لبنان أو إيران أو غيرهما لتتحول الحرب الجارية إلى حرب إقليمية شاملة، وأزمة حول الدروز أو «قسد»، واحتكاك بحري أو طاقي في شرق المتوسط.
مقدمة
شهدت منطقة “الشرق الأوسط”، كما يطلق عليها اصطلاحًا، منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولات أمنية وسياسية متسارعة أعادت تشكيل توازنات الإقليم بصورة عميقة. وقد عملت هذه الحروب بوصفها نقاط ارتكاز أعادت إنتاج أنماط جديدة من التفاعل الإقليمي؛ فتصاعدت التوترات العسكرية، وأُعيد تعريف التهديدات الأمنية، كما شهدت المنطقة عودة واضحة لمنطق الاصطفافات الجيوسياسية في عدد من الساحات، ومنها الساحات التركية والسورية والإسرائيلية. وتزامن ذلك مع سقوط نظام بشار الأسد، وتصاعد المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، بما زاد من هشاشة البيئة الإقليمية ورفع احتمالات الاحتكاك بين القوى الفاعلة في المنطقة.
وفي هذا السياق، برزت العلاقة التركية–الإسرائيلية بوصفها إحدى أكثر العلاقات الإقليمية عرضة للتحول من التنافس السياسي التقليدي إلى نمط أكثر تعقيدًا يرتبط بإعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن التوتر بين تركيا وإسرائيل ليس جديدًا، إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة بعد حرب غزة، ثم بعد حرب الإثنا عشر يومًا على إيران، دفعت العلاقة إلى مستوى أكثر حساسية، يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية نحو تباين أعمق في التصورات الاستراتيجية للإقليم. فإسرائيل، التي أعادت بعد السابع من أكتوبر تعريف أولوياتها الأمنية بصورة أكثر هجومية، باتت تنظر بقلق متزايد إلى تنامي النفوذ التركي في سوريا وشرق المتوسط، وإلى اتساع الحضور العسكري والسياسي لأنقرة في ملفات إقليمية متعددة.
ولا يرتبط هذا التحول فقط بخطاب سياسي متبادل أو بتصريحات وتراشقات كلامية متصاعدة من الجانبين، بل يتصل أيضًا بتحولات أعمق في الإدراك الأمني والاستراتيجي. فالساحة السورية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية ودولية متنافسة، أصبحت اليوم إحدى أكثر المساحات حساسية في العلاقة التركية–الإسرائيلية؛ إذ تتزايد احتمالات الاحتكاك غير المباشر بين الطرفين نتيجة تقارب مناطق النفوذ، وتداخل الحسابات الأمنية، واختلاف الرؤى المتعلقة بمستقبل سوريا، وطبيعة الترتيبات الأمنية الإقليمية المحتملة بعد الحرب.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات الأوسع في شرق المتوسط، حيث تتشابك اعتبارات الطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات الأمنية، ومشاريع الغاز، ضمن بيئة إقليمية تشهد إعادة اصطفاف تدريجية؛ فالعلاقات المتنامية بين إسرائيل وكل من اليونان وقبرص وبعض القوى العربية، إلى جانب محاولات تركيا إعادة تثبيت موقعها كلاعب مركزي في معادلة الإقليم، تُنتج ديناميكيات تنافس تتجاوز البعد الثنائي التقليدي بين الدولتين.
لذلك ترى تركيا أن التحركات الإسرائيلية المتصاعدة في سوريا، إلى جانب توسع شبكة العلاقات الأمنية والطاقة التي تبنيها إسرائيل في شرق المتوسط، تمثل جزءًا من عملية إعادة تشكيل إقليمي قد تؤثر بصورة مباشرة على المصالح التركية؛ فأنقرة تعتبر نفسها أحد الفاعلين المركزيين في معادلة شرق المتوسط، سواء بحكم موقعها الجغرافي أو ارتباطها بملفات الطاقة والممرات البحرية والبرية، وترى أن بعض الترتيبات الإقليمية الجارية تتم بصورة تتجاوز المصالح التركية أو تسعى إلى تقييد مجالها الحيوي.
وفي قلب هذه التحولات، استعادت سوريا موقعها بوصفها الساحة الأكثر قابلية لتقاطع المصالح والتنافس بين الطرفين. فإسرائيل تنظر إلى سوريا باعتبارها مجالًا حيويًا لمنع تشكل أي بنية عسكرية أو استراتيجية قد تهدد حدودها الشمالية، بينما ترى تركيا في شمال سوريا امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، خاصة فيما يتعلق بملف الجماعات الكردية المسلحة. كما تنظر أنقرة إلى التحركات الإسرائيلية في سوريا، وفق قراءتها الأمنية، بوصفها مؤشرات على نزعة لتوسيع هامش النفوذ الإسرائيلي وإعادة هندسة المجال السوري بما قد يمس الأمن القومي التركي.
من خلال هذه الدراسة، نسعى إلى تحليل احتمالات تَشَكُّل مسار تصادمي متصاعد تدريجيًا بين أنقرة وتل أبيب، في ضوء ما تشهده المنطقة من تحولات، مع التركيز على الساحة السورية بوصفها نقطة التماس الأكثر قابلية لإنتاج احتكاك بين الطرفين. كما سنفكك التداخل بين ملفات الأمن والطاقة والنفوذ الجيوسياسي، ونستشرف ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو نمط جديد من الاصطفافات الإقليمية القابلة للتطور مستقبلاً إلى مستويات أعلى من التنسيق أو الصراع.
لا تنطلق هذه الدراسة من افتراض حتمي بوجود مواجهة تركية–إسرائيلية مباشرة، كما لا تتعامل مع التنافس بين الطرفين بوصفه فقط انعكاسًا آليًا لتراجع طرف ثالث، مثل إيران، أو لفراغ إقليمي بسيط؛ فالتحولات الأخيرة أظهرت أن البيئة الإقليمية أكثر تركيبًا؛ إذ تتداخل فيها نتائج الحرب على إيران، ومسارات إعادة تشكيل سوريا، وموقع شرق المتوسط في معادلات الطاقة والممرات، وصعود الفاعلين غير الدولتيين، مع تحولات أعمق في الإدراك الأمني لدى أنقرة وتل أبيب. لذلك، تقرأ الدراسة هذا التنافس بوصفه عملية بنيوية متعددة الساحات، لا أزمة ثنائية عابرة، مع التمييز بين التصعيد الخطابي، والاحتكاك الميداني المحدود، والاستنزاف المُدار، والسيناريوهات الأبعد مدى التي قد تُنتجها بيئة ردع غير مستقرة.
أولاً: التحولات الإقليمية وإعادة إنتاج البيئة الأمنية في الشرق الأوسط
دخل الشرق الأوسط، منذ حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاها من تصعيد إقليمي، مرحلة جديدة من السيولة الاستراتيجية، تراجعت فيها قدرة التوازنات القديمة على ضبط الأزمات، وبدأت الساحات الهشة، وفي مقدمتها سوريا، تتحول إلى نقاط اختبار لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية. ولم تعد أزمات المنطقة تتحرك كملفات منفصلة؛ فالتصعيد في غزة يتداخل مع الجبهة اللبنانية، والضربات الإسرائيلية في لبنان وفي سوريا تتصل بالمواجهة الأوسع مع إيران، فيما يرتبط شرق المتوسط بمعادلات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الأمنية. ومن ثم، باتت المنطقة أقرب إلى “بيئة أمنية واحدة” تنتقل فيها آثار التصعيد من ساحة إلى أخرى، وتعيد القوى الإقليمية قراءة مصالحها وفق الصورة الكلية، لا وفق كل ملف منفرد. ()
ضمن هذه البيئة، برز التنافس التركي–الإسرائيلي بوصفه أحد التعبيرات الأوضح عن التحول من إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ؛ فالعلاقة بين أنقرة وتل أبيب لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الخلاف السياسي حول غزة، أو الخطاب الهجومي المتبادل، بل من زاوية أوسع تتعلق بموقع كل طرف في النظام الإقليمي الآخذ في التشكل. فإسرائيل، التي أعادت بعد السابع من أكتوبر تعريف أولوياتها الأمنية بصورة أكثر هجومية، باتت تنظر بقلق متزايد إلى الحضور التركي في سوريا وشرق المتوسط، وإلى قدرة أنقرة على التأثير في ترتيبات ما بعد الأسد، وكذلك على نسج علاقات قوية في المنطقة بشكل عام. وفي المقابل، ترى تركيا أن التحركات الإسرائيلية في سوريا، وتوسع شبكة علاقاتها الأمنية والطاقية في شرق المتوسط، لا ينفصلان عن محاولة أوسع لإعادة هندسة المجال الإقليمي بطريقة قد تحدّ من الدور التركي وتقيّد مجالها الحيوي. ()
التحول في الإدراك الأمني الإسرائيلي تجاه تركيا
يمثل التحول في الإدراك الأمني الإسرائيلي تجاه تركيا أحد أهم مؤشرات هذه المرحلة. فتركيا لم تعد تظهر في النقاشات الأمنية الإسرائيلية بوصفها طرفًا سياسيًا مختلفًا مع تل أبيب فحسب، بل بوصفها قوة إقليمية قادرة على التأثير في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، ولا سيما في سوريا وشرق المتوسط، بعد أن ظلّت إيران طوال العقدين الماضيين مركز التهديد الإقليمي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، سواء عبر برنامجها النووي أو عبر شبكاتها المسلحة في لبنان وسوريا والعراق.
غير أن التحولات التي طرأت على أنماط الحضور الإيراني التقليدي داخل سوريا، بالتوازي مع سقوط نظام الأسد وتراجع الدور الروسي السابق، أعادت فتح مساحات للحركة والنفوذ لم تعد محكومة بالمعادلات التي سادت خلال العقد الماضي. ولا يعني ذلك نشوء «فراغ استراتيجي» إقليمي بالمعنى الحرفي، أو خروج إيران من معادلة القوة، بقدر ما يشير إلى تغير في بنية النفوذ داخل الساحة السورية نفسها. وفي هذا السياق، بدأت تركيا تظهر تدريجيًا داخل بعض القراءات الأمنية الإسرائيلية باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على التأثير في إعادة تشكيل البيئة السورية الجديدة، لا عبر شبكات غير دولتية على النموذج الإيراني، بل من خلال أدوات دولة مركزية تمتلك جيشًا نظاميًا، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وصناعة دفاعية متقدمة، ونفوذًا مباشرًا في المؤسسات والترتيبات السورية الناشئة.
ولا يتعارض تراجع بعض أنماط الحضور الإيراني التقليدي داخل الساحة السورية مع استمرار إيران فاعلًا مؤثرًا في التوازن الإقليمي الأوسع؛ فالأول يتعلق بتحول أدوات النفوذ ومواقعها في ساحة محددة، بينما يتعلق الثاني بمحصلة القوة والمساومة والموقع داخل النظام الإقليمي ككل.
وتنبع حساسية هذا التحول من أن القلق الإسرائيلي من تركيا لا يرتبط فقط بخطاب أنقرة تجاه غزة أو علاقتها بحركة حماس، بل باحتمال إعادة تشكيل البيئة السورية نفسها. فإعادة بناء دولة سورية أكثر مركزية واستقرارًا بدعم تركي قد تحدّ مستقبلًا من حرية الحركة الإسرائيلية في الجبهة الشمالية، وتفرض قيودًا جديدة قرب الجولان والجنوب السوري. ولهذا، بدأت بعض التحليلات الإسرائيلية والغربية تتعامل مع تركيا بوصفها منافسًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا مجرد خصم سياسي ظرفي؛ فالمسألة، من المنظور الإسرائيلي، لا تتعلق بالحضور التركي الحالي فقط، بل بإمكانية تشكل مجال سوري–تركي أكثر تماسكًا، قادر على إنتاج توازنات أمنية مختلفة عن تلك التي استفادت منها إسرائيل خلال سنوات التفكك السوري.
التحول في الإدراك الأمني التركي تجاه إسرائيل
في المقابل، ترى أنقرة أن التحركات الإسرائيلية في سوريا لا تستهدف فقط منع التهديدات الإيرانية أو ضبط الجنوب السوري، بل قد تتحول إلى محاولة لإبقاء سوريا ضعيفة ومحدودة السيادة العسكرية، بما يمنع تشكل بيئة إقليمية أكثر توازنًا. فتركيا تنظر إلى سوريا بوصفها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وإلى شرق المتوسط باعتباره مجالًا حيويًا يرتبط بالطاقة والممرات البحرية ومكانتها كدولة عبور. لذلك، فإن أي ترتيبات إسرائيلية في الجنوب السوري، أو أي اصطفافات بحرية–طاقية تستثني أنقرة، تُقرأ تركيًا باعتبارها محاولة لتقييد المجال الجيوسياسي التركي، لا مجرد تحركات أمنية موضعية.
ويتضح اتساع الإدراك الأمني التركي تجاه إسرائيل في الخطاب الإعلامي والسياسي القريب من دوائر الحكم، حيث لم تعد إسرائيل تُقرأ فقط بوصفها فاعلًا عسكريًا في غزة أو سوريا، بل بوصفها قوة تسعى إلى إعادة ترتيب المجال الإقليمي المحيط بتركيا عبر شبكات أمنية وطاقية وبحرية متعددة. وقد ظهر ذلك بوضوح في خطاب “الخطوط الحمراء الأربعة”، الذي قدّم دمشق، وبيروت، وقبرص، وشرق المتوسط بوصفها ساحات شديدة الحساسية في التصور التركي للأمن القومي. فدمشق تُقرأ بوصفها مركز الدولة السورية الجديدة، وبيروت بوصفها مدخلًا إلى شرق المتوسط والمياه الإقليمية اللبنانية، وقبرص بوصفها امتدادًا مباشرًا لأمن الأناضول، وشرق المتوسط بوصفه مجالًا بحريًا حيويًا للطاقة والممرات والحقوق السيادية التركية. ووفق هذا الخطاب فإن الخطوط الحمراء التي رُسمت هي: “دمشق، وقبرص، وشرق المتوسط، وبيروت”، مع رسالة مفادها أن أي خطوة تمس المصالح التركية في هذه المناطق ستقابل برد مماثل.
تكمن أهمية هذا التصور في أنه يحوّل العلاقة التركية–الإسرائيلية من خلاف سياسي ثنائي إلى تنافس على المجال الجيوسياسي. فإسرائيل، في هذا الخطاب، لا تُقرأ فقط من خلال عملياتها العسكرية، بل من خلال قدرتها على ربط الموانئ والغاز والكابلات والممرات التجارية بشبكة نفوذ تمتد من الخليج إلى المتوسط. وفي المقابل، ترى تركيا أن تجاهلها في هذه الشبكات أو تطويقها عبر اليونان وقبرص وإسرائيل يهدد موقعها كدولة عبور ومركز ربط إقليمي. لذلك، يصبح الصراع حول سوريا ولبنان وقبرص وشرق المتوسط جزءًا من معادلة واحدة، لا ملفات منفصلة. ويزداد حضور قبرص داخل هذا التصور لأنها تُقدَّم في الخطاب التركي لا كقضية سياسية فقط، بل كـ“خط أحمر فوق كل الخطوط الحمراء”، وامتداد لأمن الأناضول وعقيدة “الوطن الأزرق”.
وقد عبّر المسؤولون الأتراك عن رفضهم للمواجهة المباشرة مع إسرائيل في سوريا، لكنهم في الوقت نفسه اعتبروا الضربات الإسرائيلية عاملًا مزعزعًا للاستقرار ومقوضًا لقدرة دمشق الجديدة على تثبيت سلطتها. ()
ومن هنا يتضح جوهر التناقض بين الطرفين: تريد تركيا سوريا أكثر استقرارًا ومركزية، قادرة على ضبط حدودها ومنع تمدد الفوضى إلى عمقها الأمني؛ بينما تفضّل إسرائيل سوريا منخفضة القدرة العسكرية، لا تتحول إلى منصة تهديد جديدة ولا تفرض قيودًا على عملياتها في الجنوب والجبهة الشمالية. هذا التباين لا يعني أن صدامًا مباشرًا بات حتميًا، لكنه يحوّل سوريا وشرق المتوسط إلى مجالين مترابطين للتنافس على النفوذ والأمن والطاقة. وعليه، فإن التحول الأهم في المرحلة الراهنة، والذي ينبغي مراقبته، لا يكمن في احتمال اندلاع حرب تركية–إسرائيلية وشيكة، بل في انتقال العلاقة تدريجيًا من خلاف سياسي قابل للاحتواء إلى تنافس بنيوي طويل الأمد، قد ينتج احتكاكات محدودة إذا غابت قواعد اشتباك واضحة بين الطرفين. () ()
ثانيا: الاصطفاف الإقليمي الجديد في شرق المتوسط وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية
الاصطفاف الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
تنظر تركيا بقلق متزايد إلى تنامي التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص وبعض القوى الخليجية، لأنه لا يبدو في القراءة التركية مجرد تعاون ثنائي أو ثلاثي محدود في مجالات الطاقة، بل جزءًا من بنية إقليمية أوسع قد تؤدي إلى تقييد المجال الحيوي التركي في شرق المتوسط. فمنذ اكتشافات الغاز، اتجهت إسرائيل واليونان وقبرص إلى بناء إطار تعاون طاقي وأمني متدرج، اعتبرته بعض الدراسات شكلًا من “الموازنة الناعمة” أو “التحالف شبه المرن” في مواجهة الحضور التركي المتصاعد في شرق المتوسط. وقد تعزز هذا الانطباع مع انتقال التعاون من مشاريع الغاز إلى مجالات الربط الكهربائي والأمن البحري والتنسيق العسكري، كما ظهر في مشروع الكابل الكهربائي البحري الواصل بين اليونان وقبرص وإسرائيل، والذي عارضته أنقرة باعتباره يتجاهل حقوق القبارصة الأتراك ومناطق السيادة التي ترى تركيا أنها معنية بها.()
وتزداد حساسية هذا المسار بالنسبة لتركيا في ضوء تزايد حضور بعض القوى الخليجية، ولا سيما دولة الإمارات، في شبكات التعاون الاقتصادي والبنيوي المرتبطة بشرق المتوسط. فقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص وبعض القوى الخليجية لم تعد محصورة في التعاون الاقتصادي، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى شبكات تنسيق مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والأمن البحري والممرات التجارية. () ومن هذا المنظور، ترى أنقرة أن ما يجري لا يقتصر على بناء شراكات فنية أو مشاريع اقتصادية، بل يمثل نواة اصطفاف إقليمي مرن قد يؤدي مستقبلاً إلى إعادة إنتاج توازنات جيوسياسية تستبعد تركيا أو تقلص من مركزيتها الإقليمية.
الطاقة والبنية التحتية وإعادة تشكيل النفوذ
لا يرتبط التنافس في شرق المتوسط بالغاز الطبيعي فقط، بل بتحول الطاقة إلى أداة لإعادة بناء النفوذ الإقليمي وربط الممرات التجارية والبحرية ضمن فضاء جيوسياسي جديد. فإسرائيل، التي تحولت خلال العقد الأخير إلى منتج مهم للغاز، لم تتعامل مع اكتشافات الطاقة باعتبارها موردًا اقتصاديًا فحسب، بل كأداة لإعادة تموضعها الإقليمي، من خلال بناء شبكات ربط مع أوروبا عبر قبرص واليونان، وربط مشاريع الطاقة بالموانئ والبنية التحتية والكهرباء والنقل البحري (). ولهذا، فإن مشاريع مثل خط أنابيب EastMed (رغم الصعوبات الفنية المحيطة به) والكابل الكهربائي البحري، لا تمثل مجرد خطوط لنقل الطاقة، بل تعكس محاولة لإعادة رسم خرائط الاتصال الإقليمي وربط إسرائيل مباشرة بالفضاء الأوروبي والخليجي ضمن شبكة استراتيجية تتجاوز تركيا جغرافيًا، وهو ما يفسر حساسية أنقرة تجاه هذه المشاريع، ليس فقط من زاوية الطاقة، بل من زاوية موقعها كدولة عبور ومركز ربط إقليمي.
وفي المقابل، تنظر تركيا إلى هذه المشاريع باعتبارها جزءًا من محاولة لتطويقها جيوسياسيًا، وتقليص دورها التقليدي كجسر طبيعي للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. ولهذا، لا تنفصل التحركات التركية في شرق المتوسط عن عقيدتها البحرية المعروفة بـ“الوطن الأزرق”، ولا عن الاتفاقية البحرية مع ليبيا، أو عن توسيع حضورها العسكري والسياسي في المتوسط. فأنقرة ترى أن السيطرة على الممرات البحرية وشبكات الطاقة والبنية التحتية أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي، وليس مجرد ملف اقتصادي منفصل.()
ولا يمكن فصل إدراك تركيا لشرق المتوسط عن موقع قبرص في عقيدتها الأمنية والبحرية. فقبرص لا تُقدَّم في الخطاب التركي بوصفها نزاعًا سياسيًا منفصلًا مع اليونان أو الإدارة القبرصية اليونانية فحسب، بل باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمن الأناضول وركيزة أساسية في “الوطن الأزرق”. ولهذا يُنظر إلى أي تعاون أمني أو عسكري بين إسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية بوصفه جزءًا من عملية أوسع قد تؤدي إلى تغيير ميزان القوى في شرق المتوسط على حساب تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية. ويظهر في خطاب قناة GZT أن قبرص تُعد “الخط الأحمر فوق كل الخطوط الحمراء”، لارتباطها بالطاقة، ومناطق الصلاحية البحرية، والوجود العسكري التركي، والتوازنات المرتبطة باليونان وإسرائيل.
كما أن التنافس في شرق المتوسط لا يتعلق بالغاز وحده، بل بالممرات والموانئ وشبكات الربط. فالتصور التركي الذي يعرضه الخطاب الإعلامي الأخير يربط بين حقل ليفياثان، والمياه اللبنانية، وميناء طرابلس، وحيفا، وغزة، وبورسعيد، والعقبة، ضمن تصور يرى أن إسرائيل تحاول إعادة ربط الشرايين التجارية والطاقية بمصالحها. وهذا يتقاطع مع قراءات أخرى ترى أن اصطفاف إسرائيل مع قبرص واليونان، بدعم أمريكي، يهدف إلى ترسيخ نفوذ إسرائيل في شرق المتوسط وكسر عزلتها الإقليمية عبر بنية طاقية وأمنية تستثني تركيا أو تحد من مركزيتها.
بناءً على ذلك، يصبح شرق المتوسط بالنسبة إلى أنقرة ساحة لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي لا مجرد منطقة تنازع بحري. فالموانئ، والكابلات، وخطوط الغاز، والطرق التجارية، ومناطق الصلاحية البحرية، كلها تتحول إلى أدوات نفوذ. ومن ثم، فإن التنافس التركي–الإسرائيلي في هذه الساحة لا يُفهم فقط من زاوية الخلاف حول الغاز، بل من زاوية أوسع تتعلق بمن يملك القدرة على رسم خرائط الاتصال بين الخليج وأوروبا، وبين المشرق والبحر المتوسط.
عسكرة شرق المتوسط وأمن الممرات البحرية
بدأ الاصطفاف في شرق المتوسط يكتسب تدريجيًا بعدًا عسكريًا–أمنيًا يتجاوز المجال الاقتصادي. فالمناورات البحرية المشتركة، وصفقات التسليح، والتنسيق الدفاعي، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي، كلها مؤشرات على أن المنطقة تتحول إلى بيئة أكثر عسكرة واستقطابًا. وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا في التدريبات العسكرية المشتركة بين إسرائيل واليونان وقبرص، خاصة تلك المرتبطة بحماية المنشآت البحرية وخطوط الطاقة والكابلات البحرية والبنية التحتية الحيوية.()
ومن وجهة النظر التركية، فإن خطورة هذه التحولات لا تكمن فقط في وجود تعاون عسكري بحد ذاته، بل في ارتباطه بإعادة تشكيل “الهندسة الأمنية” لشرق المتوسط بطريقة قد تُنتج توازنات لا تراعي المصالح التركية. ولهذا، تنظر أنقرة بحساسية متزايدة إلى صفقات التسليح والتعاون الدفاعي الإسرائيلي–القبرصي، وإلى أي وجود عسكري قد يساهم في تثبيت بنية أمنية إقليمية مضادة لها. كما تدرك تركيا أن التغلغل الإسرائيلي في ملفات الطاقة والموانئ والبنية التحتية يمنح تل أبيب قدرة أكبر على بناء شبكة شراكات استراتيجية مع قوى أوروبية وخليجية، بما يعزز هامش الحركة الإسرائيلي في مواجهة النفوذ التركي.()
شرق المتوسط كساحة لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي
لم يعد شرق المتوسط مجرد ساحة للتنافس البحري أو الطاقي، بل تحول إلى مساحة لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فالتنافس الجاري اليوم لا يدور فقط حول من يمتلك الغاز أو الموانئ، بل حول من يملك القدرة على التحكم بالممرات البحرية وشبكات الربط والكابلات الكهربائية والبنية التحتية التي ستحدد شكل الاقتصاد الإقليمي مستقبلاً. ولهذا، بدأت بعض التحليلات تتحدث عن انتقال المنطقة إلى “عصر الاتصال الجيوسياسي” (Age of Geopolitical Connectivity)، حيث تصبح السيطرة على شبكات الربط والطاقة والممرات اللوجستية عنصرًا مركزيًا في إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي.()
وفي هذا السياق، لم تعد إسرائيل تتحرك فقط كدولة تسعى إلى تأمين صادرات الغاز، بل كفاعل إقليمي يحاول بناء شبكة اتصال تمتد من الخليج إلى أوروبا عبر المتوسط، مستفيدة من التطبيع مع عدد من الدول العربية، ومن الدعم الأمريكي والأوروبي لمشاريع الربط الإقليمي. وفي المقابل، ترى تركيا أن استبعادها من هذه الشبكات لا يمثل خسارة اقتصادية فقط، بل محاولة لإعادة إنتاج المجال الإقليمي بصورة تقلص من دورها الاستراتيجي في المشرق وشرق المتوسط.
سوريا كامتداد بري للتنافس البحري–الطاقي
لا يمكن فصل الاصطفاف في شرق المتوسط عن التحولات الجارية في سوريا، لأن الساحة السورية تحولت تدريجيًا إلى امتداد بري للتنافس البحري–الطاقي. فكلما تعمقت شبكات التعاون الإسرائيلية–اليونانية–القبرصية، ازداد إدراك تركيا أن إعادة تشكيل سوريا قد تتم ضمن بيئة إقليمية أوسع تسعى إلى احتواء النفوذ التركي أو الحد من قدرته على التأثير في المشرق والمتوسط معًا. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى تنامي الحضور التركي في سوريا باعتباره جزءًا من مشروع جيوسياسي متصل يمتد من شمال سوريا إلى شرق المتوسط، ويمنح أنقرة قدرة أكبر على التأثير في الممرات البرية والبحرية وشبكات الطاقة الإقليمية.()
ولهذا، لم تعد سوريا مجرد ساحة نزاع داخلي أو إقليمي منفصلة عن المتوسط، بل أصبحت جزءًا من معادلة استراتيجية واحدة تتداخل فيها الجغرافيا بالطاقة والأمن والتحالفات البحرية. فالتنافس على النفوذ داخل سوريا لم يعد منفصلًا عن الصراع على خطوط الربط والممرات والطاقة في شرق المتوسط، بل بات امتدادًا مباشرًا له.
من التنافس المرن إلى الاصطفاف الوظيفي المركب
تشهد بذلك المنطقة تدريجيًا انتقالًا من مرحلة “التنافس الجيوسياسي المرن” إلى مرحلة “الاصطفاف الوظيفي المركب”، حيث لم تعد التحالفات تُبنى فقط على أساس التهديدات العسكرية التقليدية، بل على أساس القدرة على التحكم بالطاقة والممرات البحرية وشبكات البنية التحتية، والتأثير في الساحات الهشة المحيطة بها. وهذا ما يجعل شرق المتوسط وسوريا جزءًا من معادلة استراتيجية واحدة، يصبح فيها التنافس التركي–الإسرائيلي تعبيرًا عن صراع أوسع على إعادة تشكيل المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط، وعلى تحديد من يمتلك القدرة على هندسة النظام الإقليمي المقبل.
غير أن هذا التنافس في شرق المتوسط لا يكتمل فهمه من دون ربطه بالتحول الأكبر الذي أحدثته الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، وما ترتب عليها من إعادة توزيع لهوامش الحركة ومراكز الضغط ومجالات التنافس في المشرق، ومن تعميق للسيولة الاستراتيجية التي باتت تدفع القوى الإقليمية إلى إعادة تقويم مواقعها وأدواتها داخل نظام لم تستقر ملامحه بعد.
ثالثا: الحرب الإسرائيلية–الإيرانية وإعادة إنتاج التنافس التركي–الإسرائيلي
لم تُفضِ الحرب الإسرائيلية–الإيرانية إلى إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي وفق معادلة خطية قوامها تراجع إيران وصعود إسرائيل، كما لم تُنتج فراغًا استراتيجيًا واضحًا يمكن تفسير التنافس التركي–الإسرائيلي من خلاله وحده. فقد كشفت نتائج الحرب، وما أعقبها من ترتيبات سياسية وتفاوضية، أن القدرة على إلحاق خسائر عسكرية بخصم إقليمي لا تعني بالضرورة تحويل التفوق العملياتي إلى مكاسب استراتيجية مستقرة، أو إعادة بناء النظام الإقليمي وفق إرادة طرف واحد. وإلى الآن على الأقل، تبدو حصيلة الحرب أكثر تركيبًا؛ إذ حافظت إيران على موقعها كفاعل مؤثر في التوازنات الإقليمية، واستطاعت توظيف مرحلة الحرب ضمن مساومات سياسية وأمنية أوسع.
من هذه الزاوية، لا تكمن أهمية الحرب بالنسبة إلى العلاقة التركية–الإسرائيلية في أنها أزاحت إيران من المجال الإقليمي وفتحت الطريق أمام تنافس ثنائي على ملء الفراغ، بل في أنها عمّقت حالة السيولة الاستراتيجية ودفعت أنقرة وتل أبيب إلى إعادة تقويم موقعيهما داخل نظام إقليمي لم تستقر ملامحه بعد. فالحرب أعادت طرح أسئلة تتجاوز ميزان القوة بين إسرائيل وإيران إلى طبيعة القوة ذاتها في الشرق الأوسط؛ حدود التفوق الجوي، وفاعلية الدفاعات متعددة الطبقات، ودور الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، وقدرة الدول على حماية بنيتها التحتية الحيوية، والعلاقة بين النجاح العسكري والقدرة على فرض تسوية سياسية مستدامة. وبذلك، تحولت الحرب إلى مختبر استراتيجي أعادت من خلاله القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا وإسرائيل، مراجعة تصوراتها للتهديد والردع والحرب المقبلة.
بالنسبة إلى إسرائيل، أكدت الحرب قدرتها على المبادرة الهجومية، والعمل بعيدًا عن حدودها، وتوظيف التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي في استهداف بنى عسكرية حساسة. إلا أن هذه القدرة لم تُنهِ المعضلة الإيرانية، ولم تنتج نظامًا إقليميًا مستقرًا خاضعًا للتفوق الإسرائيلي.
وعلى العكس، أعادت مرحلة ما بعد الحرب فتح النقاش داخل إسرائيل حول طبيعة التهديدات المستقبلية وكيفية التعامل مع قوى إقليمية لا تنتمي إلى النموذج الإيراني نفسه. وفي هذا السياق، بدأت تركيا تحتل موقعًا أكثر حضورًا في بعض النقاشات الأمنية والإعلامية الإسرائيلية، لا بوصفها بديلًا آليًا عن إيران، بل باعتبارها قوة إقليمية ذات خصائص مختلفة جذريًا: دولة مركزية، عضوًا في حلف شمال الأطلسي، تمتلك جيشًا نظاميًا واسعًا، وصناعة دفاعية متقدمة، وقدرة متنامية على إنتاج الطائرات المسيّرة والمنظومات البحرية والجوية، إلى جانب حضور مباشر في سوريا وشرق المتوسط.
ولا يعني ذلك وجود إجماع إسرائيلي على نقل تركيا إلى موقع “العدو المركزي” الذي شغلته إيران طويلًا. فداخل النقاش الإسرائيلي نفسه يظهر تباين بين اتجاه يميل إلى النظر إلى تركيا باعتبارها التحدي الاستراتيجي التالي، انطلاقًا من قدراتها العسكرية وموقعها الجغرافي ونفوذها في سوريا، واتجاه آخر يحذّر من إسقاط النموذج الإيراني على أنقرة، ويؤكد أن تركيا، رغم حدة الخلاف معها، تظل قوة براغماتية مرتبطة بحسابات الدولة والاقتصاد والناتو والعلاقة مع الغرب. وتكمن دلالة هذا التباين في أن التحول الأهم لا يتمثل في استبدال “التهديد الإيراني” بـ“تهديد تركي”، بل في اتساع نطاق التصورات الأمنية الإسرائيلية ليشمل تركيا باعتبارها قوة قادرة، على المدى الطويل، على تقييد حرية الحركة الإسرائيلية أو إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. () ()
وتتجلى حساسية هذا التحول بصورة خاصة في سوريا. فإسرائيل لا تنظر إلى الدور التركي هناك بوصفه امتدادًا لخلاف سياسي حول غزة، بل باعتباره احتمالًا لإعادة بناء بنية دولة ومؤسسات عسكرية قادرة، مع مرور الوقت، على الحد من البيئة العملياتية المفتوحة التي استفادت منها تل أبيب خلال سنوات التفكك السوري. ومن هنا، فإن القلق الإسرائيلي لا يتعلق بوجود تركي عسكري مباشر فحسب، بل بإمكانية نشوء مجال سوري–تركي أكثر تماسكًا، يجمع بين دولة سورية أكثر مركزية، ودعم تركي للمؤسسات العسكرية والأمنية، وترتيبات إقليمية قد تفرض قيودًا جديدة على حرية الحركة الإسرائيلية في الجبهة الشمالية.
أما تركيا، فلم تقرأ الحرب بوصفها فرصة ناتجة عن إضعاف منافسها الإيراني، ولا باعتبار انهيار إيران أو تراجعها الشامل مصلحة تركية صافية. فعلى الرغم من التنافس التاريخي بين أنقرة وطهران في سوريا والعراق والقوقاز، تدرك تركيا أن تفكك إيران أو دخولها في حالة اضطراب ممتد قد يفتح الباب أمام مشكلات تمس أمنها مباشرة، من موجات اللجوء والاضطراب الحدودي إلى تصاعد المسألة الكردية واختلال موازين القوى في العراق وسوريا، فضلًا عن احتمال اتساع هامش الحركة الإسرائيلية في المشرق. ولذلك، تنظر أنقرة إلى نتائج الحرب من زاوية مركبة: فهي تراقب حدود القدرات الإيرانية وانكشافاتها العسكرية، لكنها لا ترى في إزالة إيران من معادلة التوازن هدفًا يخدم بالضرورة المصالح التركية.
ويمكن قراءة هذه الحصيلة في ضوء المقاربة التي نصوغها هنا تحت مسمى «نظرية الاستنزاف المُدار»، والتي تنطلق من فرضية أن بعض الصراعات الإقليمية المعاصرة لا تُدار بالضرورة بغرض تحقيق نصر نهائي أو إقصاء الخصم من المعادلة، بل بهدف إبقائه داخل مستوى محسوب من الاستنزاف يضعف قدرته على تغيير النظام الإقليمي، من دون أن يسمح بانهياره الكامل أو بظهور فراغ يصعب ضبط تداعياته.
ووفق هذا المنظور، لا يكون غياب الحسم دليلًا على فشل الحرب، بقدر ما قد يعكس تحول وظيفة الحرب نفسها من أداة لإنهاء الخصومة إلى أداة لإدارة موازين القوة. فإضعاف الخصم يصبح مطلوبًا إلى الحد الذي يمنعه من فرض تحول استراتيجي، لا إلى الحد الذي يؤدي فيه سقوطه إلى تفكيك التوازن القائم أو إطلاق سلسلة من النتائج التي قد تكون أكثر خطورة على بقية الفاعلين من استمرار الخصم ذاته.
وتبدو الحرب الإسرائيلية–الإيرانية قابلة للقراءة ضمن هذا الإطار؛ إذ لم تنتهِ، حتى الأن، بإقصاء إيران من النظام الإقليمي، كما لم تُنتج تفوقًا إسرائيليًا مطلقًا قادرًا على إعادة تشكيل المنطقة من جانب واحد، بل أبقت مختلف الأطراف داخل معادلة يعاد فيها ضبط حدود القوة والردع والتفاوض بصورة مستمرة. ومن ثَمَّ، فإن بقاء إيران فاعلًا، واستمرار إسرائيل في السعي إلى تقييد قدراتها، وحرص قوى إقليمية، بينها تركيا، على منع انهيار التوازن بصورة كاملة، يمكن فهمه بوصفه تعبيرًا عن استنزاف مُدار تتداخل فيه الرغبة في إضعاف الخصم مع الخشية من النتائج المترتبة على هزيمته النهائية.
وفي داخل هذه المعادلة تبقى «اللحظة المفصلية المؤجلة» كامنة: أي النقطة التي يظل النظام الإقليمي يؤجل بلوغها ما دام الاستنزاف قابلًا للضبط، قبل أن يؤدي تغير نوعي في ميزان القوة، أو انهيار أحد الأطراف، أو تجاوز سقف غير معلن من التصعيد، إلى كسر قواعد الإدارة والانتقال من استنزاف مضبوط إلى إعادة تشكيل فعلية للنظام الإقليمي.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، لا تبدو أهمية الحرب بالنسبة إلى تركيا مرتبطة بالسؤال عمن انتصر ومن خسر، بقدر ارتباطها بالسؤال عما إذا كانت قواعد الاستنزاف والردع التي حكمت التوازنات السابقة ستبقى قابلة للإدارة، أم أن المنطقة تقترب من “لحظة مفصلية” تنكسر عندها حدود الصراع المضبوط وتدخل في عملية أوسع لإعادة توزيع القوة والنفوذ. ()
وقد انعكس ذلك في القراءة التركية للحرب بوصفها درسًا استراتيجيًا يتجاوز طرفيها المباشرين. فالدراسة التي أعدتها أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية حول الحرب ركزت على التحولات التي طرأت على طبيعة العمليات العسكرية، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي، وتسريع دورة الاستهداف، ودور المسيرات والذخائر منخفضة الكلفة، ومشكلة التفاوت بين كلفة الهجوم وكلفة الاعتراض، وحماية البنية التحتية والجبهة الداخلية. وتكشف هذه المقاربة أن أنقرة لا تتعامل مع الحرب كحدث إيراني بعيد، بل كإنذار مبكر لطبيعة البيئة الأمنية التي قد تواجهها مستقبلاً. ومن ثم، فإن إحدى أهم نتائج الحرب بالنسبة إلى تركيا كانت تعزيز الحاجة إلى تطوير الردع متعدد المجالات، وتحصين الدفاع الجوي، وتوسيع القاعدة الصناعية العسكرية، وربط الأمن الداخلي بالتحولات الجارية في المحيط الإقليمي.
وفي هذا السياق، اتسع أيضًا مفهوم التهديد الإسرائيلي داخل بعض دوائر الخطاب التركي. فلم تعد المسألة تتعلق بغزة وحدها، أو حتى بالساحة السورية منفردة، بل بدأت تُقرأ من خلال شبكة مترابطة من الساحات تشمل سوريا ولبنان وقبرص وشرق المتوسط. ويعكس خطاب “الدفاع الأمامي”، الذي برز في المواد الإعلامية التركية القريبة من المزاج السياسي الحاكم، تصورًا يعتبر أن أمن تركيا لا يبدأ من حدودها القانونية الضيقة، وإنما من منع تشكل بيئات تهديد في المجال المحيط بها. ولذلك جرى الربط بين دمشق وبيروت وقبرص وشرق المتوسط بوصفها دوائر أمنية متصلة، تتقاطع فيها قضايا النفوذ العسكري والطاقة والموانئ والممرات البحرية والفاعلين غير الدولتيين. وعلى الرغم من أن هذا الخطاب لا يمثل وثيقة رسمية ملزمة، فإنه يعكس اتساعًا ملموسًا في المجال الذي باتت بعض القراءات التركية تضع داخله التنافس مع إسرائيل.
ومن هنا، فإن الحرب الإسرائيلية–الإيرانية لم تُنتج تنافسًا تركيًا–إسرائيليًا جديدًا من العدم، بل سرّعت انتقال تنافس قائم أصلًا إلى مستوى أكثر بنيوية. فتركيا لا تخشى “فراغًا إيرانيًا” بالمعنى البسيط بقدر ما تخشى اختلالًا في التوازن الإقليمي يسمح لإسرائيل بتوسيع حرية حركتها من دون كوابح كافية، سواء في سوريا أو لبنان أو شرق المتوسط. وإسرائيل، من جهتها، لا تنظر إلى تركيا بوصفها وريثًا مباشرًا لإيران، بل كقوة مختلفة النوع يمكنها، عبر أدوات الدولة والنفوذ المؤسسي، أن تحد تدريجيًا من التفوق العملياتي الإسرائيلي أو تفرض توازنات جديدة في ساحات تعتبرها تل أبيب شديدة الحساسية.
كما كشفت الحرب عن تباين أعمق في رؤية الطرفين لطبيعة النظام الإقليمي المقبل. فإسرائيل تميل إلى نموذج أمني يقوم على المبادرة الهجومية، والضربات الوقائية، ومنع التهديدات قبل اكتمالها، وتوسيع المناطق العازلة، وربط التفوق العسكري بشبكات إقليمية تشمل الطاقة والممرات البحرية والتعاون الأمني. أما تركيا، فتدفع نحو نموذج مختلف يقوم، في خطابه الرسمي، على وحدة الدول الإقليمية، ومنع تفككها، وإعادة بناء التوازن عبر قوى المنطقة نفسها، مع رفض تحوّل الشرق الأوسط إلى مجال أمني تُعاد هندسته بصورة أحادية تحت التفوق الإسرائيلي والدعم الأمريكي.
ويظهر هذا التناقض بأوضح صوره في سوريا. فإسرائيل تريد بيئة سورية منخفضة القدرة العسكرية، لا تسمح بتشكل تهديد جديد على جبهتها الشمالية ولا تقيد حرية عملها. في المقابل، ترى تركيا أن استقرار سوريا وإعادة بناء الدولة المركزية يمثلان ضرورة لأمنها القومي، سواء لاحتواء الفوضى، أو منع صعود كيانات انفصالية، أو الحد من التدخلات الخارجية. ومن ثم، لا تنبع خطورة الساحة السورية من وجود مشروعين متطابقين يتنافسان على احتلال المجال نفسه، بل من تعارض تعريف الطرفين لـ“الاستقرار المرغوب”: فما تراه تركيا إعادة بناء ضرورية للدولة قد تراه إسرائيل مصدرًا لقيود استراتيجية مستقبلية، وما تعتبره إسرائيل ترتيبات أمنية وقائية قد تراه أنقرة تفكيكًا للدولة السورية وتوسيعًا لنطاق الهيمنة الإسرائيلية.
وعليه، فإن الأثر الأهم للحرب الإسرائيلية–الإيرانية يتمثل في نقل التنافس التركي–الإسرائيلي من مستوى الخلاف على ملفات منفصلة إلى مستوى التنافس على شكل البيئة الإقليمية ذاتها. فالسؤال لم يعد: من يملأ فراغًا تركته إيران؟ بل: أي نظام إقليمي سيتشكل بعد الحرب؟ ومن يملك القدرة على تحديد قواعد الأمن والردع والطاقة والممرات؟ وكيف ستتوزع حدود الحركة بين القوى الإقليمية الكبرى؟ في هذا المستوى من التنافس، تصبح سوريا نقطة التقاطع الأخطر، لكنها لا تبقى الساحة الوحيدة؛ إذ تمتد خطوط التنافس إلى لبنان وقبرص وشرق المتوسط وشبكات الطاقة والممرات التجارية.
وبذلك، يمكن القول إن الحرب لم تُنهِ حالة السيولة الإقليمية، ولم تُنتج منتصرًا قادرًا على الانفراد بإعادة تشكيل المنطقة، بل عمّقتها ونقلت الصراع على النظام الإقليمي إلى مستوى أكثر تعقيدًا. وضمن هذه البيئة، تتحرك تركيا وإسرائيل في فضاءات جيوسياسية متداخلة بصورة متزايدة، مع اختلاف جوهري في رؤيتهما لترتيب تلك الفضاءات. وهذا ما يجعل العلاقة بينهما مرشحة للانتقال من “تنافس قابل للاحتواء” إلى نمط أكثر حساسية من الردع غير المستقر، حيث لا تكون الحرب خيارًا معلنًا أو حتميًا، لكن احتمالات الاحتكاك تزداد بفعل تقارب ساحات النفوذ، وتعدد الفاعلين، وتداخل الأمن مع الطاقة والممرات، وغياب قواعد اشتباك ثابتة.
ومن هذه الزاوية، لا تمثل سوريا مجرد نتيجة لـ“تراجع إيران”، بل المختبر الأكثر وضوحًا لتحول أوسع في النظام الإقليمي: إيران لا تزال فاعلًا، وإسرائيل تسعى إلى توسيع هامش حركتها، وتركيا تتحرك لمنع تشكل ترتيبات إقليمية تقيد مجالها الحيوي أو تستبعدها من معادلات الشرق الأوسط المقبلة.
رابعا: سوريا بوصفها مركز إعادة إنتاج التهديدات
تُظهر الحالة السورية كيف يمكن لساحة منهكة داخليًا أن تتحول إلى مركز لإعادة إنتاج التهديدات الإقليمية. فالدولة السورية، بعد سنوات الحرب، لم تعد تمتلك احتكارًا كاملًا للعنف أو القرار الأمني، ما جعل أراضيها مجالًا مفتوحًا لتدخلات متعددة. ونتيجة لذلك، أصبح أي تغير في موازين القوة داخل سوريا قادرًا على التأثير في حسابات أطراف إقليمية عدة في وقت واحد.
بالنسبة لإسرائيل، تمثل سوريا عمقًا أمنيًا حساسًا لأنها متصلة بالجولان ولبنان وإيران. ولهذا حافظت تل أبيب على سياسة الضربات الوقائية لمنع التموضع الإيراني أو نقل السلاح النوعي، لكنها وسّعت في المرحلة الأخيرة نطاق قلقها ليشمل احتمال تشكل بنية سورية جديدة قريبة من تركيا أو منفتحة على ترتيبات تحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية. أما بالنسبة لتركيا، فالساحة السورية ليست ملفًا خارجيًا تقليديًا، بل جزء من الأمن القومي المباشر. لذلك، فإن أي ضربات إسرائيلية تؤثر في توازن القوى داخل سوريا، أو تضعف السلطة السورية الجديدة، أو تعزز موقع أطراف محلية تراها تركيا تهديدًا، تُقرأ في أنقرة بوصفها عاملًا يمس الأمن التركي لا مجرد شأن سوري داخلي.
من هنا، تتشكل المشكلة المركزية: فإسرائيل تفضّل بيئة سورية مستقرة وظيفيًا، لكنها منخفضة القدرة الاستراتيجية ومقيدة السيادة العسكرية في المجالات التي تمس أمنها. وتركيا تريد سوريا مستقرة بما يكفي كي لا تتحول إلى منصة تنطلق منها التهديدات تجاه العمق التركي. هذا التناقض لا يعني بالضرورة صدامًا مباشرًا، لكنه ينتج بيئة تنافسية حادة، لأن “الاستقرار المطلوب” من وجهة نظر تركيا قد يبدو لإسرائيل قيدًا استراتيجيًا.
- التقارب التركي–السوري كعامل قلق إسرائيلي
المقاربة الإسرائيلية في سوريا شهدت تحولًا تدريجيًا بعد سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني التقليدي، إذ لم يعد التدخل الإسرائيلي يُقرأ بوصفه امتدادًا لنموذج “إدارة التهديد” التقليدي القائم على توجيه ضربات انتقائية ضد أهداف إيرانية أو تابعة لحزب الله، بل بات يرتبط بمحاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية السورية نفسها، خاصة في الجنوب السوري.
لا تنظر إسرائيل إلى التقارب التركي–السوري باعتباره مجرد تطور سياسي عابر مرتبط بمرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، بل بوصفه احتمالًا قد يؤدي تدريجيًا إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والعسكرية في سوريا بصورة تقلّص هامش التفوق العملياتي الإسرائيلي. فخلال السنوات الماضية، استفادت إسرائيل من حالة التفكك السوري وغياب السلطة المركزية القادرة على فرض توازنات عسكرية مستقرة، ما أتاح لها تنفيذ عمليات جوية واسعة ضد أهداف مرتبطة بإيران أو حزب الله دون مواجهة منظومة ردع حقيقية. غير أن التحولات الأخيرة، وخاصة تنامي العلاقة بين أنقرة ودمشق، بدأت تثير قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، لأن الأمر لم يعد يقتصر على تنسيق سياسي محدود، بل بات يرتبط بإمكانية بناء ترتيبات أمنية وعسكرية طويلة الأمد داخل سوريا بدعم تركي. وتشير تقارير إلى أن تركيا بدأت بالفعل تقديم التدريب والاستشارات والدعم التقني للجيش السوري الجديد، مع حديث متكرر عن احتمالات إقامة تفاهمات دفاعية أوسع تشمل استخدام قواعد عسكرية سورية وتطوير القدرات الدفاعية السورية. () ()
إن تشكل “بيئة سورية–تركية” أكثر تماسكًا على المستوى الأمني والعسكري، هو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا محتملًا لحرية حركتها في الجبهة الشمالية. وقد ظهرت هذه المخاوف بوضوح في النقاشات الإسرائيلية حول احتمال استخدام تركيا لقواعد مثل T4 أو منغ الجوية، أو المساهمة في إعادة بناء الدفاعات الجوية السورية، وهي تطورات ترى تل أبيب أنها قد تنتج قيودًا مستقبلية على العمليات الجوية الإسرائيلية داخل سوريا.
وفي هذا السياق، يتنامى القلق الإسرائيلي من إعادة بناء تدريجية للدولة السورية ومؤسساتها العسكرية بمساندة من أنقرة؛ فإسرائيل باتت تتعامل مع سوريا ليس كساحة غارات ظرفية فحسب، بل كمجال أمني يجب منع تحوله إلى بيئة مستقرة أو محصنة بصورة تسمح لقوى إقليمية منافسة، وعلى رأسها تركيا، بتثبيت نفوذ دائم أو إنتاج توازنات ردع جديدة قرب الجولان والحدود الشمالية. ولذلك، فإن التوتر الإسرائيلي تجاه التقارب التركي–السوري لا ينبع من الخلاف السياسي فقط، بل من إدراك أعمق بأن أي إعادة تمكين للدولة السورية بدعم تركي قد تعني تحولًا استراتيجيًا في بنية الأمن الإقليمي المحيط بإسرائيل. () ()
- التغلغل الإسرائيلي في الجنوب السوري: من التوغل العسكري إلى إدارة المجال
الأخطر في المسار السوري لا يكمن فقط في الضربات الجوية، بل في انتقال إسرائيل إلى نمط أعمق من التغلغل الميداني في الجنوب السوري. فالتقارير الحديثة تشير إلى استمرار عمليات إسرائيلية في جنوب غرب سوريا، تشمل دوريات، عمليات مراقبة، قصفًا متقطعًا، وتوغلات في درعا والقنيطرة، وهو ما يعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بضرب أهداف عسكرية من الجو، بل تسعى إلى إدارة المجال الأمني الجنوبي بشكل مباشر أو شبه مباشر. ()
كما حذرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان من أن عمليات إزالة الألغام التي تنفذها إسرائيل قرب حدودها مع سوريا قد تشكل مقدمة لتكريس بنية سيطرة أوسع في الجنوب السوري، معتبرة أن ما تقدمه إسرائيل كإجراء أمني لحماية بلداتها الحدودية قد يكون جزءًا من بنية عسكرية مؤسسية هدفها تثبيت السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ في جنوب سوريا. وبغض النظر عن توصيف هذه الإجراءات قانونيًا، فإن دلالتها الاستراتيجية واضحة: إسرائيل تسعى إلى تحويل الجنوب السوري من منطقة عازلة تقليدية إلى مجال أمني قابل للإدارة المباشرة. ()
- المسار التفاوضي السوري–الإسرائيلي: أمننة التطبيع لا تطبيع السلام
تُظهر التطورات الأخيرة أن المسار السوري–الإسرائيلي لا يتجه، في مرحلته الراهنة، نحو “تطبيع سياسي كامل” بقدر ما يتجه نحو صيغة أمنية محدودة هدفها ضبط الاشتباك في الجنوب السوري، من خلال ما يمكن تسميته بـ”أمننة التطبيع”، حيث تصبح الترتيبات الأمنية والعسكرية هي المدخل الرئيسي لأي انفتاح أو تفاهم محتمل بين الطرفين. فالمفاوضات التي جرت بوساطات إقليمية ودولية خلال الأشهر الأخيرة لم تتمحور حول القضايا السياسية الكلاسيكية المرتبطة بالتسوية النهائية أو مستقبل الجولان، بل تركزت بصورة أساسية حول ضبط الجنوب السوري، ومنع التصعيد، وترتيبات الحدود، ومستقبل الوجود العسكري في المناطق المحاذية لإسرائيل.
ويكشف الإعلان عن إنشاء “خلية اتصال استخباراتية” سورية–إسرائيلية برعاية أميركية عن تحول نوعي في طبيعة العلاقة بين الطرفين، إذ لم تعد المفاوضات تقتصر على قنوات دبلوماسية أو تفاهمات ميدانية محدودة، بل بدأت تنتقل تدريجيًا نحو بناء آليات تنسيق أمني مباشر مرتبطة بإدارة التوتر في الجنوب السوري. فالاتفاق الذي تم التوصل إليه في باريس، والمتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد وإنشاء آلية اتصال فوري، يعكس إدراكًا متبادلًا بأن البيئة السورية الجديدة لم تعد قابلة للإدارة فقط عبر القوة العسكرية أو الضربات الجوية، بل تتطلب بناء ترتيبات أمنية أكثر استدامة لمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. ()
لكن الأهمية الأعمق لهذا التطور لا تكمن في البعد الأمني المباشر فقط، بل في كونه يشير إلى محاولة إعادة تعريف شكل العلاقة بين إسرائيل وسوريا ضمن بيئة إقليمية جديدة. فإسرائيل، التي وسعت تدخلها العسكري في الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد، تحاول تحويل تفوقها الميداني إلى بنية تنسيق أمني تمنحها قدرة أكبر على مراقبة المجال الحدودي والتأثير في الترتيبات العسكرية داخل سوريا. وفي المقابل، تبدو دمشق وكأنها تحاول استخدام هذه القنوات لتقييد العمليات الإسرائيلية ودفعها نحو العودة إلى تفاهمات فض الاشتباك، من دون الانخراط الكامل في مسار تطبيع سياسي شامل.()
كما أن إنشاء آلية استخباراتية مشتركة يكشف عن انتقال المقاربة الإسرائيلية من “إدارة التهديد” إلى “إدارة المجال الأمني” نفسه، أي محاولة إنتاج بيئة حدودية خاضعة للضبط والتنسيق المستمر بدل الاكتفاء بسياسة الردع التقليدية. وهذا يعكس تحول الجنوب السوري من مجرد ساحة عمليات عسكرية إلى مجال أمني تجري إعادة هندسته سياسيًا واستخباراتيًا، بما يضمن لإسرائيل مستوى أعلى من السيطرة على التوازنات المحيطة بالجولان والجبهة الشمالية. ()
لكن اللافت أن الخطاب السوري الرسمي، رغم انفتاحه الحذر على التفاوض، لا يزال يحاول الفصل بين “التهدئة الأمنية” و”التطبيع السياسي”. فقد أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن هدف دمشق من المفاوضات يتمثل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق الاستقرار، لا في الدخول ضمن مسار تطبيع شامل أو تقديم تنازلات تتعلق بالسيادة السورية. () كما أقر الرئيس السوري أحمد الشرع بصعوبة المفاوضات وتعقيدها، مشيرًا إلى أن المحادثات الجارية لا تزال تصطدم بفجوة واسعة بين المطالب الإسرائيلية والرؤية السورية لمستقبل الجنوب والسيادة الوطنية.() وهذا يكشف أن دمشق تحاول استخدام التفاوض كأداة لتخفيف الضغط العسكري واستعادة جزء من الاستقرار، دون الانخراط الكامل في هندسة إقليمية قد تُفهم باعتبارها انتقالًا إلى معسكر سياسي جديد.
ومن جهة أخرى، تعكس التسريبات الإسرائيلية حول وجود قنوات اتصال ومفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع دمشق إدراكًا إسرائيليًا بأن البيئة السورية بعد سقوط الأسد لم تعد قابلة للإدارة فقط عبر القوة العسكرية ()، فإسرائيل تدرك أن استمرار حالة الفوضى الكاملة في سوريا يحمل مخاطر طويلة المدى، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة لقبول إعادة بناء دولة سورية قوية أو مستقرة من دون ضمانات أمنية واسعة. وهنا تحديدًا يظهر البعد الإقليمي الأوسع للمفاوضات؛ إذ ترتبط الحسابات الإسرائيلية ليس فقط بإيران أو الجنوب السوري، بل أيضًا بالدور التركي المتنامي داخل سوريا، واحتمالات تشكل بيئة سورية جديدة أكثر ارتباطًا بأنقرة سياسيًا وأمنيًا.
وبذلك، فإن المسار التفاوضي السوري–الإسرائيلي لا يمكن فهمه باعتباره مجرد محاولة لخفض التصعيد، بل بوصفه جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المشرق. فإسرائيل تسعى إلى إنتاج جنوب سوري “منضبط أمنيًا” ومحدود السيادة العسكرية، بينما تحاول دمشق استعادة الحد الأدنى من الاستقرار والسيادة دون الانزلاق إلى تطبيع كامل. أما تركيا، فتنظر إلى هذه الترتيبات بحذر متزايد، لأنها تدرك أن أي إعادة تعريف للجنوب السوري أمنيًا قد تنعكس لاحقًا على شكل النظام السوري الجديد وعلى توازنات النفوذ داخل سوريا ككل، بما في ذلك مستقبل الدور التركي نفسه.
خامساً: تغيّر قواعد الاشتباك في الساحة السورية
لم تعد الساحة السورية تُدار وفق قواعد الاشتباك نفسها التي حكمتها خلال العقد الماضي، بل دخلت منذ سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني التقليدي مرحلة إعادة تشكل أمني واستراتيجي عميقة، تتداخل فيها حسابات إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة بصورة غير مسبوقة. ففي المرحلة السابقة، كانت إسرائيل تتحرك داخل سوريا ضمن معادلة واضحة نسبيًا: استهداف التموضع الإيراني وشبكات حزب الله مع الحفاظ على سقف يمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. وقد استفادت تل أبيب آنذاك من هشاشة الدولة السورية، ومن انشغال دمشق بالحرب الداخلية، ومن تفاهمات ضمنية مع روسيا، ما منحها هامشًا واسعًا للعمل العسكري والاستخباراتي.
لكن البيئة السورية بعد الأسد لم تعد تشبه تلك المرحلة؛ إذ انتقلت إسرائيل تدريجيًا من سياسة “منع التهديد” إلى سياسة أوسع تقوم على “إدارة المجال الأمني السوري” نفسه، وخاصة في الجنوب.
هذا التحول لا يرتبط فقط بتراجع إيران، بل بصعود تركيا بوصفها الفاعل الإقليمي الأكثر قدرة على التأثير في شكل سوريا الجديدة. فالتقديرات الإسرائيلية الحديثة باتت تنظر إلى أنقرة باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على توسيع نفوذها داخل المساحات السورية التي أعادت تحولات ما بعد الأسد، وتراجع بعض أنماط الحضور الإيراني والروسي فيها، فتحها أمام ترتيبات جديدة. ولا يتعلق الأمر بملء «فراغ» تركته إيران بقدر ما يتعلق بقدرة تركيا على التأثير في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وفي تشكيل التوازنات الأمنية التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة. ولهذا، بدأت إسرائيل تنظر إلى الوجود التركي ليس كحضور حدودي مرتبط بالمسألة الكردية فقط، بل كمشروع نفوذ طويل الأمد يمتد من شمال سوريا إلى شرق المتوسط.
ضمن هذا السياق، تغيرت طبيعة الأهداف الإسرائيلية داخل سوريا. فلم تعد الضربات الجوية تقتصر على مخازن السلاح أو خطوط الإمداد الإيرانية، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بمنع تشكل بيئة عسكرية سورية جديدة قد تتعاون مع تركيا أو تحد مستقبلًا من حرية الحركة الإسرائيلية. ولهذا برزت حساسية إسرائيلية كبيرة تجاه الحديث عن قواعد أو منشآت تدريب تركية في سوريا، خاصة في تدمر وT4، حيث تحدثت تقارير حديثة عن تحركات تركية لإنشاء مرافق تدريب ودعم عسكري بالتنسيق مع دمشق الجديدة. وهنا يظهر التحول الجوهري: إسرائيل لم تعد تخشى فقط “التهديد الإيراني”، بل احتمال ظهور بنية عسكرية سورية جديدة مدعومة تركيًا وقادرة على إعادة تعريف ميزان القوة في الجبهة الشمالية.
في المقابل، ترى تركيا أن إسرائيل تحاول تحويل الجنوب السوري إلى مجال أمني دائم يخضع لمنطق “المناطق العازلة” والتدخل المستمر. وقد ازدادت هذه المخاوف بعد توسع التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، ومحاولات إنشاء ترتيبات أمنية خاصة قرب الجولان، فضلًا عن التقارير المتعلقة بدعم إسرائيلي لبعض المجموعات المحلية، خاصة في البيئة الدرزية، بهدف إضعاف قدرة دمشق على بسط سيادتها الكاملة على الجنوب. ولذلك، تنظر أنقرة إلى التغلغل الإسرائيلي في الجنوب بوصفه جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة سوريا أمنيًا، وليس مجرد إجراءات دفاعية مؤقتة.
كما أن المفاوضات السورية–الإسرائيلية الجارية برعاية أمريكية تعكس بوضوح أن قواعد الاشتباك لم تعد تُرسم فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر الترتيبات الأمنية طويلة الأمد. فالمباحثات التي استؤنفت مطلع 2026 ركزت على قضايا تتعلق بالحدود، والجنوب السوري، وآليات خفض التصعيد، وإحياء تفاهمات 1974، أكثر مما ركزت على مسار سلام سياسي شامل. وهذا يعني أن إسرائيل تسعى إلى تحويل تفوقها العسكري الحالي إلى بنية أمنية دائمة تضمن بقاء الجنوب السوري ضمن وضع خاص منخفض التهديد. لكن دمشق، المدعومة جزئيًا من تركيا، تحاول في المقابل استخدام هذه المفاوضات لاستعادة السيادة ووقف الضربات الإسرائيلية دون الانخراط في تطبيع كامل.
وهنا تحديدًا تتغير قواعد الاشتباك: فتركيا أصبحت جزءًا من الحسابات العملياتية الإسرائيلية نفسها. إسرائيل لم تعد تخطط لعملياتها في سوريا على أساس الوجود الإيراني فقط، بل على أساس وجود طرف إقليمي آخر يمتلك جيشًا نظاميًا، وطائرات مسيرة متقدمة، وصناعة دفاعية، ونفوذًا مباشرًا على مؤسسات الدولة السورية الجديدة. هذا ما يفسر تزايد الحديث عن “آليات منع الاحتكاك” بين تركيا وإسرائيل داخل سوريا، وهي آليات تشبه إلى حد ما التفاهمات الروسية–الإسرائيلية السابقة، لكنها أكثر هشاشة وتعقيدًا، لأن التنافس التركي–الإسرائيلي ليس تقنيًا فقط، بل جيوسياسي وهيكلي.
الأخطر أن المنطقة تبدو وكأنها تنتقل من مرحلة “الصراع على النفوذ” إلى مرحلة “الصراع على هندسة المجال الأمني”. هنا لم تعد المسألة مرتبطة بتصورين سياسيين متعارضين فقط، بل بقواعد الحركة الميدانية: من يملك حق الانتشار، ومن يملك حق الضرب، ومن يحدد حدود السيادة السورية الجديدة. وبين هذين التصورين، تتحول سوريا إلى مساحة اختبار لقواعد ردع جديدة لم تتبلور بالكامل بعد. ولهذا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل، بل في أن تتحول الاحتكاكات التدريجية — الضربات، القواعد، التوغلات، الترتيبات الأمنية، والدفاعات الجوية — إلى بنية تنافس واحتكاكات محتملة طويلة الأمد تعيد رسم التوازنات الأمنية في المشرق وشرق المتوسط معًا.
- مسارات التحول من التنافس إلى الصدام
يمكن أن يتحول هذا التنافس إلى صدام بين تركيا وإسرائيل، ليس لأن الطرفين يريدان حربًا شاملة بالضرورة، بل لأن البيئة السورية نفسها أصبحت تنتج تدريجيًا نقاط احتكاك متقاربة بين مشروعين أمنيين متعارضين. فإسرائيل تنظر إلى سوريا من زاوية “منع تشكل تهديد مستقبلي”، بينما تنظر تركيا إليها من زاوية “إعادة بناء مجال نفوذ واستقرار حدودي”. وبين هذين التصورين تتشكل مساحة تصادم بنيوي، حتى دون وجود قرار سياسي مباشر بالمواجهة.
أول مسار محتمل للصدام يتمثل في اقتراب البنية العسكرية التركية من الخطوط الحمراء الإسرائيلية. فإسرائيل كانت خلال السنوات الماضية تتحرك بحرية شبه كاملة في الأجواء السورية، وتنفذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو سورية دون خشية من رد عسكري حقيقي. لكن إذا تطور التعاون التركي–السوري إلى بناء قواعد تدريب، أو نشر رادارات، أو تطوير دفاعات جوية سورية بدعم تركي، فإن إسرائيل ستعتبر ذلك تهديدًا مباشرًا لقدرتها على العمل في المجال الجوي السوري. وهنا يصبح احتمال الاحتكاك مرتفعًا: ضربة إسرائيلية تستهدف موقعًا تعتبره تل أبيب تهديدًا، بينما ترى أنقرة أنه جزء من بنية الدولة السورية الجديدة أو من نفوذها الأمني المشروع. وفي بيئة مزدحمة كهذه، قد تتحول ضربة “استباقية” إلى أزمة سياسية أو عسكرية مباشرة.
المسار الثاني يتعلق بالجنوب السوري. فإسرائيل تحاول منذ سقوط الأسد تثبيت نوع من “المجال الأمني المرن” في الجنوب، عبر التوغلات، والضربات، ومحاولات التأثير على الترتيبات المحلية، ومنع تشكل أي قوة عسكرية منظمة قرب الجولان. لكن تركيا، التي تدعم فكرة إعادة بناء دولة سورية موحدة وأكثر مركزية، ترى أن تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية إسرائيلية غير معلنة يعني عمليًا تكريس تفكك سوريا وإضعاف السلطة الجديدة في دمشق. وبالتالي، كلما توسعت إسرائيل في الجنوب، وكلما دعمت تركيا استعادة دمشق لسيطرتها هناك، اقترب الطرفان من مساحة تضارب مباشرة في الأهداف.
وهناك أيضًا مسار ثالث يتمثل في عامل شديد الخطورة يتعلق بتغيّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر. فإسرائيل أصبحت أكثر ميلًا إلى “الردع الهجومي” وإنشاء مناطق عازلة ومنع التهديدات قبل تشكلها، وليس بعد ظهورها. وهذا يعني أن تل أبيب قد لا تنتظر حتى يتحول الوجود التركي أو السوري الجديد إلى تهديد فعلي، بل قد تتحرك مسبقًا لإجهاضه. ومن هنا تزداد احتمالات الصدام، لأن تركيا لا تتحرك عبر مجموعات محلية فقط كما فعلت إيران، بل عبر مؤسسات عسكرية رسمية، وتفاهمات دولة مع دولة، وبنية نفوذ علنية نسبيًا. أي أن أي استهداف إسرائيلي قد يُفهم تركيًا كاستهداف مباشر لنفوذها أو لمصالحها الاستراتيجية.
المسار الرابع يتمثل في شرق المتوسط، الذي يضاعف هذا التوتر بدل أن يبقيه داخل سوريا فقط. فالتنافس على الغاز، والممرات البحرية، والكابلات الكهربائية، وشبكات الربط الإقليمي، جعل تركيا وإسرائيل تنظران إلى بعضهما كقوتين متنافستين على شكل النظام الإقليمي القادم. ولذلك، فإن أي احتكاك في سوريا لن يُقرأ بمعزل عن المتوسط، والعكس صحيح. فإذا شعرت تركيا أن إسرائيل تحاول محاصرتها بحريًا عبر الاصطفاف مع اليونان وقبرص والإمارات، فقد تصبح سوريا بالنسبة لأنقرة ساحة موازنة استراتيجية، لا مجرد ملف أمني حدودي. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن التوسع التركي في سوريا وشرق المتوسط جزء من مشروع جيوسياسي واحد قد يقيّد حركتها مستقبلًا.
لكن الأهم أن الصدام المحتمل قد لا يبدأ كحرب تقليدية تخضع للمسارات المذكورة، بل كسلسلة احتكاكات متراكمة: استهداف قاعدة، إسقاط طائرة مسيرة، ضرب رادار، اقتراب قوة من منطقة حساسة، أو حتى خطأ في التقدير داخل بيئة عملياتية مزدحمة. وهذا ما يجعل الساحة السورية اليوم أخطر من السابق؛ فهي لم تعد فقط ساحة لحرب الوكلاء أو لضربات إسرائيلية ضد إيران، بل تحولت إلى مساحة تتحرك فيها قوتان إقليميتان كبيرتان داخل المجال الجغرافي نفسه، ولكل منهما تصور مختلف جذريًا لشكل سوريا والنظام الإقليمي المحيط بها.
ولهذا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود قرار رسمي معلن لدى تركيا أو إسرائيل بالذهاب إلى حرب شاملة، بل في أن قواعد الاشتباك القديمة التي كانت تمنع الاحتكاك المباشر بدأت تتآكل، بينما لم تتبلور بعد قواعد جديدة قادرة على ضبط التنافس. وفي مثل هذه البيئات الانتقالية، يصبح احتمال الصدام ناتجًا عن تضارب المشاريع الأمنية، وتداخل مناطق النفوذ، وتعدد الفاعلين غير الدولتيين، وسوء تقدير الحوادث الميدانية، أكثر من كونه نتيجة قرار مسبق بالمواجهة. ومن هنا يصبح العامل الخارجي، ولا سيما الدور الأمريكي، عنصرًا حاسمًا في ضبط هذا التنافس أو تركه يتراكم نحو أزمة أوسع.
سادسا: البعد الأمريكي وحدود إدارة التنافس التركي–الإسرائيلي
لا يمكن فهم حدود التنافس التركي–الإسرائيلي من دون إدخال العامل الأمريكي، لأن واشنطن تملك علاقات أمنية عميقة مع إسرائيل، وشراكة أطلسية مع تركيا، ونفوذًا مباشرًا في الساحة السورية. فالولايات المتحدة ما تزال تمثل الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا في هندسة التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط؛ فواشنطن، رغم تراجع انخراطها العسكري المباشر مقارنة بمرحلة ما بعد 2003، لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في شكل الاصطفافات الإقليمية، خاصة في ملفات سوريا، وشرق المتوسط، وأمن إسرائيل، والعلاقة مع تركيا بوصفها عضوًا محوريًا في حلف شمال الأطلسي. ولهذا، فإن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي من جهة تُعد الضامن الاستراتيجي الأساسي لأمن إسرائيل، ومن جهة أخرى لا تستطيع التعامل مع تركيا باعتبارها خصمًا إقليميًا يمكن عزله أو استبعاده من ترتيبات المنطقة، كما كانت تفعل مع إيران.
وقد ازدادت حساسية هذه المعادلة بعد الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، حيث بدأت واشنطن تنظر بقلق إلى احتمالات انتقال التوترات الإقليمية إلى خطوط صدع جديدة، وعلى رأسها خط التنافس التركي–الإسرائيلي. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي صدام مباشر بين أنقرة وتل أبيب لن يكون مجرد أزمة ثنائية، بل قد يؤدي إلى اهتزاز بنية التحالفات الغربية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، خاصة أن الطرفين يرتبطان بشبكات أمنية وعسكرية واستخباراتية متداخلة مع الولايات المتحدة. ولهذا، تحاول واشنطن الحفاظ على نوع من “التوازن الوظيفي” بين الطرفين، يقوم على دعم إسرائيل أمنيًا ومنع تعرضها لتهديدات استراتيجية، مع إبقاء تركيا داخل المنظومة الغربية ومنع انزلاقها نحو تموضع إقليمي مضاد بالكامل للغرب.
وفي الساحة السورية تحديدًا، يظهر البعد الأمريكي بوصفه عنصرًا مؤثرًا في ضبط حدود التنافس بين الطرفين. فالولايات المتحدة، رغم تقليص حضورها العسكري النسبي، لا تزال تمتلك نفوذًا مهمًا عبر قواعدها العسكرية وعلاقاتها مع القوى المحلية وشبكات التنسيق الإقليمي. ومن هذا المنطلق، تبدو واشنطن معنية بمنع تحول سوريا إلى ساحة صدام مباشر بين تركيا وإسرائيل، لأن ذلك قد يؤدي إلى تفكيك الترتيبات الأمنية الهشة القائمة أصلًا في شمال وشرق سوريا، ويخلق بيئة أكثر فوضوية تسمح بعودة تهديدات أمنية عابرة للحدود. ولهذا، دعمت الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة مسارات “منع الاحتكاك” بين أنقرة وتل أبيب، وشجعت على إبقاء قنوات الاتصال الأمنية مفتوحة، خاصة بعد تصاعد المخاوف من اقتراب مناطق النفوذ والتحركات العسكرية للطرفين داخل المجال السوري.
لكن في الوقت نفسه، لا تنظر واشنطن إلى تركيا وإسرائيل بالطريقة نفسها. فالعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية تقوم على شراكة استراتيجية عميقة ومستقرة نسبيًا، بينما تتسم العلاقة مع تركيا بدرجة أعلى من التعقيد والتذبذب، خاصة بعد الخلافات المتعلقة بمنظومة S-400 الروسية، والسياسات التركية في سوريا وشرق المتوسط، وتوتر العلاقات مع بعض القوى الغربية. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أن خسارة تركيا أو دفعها نحو اصطفاف كامل مع روسيا أو الصين أو القوى المناهضة للغرب سيشكل تحولًا استراتيجيًا خطيرًا داخل بنية النظام الإقليمي. ولهذا، تحاول واشنطن إدارة العلاقة مع أنقرة ضمن سياسة احتواء مرن، تسمح بالحفاظ على التعاون الأمني والعسكري دون التخلي الكامل عن الضغوط السياسية المرتبطة بالخلافات القائمة.
كما يرتبط البعد الأمريكي بصورة مباشرة بملف شرق المتوسط. فالولايات المتحدة دعمت خلال السنوات الماضية مشاريع التعاون الطاقي والأمني بين إسرائيل واليونان وقبرص، ورأت فيها جزءًا من بنية إقليمية تساعد على استقرار تدفقات الطاقة وتقليص النفوذ الروسي في المنطقة. غير أن واشنطن في الوقت نفسه حاولت تجنب تحويل هذه الاصطفافات إلى محور صدامي مباشر مع تركيا، لأنها تدرك أن استبعاد أنقرة بصورة كاملة من ترتيبات شرق المتوسط قد يدفعها إلى سياسات أكثر تصعيدًا، سواء في البحر أو في الساحة السورية. ولذلك، حافظت السياسة الأمريكية على قدر من الغموض الاستراتيجي؛ فهي تدعم الشراكات الإقليمية الجديدة حول إسرائيل، لكنها تحاول أيضًا منع تحولها إلى مشروع احتواء كامل لتركيا.
ومن هنا، يمكن القول إن الولايات المتحدة تحاول أداء دور “مدير التوازنات”، رغم انحيازها البنيوي لأمن إسرائيل، وحرصها في الوقت نفسه على عدم خسارة تركيا داخل المنظومة الغربية. فهي لا تسعى إلى إنهاء هذا التنافس، بل إلى إبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها، لأن انفجاره سيهدد شبكة المصالح الأمريكية نفسها في الشرق الأوسط. ولهذا، يبدو أن واشنطن تدفع نحو نموذج يقوم على استمرار التنافس بين الطرفين تحت سقف الردع والاحتواء، مع منع انتقاله إلى مواجهة مباشرة قد تعيد إنتاج حالة فوضى إقليمية واسعة يصعب التحكم بمساراتها لاحقًا.
وبناءً على ذلك، يمكن القول أن الولايات المتحدة لا تبدو طرفًا خارجيًا محايدًا في التنافس التركي–الإسرائيلي، ولا مجرد وسيط قادر على إنهاء التناقضات بين الطرفين. فهي من جهة منحازة بنيويًا إلى أمن إسرائيل، ومن جهة أخرى تدرك أن خسارة تركيا أو دفعها خارج المنظومة الغربية سيقود إلى اختلالات واسعة في الناتو، والبحر الأسود، وشرق المتوسط، وسوريا. لذلك، يظل الدور الأمريكي أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى حلها؛ أي منع التصعيد من التحول إلى مواجهة مباشرة، مع الإبقاء على التنافس ضمن حدود يمكن التحكم بها. غير أن هذا الدور نفسه قد يصبح مصدر توتر إذا شعرت أنقرة بأن واشنطن تمنح إسرائيل هامشًا أوسع في سوريا أو شرق المتوسط، أو إذا رأت تل أبيب أن واشنطن تراعي الحسابات التركية على حساب حرية الحركة الإسرائيلية. ومن ثم، فإن الولايات المتحدة ليست مجرد كابح خارجي، بل جزء من معادلة التنافس ذاتها.
سابعا: مصادر الخطر غير الدولتية واحتمالات التصعيد غير المقصود
لا تقتصر احتمالات الاحتكاك التركي–الإسرائيلي على قرارات الدول وحدها، ولا على التحركات العسكرية المباشرة لأنقرة وتل أبيب. فالساحة السورية، بما تحمله من هشاشة مؤسسية وتعدد في مراكز القوة، تتيح لفاعلين غير دولتيين أن يتحولوا إلى مصادر خطر مستقلة، قادرة على إنتاج حوادث أمنية قد تدفع القوى الإقليمية إلى التصعيد حتى من دون قرار مسبق بالمواجهة. وتكمن خطورة هؤلاء الفاعلين في أنهم يعملون داخل مناطق رمادية: يصعب ضبطهم بالكامل، ويصعب أحيانًا تحديد مسؤوليتهم، لكن آثار أفعالهم قد تُقرأ من قبل الدول بوصفها تهديدًا مباشرًا يستوجب الرد.
أول هذه المصادر يتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية، وبعض التنظيمات الجهادية غير الواقعة تحت سيطرة الدولة. فالتطورات الأخيرة في دمشق والشرق السوري تؤكد أن خطر مثل هذه التنظيمات لم ينتهِ بانهيار السيطرة المكانية لتنظيم الدولة، بل تحول إلى نمط خلايا نائمة وعمليات متقطعة تستهدف تقويض سلطة الدولة الجديدة. فقد أعلنت السلطات السورية أن التحقيقات الأولية في تفجيرات دمشق الأخيرة أشارت إلى صلة الخلية المنفذة بتنظيم الدولة، كما سجل التنظيم خلال عام 2026 هجمات ضد قوات الحكومة السورية في دير الزور والرقة والحسكة.
وتكمن أهمية هذا الخطر بالنسبة إلى العلاقة التركية–الإسرائيلية في أن أي هجوم من هذه التنظيمات قرب مناطق حدودية أو مواقع حساسة في الجنوب أو الشمال قد يعيد فتح سؤال قدرة دمشق، المدعومة تركيًا، على ضبط الأمن، وقد يمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها الوقائية داخل سوريا بحجة منع الفوضى أو حماية حدودها. ()
المصدر الثاني للخطر هو اتساع الصراع مع حزب الله باتجاه الساحة السورية. فإذا تحولت المواجهة الإسرائيلية–اللبنانية إلى مسار أوسع، أو إذا طُرحت سوريا كطرف في ضبط حزب الله أو قطع خطوط إمداده، كما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستمرار، فإن الأراضي السورية قد تتحول من ساحة عبور أو ضغط إلى ساحة اشتباك غير مباشر.
وقد أثارت تصريحات أمريكية حديثة حول دور محتمل لسوريا في مواجهة حزب الله قلقًا في لبنان وإسرائيل وسوريا معًا، لأن هذا السيناريو قد يدفع دمشق إلى مواجهة لا ترغب بها، أو يدفع حزب الله إلى إعادة تنشيط شبكاته داخل سوريا. وفي الحالتين، ستجد تركيا نفسها أمام معضلة مزدوجة: فهي لا تريد تمدد نفوذ حزب الله أو الميليشيات المرتبطة بإيران داخل سوريا، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تتحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للضربات الإسرائيلية أو لتصفية الحسابات الإقليمية.
أما المصدر الثالث، وربما الأكثر حساسية في الجنوب السوري، فهو ملف الدروز والسويداء. فقد أثبتت أحداث السويداء أن التوتر المحلي بين الدروز، والعشائر، والقوى الحكومية، لا يبقى محليًا بالضرورة، بل يمكن أن يستدعي تدخلًا إسرائيليًا مباشرًا تحت عنوان حماية الدروز. وقد نفذت إسرائيل ضربات ضد أهداف حكومية سورية بعد هجمات استهدفت مدنيين دروز في السويداء، في حين أظهرت تقارير لاحقة أن خطة إعادة دمج السويداء لم تحقق تقدمًا ملموسًا، وأن المحافظة بقيت خارج السيطرة الكاملة للحكومة. وبذلك يصبح ملف الدروز نقطة تماس خطيرة بين ثلاثة مستويات: مسألة داخلية سورية تتعلق بالدمج والسيادة، وذريعة إسرائيلية للتدخل في الجنوب، وقلق تركي من تفكيك الدولة السورية أو تكريس مناطق نفوذ محلية منفصلة.
وتزداد خطورة ملف الدروز كون أي سوء تقدير في الجنوب يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية. ففي أحداث السويداء عام 2025، أشارت رويترز إلى أن دمشق اعتقدت أنها تملك ضوءًا أخضر أمريكيًا وإسرائيليًا لنشر قواتها في المحافظة، قبل أن ترد إسرائيل بضربات بعد اتهام القوات الحكومية بارتكاب انتهاكات ضد الدروز. هذا النموذج يكشف أن الخطر لا ينبع فقط من نية إسرائيلية أو تركية مسبقة، بل من سوء فهم الإشارات السياسية والأمنية بين دمشق وتل أبيب وواشنطن، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على تركيا إذا كانت داعمة لترتيبات الدولة السورية الجديدة. ()
المصدر الرابع يتمثل في قوات سوريا الديمقراطية والامتدادات الكردية المسلحة. هذا العامل شديد الحساسية بالنسبة لتركيا، لأنه يتصل مباشرة بتصورها للأمن القومي وبملف حزب العمال الكردستاني. وفي الوقت الذي تحاول فيه دمشق وأنقرة الدفع نحو دمج “قسد” في بنية الدولة السورية الجديدة، ما زالت هذه العملية تواجه عقبات كبيرة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن إصلاح القطاع الأمني السوري، بما في ذلك ملف دمج “قسد”، يتأثر بقوة بالدور التركي، بينما تتابع إسرائيل هذه التحولات من زاوية أثرها على شكل سوريا الجديدة وموازين القوة داخلها. لذلك، فإن أي تقارب مباشر أو غير مباشر بين إسرائيل وبعض القوى الكردية، أو حتى مجرد قراءة تركية لاحتمال حصول ذلك، يمكن أن يحول “قسد” إلى عامل احتكاك غير مباشر بين تركيا وإسرائيل.
وهناك أيضًا مصدر خامس أقل وضوحًا لكنه مهم، يتمثل في الشبكات المحلية والمجموعات المسلحة الصغيرة والعشائر والمهربين. فهذه الجهات لا تمتلك بالضرورة مشروعًا إقليميًا واضحًا، لكنها قادرة على إنتاج حوادث أمنية ذات أثر كبير: استهداف دورية، خطف، تهريب سلاح، اشتباك على طريق استراتيجي، أو تفجير قرب موقع حساس. وفي بيئة مثل سوريا في الوقت الحالي، حيث تتداخل خطوط النفوذ بين الدولة، والقوى المحلية، والمجموعات المسلحة السابقة، والقوى الإقليمية، يمكن لحادث صغير أن يُقرأ سياسيًا على نحو أكبر من حجمه الميداني. وهذا يؤكد أهمية عدم تحليل العلاقة التركية–الإسرائيلية عبر نيات الدول فقط؛ بل يجب إدخال قدرة الفاعلين الصغار على تعطيل حسابات الدول الكبرى.
بناء على ذلك، يمكن القول إن الفاعلين غير الدولتيين لا يمثلون مجرد تفصيل إضافي في الدراسة، بل يشكلون آلية محتملة لتحويل التنافس المضبوط إلى أزمة مفتوحة. فالجماعات الداعشية غير الواقعة تحت سيطرة الدولة قد تمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع الضربات، وحزب الله قد ينقل الصراع اللبناني إلى سوريا، والدروز قد يفتحون باب تدخل إسرائيلي مباشر في الجنوب، و“قسد” قد تستفز التدخل التركي إذا بدا أنها تتحول إلى ورقة إقليمية مضادة لأنقرة. وفي كل هذه الحالات، لا تكون الحرب التركية–الإسرائيلية نتيجة قرار مباشر، بل نتيجة تداخل حوادث محلية مع إدراكات أمنية إقليمية متعارضة.
ومن ثم، فإن إدخال الفاعلين غير الدولتيين في التحليل لا يوسع قائمة المخاطر فحسب، بل يغير طبيعة السيناريوهات نفسها. فالصدام التركي–الإسرائيلي، إن وقع، قد لا يبدأ من قرار رسمي في أنقرة أو تل أبيب، بل من حادث محلي في السويداء، أو هجوم داعشي في الجنوب أو الشرق، أو تصعيد مع حزب الله يمتد إلى سوريا، أو أزمة مرتبطة بـ“قسد”. وعندها تتحول سوريا من ساحة تنافس بين مشاريع الدول إلى فضاء تنتج فيه الأطراف غير الدولتية شرارات التصعيد، بينما تجد الدول نفسها مضطرة إلى الرد ضمن حسابات أوسع من حجم الحادث الأصلي.
ثامنا: القيود الاستراتيجية وحدود الانفجار بين أنقرة وتل أبيب … “كوابح الصدام”
أولًا: من التنافس الحاد إلى “الخصومة المنضبطة”
رغم تصاعد التوتر التركي–الإسرائيلي واتساع ساحات التنافس بين الطرفين في سوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر، فإن العلاقة لا تبدو متجهة تلقائيًا نحو حرب شاملة، بل نحو نمط يمكن وصفه بـ“التنافس المقيّد”. ويعني ذلك أن الطرفين يتحركان داخل بيئة شديدة التوتر، لكنهما في الوقت نفسه محكومان بشبكة من القيود الاستراتيجية والاقتصادية والطاقوية التي تمنع انتقال التصعيد السياسي والعسكري إلى مواجهة مفتوحة. فتركيا، رغم خطابها الحاد تجاه إسرائيل منذ حرب غزة، ما تزال عضوًا رئيسيًا في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك حسابات معقدة مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن اقتصادها لا يحتمل كلفة مواجهة إقليمية واسعة.
وفي المقابل، تدرك إسرائيل أن التعامل مع تركيا يختلف جذريًا عن التعامل مع إيران أو مع الفاعلين غير الدولتيين؛ فتركيا دولة مركزية كبرى، تمتلك جيشًا نظاميًا متقدمًا، وصناعة دفاعية متنامية، وحضورًا واسعًا في سوريا وشرق المتوسط والقوقاز والبحر الأسود. ولذلك فإن أي مواجهة مباشرة معها ستكون أعلى كلفة بكثير من نمط الضربات المحدودة أو الحروب غير المباشرة التي اعتادت إسرائيل إدارتها في الساحات الأخرى. حيث يستمر التوتر ضمن سقف مضبوط رغم اتساع الخلافات وتشابك ساحات التنافس.()
ورغم أن القرار الرسمي في أنقرة وتل أبيب لا يبدو متجهًا نحو حرب مباشرة، فإن هذا لا يعني وجود إجماع كامل داخل النخب السياسية والأمنية في الطرفين على استبعاد المواجهة المستقبلية. ففي إسرائيل، توجد أصوات ترى تركيا تهديدًا استراتيجيًا صاعدًا، وربما بديلًا عن إيران في هرم التهديدات المستقبلية، بينما تدعو أصوات أخرى إلى عدم تحويل تركيا إلى “إيران جديدة” وإلى إدارة التنافس معها ببراغماتية. هذا الانقسام يجعل الخطر أكثر تعقيدًا: فالحرب قد لا تبدأ بقرار استراتيجي مباشر، بل عبر تراكم أزمات ميدانية، أو دفع قوى داخلية باتجاه اختبار الردع التركي أو الإسرائيلي.
وفي تركيا أيضًا، لا يعني تجنب المواجهة غياب الاستعداد. فالتعامل التركي مع دروس الحرب على إيران، وتصريحات المسؤولين الأتراك حول الضربات الإسرائيلية في سوريا، والخطاب المتصاعد حول دمشق وبيروت وقبرص وشرق المتوسط، كلها تعكس انتقالًا من مجرد إدانة سياسية لإسرائيل إلى تصور أوسع يرى أن السلوك الإسرائيلي قد يمس الأمن التركي بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولهذا يجب التمييز بين “غياب نية الحرب الآن” و“تزايد الاستعداد لاحتمالها مستقبلًا”.
ثانيًا: الطاقة والاعتماد المتبادل كعامل احتواء
تُعد الطاقة أحد أهم عوامل ضبط هذا التوتر. فرغم إعلان تركيا وقف التجارة مع إسرائيل عقب الحرب على غزة، بقي ملف النفط الأذربيجاني عبر خط باكو–تبليسي–جيهان أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة غير المباشرة بين الطرفين؛ وهذا يجعل الطاقة ليست مجرد ملف اقتصادي، بل أحد كوابح التصعيد، لأنها تكشف وجود مصالح عابرة للخطاب السياسي الحاد. فقد كشف تقرير لرويترز في يناير/كانون الثاني 2026 أن واردات إسرائيل من النفط الأذربيجاني عبر ميناء جيهان التركي بلغت أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات خلال 2025، رغم الحظر التجاري التركي المعلن. وتظهر هذه المعطيات أن البنية الطاقوية العابرة للحدود تملك قدرة على الاستمرار حتى عندما تصل العلاقات السياسية إلى مستويات عالية من التوتر؛ فالخط لا يربط تركيا وإسرائيل فقط، بل يضم أذربيجان وشركات طاقة دولية واتفاقيات عبور طويلة الأمد، ما يجعل استخدامه كورقة ضغط مباشرة مكلفًا لأنقرة وتل أبيب وباكو في آن واحد.()
ثالثًا: أذربيجان كقناة ضبط بين أنقرة وتل أبيب
تزداد أهمية العامل الأذربيجاني بوصفه أحد العناصر التي تمنع الانفجار الكامل بين تركيا وإسرائيل. فأذربيجان تحتفظ بعلاقات استراتيجية وثيقة مع كل من أنقرة وتل أبيب؛ فهي الحليف الأقرب لتركيا في جنوب القوقاز، وفي الوقت ذاته أحد أهم مزودي إسرائيل بالنفط، وتمتلك معها علاقات أمنية استراتيجية. ووفق تقرير نون بوست، يغطي النفط الأذربيجاني عبر خط باكو–تبليسي–جيهان نسبة كبيرة من احتياجات إسرائيل النفطية، فيما تُعد شركة “سوكار” الأذربيجانية من أكبر المستثمرين الأجانب في تركيا. هذا التشابك يجعل باكو جزءًا من “مثلث توازن” غير معلن بين أنقرة وتل أبيب، حيث تصبح الطاقة قناة احتواء أكثر منها أداة صدام. وبعبارة أخرى، فإن استمرار تدفق النفط لا يعني غياب التوتر، بل يكشف أن العلاقة محكومة بمستويات عميقة من الاعتماد المتبادل يصعب تفكيكها دون كلفة عالية.()
وتزداد أهمية العامل الأذربيجاني بوصفه أحد عناصر الضبط غير المباشر في العلاقة التركية–الإسرائيلية. فباكو تحتفظ بعلاقات استراتيجية وثيقة مع أنقرة، وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات تعاون أمنية وطاقية مع تل أبيب. لذلك لا تمثل أذربيجان مجرد طرف خارجي في التنافس، بل تشكل قناة توازن نادرة بين الطرفين، خصوصًا في لحظات التوتر السوري. وقد برز هذا الدور مع محادثات منع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل في سوريا، والتي أشارت رويترز إلى أنها بدأت في أذربيجان بهدف منع “حوادث غير مرغوبة” في ساحة تنشط فيها قوات الطرفين أو شبكات نفوذهما.
وتكمن أهمية أذربيجان أيضًا في أنها تقع عند تقاطع الطاقة والأمن. فهي من جهة حليف وثيق لتركيا في جنوب القوقاز، ومن جهة أخرى جزء من شبكات الطاقة التي تربط القوقاز وتركيا والمشرق. كما أن التقارير عن تصدير الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا تضيف بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا إلى هذا الدور، إذ تجعل باكو معنية بمنع أي انفجار تركي–إسرائيلي قد يهدد ممرات الطاقة أو مشاريع إعادة ربط سوريا إقليميًا.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في قدرة أذربيجان على حل التناقض البنيوي بين أنقرة وتل أبيب. فدورها الأرجح ليس الوساطة السياسية الشاملة، بل توفير قناة اتصال تقنية وأمنية تسمح بتقليل سوء التقدير، خاصة في سوريا. ومن هذه الزاوية، يشكل العامل الأذربيجاني كابحًا مهمًا، لكنه كابح هش ومشروط باستمرار رغبة الطرفين في ضبط التنافس لا تحويله إلى صدام مباشر.
رابعًا: استمرار العلاقات الاقتصادية رغم التصعيد السياسي
لا يقتصر هذا القيد على الطاقة وحدها، بل يمتد إلى التجارة وشبكات الالتفاف الاقتصادي. فقد أظهرت تقارير عدة أن إعلان القطيعة التجارية لم يؤدِ بالضرورة إلى توقف كامل للتدفقات، بل دفع بعضها إلى مسارات غير مباشرة عبر دول وسيطة أو وثائق شحن مختلفة. كما أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن تركيا وسّعت لاحقًا قيودها لتشمل إغلاق المجال الجوي أمام بعض الطائرات الإسرائيلية وتقييد التجارة البحرية المرتبطة بإسرائيل، لكنها فعلت ذلك بطريقة انتقائية ومدروسة لا ترقى إلى مواجهة اقتصادية شاملة. وهذا يعكس أن أنقرة تسعى إلى رفع كلفة السلوك الإسرائيلي سياسيًا ورمزيًا، من دون أن تدفع العلاقة إلى انهيار كامل قد يرتد عليها اقتصاديًا أو دبلوماسيًا.()
خامسًا: سوريا وآليات منع الاحتكاك الأمني
من الناحية الأمنية، تُظهر محادثات منع الاحتكاك في سوريا أن الطرفين يدركان خطورة الانزلاق غير المقصود. فقد أكدت رويترز أن مسؤولين أتراكًا وإسرائيليين بدأوا محادثات في أذربيجان بهدف منع “حوادث غير مرغوبة” في سوريا، حيث تنشط قوات الطرفين أو شبكات نفوذهما في المجال نفسه. وهذا بحد ذاته مؤشر مهم؛ فالدول لا تنشئ آليات منع احتكاك إلا عندما تدرك أن احتمال التصادم الميداني صار واقعيًا. غير أن وجود هذه الآليات يعني أيضًا أن الطرفين لا يريدان ترك الساحة السورية تتحول إلى مسار تصعيد غير مضبوط.
ويؤكد تحليل وكالة أسوشيتد برس المعنى نفسه، إذ أشارت إلى أن تركيا وإسرائيل دخلتا في محادثات تقنية لمنع صدام عرضي داخل سوريا، في ظل قلق إسرائيلي من أي توسع عسكري تركي هناك، مقابل تأكيد تركي أن أنشطتها لا تستهدف طرفًا ثالثًا وتندرج ضمن حماية مصالحها وأمنها القومي. وهذا يعني أن سوريا تمثل في الوقت نفسه ساحة الخطر وساحة الضبط: فهي أكثر مكان يمكن أن يحدث فيه احتكاك، لكنها أيضًا المكان الذي يدفع الطرفين إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.()
سادسًا: الدور الأمريكي وقيود النظام الإقليمي
كما تلعب الولايات المتحدة وحلف الناتو دورًا غير مباشر في منع الانفجار. فتركيا ليست فاعلًا معزولًا، بل عضو في الناتو، وتتمتع بعلاقات دفاعية مع الغرب رغم التوترات المتكررة. ولذلك فإن أي مواجهة إسرائيلية–تركية ستضع واشنطن أمام معضلة شديدة التعقيد بين حليفين مهمين في بنيتها الإقليمية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن تركيا، بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بدأت تتحسب لشرق أوسط جديد أكثر اضطرابًا، لكنها لا تزال تتحرك ضمن سياسة “الانتظار الحذر” ومحاولة بناء توازنات إقليمية لا تصل إلى المواجهة المباشرة.()
سابعًا: التصعيد الخطابي وحدود الحرب
لا يكفي تحليل الخطاب التصعيدي بوصفه مؤشرًا على اقتراب الحرب؛ ففي كثير من الحالات يؤدي الخطاب وظيفة مزدوجة: رفع الكلفة السياسية على الخصم، مع إبقاء التصعيد العسكري تحت السيطرة.
تكمن المفارقة في أن الطرفين يحتاجان إلى التصعيد السياسي بقدر حاجتهما إلى ضبطه. ففي تركيا، يوفر الخطاب الحاد تجاه إسرائيل أداة داخلية لامتصاص الغضب الشعبي من حرب غزة وتأكيد موقع أنقرة القيادي في الدفاع عن القضية الفلسطينية. وفي إسرائيل، يُستخدم تصوير تركيا كتهديد صاعد لتبرير توسيع التحالفات مع اليونان وقبرص وبعض القوى الإقليمية، وتعزيز سردية أن إسرائيل تواجه بيئة إقليمية معادية ومتغيرة. لكن هذا التصعيد الخطابي لا يعني بالضرورة استعدادًا للحرب، بل قد يكون أداة لإدارة الردع والتموضع السياسي. وقد وصفت دراسة صادرة عن ELIAMEP العلاقة بين تركيا وإسرائيل بأنها ليست علاقة حلفاء ولا أعداء مطلقين، بل علاقة قوتين إقليميتين تتنازعان ضمن ساحات متداخلة وتحافظان في الوقت نفسه على حسابات تمنع القطيعة الكاملة.()
ثامنًا: حالة من التوتر المدار بعناية
ومع ذلك، لا ينبغي أن تُفهم “الحرب المؤجلة” باعتبارها ضمانة دائمة ضد الصدام. فهي ليست حالة استقرار، بل حالة توتر مُدار. فالخطر الحقيقي لا يكمن في قرار مباشر بالحرب، بل في حادث ميداني غير محسوب داخل سوريا: ضربة إسرائيلية قرب موقع مرتبط بتركيا، إسقاط طائرة مسيرة، استهداف رادار أو منشأة تدريب، أو توسع إسرائيلي في الجنوب السوري تراه أنقرة تهديدًا لوحدة الدولة السورية. في مثل هذه الحالة، قد تجد القيادات السياسية نفسها مضطرة للرد تحت ضغط الرأي العام أو الحسابات العسكرية، حتى لو لم تكن ترغب أصلًا في التصعيد.
وعليه، فإن الحرب بين تركيا وإسرائيل تبقى مؤجلة لا لأن التناقضات بينهما ضعيفة، بل لأن كلفة تفجيرها أعلى من مكاسبها المباشرة. فالطاقة، والتجارة غير المباشرة، وأذربيجان، والناتو، والولايات المتحدة، وآليات منع الاحتكاك، كلها تعمل ككوابح للتصعيد. لكن هذه الكوابح لا تلغي التنافس البنيوي، بل تضبط إيقاعه مؤقتًا. ومن هنا، فإن النموذج الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور ليس الحرب الشاملة، بل “تنافس مقيّد” تتخللها أزمات متكررة، ورسائل ردع، واحتكاكات محدودة، ومحاولات مستمرة لمنع الانفجار الكامل.
تاسعاً: السيناريوهات المحتملة لمسار التنافس التركي–الإسرائيلي
بعد تحليل التحولات الإقليمية، وتغير قواعد الاشتباك في سوريا، واتساع الإدراك الأمني التركي تجاه إسرائيل، وصعود الحساسية الإسرائيلية من الدور التركي في سوريا وشرق المتوسط، يمكن الانتقال إلى بناء مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمسار العلاقة التركية–الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة. ولا تهدف هذه السيناريوهات إلى التنبؤ الحتمي، بل إلى تحديد الاتجاهات الممكنة بناءً على المؤشرات السياسية والعسكرية والجيوسياسية القائمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأوضاع الإقليمية شديدة الحركة، وعرضة للتغيرات المفاجئة، وأن ترجيح أي سيناريو يتغير بحسب المدى الزمني، وطبيعة الفاعلين المنخرطين، وقدرة قنوات الضبط على منع سوء التقدير.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل دخلت مرحلة تنافس استراتيجي طويل الأمد، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى العداء العسكري المفتوح. فالمواقف الرسمية الراهنة لا تشير إلى وجود قرار مؤسسي معلن لدى أنقرة أو تل أبيب بخوض مواجهة مباشرة، كما أن بدء محادثات منع الاحتكاك بين الطرفين يعكس إدراكًا متبادلًا بأن احتمالات التصادم غير المقصود باتت واقعية بما يكفي لتستدعي آليات ضبط ميدانية.
غير أن غياب القرار الرسمي بالحرب لا يعني وجود إجماع كامل داخل النخب السياسية والأمنية على استبعادها؛ فهناك أصوات إسرائيلية تنظر إلى تركيا بوصفها التهديد الاستراتيجي التالي بعد إيران، وتدفع نحو التعامل معها باعتبارها قوة إقليمية صاعدة ينبغي كبحها مبكرًا. وفي المقابل، تعكس القراءة التركية لدروس حرب الـ12 يومًا مع إيران قناعة متزايدة بأن البيئة الأمنية المقبلة قد تكون أكثر اضطرابًا، وأن الاستعداد للحرب لا يعني بالضرورة الرغبة فيها، بل الاستعداد لاحتمال فرضها بفعل انهيار قواعد الردع أو توسع السلوك الإسرائيلي في سوريا ولبنان وشرق المتوسط.
وعليه، فإن دراسة السيناريوهات لا ينبغي أن تنطلق من سؤال واحد هو: هل تريد تركيا وإسرائيل الحرب؟ بل من سؤال أكثر دقة: هل باتت البيئة العملياتية والسياسية قادرة على إنتاج مواجهة، حتى في غياب قرار مسبق بها؟ هنا تبرز أهمية الفاعلين غير الدولتيين؛ إذ يمكن لجماعات جهادية خارج سيطرة الدولة، أو حزب الله، أو مجموعات من الدروز، أو قوات سوريا الديمقراطية، أو مجموعات محلية مسلحة، أن تنتج شرارات تصعيد لا تتحكم بها الدول بالكامل، لكنها تضطر لاحقًا للرد عليها ضمن حسابات أوسع من حجم الحدث الأصلي.
السيناريو الأول: الاحتواء المتوتر واستمرار التنافس المنضبط
المدى الزمني: قصير إلى متوسط
مستوى الترجيح: الأعلى في المدى القريب
يقوم هذا السيناريو على بقاء العلاقة التركية–الإسرائيلية ضمن حدود التنافس السياسي والأمني دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة. وفي هذا المسار، يستمر الخطاب التركي الحاد تجاه إسرائيل، خصوصًا في ما يتعلق بغزة وسوريا ولبنان وشرق المتوسط، وتواصل إسرائيل عملياتها العسكرية داخل سوريا، لكنها تحرص على عدم استهداف مصالح تركية مباشرة أو مواقع يُفهم استهدافها على أنه اختبار متعمد للردع التركي. وفي المقابل، تستمر تركيا في دعم الحكومة السورية الجديدة، وبناء نفوذها السياسي والأمني داخل سوريا، من دون نشر قدرات عسكرية نوعية تراها إسرائيل تهديدًا مباشرًا لحريتها العملياتية.
يدعم هذا السيناريو وجود مصلحة لدى دوائر القرار الرسمية، في المرحلة الراهنة، في تجنب الحرب المباشرة. فتركيا تدرك أن مواجهة عسكرية مع إسرائيل ستعقّد علاقتها بالولايات المتحدة والغرب، في وقت تتجه فيه هذه العلاقة للتحسن، وتزداد أهمية تركيا بالنسبة لحلف الناتو ()، وقد تفتح عليها كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية مرتفعة، خاصة في ظل انخراطها في ملفات سوريا، والبحر الأسود، والقوقاز، وشرق المتوسط. وفي المقابل، لا تبدو إسرائيل راغبة في إضافة جبهة مفتوحة مع قوة إقليمية كبرى مثل تركيا، في وقت لا تزال فيه منشغلة بملفات غزة ولبنان وإيران وسوريا.
وتُعد محادثات منع الاحتكاك التي جرت في أذربيجان مؤشرًا مهمًا على قابلية هذا السيناريو للتحقق؛ فهي تكشف أن الطرفين يدركان خطر الحوادث غير المقصودة، ويحاولان ضبط المجال السوري عبر قنوات اتصال فنية وأمنية. غير أن هذه القنوات لا تعني غياب التنافس، بل تعني أن التنافس وصل إلى مستوى يحتاج إلى إدارة ميدانية. ومن ثم، فإن الاحتواء هنا ليس مصالحة، بل إدارة مؤقتة للتوتر.
إلا أن هذا السيناريو يبقى هشًا لثلاثة أسباب. الأول أن إسرائيل قد تواصل توسيع عملياتها في سوريا تحت عنوان منع التهديدات، خاصة في ضوء النهج الاستراتيجي الإسرائيلي التوسعي في الفترة الأخيرة، وهو ما قد تراه تركيا إضعافًا ممنهجًا للدولة السورية الجديدة. والثاني أن تركيا قد تتجه تدريجيًا إلى تعميق دعمها العسكري والأمني لدمشق، بما يثير حساسية إسرائيلية متزايدة. أما الثالث فيتعلق بالفاعلين غير الدولتيين؛ إذ يمكن لهجوم تنفذه خلية جهادية، أو حادث في الجنوب السوري، أو اشتباك مرتبط بالدروز أو “قسد”، أن يضعف قدرة الطرفين على إبقاء التنافس ضمن حدوده المنضبطة.
لذلك، يبقى هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، لكنه لا يمثل استقرارًا حقيقيًا، بل حالة من الخصومة المنضبطة التي يمكن أن تتآكل تدريجيًا إذا تعددت الحوادث الميدانية أو ضعفت قنوات الوساطة الأمريكية والأذربيجانية.
السيناريو الثاني: حرب داخل سوريا دون مواجهة تركية–إسرائيلية مباشرة
المدى الزمني: قصير إلى متوسط
مستوى الترجيح: مرتفع إذا انفجرت الساحة السورية داخليًا
لا يقتصر الاحتمال الأخطر على وقوع احتكاك مباشر بين تركيا وإسرائيل؛ فهناك سيناريو أكثر واقعية يتمثل في اندلاع حرب داخل سوريا أو موجة تصعيد سورية واسعة، لا تكون بالضرورة حربًا تركية–إسرائيلية مباشرة، لكنها تتحول إلى ساحة اختبار بين مشروعين إقليميين متعارضين. في هذا السيناريو، تصبح سوريا نفسها مركز التصعيد، بينما تتحرك تركيا وإسرائيل حول الحرب أو داخلها بوسائل مختلفة، دون أن يعلنا مواجهة مباشرة بينهما.
يقوم هذا السيناريو على احتمال فشل الدولة السورية الجديدة في ضبط التناقضات الداخلية، خصوصًا في الجنوب والشمال والشرق. فقد يؤدي انفجار ملف الدروز في السويداء أو القنيطرة أو درعا إلى تدخل إسرائيلي مباشر تحت عنوان حماية الأقليات أو منع التهديد قرب الجولان. وفي المقابل، قد ترى تركيا أن هذا التدخل يكرّس تفكيك سوريا ويمنع بناء دولة مركزية مستقرة. وهكذا يتحول ملف محلي إلى نقطة تضارب بين الرؤية التركية لسوريا موحدة، والرؤية الإسرائيلية لسوريا منخفضة القدرة ومقيدة السيادة العسكرية.
كما يمكن أن يأتي التصعيد من ملف “قسد” والامتدادات الكردية المسلحة. فإذا تعثرت عملية دمج “قسد” في الدولة السورية الجديدة، أو إذا رأت أنقرة أن هناك دعمًا إسرائيليًا مباشرًا أو غير مباشر لقوى كردية مسلحة، فقد تتجه تركيا إلى تصعيد عسكري أو أمني في الشمال والشرق. وفي هذه الحالة، قد لا تكون إسرائيل طرفًا مباشرًا في القتال، لكنها قد تدخل في الحسابات التركية بوصفها أحد الأطراف التي تستفيد من إضعاف الدولة السورية أو من استمرار اللامركزية القسرية.
أما عامل الجماعات الخارجة عن سيطرة الدولة فيمثل خطرًا إضافيًا. فعودة تنظيم الدولة أو خلايا جهادية إلى تنفيذ هجمات في مناطق حساسة، خصوصًا قرب خطوط تماس أو مواقع حدودية، قد تضعف صورة الدولة السورية الجديدة، وتمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها داخل سوريا، بينما تدفع تركيا إلى تعزيز حضورها الأمني والعسكري بحجة حماية الاستقرار ومنع عودة الفوضى. وفي بيئة كهذه، لا يكون الخطر في الهجوم نفسه فقط، بل في الطريقة التي ستقرأه بها الأطراف الإقليمية.
كذلك قد يؤدي اتساع الصراع بين إسرائيل وحزب الله إلى امتداد المواجهة نحو سوريا، سواء عبر خطوط إمداد، أو ضربات إسرائيلية داخل الأراضي السورية، أو محاولات لإعادة تموضع قوى مرتبطة بمحور إيران. وهنا ستجد تركيا نفسها أمام معضلة دقيقة: فهي لا تريد عودة الميليشيات الإيرانية أو توسع حزب الله داخل سوريا، لكنها لا تريد أيضًا أن تتحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للضربات الإسرائيلية المستمرة.
بناءً على ذلك، فإن هذا السيناريو قد يكون أكثر احتمالًا من المواجهة التركية–الإسرائيلية المباشرة. فالحرب قد تندلع داخل سوريا أولًا، ثم تُجبر تركيا وإسرائيل على التموقع حولها. وفي هذه الحالة، يصبح الصراع على سوريا صراعًا على تعريف الدولة نفسها؛ هل تكون دولة مركزية مدعومة تركيًا وقادرة على احتكار العنف؟ أم دولة منخفضة القدرة، مفتوحة لترتيبات أمنية محلية ومناطق نفوذ، بما يطمئن إسرائيل لكنه يقلق تركيا؟
السيناريو الثالث: الاحتكاك التركي–الإسرائيلي المحدود داخل سوريا
المدى الزمني: قصير إلى متوسط
مستوى الترجيح: متوسط، لكنه عالي الخطورة
يفترض هذا السيناريو وقوع احتكاك ميداني محدود بين تركيا وإسرائيل داخل سوريا، دون أن يتطور فورًا إلى حرب شاملة. وقد يأخذ هذا الاحتكاك صورة استهداف إسرائيلي لموقع سوري توجد فيه معدات أو مستشارون أتراك، أو ضربة على قاعدة يجري إعدادها بدعم تركي، أو اعتراض تركي غير مباشر على عملية إسرائيلية، أو حادث جوي يتعلق بطائرة مسيرة أو منظومة رادار أو دفاع جوي.
تستند واقعية هذا السيناريو إلى أن سوريا أصبحت ساحة مزدحمة بالفاعلين العسكريين، وأن تحركات تركيا وإسرائيل بدأت تتقاطع في المجال الجغرافي ذاته. فإسرائيل لم تعد معنية فقط بمنع التموضع الإيراني، بل باتت تراقب احتمالات إعادة بناء القدرات السورية بدعم تركي. وفي المقابل، لم تعد تركيا تنظر إلى الضربات الإسرائيلية باعتبارها عمليات ضد إيران فقط، بل باعتبارها عاملًا قد يضعف الدولة السورية الجديدة ويقيد الدور التركي في إعادة تشكيلها.
وتزداد قابلية تحقق هذا السيناريو إذا اتجهت تركيا إلى تعميق حضورها العسكري في سوريا، خصوصًا عبر التدريب، أو استخدام قواعد، أو دعم منظومات دفاع جوي، أو تطوير قدرات الجيش السوري الجديد. فإسرائيل سترى في هذه الخطوات تهديدًا مستقبليًا لحريتها العملياتية، بينما تراها تركيا جزءًا من إعادة بناء الدولة السورية وضبط الفوضى. وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح سوء التقدير ممكنًا: ما تعتبره إسرائيل إجراءً وقائيًا قد تعتبره تركيا استهدافًا لنفوذها أو مساسًا بترتيباتها الأمنية.
يلعب الفاعلون غير الدولتيين دورًا مهمًا في هذا السيناريو أيضًا. فقد تؤدي عملية تنفذها جماعة جهادية ضد موقع حساس إلى رد إسرائيلي واسع، أو قد يؤدي اشتباك في السويداء إلى ضربة إسرائيلية ضد قوات حكومية سورية مدعومة تركيًا، أو قد يستفز تحرك من “قسد” عملية تركية تقرأها إسرائيل ضمن صراع أوسع على شكل سوريا. في كل هذه الحالات، قد لا يكون الحادث تركيًا–إسرائيليًا في بدايته، لكنه قد يتحول إلى أزمة بين الطرفين بسبب اختلاف تفسيره.
ومن المرجح، إذا وقع احتكاك محدود، أن يسعى الطرفان إلى احتوائه بسرعة عبر وساطة أمريكية أو أذربيجانية أو عبر قنوات منع الاحتكاك نفسها. وقد يترافق ذلك مع تصعيد إعلامي، واستدعاء سفراء، وتجميد قنوات دبلوماسية، وربما تهديدات عسكرية محدودة. لكن الخطر يكمن في أن تكرار هذا النمط قد ينقل العلاقة من احتكاك عابر إلى معادلة ردع غير مستقرة.
السيناريو الرابع: التصعيد غير المباشر عبر الفاعلين المحليين وإعادة هندسة الدولة السورية
المدى الزمني: متوسط إلى طويل
مستوى الترجيح: مرتفع على المدى المتوسط
يقوم هذا السيناريو على تجنب الطرفين المواجهة المباشرة، مع انتقال التنافس إلى أدوات غير مباشرة داخل الساحة السورية. وهنا لا يكون الصراع بين تركيا وإسرائيل عسكريًا مباشرًا، بل صراعًا على شكل الدولة السورية الجديدة، وعلى الجهات التي ستملك القدرة على التأثير في مؤسساتها الأمنية والعسكرية ومناطقها الهشة.
في هذا المسار، قد تعمل إسرائيل عسكريًا على إبقاء الجنوب السوري ضمن وضع أمني خاص، منخفض التهديد، ومحدود السيادة العسكرية، سواء عبر الضربات، أو التوغلات، أو الترتيبات المحلية، أو دعم شبكات اجتماعية وأمنية في مناطق حساسة. وفي المقابل، تسعى تركيا إلى دعم دولة سورية أكثر مركزية، قادرة على ضبط الشمال والشرق والجنوب، واحتواء “قسد”، ومنع عودة التنظيمات الجهادية، وتقليص التدخلات الخارجية.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه قد يستمر طويلًا دون أن يظهر كحرب معلنة. فإسرائيل قد تقول إنها تتحرك فقط لحماية أمنها ومنع التهديدات، وتركيا قد تقول إنها تدعم الاستقرار ووحدة سوريا، لكن النتيجة العملية هي صراع تدريجي على هندسة المجال السوري. وفي هذا النوع من الصراع، يصبح الفاعلون غير الدولتيين أدوات أو محفزات أو ذرائع: الدروز في الجنوب، “قسد” في الشمال والشرق، الخلايا الجهادية في البادية والشرق، حزب الله إذا امتد التصعيد اللبناني إلى سوريا، والمجموعات المحلية المسلحة أو العشائرية التي قد تُستخدم أو تُستفز أو تنفلت من السيطرة.
هذا السيناريو هو الأقرب إلى منطق الاستنزاف المُدار؛ إذ لا يسعى أي طرف بالضرورة إلى الحسم الكامل، بل إلى منع الطرف الآخر من تثبيت مشروعه. فإسرائيل لا تحتاج إلى حرب مباشرة مع تركيا كي تعرقل تشكل دولة سورية قوية مدعومة تركيًا، وتركيا لا تحتاج إلى صدام مباشر مع إسرائيل كي تعمل على تقليص أثر الترتيبات الإسرائيلية في الجنوب. وبهذا المعنى، يصبح التنافس طويل الأمد، منخفض الكثافة، لكنه عالي الأثر، لأنه يراكم انعدام الثقة ويجعل أي حادث لاحق أكثر قابلية للتفجر.
السيناريو الخامس: انتقال مركز التصعيد إلى لبنان وقبرص وشرق المتوسط
المدى الزمني: متوسط إلى طويل
مستوى الترجيح: متوسط، لكنه مرشح للارتفاع إذا تعقدت ملفات الطاقة والبحر ولبنان
لا يقتصر التنافس التركي–الإسرائيلي على سوريا. فقد أظهرت المعطيات الأخيرة أن الخطاب التركي بدأ يربط بين أربع ساحات حساسة: دمشق، بيروت، قبرص، وشرق المتوسط. وهذا يعني أن أي تصعيد في واحدة من هذه الساحات قد ينعكس على بقية الساحات، لأن أنقرة باتت تقرأ التحركات الإسرائيلية ضمن شبكة واحدة تتعلق بالأمن، والطاقة، والموانئ، والمياه، والممرات البحرية.
في هذا السيناريو، قد ينتقل مركز الثقل من سوريا إلى لبنان إذا توسع الصراع بين إسرائيل وحزب الله، أو إذا حاولت إسرائيل إعادة تشكيل البيئة الأمنية اللبنانية بما يمس الموانئ أو المياه الاقتصادية أو موارد الطاقة. وهنا قد ترى تركيا أن بيروت ليست ملفًا لبنانيًا فقط، بل جزءًا من معادلة شرق المتوسط، خاصة إذا ارتبط التصعيد بحقول الغاز، أو الموانئ، أو خطوط الربط التجارية.
وقد ينتقل التصعيد أيضًا إلى قبرص وشرق المتوسط. فتعميق التعاون الإسرائيلي مع اليونان والإدارة القبرصية اليونانية، خصوصًا في مجالات الأمن والطاقة والمناورات العسكرية والكابلات البحرية، قد يدفع تركيا إلى رفع مستوى حضورها البحري والدبلوماسي. وفي المقابل، قد ترى إسرائيل أن تركيا تستخدم عقيدة “الوطن الأزرق” لتقييد مشاريع الربط الإسرائيلية–الأوروبية أو لعرقلة اصطفافاتها مع قبرص واليونان.
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حربًا بحرية مباشرة، لكنه يعني تعميق الاصطفافات المرنة: إسرائيل مع اليونان وقبرص وبعض الشركاء الغربيين والعرب، وتركيا عبر تعزيز حضورها البحري، وتوسيع شراكاتها الإقليمية، وتأكيد حقوقها في قبرص وشمالها وشرق المتوسط. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا إلى انتقال التنافس من سوريا وحدها إلى مجال جيوسياسي أوسع، تصبح فيه الطاقة والموانئ والكابلات والممرات جزءًا من معادلة الردع.
وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يوسّع جغرافيا الأزمة. فإذا وقع احتكاك في سوريا، قد يُقرأ في أنقرة ضمن سياق أوسع يشمل قبرص وشرق المتوسط. وإذا وقع توتر بحري، قد ينعكس على الحسابات التركية والإسرائيلية داخل سوريا. وبهذا، لا تعود الساحات منفصلة، بل تتحول إلى شبكة ضغط متبادلة.
السيناريو السادس: الانفجار الإقليمي الواسع والردع غير المستقر
المدى الزمني: طويل، أو متوسط إذا تراكمت أزمات متزامنة
مستوى الترجيح: الأقل في المدى القريب، الأعلى خطورة
يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأخطر، وإن كان الأقل ترجيحًا في المدى القريب. يقوم هذا المسار على تزامن عدة عوامل تصعيدية: انهيار آليات منع الاحتكاك في سوريا، وقوع ضربة إسرائيلية تمس مصالح تركية مباشرة، اتساع الصراع مع حزب الله إلى سوريا، انفجار ملف الدروز بصورة تستدعي تدخلًا إسرائيليًا واسعًا، تصعيد تركي ضد “قسد” يُقرأ إسرائيليًا ضمن معادلة إقليمية أوسع، أو دخول شرق المتوسط في أزمة بحرية أو طاقية حادة، فضلًا عن اتساع نطاق الحرب الإقليمية مع إيران وخروجه عن السيطرة بما يفجر الصراع في المنطقة بأسرها.
في هذه الحالة، قد تنتقل العلاقة من التنافس المنضبط إلى مواجهة أوسع، ليس بالضرورة عبر حرب تركية–إسرائيلية شاملة ومعلنة، بل عبر سلسلة أزمات متزامنة تجعل الاحتواء أكثر صعوبة. فمثلًا، إذا استهدفت إسرائيل موقعًا سوريًا فيه مستشارون أو معدات تركية، أو إذا رأت تركيا أن إسرائيل تعمل بصورة مباشرة على إفشال ترتيباتها الأمنية في سوريا، أو إذا تزامن ذلك مع تصعيد في لبنان أو شرق المتوسط، فقد تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى رد سياسي أو عسكري محدود. وقد ترد إسرائيل بدورها، ليس لأنها قررت خوض حرب كبرى مع تركيا، بل لأنها ترى أن عدم الرد سيضعف ردعها.
ويزداد خطر هذا السيناريو بسبب وجود أصوات داخل إسرائيل تنظر إلى تركيا بوصفها التهديد الاستراتيجي التالي بعد إيران. هذه الأصوات قد لا تكون صاحبة القرار النهائي، لكنها قادرة على التأثير في البيئة السياسية والإعلامية والأمنية، ودفع النقاش الإسرائيلي نحو اختبار تركيا أو كبحها مبكرًا. وفي المقابل، توجد داخل تركيا قناعة متنامية بأن الحرب مع إسرائيل، أو على الأقل مواجهة كبرى معها، هي احتمال لا يمكن تجاهله، وهو ما يفسر التركيز التركي على دروس حرب الـ12 يومًا على إيران، وتعزيز الدفاع الجوي، والجبهة الداخلية، والصناعات الدفاعية، والقدرات البحرية والجوية.
ومع ذلك، توجد قيود قوية تحد من تحقق هذا السيناريو. فتركيا وإسرائيل ترتبطان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وكلاهما يدرك أن الحرب المباشرة ستكون مرتفعة الكلفة. كما أن الناتو، والاقتصاد، وملفات الطاقة، وتشابك ساحات الإقليم، تجعل الانفجار الشامل خيارًا محفوفًا بمخاطر يصعب ضبطها. لكن هذه القيود لا تلغي احتمال التصعيد، بل تجعله أقرب إلى نمط ردع غير مستقر: أي حالة لا يريد فيها الطرفان حربًا شاملة، لكنهما يتحركان داخل بيئة قد تنتج الحرب عبر خطأ في التقدير، أو حادث ميداني، أو ضغط من فاعلين غير دولتيين، أو انهيار قنوات الضبط.
التقدير العام للسيناريوهات
بناءً على المؤشرات الحالية، يبدو أن المسار الأكثر ترجيحًا في المدى القصير هو مزيج بين الاحتواء المتوتر والتنافس غير المباشر داخل سوريا. فالعلاقة التركية–الإسرائيلية مرشحة للاستمرار ضمن نمط تنافسي حاد، تتخلله أزمات سياسية، وضربات إسرائيلية في سوريا، واعتراضات تركية، مع استمرار قنوات فنية لمنع الصدام المباشر. لكن هذا الاحتواء لا يعني الاستقرار، بل يعني أن التنافس ما زال قابلًا للإدارة.
أما في المدى المتوسط، فإن السيناريو الأكثر حساسية هو تحول سوريا إلى ساحة حرب داخلية أو تصعيد متعدد الطبقات، حيث تتداخل ملفات الدروز، و“قسد”، والخلايا الداعشية، وحزب الله، والمجموعات المحلية المسلحة، مع التنافس التركي–الإسرائيلي على شكل الدولة السورية الجديدة. في هذا المدى، لا تكون الحرب المباشرة بين أنقرة وتل أبيب هي الاحتمال الأرجح، بل يكون الأخطر هو حرب داخل سوريا تستدعي تموضع الطرفين حولها وتزيد احتمالات الاحتكاك بينهما.
وفي المدى الطويل، يبرز احتمال الردع التركي–الإسرائيلي غير المستقر. فكلما تعمق الحضور التركي في سوريا، وتوسعت إسرائيل في سياسة الضربات الوقائية والمناطق العازلة، وتزايدت الاصطفافات في شرق المتوسط، وجرى إدخال لبنان وقبرص ضمن معادلة الأمن المتبادل، أصبح التنافس أكثر بنيوية وأقل قابلية للحل السريع. وهنا لا يكون السؤال المركزي هو ما إذا كان الطرفان يريدان الحرب الآن، بل ما إذا كانا قادرين على منع البيئة المتحركة من إنتاجها لاحقًا.
وعليه، لا نرجح في هذه الدراسة حربًا تركية–إسرائيلية مباشرة في المدى القريب، لكننا نرجح استمرار تنافس مقيد وقابل لإنتاج أزمات محدودة. أما الخطر الحقيقي فيكمن في تراكم ثلاثة عوامل: تعميق الوجود العسكري التركي داخل سوريا بما تشعر معه إسرائيل بالتهديد الحقيقي، توسع الضربات الإسرائيلية باتجاه مواقع أو ترتيبات مرتبطة بأنقرة، وفشل آليات منع الاحتكاك في ضبط الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين. فإذا تداخلت هذه العوامل مع انفجار ملف الدروز، أو تصعيد مع حزب الله، أو أزمة حول “قسد”، أو احتكاك بحري في شرق المتوسط، فقد ينتقل التنافس من مستوى الإدارة إلى مستوى الأزمة المفتوحة. قد يرتفع هذا الإحتمال إذا ما تصاعدت الحرب الإيرانية إلى مستوى الحرب الإقليمية الشاملة.
بذلك، فإن السيناريو الأكثر دقة ليس “الحرب” ولا “الاستقرار”، بل الاستنزاف المُدار داخل بيئة ردع غير مستقرة؛ أي استمرار التنافس ضمن سقف مضبوط مؤقتًا، مع بقاء احتمالات الانفجار كامنة في الساحات الهشة، وعلى رأسها سوريا، ثم لبنان وقبرص وشرق المتوسط.
عاشراً: الخلاصة
تخلص الدراسة إلى أن العلاقة التركية–الإسرائيلية لا تتجه بالضرورة نحو حرب مباشرة وشيكة، لكنها خرجت من إطار الخلاف السياسي التقليدي إلى تنافس بنيوي متعدد الساحات. فسوريا لم تعد مجرد ساحة جانبية للصراع، بل أصبحت نقطة التقاطع الأهم بين التصور التركي للأمن الإقليمي، القائم على وحدة سوريا واستقرارها ومنع الكيانات الانفصالية، والتصور الإسرائيلي القائم على منع تشكل أي بنية عسكرية أو سياسية قد تحد من حرية حركتها في الجنوب السوري والجبهة الشمالية. وتؤكد الدراسات والتحليلات الحديثة أن الطرفين يحملان رؤيتين متعارضتين لسوريا الجديدة؛ تركيا تدفع نحو دولة مركزية مستقرة، بينما تفضّل إسرائيل سوريا مفككة ومنخفضة القدرة العسكرية ومقيدة السيادة الأمنية.
كما أن شرق المتوسط لم يعد ملفًا طاقيًا منفصلًا، بل تحول إلى مساحة لإعادة تشكيل النفوذ عبر الغاز، والممرات، والكابلات، والتحالفات البحرية، وشبكات الربط بين الخليج وأوروبا. وفي هذا السياق، ترى تركيا أن اصطفاف إسرائيل مع اليونان وقبرص وبعض القوى الإقليمية قد يهدف إلى تقليص موقعها الجيوسياسي، بينما ترى إسرائيل أن صعود تركيا في سوريا والممرات البرية والبحرية قد يقيّد هامشها الاستراتيجي. وتبرز قبرص هنا بوصفها عقدة مركزية في الإدراك التركي، لا باعتبارها نزاعًا جزيريًا فحسب، بل بوصفها امتدادًا لأمن الأناضول وركيزة في عقيدة “الوطن الأزرق”.
وتؤكد الدراسة أن نتائج الحرب الإسرائيلية–الإيرانية لا ينبغي قراءتها باعتبارها لحظة حسم أو فراغًا إيرانيًا بسيطًا، بل باعتبارها عاملًا زاد سيولة النظام الإقليمي ودفع كلًا من أنقرة وتل أبيب إلى إعادة حساب موقعه في الشرق الأوسط الجديد. فإيران لم تختف من المعادلة، وإسرائيل لم تحصل على تفوق مستقر بلا كلفة، وتركيا لم تعد تراقب التحولات من الخارج، بل بدأت تقرأ نفسها كطرف معني مباشرة بنتائج الحرب وتداعياتها على سوريا ولبنان وشرق المتوسط.
وفي ضوء ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير هو استمرار الاحتواء المتوتر مع احتمالات احتكاك محدودة، خاصة في سوريا. أما على المدى المتوسط، فتزداد خطورة التصعيد داخل سوريا، لا سيما إذا انفجرت ملفات الجنوب السوري، أو “قسد”، أو الدروز، أو بقايا الفاعلين المحليين المسلحين. وعلى المدى المتوسط/الطويل، قد تنتقل الأزمة إلى لبنان أو قبرص أو شرق المتوسط، بما يجعل العلاقة التركية–الإسرائيلية شبكة توتر متعددة الساحات، لا مجرد تنافس موضعي في سوريا.
أما على المدى الطويل، فقد تتجه العلاقة إلى ردع تركي–إسرائيلي غير مستقر، حيث لا تكون الحرب مقصودة بالضرورة، لكنها تصبح أكثر قابلية للحدوث نتيجة تراكم التسلح، وسوء التقدير، وتعدد الفاعلين غير الدولتيين، وغياب قواعد اشتباك راسخة. وبهذا المعنى، لا تكمن خطورة المرحلة في أن تركيا وإسرائيل ذاهبتان حتمًا إلى الحرب، بل في أن البيئة التي تتحركان داخلها باتت أكثر قابلية لإنتاج الحرب حتى دون قرار مسبق بها. وهذا هو جوهر التحول؛ من خلاف سياسي قابل للاحتواء، إلى تنافس إقليمي مركب يحتاج إلى قواعد ضبط واضحة، وإلا فإن سوريا وشرق المتوسط ولبنان وقبرص قد تتحول من ساحات تنافس إلى ساحات احتكاك مفتوح.




