نحن والعالم عدد 25 يوليو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 13 يوليو 2026 – 25 يوليو 2026.
شهد الأسبوع الماضي تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الإقليمية والدولية، مع اتساع رقعة المواجهة في البحر الأحمر والخليج، واستمرار الضغوط الأمريكية على إيران وحلفائها، بالتوازي مع تحركات سياسية وعسكرية تعكس إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، فضلًا عن الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي الولايات المتحدة، تداخلت ملفات السياسة الخارجية مع القضايا الداخلية، بدءًا من الخلافات مع إسرائيل بشأن سوريا ولبنان، وإقرار مايشبه اندماج منظومات الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، مرورًا بالجدل حول المفاوضات والتصعيد مع إيران، والتهديدات بالتصعيد تجاه كوبا، وصولًا إلى إرهاصات الأزمة الاقتصادية والملفات الانتخابية التي تلقي بظلالها على المشهد الأمريكي. وتكشف هذه التطورات عن مرحلة تتزايد فيها المنافسة الجيوسياسية، بينما تحاول واشنطن الموازنة بين إدارة الأزمات الخارجية والحفاظ على استقرارها الداخلي، فهل ستنجح في ذلك؟
أمريكا
شهدت الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية نشاطًا سياسيًا مكثفًا على المستويين الداخلي والخارجي، تمثل في ضغوط إدارة ترامب على إسرائيل لإعادة نشر قواتها في سوريا ولبنان، مع استمرار التفاوض مع إيران بالتوازي مع التلويح بالخيار العسكري.
كما أثارت تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس جدلًا حول النفوذ الإسرائيلي، وملف جيفري إبستين، وصعود التيار الكاثوليكي المحافظ داخل الحزب الجمهوري.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ ما قبل أزمة 2008، وسط مخاوف من ارتفاع تكلفة الاقتراض عالميًا. وفي الداخل، أعاد ترامب ملف نزاهة الانتخابات إلى الواجهة قبل انتخابات التجديد النصفي، بينما يدرس البنتاغون خيارات عسكرية ضد كوبا ويوسع الكونغرس التعاون الدفاعي الإستراتيجي مع إسرائيل، بالتزامن مع تساؤلات حول إدارة عائدات النفط الفنزويلي الخاضعة للإشراف الأمريكي.
ترامب يضغط على نتنياهو لإعادة نشر القوات الإسرائيلية خارج سوريا ولبنان
طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البدء بإعادة نشر القوات الإسرائيلية خارج الأراضي السورية، وتنفيذ خطوات مماثلة في جنوب لبنان، محذرًا من أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي قد يؤدي إلى زيادة التوترات وفتح الباب أمام تصعيد إقليمي جديد.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن ترامب وجّه هذا الطلب إلى نتنياهو خلال اتصال هاتفي جرى يوم الخميس، بعد يوم واحد من اجتماعه بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة. وقال مسؤول أمريكي إن ترامب أبلغ نتنياهو بأن الأطراف المحلية والإقليمية لا تريد بقاء القوات الإسرائيلية في سوريا، وإن إعادة الانتشار أصبحت ضرورية لخفض احتمالات المواجهة.
في المقابل، أكد مكتب نتنياهو أن رئيس الوزراء طرح خلال الاتصال ضرورة الإبقاء على «مناطق أمنية» على امتداد حدود إسرائيل، في إشارة إلى تمسكه بوجود عسكري يراه ضروريًا لمنع هجمات محتملة من سوريا ولبنان.
ووفق التقرير، حاولت إدارة ترامب خلال الأشهر الماضية التوصل إلى اتفاق أمني جديد بين سوريا وإسرائيل، يتضمن انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. غير أن مسؤولين أمريكيين خلصوا إلى أن نتنياهو لا يرغب في تقديم التنازلات المطلوبة لإنجاز الاتفاق.
أما في لبنان، فتضغط واشنطن لتنفيذ اتفاق أمني جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية، ويتضمن انسحاب إسرائيل من منطقتين تجريبيتين في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني مكانها. وكان ترامب قد أعلن من أنقرة اعتقاده بأن إسرائيل ستنسحب، رغم تصريحات سابقة لنتنياهو ربط فيها الخطوة بإزالة تهديد حزب الله.
وتكشف الضغوط الجديدة عن تباين متزايد بين واشنطن وحكومة نتنياهو بشأن حدود الوجود العسكري الإسرائيلي، ودور القوة في ترتيبات ما بعد الحرب في سوريا ولبنان.
فانس يدافع عن التفاوض مع إيران وينتقد النفوذ الإسرائيلي لإفشال المفاوضات واستمرار الحرب
دافع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، خلال ظهوره في بودكاست «تجربة جو روغان»، عن المسار التفاوضي مع إيران، معتبرًا أن هدف الإدارة يتمثل في منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وضمان استمرار تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز. وأوضح أن أي تخفيف للعقوبات قد يسمح للسعودية والإمارات ودول أخرى بالاستثمار في الاقتصاد الإيراني، شرط حدوث تغيير حقيقي في سلوك طهران ووقف دعمها للجماعات المسلحة، نافيًا أن تكون واشنطن تعتزم تقديم مئات المليارات لإيران من أموالها.
واتهم فانس أطرافًا داخل الحكومة الإسرائيلية بتمويل حملة منظمة لإفشال المفاوضات والدفع نحو استمرار العمليات العسكرية ضد إيران إلى أجل غير محدد. وشدد على أن إسرائيل حليف للولايات المتحدة، لكن العلاقة معها يجب أن تقوم على المصالح المشتركة، مثل العلاقات مع فرنسا وبريطانيا، لا على توافق دائم في جميع الملفات. كما أقر بأن إسرائيل تخسر معركة الرأي العام الأمريكي، خصوصًا بين الجمهوريين الشباب، مؤكدًا أن مسؤولي واشنطن مطالبون بوضع المصالح الأمريكية أولًا وعدم السماح لحملات النفوذ الأجنبية بتوجيه قراراتهم.
وفي ملف جيفري إبستين، أقر فانس بأن إدارة ترامب «أخفقت» في إدارة الجانب الإعلامي لعملية نشر الوثائق، وقال إن وزيرة العدل بام بوندي بالغت في وصف ما تملكه الحكومة، ما أدى إلى تراجع ثقة الجمهور. ودعا إلى نشر الوثائق بسرعة أكبر، مع حماية هويات الضحايا، لكنه قال إنه لم يشاهد دليلًا موثوقًا يثبت تورط ترامب في مخالفات مع قاصرات، بينما أقر بعلاقات إبستين بالمخابرات الأمريكية والإسرائيلية.
داخليًا، أكد فانس دعم الإدارة لفرض إثبات الهوية عند التصويت، كما دعا إلى سياسة اقتصادية توازن بين حماية الملكية الخاصة والحد من التفاوت المفرط، محذرًا من أن عجز الشباب عن امتلاك المنازل وبناء مستقبل اقتصادي قد يدفعهم نحو الأفكار الاشتراكية.
فانس يؤيد فرضية ارتباط إبستين بالموساد والـCIA ويتحدث عن صلاته بمستويات استخبارية عليا
أثار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جدلًا جديدًا بشأن علاقات رجل الأعمال جيفري إبستين بأجهزة الاستخبارات، بعدما أبدى خلال مقابلة مع بودكاست «تجربة جو روغان» انفتاحًا على فرضية ارتباطه بالموساد الإسرائيلي أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وخلال الحديث، طرح روغان الاعتقاد المتداول بأن إبستين كان مرتبطًا بالموساد، ليرد فانس بأن الأمر قد يتعلق بـ«الموساد أو وكالة الاستخبارات المركزية أو أي كيان آخر من كيانات الدولة العميقة»، سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل أو دولة أخرى، أو بمزيج من أكثر من طرف.
وقال فانس إن إبستين كانت لديه، بحسب تقديره، صلات واضحة بأعلى المستويات داخل الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، مضيفًا أنه بدا أكثر ارتباطًا بعناصر وصفها بأنها تنتمي إلى «الدولة العميقة الإسرائيلية» ذات التوجهات اليسارية أو الوسطية، مقارنةً باليمين الإسرائيلي. لكنه أقر في الوقت نفسه بأنه لا يعرف الدلالة النهائية لهذه العلاقات.
ومن المرجح أن تعيد التصريحات الجدل داخل الولايات المتحدة حول حجم النفوذ الإسرائيلي، وعلاقة إبستين بالشخصيات السياسية والأمنية، وطريقة تعامل السلطات الأمريكية مع ملفه ووثائقه.
جي دي فانس والكاثوليكية المحافظة: إيمان شخصي يتحول إلى مشروع سياسي داخل اليمين الأمريكي
تحول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من شاب وصف نفسه سابقًا بأنه «ملحد غاضب» إلى أبرز شخصية كاثوليكية داخل الإدارة الأمريكية، في مسار لم يعد مقتصرًا على تجربته الدينية الخاصة، بل أصبح جزءًا من صعود تيار كاثوليكي محافظ يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والاقتصاد في الولايات المتحدة.
ويرصد تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» في 19 يونيو/حزيران 2026 هذا التحول بالتزامن مع صدور كتاب فانس الجديد «المناولة: العثور على طريقي للعودة إلى الإيمان»، الذي يستعرض انتقاله من المسيحية غير المنتظمة في طفولته، إلى الخمسينية الإنجيلية، ثم الإلحاد خلال سنوات الجامعة، قبل اعتناقه الكاثوليكية عام 2019. ولا يقدم فانس الكتاب بوصفه مذكرات دينية فقط، بل يطرح من خلاله رؤية سياسية واقتصادية تستلهم التعاليم الكاثوليكية، وتبحث عن «طريق ثالث» لا ينتمي بالكامل إلى اليمين الليبرالي اقتصاديًا ولا إلى اليسار الاشتراكي.
من الإلحاد إلى الكاثوليكية المنظمة
يربط فانس تحوله الديني بطفولة مضطربة، عاش خلالها في ظل غياب الأب وإدمان الأم، قبل أن يتولى جداه تربيته. وبعد تجربة دينية إنجيلية اتسمت، وفق روايته، بالعداء للثقافة السائدة والخوف من العالم الخارجي، ابتعد فانس تدريجيًا عن المسيحية، وأصبح مع نهاية دراسته الجامعية ملحدًا متأثرًا بكتابات كريستوفر هيتشنز والتيار المناهض للدين.
لكن وجوده في كلية الحقوق بجامعة ييل، واحتكاكه بشخصيات محافظة ومؤمنة مثل رجل الأعمال بيتر ثيل، دفعه إلى مراجعة اعتقاده بأن التدين يتعارض مع الذكاء والنجاح الأكاديمي. ولاحقًا ساعده راهبان من الرهبنة الدومينيكانية في دراسة العقيدة الكاثوليكية، قبل أن يعتنقها رسميًا ويختار القديس أوغسطين شفيعًا له.
ويكشف اختيار أوغسطين جانبًا مهمًا من رؤية فانس السياسية؛ إذ ينظر الأخير إلى المجتمع الأمريكي باعتباره حضارة تواجه انحلالًا أخلاقيًا وثقافيًا، لا مجرد دولة تعاني خلافات حزبية عابرة. وقد كتب أن خوفه الأكبر ليس الموت، بل أن يكون الأمريكيون قد ورثوا حضارة عظيمة ويتركونها تتدهور ببطء.
ممثل سياسي للكاثوليكية المحافظة
تزامن صعود فانس مع تحولات داخل الكاثوليكية الأمريكية نفسها. فبينما كانت قطاعات واسعة من الكاثوليك تميل تاريخيًا إلى الحزب الديمقراطي (نذكر أن الرئيس الأمريكي الديمقراطي الأسبق جون كنيدي كان كاثوليكيًا)، أصبح المحافظون الكاثوليك أكثر حضورًا داخل القضاء والسياسة والحركة الفكرية اليمينية. وتشير «الغارديان» إلى أن ستة من قضاة المحكمة العليا التسعة كاثوليك، بينهم معظم القضاة المحافظين. كما تحول الكاثوليك البيض تدريجيًا نحو الحزب الجمهوري، بالتوازي مع ارتفاع نسبة الكهنة المحافظين بين الأجيال الجديدة.
ولا يمثل فانس الكاثوليكية التقليدية الموروثة عائليًا؛ فهو معتنق جديد اختار العقيدة بعد تجربة فكرية وسياسية طويلة. وغالبًا ما يكون المعتنقون الجدد والملتزمون دينيًا أكثر محافظة من الكاثوليك الذين ورثوا الانتماء الديني لكنهم لا يمارسونه بصورة منتظمة. ويمنح ذلك فانس موقعًا داخل تيار ينظر إلى الكاثوليكية باعتبارها مقاومة للعلمانية والفردانية والاستهلاك المفرط، وليس مجرد هوية دينية شخصية.
تحالف مع حركة «ماجا» وتوتر مع الفاتيكان
سياسيًا، وجد هذا التيار الكاثوليكي المحافظ حليفًا في حركة «اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا» التي يقودها دونالد ترامب. ويشترك الطرفان في الدفاع عن الأسرة التقليدية، ومعارضة الإجهاض، وانتقاد الهجرة الواسعة، ورفض ما يعتبرانه هيمنة ثقافية ليبرالية على المؤسسات التعليمية والإعلامية.
لكن هذا التحالف يضع فانس في مواجهة مع جوانب أخرى من التعاليم الكاثوليكية، خصوصًا في ملفات الهجرة والحرب والعدالة الاجتماعية. فقد اصطدم سابقًا بمواقف الفاتيكان الرافضة لسياسات الهجرة المتشددة، كما اختلف مع المواقف البابوية المناهضة للحروب. وبذلك يجد نفسه بين ولائه السياسي لإدارة ترامب وعضويته في كنيسة عالمية لا تتطابق تعاليمها بالكامل مع البرنامج الجمهوري.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: يستخدم فانس الفكر الكاثوليكي لانتقاد الفردانية الاقتصادية والتفاوت الشديد في الثروة، لكنه ينتمي إلى إدارة يمينية ترتبط برجال أعمال أثرياء وسياسات قد لا تنسجم دائمًا مع التعاليم الاجتماعية للكنيسة. كما يتبنى موقفًا محافظًا من الإجهاض والأسرة، لكنه يُظهر أحيانًا براغماتية سياسية عندما يدرك أن المواقف المتشددة لا تحظى بتأييد الناخبين. هذه المفارقة تدفع للتفكير في مدى القناعة الحقيقية لفانس لما يقول أنه يتبنى من أفكار ومعتقدات.
ويقول فانس في كتابه إن فشل الحجة السياسية في إقناع الأمريكيين لا يبرر فرضها عليهم، بل يستوجب تقديم حجة أفضل. ويبدو أنه يحاول بذلك حماية نفسه من اتهامه بالسعي إلى إقامة حكم ديني، مع تمسكه بحق القيم الكاثوليكية في التأثير في السياسات العامة.
مشروع قريب من «التكاملية»
ترى «الغارديان» أن الجزء الأخير من كتاب فانس يقترب من مفهوم «التكاملية الكاثوليكية»، وهو اتجاه يرى أن الدولة يجب ألا تكون محايدة أخلاقيًا بالكامل، بل ينبغي أن تعكس القيم المسيحية في قوانينها وسياساتها. وقد يتضمن ذلك تقييد الإجهاض، أو التدخل في السوق لحماية العمال والأسر، حتى عندما يؤدي ذلك إلى الحد من بعض الحريات الفردية أو الاقتصادية.
ولا يعلن فانس نفسه «تكامليًا»، بل يقدم رؤيته باعتبارها نهجًا عمليًا يوازن بين الملكية الخاصة والمسؤولية الاجتماعية. وهو يرفض الاشتراكية، لكنه يعتقد أن التفاوت المفرط، وصعوبة امتلاك المنازل، وتراجع فرص تكوين الأسر، عوامل تدفع الشباب إلى فقدان الثقة بالنظام الرأسمالي.
بين الإيمان والطموح الرئاسي
تتجاوز أهمية العلاقة بين فانس والكاثوليكية المحافظة منصبه الحالي؛ إذ يُنظر إليه بوصفه مرشحًا محتملًا للرئاسة عام 2028. وفي حال وصوله إلى البيت الأبيض، سيكون ثالث رئيس كاثوليكي في تاريخ الولايات المتحدة، وأول رئيس جمهوري يعتنق الكاثوليكية.
ويعتمد مستقبل مشروعه على قدرته على حل تناقضين: الأول بين قومية «ماجا» والطابع العالمي للكنيسة الكاثوليكية، والثاني بين المحافظة الأخلاقية والحاجة إلى احترام التعدد الديني والاجتماعي الأمريكي.
ويمثل فانس، في المحصلة، أكثر من سياسي متدين؛ فهو يحاول تقديم الكاثوليكية المحافظة باعتبارها إطارًا لإعادة بناء الاقتصاد والأسرة والدولة والهوية الوطنية. لكن تحويل الإيمان إلى مشروع حكم قد يمنحه قاعدة فكرية صلبة داخل اليمين، بقدر ما قد يثير مخاوف قطاعات واسعة من الأمريكيين من تراجع الفصل بين الدين والسياسة.
عائد السندات الأمريكية يقترب من مستويات ما قبل أزمة 2008… ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
اقترب عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا من أعلى مستوياته منذ عام 2007، بعدما بلغ نحو 5.13% خلال تداولات 21 يوليو/تموز 2026، وارتفع لاحقًا إلى 5.16 بإغلاق نهاية الأسبوع، في إشارة إلى مطالبة المستثمرين بعائد أعلى مقابل إقراض الحكومة الأمريكية على المدى الطويل، ما يعكس إدراكهم لتنامي المخاطر المتعلقة بالإقتصاد الأمريكي.
وتؤكد بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن العائد الرسمي لسندات الثلاثين عامًا بلغ 5.11% في 20 يوليو، بعدما بقي فوق مستوى 5% خلال معظم الجلسات السابقة.
ويمكن اعتبار وصف المستوى بأنه قريب من ذروة ما قبل الأزمة المالية العالمية صحيحًا؛ فقد وصل العائد في مايو/أيار 2026 إلى نحو 5.18%، وهو أعلى مستوى مسجل منذ يونيو/حزيران 2007.
وقد ارتفع العائد على السندات كذلك على جميع الأجال، بدءًا من شهر وحتى ثلاثين عامًا (بلغ يوم 24 يوليو على سبيل المثال 3.912% لمدة 90 يومًا، 4.687% لمدة 10 سنوات، وهو العائد القياسي، 5.163% لمدة 30 عامًا).
لماذا ترتفع العوائد؟
ترتفع عوائد السندات عندما تنخفض أسعارها لانخفاض جاذبيتها، وهو ما يعني أن المستثمرين يبيعون السندات القائمة أو يطلبون عائدًا أعلى لشراء الإصدارات الجديدة.
وتقف وراء الارتفاع الحالي مجموعة من العوامل، في مقدمتها المخاوف من بقاء التضخم مرتفعًا بسبب صعود أسعار النفط والتوترات في الشرق الأوسط، ما يقلل احتمالات خفض الاحتياطي الفيدرالي للفائدة، وربما يعيد احتمال زيادتها إذا استمرت الضغوط السعرية. وقد انعكس ذلك أيضًا على قروض الإسكان الأمريكية، إذ ارتفع متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عامًا إلى 6.69%، وهو الأعلى منذ أغسطس/آب 2025.
كما تواجه وزارة الخزانة حاجة متزايدة إلى إصدار السندات لتمويل العجز وإعادة تمويل الديون المستحقة. وكلما ارتفع حجم المعروض من السندات مقارنة بالطلب، اضطرت الحكومة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين.
ويضاف إلى ذلك إصدار شركات التكنولوجيا كميات كبيرة من الديون طويلة الأجل لتمويل إنشاء مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي. وتتنافس هذه السندات مع الدين الحكومي على أموال المستثمرين، خصوصًا عندما تقدم الشركات عائدًا أعلى.
هل يعني ذلك أن المستثمرين فقدوا الثقة بأمريكا؟
ليس بالضرورة. فما تزال سندات الخزانة الأمريكية أهم أصول الدين السيادية وأكثرها تداولًا وسيولة عالميًا، فضلًا عن أن نفس التوجه في ارتفاع عوائد السندات هو السائد في جميع الأسواق العالمية، ولا يقتصر على السوق الأمريكية. لكن بقاء عائد الثلاثين عامًا فوق 5% فترة طويلة يشير إلى أن المستثمرين أصبحوا أقل استعدادًا لقبول عوائد منخفضة مقابل المخاطر طويلة الأجل.
وتشمل هذه المخاطر احتمال استمرار التضخم، وارتفاع الدين والعجز، وصدور كميات أكبر من السندات مستقبلًا، إضافة إلى احتمال تراجع قيمة الأموال التي سيستردها المستثمر بعد ثلاثين عامًا بسبب ارتفاع الأسعار.
ومن العلامات المهمة أن العائد الحقيقي على سندات الثلاثين عامًا المحمية من التضخم بلغ قرابة 2.9%، ووُصف بأنه الأعلى منذ عام 2008. وهذا يعني أن الارتفاع لا يرتبط فقط بتوقعات التضخم، بل أيضًا بزيادة العائد الحقيقي الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالدين الأمريكي طويل الأجل، ما يدل على تقييمهم لارتفاع المخاطر.
التأثير على الاقتصاد الأمريكي
استمرار العائد فوق 5% يرفع تدريجيًا تكلفة خدمة الدين على الحكومة الأمريكية، خصوصًا عند إصدار سندات جديدة أو استبدال الديون القديمة منخفضة الفائدة بأخرى أعلى تكلفة، ما يزيد عجز الموازنة، فضلًا عن ارتفاع حجم الدين نفسه.
كما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التمويل العقاري وقروض الشركات والمشروعات طويلة الأجل. وقد يؤجل المستهلكون شراء المنازل، بينما تعيد الشركات النظر في الاستثمارات التي لم تعد مربحة عند ارتفاع تكلفة الاقتراض.
أما أسواق الأسهم، فتواجه منافسة مباشرة من السندات. فعندما تمنح السندات الحكومية عائدًا يتجاوز 5%، قد يفضل بعض المستثمرين الحصول على هذا العائد بدل تحمل مخاطر الأسهم. ويؤثر ذلك خصوصًا في شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة، لأن قيمة أرباحها المستقبلية تنخفض حسابيًا عند استخدام معدل خصم أعلى.
لكن لا يشكل ذلك انهيارًا فوريًا لأسواق الأسهم؛ فقد ارتفعت المؤشرات الأمريكية في 21 يوليو رغم صعود العوائد، بقيادة أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهذا يوضح أن السوق قد يتحمل العوائد المرتفعة لفترة ما، ما دامت أرباح الشركات والنمو الاقتصادي يبدوان قويين.
التأثير على الاقتصاد العالمي
ارتفاع العوائد الأمريكية يجذب الأموال نحو الدولار والسندات الأمريكية، ما يرفع من سعر الدولار بالنسبة للعملات الأخرى، ويجعل تمويل الدول والشركات في بقية العالم أكثر تكلفة.
وقد تضطر الدول الناشئة إلى تقديم فوائد أعلى للاحتفاظ بالمستثمرين (وهذا على حساب ارتفاع تكلفة خدمة الدين وارتفاع عجز الموازنة)، بينما تتعرض عملاتها للضغط إذا انتقلت رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة (خروج الأموال الساخنة لملاذ أكثر أمانًا وربحية، ما يمثل ضغطًا كبيرًا على احتياطياتها وسعر عملتها الوطنية مقابل الدولار). كما ترتفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار، خصوصًا للدول التي تعتمد على الاقتراض الخارجي.
كذلك يمكن أن يزداد الضغط على العملة اليابانية. فارتفاع العوائد الأمريكية مقارنة بالعوائد اليابانية يدفع المستثمرين إلى بيع الين وشراء الدولار لشراء السندات الأمريكية، وهو أحد الأسباب التي دفعت العملة اليابانية إلى مستويات فوق 163 ينًا للدولار (هناك أسباب أخرى تتعلق بالإقتصاد الياباني نفسه بالطبع). وإذا تدخلت طوكيو بقوة بشراء كميات كبيرة من الين لدعم سعره، أو رفع بنك اليابان الفائدة (إلا أن هذا الإحتمال ضعيف نظرًا للارتفاع الهائل للديون اليايانية التي تفوق 200% من الناتج المحلي الإجمالي مما سيزيد العبء على الموازنة)، فقد يرتفع الين فجأة فتبدأ عملية تفكيك لصفقات الاقتراض بالعملة اليابانية (ما يؤدي لتراجع تجارة الفائدة ويدفع بخروج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، خاصة في ضوء ارتفاع الفائدة الأمريكية مما يجذب هذه الأموال).
تتمثل أهمية اليابان في هذه المعادلة المالية الدولية في أنها عنصر رئيس في تجارة الفائدة الدولية (Carry Trade)، والتي تستفيد بالفرق بين سعر الإقتراض من اليابان بالين بسعر فائدة منخفض وسعر الإقراض في الأسواق الناشئة بسعر مرتفع، وهو ما يدفع بتدفقات الأموال الساخنة.
لكن ارتفاع العائد الأمريكي إلى 5.13% لا يثبت أن اليابان باعت كمية ضخمة من السندات للمستثمرين (مما يدفع سعرها للانخفاض وسعر الفائدة للارتفاع). فقد ينتج الارتفاع عن التضخم وأسعار النفط والعجز والإصدارات الحكومية والشركاتية وتحركات آلاف المستثمرين في الوقت نفسه.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
وجود العوائد عند مستويات شوهدت قبل أزمة 2008 لا يعني أن أسباب الأزمة نفسها تتكرر. ففي عام 2007 كانت المشكلة الرئيسية تتمثل في انهيار سوق الرهن العقاري عالي المخاطر وتراكم المنتجات المالية المرتبطة به داخل النظام المصرفي.
أما التحذير الحالي فيتعلق أكثر بارتفاع تكلفة رأس المال، وضخامة الدين الحكومي، واستمرار التضخم، وقدرة الأسواق على استيعاب الإصدارات المتزايدة.
الخطر الحقيقي يظهر إذا تجاوز عائد الثلاثين عامًا ذروته الأخيرة قرب 5.18% واستمر في الصعود نحو 5.5% أو أكثر، بالتزامن مع ضعف مزادات السندات، وتراجع الأسهم، وتشديد الائتمان، وارتفاع سريع في الدولار. عندها قد يتحول ارتفاع العوائد من إشارة تحذيرية إلى عامل ضغط مباشر على النمو والاستقرار المالي.
حتى الآن، تعكس الصورة تحذيرًا جديًا من ارتفاع تكاليف التمويل عالميًا، لكنها لا تثبت وقوع انهيار وشيك ولا تدعم وحدها رواية «قنبلة السندات اليابانية».
إلا أننا نرى أن الإقتصاد الأمريكي، والعالمي بالتبعية، مقدم بالفعل على أزمة اقتصادية قد تفوق تلك في 2008، خاصة إذا استمرت الحرب الإيرانية في الشرق الأوسط على نفس الوتيرة أو اتسعت، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة للعام الخامس على التوالي، ويترتب عليها أثارًا مدمرة على الإقتصادات الأوروبية. توقعاتنا أن يرى العالم هذه الأزمة بحلول الخريف القادم، أو حتى قبل ذلك طبقًا لتطورات الحروب القائمة.
مامداني يقرّ بعجز نيويورك عن اعتقال نتنياهو ويطالب الحكومة الفيدرالية بتنفيذ مذكرة «الجنائية الدولية»
أعلن عمدة مدينة نيويورك زهران مامداني أن سلطات المدينة لا تملك صلاحية قانونية مستقلة لتنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعيًا الحكومة الفيدرالية الأمريكية إلى الانضمام للمحكمة والتعامل مع المذكرة.
وقال مامداني في تسجيل مصور إن إدارته راجعت جميع المسارات القانونية المتاحة لمعرفة ما إذا كان يمكن لشرطة نيويورك توقيف نتنياهو عند دخوله المدينة، إلا أن المراجعة خلصت إلى غياب أساس قانوني يتيح للمدينة تنفيذ مذكرة صادرة عن محكمة دولية. وأضاف أن الاختصاص في هذه القضية يعود إلى السلطات الفيدرالية، مجددًا وصفه نتنياهو بأنه «مجرم حرب» وقوله إنه غير مرحب به في نيويورك.
ويمثل الموقف تراجعًا عمليًا عن تعهد سابق أطلقه مامداني خلال حملته الانتخابية، عندما قال إنه سيطلب من شرطة نيويورك اعتقال نتنياهو إذا حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكنه احتفظ بموقفه السياسي المؤيد للمساءلة الدولية، محولًا مسؤولية التنفيذ من أجهزة المدينة إلى واشنطن.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت. وقالت المحكمة إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جريمة استخدام التجويع وسيلةً من وسائل الحرب، إضافة إلى جرائم ضد الإنسانية تشمل القتل والاضطهاد وأفعالًا غير إنسانية أخرى بحق المدنيين في قطاع غزة. وتؤكد المحكمة أن إصدار المذكرة لا يمثل حكمًا نهائيًا بالإدانة، إذ يبقى المتهم بريئًا قانونيًا إلى أن تثبت إدانته أمام القضاء.
وترفض الحكومة الإسرائيلية اختصاص المحكمة والاتهامات الموجهة إلى نتنياهو، وتصف المذكرة بأنها مسيسة وغير مشروعة. كما تعارض إدارة الرئيس دونالد ترامب أي محاولة لاعتقاله داخل الأراضي الأمريكية؛ إذ أكد ترامب أن نتنياهو لن يُعتقل خلال زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة.
ويصحح ذلك خطأ ورد في النص المتداول الذي نسب الموقف إلى الرئيس جو بايدن؛ الرئيس الأمريكي الحالي هو دونالد ترامب، وهو الذي أعلن رفضه توقيف نتنياهو.
هل تستطيع الحكومة الفيدرالية تنفيذ المذكرة؟
رغم قول مامداني إن الحكومة الفيدرالية تملك السلطة اللازمة، فإن تنفيذ مذكرة المحكمة ليس إجراءً تلقائيًا في الولايات المتحدة. فواشنطن ليست عضوًا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، ولا تعتبر نفسها ملزمة بتنفيذ مذكراتها كما تفعل الدول الأعضاء.
وتتبنى إدارة ترامب موقفًا أكثر عداءً للمحكمة؛ فقد فرضت عقوبات عليها في فبراير/شباط 2025، ومددت في يناير/كانون الثاني 2026 حالة الطوارئ المرتبطة بتحقيقاتها ومذكراتها بحق مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين. كما أعلنت وزارة العدل في يوليو/تموز 2026 أن الولايات المتحدة لن تتعاون مع تحقيقات المحكمة أو طلباتها.
لذلك فإن مطالبة مامداني للحكومة الفيدرالية بالاعتقال هي في جوهرها دعوة إلى تغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه المحكمة، وليست طلبًا لتطبيق التزام قانوني قائم. أما مدينة نيويورك، فلا تملك إدارة علاقات الولايات المتحدة الخارجية أو إبرام اتفاقات تعاون مع محاكم دولية، ولا تستطيع شرطة المدينة تنفيذ مذكرة أجنبية أو دولية من دون سند في القانون الأمريكي وتعاون من السلطات الفيدرالية.
موقف سياسي أكثر منه مسارًا تنفيذيًا
يعكس إعلان مامداني محاولة للتوفيق بين موقفه السياسي المؤيد لمحاسبة نتنياهو والقيود القانونية التي تحكم منصبه. فهو تراجع عن وعد الاعتقال المباشر، لكنه أبقى المواجهة قائمة عبر مطالبة واشنطن بالانضمام إلى المحكمة وتنفيذ مذكرتها.
ومن المرجح أن يزيد التصريح الاستقطاب السياسي داخل نيويورك، حيث يحظى موقف مامداني بتأييد قطاعات تنتقد الحرب الإسرائيلية في غزة، بينما يواجه اعتراضًا من مسؤولين إسرائيليين وجماعات مؤيدة لإسرائيل تتهمه باستخدام منصبه البلدي للتدخل في قضايا السياسة الخارجية.
وعليه، لا يعني تصريح مامداني أن اعتقال نتنياهو أصبح محتملًا عند زيارته نيويورك. بل يكشف أن عمدة المدينة أقر بعدم قدرته على الوفاء بتعهده السابق، ونقل المعركة إلى مستوى سياسي وفيدرالي، في وقت تتبنى فيه إدارة ترامب موقفًا معاكسًا تمامًا يقوم على حماية نتنياهو ومعاقبة المحكمة التي أصدرت المذكرة.
ترامب يعيد ملف نزاهة الانتخابات إلى الواجهة… تحذير أمني أم تمهيد مبكر للطعن في نتائج التجديد النصفي؟
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه بشأن نزاهة الانتخابات والتدخل الأجنبي، معلنًا رفع السرية عن وثائق استخبارية قال إنها تكشف اختراقات صينية واسعة لبيانات الناخبين وثغرات خطيرة في البنية التحتية الانتخابية الأمريكية، قبل أقل من أربعة أشهر على انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وقال ترامب، في خطاب متلفز من البيت الأبيض في 16 يوليو/تموز، إنه لا يمكن لأي دولة أن تكون عظيمة من دون انتخابات نزيهة، معلنًا الإفراج الفوري عن معلومات استخبارية تتعلق بتهديدات أجنبية لأنظمة الانتخابات. كما دعا الكونغرس إلى إقرار قانون «SAVE America»، الذي يفرض إبراز هوية تحمل صورة وإثبات الجنسية عند التسجيل والتصويت في الانتخابات الفيدرالية.
وزعم ترامب أن الصين حصلت، خلال دورة انتخابات 2020، على بيانات نحو 220 مليون ناخب أمريكي، تشمل الأسماء والعناوين وأرقام الهواتف والانتماءات الحزبية، واصفًا الحادث بأنه أكبر اختراق لبيانات الانتخابات في التاريخ. وبذلك، فإن الرقم الذي أعلنه ترامب هو 220 مليونًا، وليس 20 مليونًا كما ورد في بعض التغطيات العربية. وتقول الرواية الرسمية للبيت الأبيض إن وكالات حكومية كانت على علم بوصول الصين إلى بيانات ناخبين في 18 ولاية على الأقل، لكنها لم تُطلع ترامب والكونغرس على كامل المعلومات.
غير أن مراجعة الوثائق من جانب وكالة أسوشيتد برس ورويترز لم تجد دليلًا على أن الصين استخدمت هذه البيانات لتغيير أصوات، أو اخترقت أجهزة الاقتراع، أو أثرت في النتيجة النهائية لانتخابات 2020. وتشير المراجعات إلى أن جزءًا كبيرًا من سجلات الناخبين متاح أصلًا للشراء أو الاطلاع العام في عدد من الولايات، رغم أن جمعها على نطاق واسع من جانب دولة أجنبية يظل خطرًا أمنيًا وخصوصيًا يستوجب التحقيق.
كما تتعارض قراءة ترامب مع التقييم الاستخباري الأمريكي الصادر في مارس/آذار 2021، الذي خلص إلى عدم وجود مؤشرات على محاولة جهة أجنبية تغيير أي جانب تقني من عملية التصويت، وقدّر أن الصين درست التدخل لكنها لم تنفذ حملة هدفها تغيير نتيجة الانتخابات الرئاسية.
ويظهر توقيت الخطاب أن القضية لا تقتصر على نشر معلومات أمنية، بل ترتبط أيضًا بمعركة سياسية وتشريعية. فقد جعل ترامب نزاهة الانتخابات محورًا لحملة الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، في وقت يدافع فيه الحزب عن أغلبيته الضيقة في الكونغرس، ويضغط لتمرير قانون «SAVE America». وينص المشروع على فرض وثائق تثبت الجنسية عند التسجيل، وإبراز هوية مصورة عند التصويت، وإرفاق نسخة منها بطلبات وبطاقات الاقتراع الغيابي.
ومن الناحية السياسية، يمكن قراءة التصعيد باعتباره محاولة لتحقيق ثلاثة أهداف متوازية: تعبئة القاعدة الجمهورية حول قضية الانتخابات، وتوفير مبرر أمني لتشديد قوانين التصويت، وبناء رواية مسبقة تسمح بالطعن في أي نتائج غير مواتية للجمهوريين أو المطالبة بتحقيقات وتدخلات اتحادية أوسع.
ومع ذلك، لا تتضمن الوثائق أو تصريحات ترامب المعلنة دليلًا على وجود خطة لاتخاذ إجراء طارئ أو تعليق الانتخابات إذا جاءت النتائج على غير هواه. ولذلك يبقى هذا الاحتمال تقديرًا سياسيًا، لا حقيقة مثبتة. كما أن الرئيس لا يملك منفردًا سلطة تأجيل أو إلغاء الانتخابات الفيدرالية حتى في ظل حالة طوارئ؛ إذ يؤكد تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس أن القوانين التي تمنح الرئيس صلاحيات استثنائية لا تتضمن سلطة إلغاء موعد الانتخابات، وأن تغيير المواعيد الفيدرالية يتطلب تدخل الكونغرس.
لكن غياب سلطة إلغاء الانتخابات لا يمنع الإدارة من استخدام خطاب «الخطر الأجنبي» لتوسيع التحقيقات، والضغط على الولايات لتبادل بيانات الناخبين، أو التشكيك سياسيًا وقانونيًا في إجراءات الاقتراع والفرز. ومن هنا تبدو المخاوف من بناء أرضية مسبقة للاعتراض على النتائج أكثر واقعية من فرضية إلغاء الانتخابات أو تعليقها.
أما على الصعيد الخارجي، فقد نفت بكين الاتهامات، ووصفتها بأنها ادعاءات كاذبة وتشويه سياسي، مطالبة واشنطن بالتوقف عن استخدام الصين لأغراض انتخابية. ومن شأن استمرار التصعيد أن يضيف ملفًا جديدًا إلى التوتر بين البلدين، ولا سيما إذا انتقلت الاتهامات من قضية حماية بيانات الناخبين إلى اتهام رسمي للصين بالتدخل في النتيجة الانتخابية، وهو ما لا تثبته الوثائق المنشورة حتى الآن.
وبذلك، تكشف تصريحات ترامب خطرًا حقيقيًا يتعلق بوصول جهات أجنبية إلى كميات ضخمة من بيانات الأمريكيين، لكنها لا تقدم حتى الآن دليلًا على اختراق عملية التصويت أو تغيير نتائج انتخابات 2020. أما سياسيًا، فيبدو أن الرئيس يحول الخطر السيبراني إلى أداة مركزية في معركة التجديد النصفي، ويؤسس منذ الآن لرواية يمكن استخدامها لتفسير أي نتيجة انتخابية غير مواتية أو الاعتراض عليها.
البنتاغون يدرس خيارات عسكرية ضد كوبا… تخطيط احترازي أم ضغط لفرض تغيير سياسي؟
يدرس مسؤولون عسكريون أمريكيون خيارات محتملة للتحرك ضد كوبا، بينها عملية إنزال وهجوم جوي واسع تشارك فيه آلاف من عناصر الفرقة 101 المحمولة جوًا، في تصعيد يعكس انتقال سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه هافانا من العقوبات والضغط الاقتصادي إلى إعداد سيناريوهات عسكرية قابلة للعرض على صانع القرار.
ونقلت شبكة «CBS News» عن مسؤولين أمريكيين مطلعين، لم تسمّهم، أن مخططي وزارة الدفاع بحثوا خلال الأسابيع الأخيرة مجموعة من الخيارات، بينها عملية يقودها الجيش باستخدام الفرقة 101 المحمولة جوًا. لكن المسؤولين شددوا على أن هذه المناقشات لا تعني أن ترامب أو البنتاغون اتخذا قرارًا بتنفيذ هجوم على الجزيرة.
وعقد الجيش الأمريكي في أواخر يونيو/حزيران 2026 إحاطة أولية بشأن «مفهوم العمليات»، تناولت أهداف المهمات المحتملة، وحجم القوات المطلوبة، وتسلسل التحرك، والاحتياجات اللوجستية والمخاطر المترتبة عليه. وتعد مثل هذه الإحاطات جزءًا من التخطيط الاعتيادي الذي تجريه وزارة الدفاع لمواجهة سيناريوهات مختلفة، حتى عندما لا تكون هناك نية سياسية فورية لتنفيذها.
المسيّرات ترفع مستوى القلق
تزامنت المناقشات مع تقارير عن حصول كوبا على طائرات مسيّرة هجومية مجهولة المصدر. وسبق أن أفادت «CBS News» بأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تدرس كيفية رد هافانا على أي عمل عسكري، مؤكدة حصول كوبا على مسيّرات هجومية، من دون تحديد الجهة التي زودتها بها أو كيفية وصولها إلى الجزيرة. أما الحديث عن امتلاك نحو 300 مسيّرة ومناقشة استخدامها ضد قاعدة غوانتانامو أو مدينة كي ويست، فظهر أولًا في تقرير منفصل، ولم تؤكده الشبكة بالكامل بصورة مستقلة.
وخلال زيارته قاعدة غوانتانامو في 10 يونيو/حزيران، حذر وزير الدفاع بيت هيغسيث كوبا من الحصول على أسلحة تستطيع إصابة القاعدة أو الأراضي الأمريكية، قائلًا إن ذلك قد يستدعي مواجهة لن تستطيع هافانا تحمل تبعاتها. لكنه تحدث في الوقت نفسه عن أمل واشنطن في بناء علاقة أكثر استقرارًا مع قيادة كوبية مستقبلية.
ورد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بأن بلاده لا تشكل تهديدًا للولايات المتحدة ولا تخطط لمهاجمة أي دولة، مؤكدًا في الوقت نفسه حقها في امتلاك وسائل دفاعية تحسبًا لأي اعتداء. وحذر من أن تحول التهديدات الأمريكية إلى عمل عسكري سيؤدي إلى صراع واسع ذي آثار إقليمية خطيرة.
واشنطن تفضل تغييرًا سياسيًا من دون حرب
بحسب «CBS News»، لا تزال إدارة ترامب تفضّل انتقال السلطة إلى حكومة جديدة يقودها تكنوقراط مستعدون لتنفيذ إصلاحات اقتصادية. وتستخدم واشنطن العقوبات والقيود المالية للضغط على المؤسسة العسكرية الكوبية ومجموعة «غايسا» التي تسيطر على قطاعات رئيسية من اقتصاد الجزيرة.
غير أن هذا المسار لم يحقق حتى الآن النتيجة التي تطمح إليها الإدارة الأمريكية. فقد حافظ الحزب الشيوعي الكوبي على تماسكه، بينما أعلن في يونيو/حزيران خطة اقتصادية طارئة تسمح بتوسيع نشاط القطاع الخاص وزيادة استقلالية الشركات الحكومية والبلديات وتشجيع الاستثمار الأجنبي، من دون التخلي عن النظام السياسي القائم.
وتكشف الاتصالات التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف في هافانا خلال مايو/أيار أن قنوات التفاوض لم تغلق بالكامل. وبحسب التقرير الأمريكي، نقل راتكليف استعداد واشنطن لتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني إذا أجرت الحكومة الكوبية «تغييرات جوهرية».
حرب إيران تعرقل فتح جبهة جديدة
تواجه الخطط العسكرية ضد كوبا عائقًا أساسيًا يتمثل في انشغال القوات الأمريكية بالحرب مع إيران. فقد نقل البنتاغون طائرات ووسائل استخبارات وقدرات عسكرية من مناطق مختلفة إلى الشرق الأوسط، ما يجعل تحويل الاهتمام والموارد نحو البحر الكاريبي غير مرجح في المدى القريب.
ويعني ذلك أن تسريب سيناريو مشاركة الفرقة 101 لا يشير بالضرورة إلى قرب غزو كوبا. فالعملية البرية الواسعة تحتاج إلى آلاف الجنود، وتفوق جوي وبحري، ومنظومة إمداد طويلة، فضلًا عن الاستعداد لمقاومة داخل الجزيرة واحتمال اندلاع موجة نزوح باتجاه فلوريدا ودول المنطقة.
كما أن تقييم التهديد السنوي الصادر عن مجتمع الاستخبارات الأمريكية في مارس/آذار 2026 ركز عند تناوله كوبا على خطر تفاقم عدم الاستقرار وحدوث موجات هجرة، وعلى رغبة روسيا في توسيع علاقاتها الأمنية والدبلوماسية معها. ولم يقدم التقييم كوبا بوصفها قوة عسكرية مستقلة تشكل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للولايات المتحدة.
ورقة ضغط أكثر من كونها قرار حرب
يشير تزامن التخطيط العسكري مع العقوبات والاتصالات السرية إلى أن إدارة ترامب تستخدم عدة أدوات في وقت واحد: التضييق الاقتصادي، والتهديد باستخدام القوة، وتقديم حوافز مشروطة مقابل تغيير سياسي واقتصادي.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الكشف عن مشاركة محتملة للفرقة 101 جزءًا من حرب نفسية تهدف إلى إقناع القيادة الكوبية بأن واشنطن تملك خيارات تتجاوز العقوبات. كما يمكن أن يستخدم التهديد لدفع شخصيات داخل النظام أو المؤسسة العسكرية إلى التفاوض بشأن انتقال سياسي بشروط أمريكية.
لكن المخاطر كبيرة؛ إذ قد يدفع الضغط العسكري هافانا إلى توسيع تعاونها مع روسيا والصين وإيران، وهي الدول التي يقول تقييم الاستخبارات الأمريكية إنها تسعى إلى الحفاظ على حضور اقتصادي وسياسي وعسكري في أمريكا اللاتينية. كما أن انهيار مؤسسات الدولة الكوبية بصورة مفاجئة قد ينتج أزمة إنسانية وأمنية وموجة هجرة واسعة بدلًا من انتقال منظم إلى حكومة تكنوقراط.
وعليه، فإن الخبر المؤكد ليس أن ترامب قرر ضرب كوبا، بل أن البنتاغون انتقل من التقييم الاستخباري العام إلى دراسة تصورات عسكرية أكثر تفصيلًا. وهذا تطور مهم يرفع مستوى الضغط على هافانا، لكنه يظل حتى الآن ضمن مرحلة إعداد الخيارات، وسط قيود عسكرية فرضتها حرب إيران وغياب دليل معلن على أن كوبا تستعد فعلًا لشن هجوم على الولايات المتحدة.
تحقيق: غموض يحيط بمصير مليارات الدولارات من عائدات النفط الفنزويلي الخاضعة للإدارة الأميركية
أثار تحقيق نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز تساؤلات واسعة بشأن مصير عائدات النفط الفنزويلي التي تديرها الولايات المتحدة، بعدما قدّر أن الإيرادات المتأتية من بيع النفط تجاوزت 13 مليار دولار منذ مطلع عام 2026، في حين لا تزال تفاصيل إنفاق هذه الأموال أو تحويلها إلى فنزويلا غير معلنة بصورة كاملة.
وبحسب التحقيق، تولت الولايات المتحدة إدارة مبيعات النفط الفنزويلي عقب التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد في يناير/كانون الثاني 2026، مع إيداع العائدات في حسابات مصرفية خاضعة للإشراف الأميركي. وكانت واشنطن قد أكدت في حينه أن الأموال ستُحفظ في حسابات مخصصة لاستخدامها لاحقًا بما يخدم مصالح الشعب الفنزويلي والولايات المتحدة.
إلا أن التحقيق يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين إجمالي الإيرادات المقدرة والمبالغ التي أمكن تتبعها بشكل علني. فوفقًا لما توصلت إليه الصحيفة، لم يظهر في السجلات المعلنة سوى نحو 300 مليون دولار جرى توثيق تحويلها بصورة واضحة، بينما تحدث مسؤولون أميركيون في مناسبات مختلفة عن تحويل أو إنفاق مليارات الدولارات دون نشر كشوف مالية تفصيلية توضح وجهة هذه الأموال أو أوجه استخدامها.
وفي أبريل/نيسان الماضي، صرح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية بأن نحو 3 مليارات دولار أُرسلت إلى فنزويلا، مشيرًا إلى أن شركة التدقيق العالمية KPMG تتولى مراجعة الحسابات. غير أن الإدارة الأميركية لم تنشر حتى الآن تقريرًا ماليًا شاملاً يفسر الفارق بين الإيرادات المقدرة بأكثر من 13 مليار دولار والمبالغ التي أُعلن عن تحويلها.
ويرى التحقيق أن القضية لا تقتصر على حجم الأموال، بل تمتد إلى غياب الشفافية وآليات الرقابة على إدارة مورد سيادي يمثل المصدر الرئيسي للدخل في فنزويلا. كما لفت إلى أن الاقتصاد الفنزويلي لم يشهد تحسنًا يتناسب مع حجم الإيرادات النفطية المتوقعة، رغم استمرار تصدير النفط بالأسعار العالمية.
وأثار هذا الغموض مطالبات داخل الولايات المتحدة بإجراء مراجعة أكثر شفافية لإدارة الأموال، حيث دعا عدد من أعضاء الكونغرس إلى نشر بيانات مالية مفصلة توضح حجم الإيرادات النفطية وكيفية توزيعها والجهات التي استفادت منها.
ورغم أن تحقيق فاينانشيال تايمز لم يخلص إلى أن الأموال قد سُرقت أو دخلت مباشرة إلى الخزانة الأميركية، فإنه أكد وجود فجوة مالية كبيرة لا تزال غير مفسرة، معتبرًا أن غياب الإفصاح الكامل عن إدارة هذه العائدات يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول مصير مليارات الدولارات المتأتية من النفط الفنزويلي.
مشروع قانون الدفاع الأميركي يوسع التعاون العسكري مع إسرائيل ويثير جدلًا بشأن “إندماج” المنظومتين العسكريتين
أثار مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي (NDAA) للسنة المالية 2027 موجة من الجدل داخل الولايات المتحدة، بعد تضمينه بندًا يهدف إلى توسيع التعاون العسكري والتكنولوجي مع إسرائيل، في خطوة يرى منتقدون أنها قد تمهد لمرحلة غير مسبوقة من التكامل بين الصناعات والمنظومات العسكرية في البلدين، بما يمكن وصفه “باندماج” الجيشين.
ويتضمن مشروع القانون بندًا يحمل اسم “مبادرة التعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل“، والذي يُلزم وزير الدفاع الأميركي بتعيين مسؤول تنفيذي يتولى تنسيق التعاون الثنائي في مجالات البحث والتطوير والاختبارات والتقييم والتكامل الصناعي والتكنولوجي بين المؤسستين الدفاعيتين الأميركية والإسرائيلية.
ويرى مؤيدو المشروع أن المبادرة تهدف إلى تسريع تطوير التقنيات العسكرية المشتركة وتعزيز جاهزية البلدين لمواجهة التهديدات المتزايدة، لاسيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد الدفاعية.
في المقابل، اعتبر معارضون أن النص يتجاوز إطار التعاون التقليدي، إذ يمنح إسرائيل مستوى من التكامل المؤسسي مع وزارة الدفاع الأميركية لا تحظى به أي دولة أخرى، وهو ما دفع بعض المشرعين والباحثين إلى وصف الخطوة بأنها تمثل اندماجًا فعليًا للمنظومتين الدفاعيتين، ويسمح بتمرير مساعدات عسكرية هائلة لإسرائيل دون الحاجة لاعتماد الكونجرس، بينما أكد آخرون أن وصف الإندماج يعكس قراءة سياسية للمشروع وليس نصًا قانونيًا واردًا فيه.
وكان مجلس النواب الأميركي قد أقر نسخته من مشروع قانون الدفاع خلال الأسبوع الجاري، إلا أن التشريع لم يصبح قانونًا نافذًا بعد، إذ لا يزال بحاجة إلى توافق مع نسخة مجلس الشيوخ قبل إقرار الصيغة النهائية وإرسالها إلى الرئيس للتوقيع. وكان مجلس الشيوخ قد تعثر سابقًا في المضي بمشروعه بسبب خلافات سياسية أوسع حول القانون.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب توسعًا متواصلًا، وسط نقاش متزايد داخل الأوساط السياسية الأميركية بشأن حدود التعاون العسكري مع إسرائيل وانعكاساته على السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي.
سوريا
حملة سورية تفكك إمبراطورية الكبتاغون وتدفع الإنتاج نحو شبكات متناثرة
تواصل السلطات السورية حملة واسعة لتفكيك شبكات إنتاج وتهريب الكبتاغون التي ازدهرت في عهد النظام السابق، في إطار مساعٍ لتحويل البلاد من مركز عالمي لتصدير المخدرات إلى شريك إقليمي في مكافحتها.
ووفق تقرير لمجلة «الإيكونوميست» نقلت مضمونه وكالة الأنباء السورية «سانا»، صادرت الأجهزة المختصة خلال العام الأول بعد سقوط النظام أكثر من 500 مليون حبة كبتاغون، ودمرت 16 مختبرًا صناعيًا كانت تستخدم في إنتاج المخدرات على نطاق واسع.
وأدت العمليات الأمنية إلى تفكيك نموذج الإنتاج المركزي الذي كان قائمًا سابقًا، لكنها دفعت في الوقت نفسه بعض الشبكات إلى إعادة تنظيم نشاطها عبر مواقع إنتاج صغيرة ومتفرقة. وأشار التقرير إلى أن السلطات صادرت مخزونات قديمة، إلى جانب شحنات قادمة من مصانع أُنشئت حديثًا، ولا سيما في محافظة السويداء.
وفي مايو/أيار 2026، أعلنت وزارة الداخلية إحباط محاولة لتهريب 25 مليون حبة كبتاغون إلى الأردن، بعدما استخدم المهربون بالونات موجهة عن بُعد ومجهزة بأنظمة تتبع، في محاولة لتجاوز الرقابة الحدودية.
كما سلط التقرير الضوء على استمرار تدفق المخدرات من لبنان، مشيرًا إلى تقديرات تفيد بأن نحو ربع الكميات التي ضبطتها السلطات السورية خلال الأشهر الستة الأخيرة جاءت من الأراضي اللبنانية، وسط اتهامات لشبكات مرتبطة بحزب الله بالمشاركة في الإنتاج والتهريب.
وتواجه دمشق تحديات كبيرة بسبب طول حدودها مع لبنان والعراق، وانتشار المعابر غير الشرعية التي توسعت خلال سنوات حكم النظام السابق. وردًا على ذلك، بدأت السلطات إعادة هيكلة منظومة أمن الحدود، ونشر وحدات متخصصة، وإغلاق طرق تهريب، وتعزيز عمليات الاستطلاع والمراقبة.
وأدت الحملة إلى اضطراب سوق الكبتاغون وارتفاع أسعاره في بعض المناطق، إلا أن التقرير حذر من احتمال توجه المستهلكين إلى مخدرات صناعية بديلة، مثل الميثامفيتامين، مع تشديد القيود على الحبوب التقليدية.
تعيينات أمنية جديدة في سوريا تعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة
أثارت التعيينات الأمنية الجديدة التي أصدرها الرئيس السوري أحمد الشرع جدلًا بشأن طبيعة إعادة الهيكلة الجارية داخل مؤسسات الأمن، وما إذا كانت تستهدف توحيد القرار وتسريع التنسيق، أم تعكس إعادة توزيع للنفوذ بين شخصيات مقربة من الرئيس سبق أن تولت مواقع قيادية في «هيئة تحرير الشام».
وشملت القرارات تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بإدارة مكتب الأمن الوطني مع احتفاظه بمنصبه، وتعيين حسين السلامة معاونًا له، إلى جانب تعيين عبد القادر طحان رئيسًا لجهاز الاستخبارات العامة، وملهم الشنتوت معاونًا لوزير الداخلية للشؤون الأمنية.
ويضع الجمع بين وزارة الداخلية ومكتب الأمن الوطني أنس خطاب في موقع مركزي داخل هرم القرار، إذ يتولى إدارة الجهاز التنفيذي المسؤول عن الأمن الداخلي، بالتوازي مع الإشراف على التنسيق بين المؤسسات الأمنية المختلفة. ويرى مؤيدو الخطوة أنها قد تقلص البطء في انتقال المعلومات وتسرع الاستجابة للتهديدات خلال المرحلة الانتقالية.
في المقابل، أثار نقل حسين السلامة من رئاسة الاستخبارات العامة إلى منصب معاون مدير مكتب الأمن الوطني قراءات تتحدث عن تراجع نفوذه لمصلحة خطاب. وذهب صحافيون ومراقبون إلى اعتبار القرارات نتيجة تنافس داخلي بين أجنحة أمنية، فيما رأى آخرون أنها عملية فصل بين الإدارة التنفيذية للأجهزة ومستوى التنسيق الأمني الأعلى.
وتكشف التعيينات استمرار اعتماد الشرع على دائرة محدودة من القيادات التي رافقته خلال المرحلة السابقة، مع تدويرها بين المناصب من دون إخراجها من منظومة القرار. ويوفر هذا النهج مستوى مرتفعًا من الثقة والانسجام، لكنه يثير تساؤلات بشأن قدرة السلطة الجديدة على الانتقال من شبكات العلاقات الشخصية والفصائلية إلى مؤسسات رسمية تحكمها قوانين واضحة وصلاحيات محددة.
وسيكون الاختبار الأساسي خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة الترتيبات الجديدة على منع تداخل الصلاحيات بين وزارة الداخلية والاستخبارات والدفاع، وتحويل الخبرات الأمنية السابقة إلى أجهزة دولة متخصصة وخاضعة للمساءلة، بدل استمرار القرار داخل دائرة ضيقة من القيادات المقربة.
تعليق المعهد المصري:
تعكس التعيينات الأمنية الأخيرة التي أصدرها الرئيس السوري أحمد الشرع توجهاً واضحاً نحو إعادة تنظيم هرم القرار الأمني وتوحيد قنوات التنسيق بين المؤسسات المختلفة، ولا سيما بعد تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بإدارة مكتب الأمن الوطني إلى جانب احتفاظه بمنصبه.
غير أن هذه الخطوة أثارت في الوقت نفسه نقاشاً حول ما إذا كانت تمثل بناءً مؤسساتياً جديداً أم إعادة توزيع لمراكز النفوذ داخل الدائرة المقربة من الشرع، خصوصاً أن معظم الشخصيات المعينة سبق أن شغلت مواقع قيادية في «هيئة تحرير الشام». ويشير نقل حسين السلامة من رئاسة جهاز الاستخبارات العامة إلى منصب معاون مدير مكتب الأمن الوطني، مقابل تعيين عبد القادر طحان رئيساً للجهاز، إلى محاولة للفصل بين الإدارة التنفيذية للأجهزة ومستوى التنسيق الأمني الأعلى. ومع ذلك، يظل نجاح هذه الترتيبات مرهوناً بوضوح الصلاحيات، ومنع تداخل المهام، وتحويل شبكات الثقة السابقة إلى مؤسسات دولة تعمل وفق القانون والكفاءة والمساءلة.
مشروع دفاع أمريكي يربط التعاون الأمني مع سوريا بشروط مشددة
وضع مشروع قانون الدفاع الأمريكي لعام 2027 مجموعة شروط أمنية وسياسية صارمة أمام أي تعاون مباشر بين وزارة الدفاع الأمريكية والحكومة السورية، رغم تخصيصه 130 مليون دولار لمواصلة عمليات مكافحة تنظيم «داعش» داخل سوريا.
وينص المشروع على إعادة تفويض «صندوق تدريب وتجهيز مكافحة داعش»، لتقديم الأسلحة الخفيفة والمعدات والتدريب والخدمات اللوجستية إلى مجموعات وأفراد سوريين يخضعون للتدقيق الأمريكي. وتشمل الفئات المستهدفة عناصر سابقين في «قوات سوريا الديمقراطية» و«جيش سوريا الحرة» انضموا أو يجري دمجهم في الأجهزة الأمنية السورية الجديدة، إلى جانب مجموعات أخرى قد تعتمدها واشنطن مستقبلًا.
لكن المشروع يمنع إنفاق الأموال على التعاون مع الحكومة السورية قبل أن يشهد وزير الدفاع أمام الكونغرس بأن دمشق اتخذت خطوات موثوقة لإخراج المقاتلين الأجانب والجهاديين من الجيش والمؤسسات الحكومية، وتجريد الموجودين منهم داخل البلاد من السلاح، وإنشاء نظام لمراقبتهم ومنعهم من تهديد الولايات المتحدة وحلفائها.
وتشمل الشروط كذلك مواجهة تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به، ومنع قياداته من دخول سوريا أو البقاء فيها، ودمج «قسد» بصورة عادلة في القوات المسلحة، ومنع الهجمات وأعمال العنف ضد الأكراد والدروز.
ويتضمن المشروع أيضًا توجهات لتقليص النفوذ الروسي أو الدفع نحو خروج القوات الروسية، ووضع استراتيجية جديدة لمواجهة شبكات الكبتاغون المرتبطة بالنظام السابق، وإعداد تقرير عن العوائق التي تحد من دخول الاستثمارات الأمريكية إلى سوريا.
ويرى محللون أن شرط إبعاد المقاتلين الأجانب قد يجعل حصول دمشق على التمويل شبه مستحيل، خصوصًا أن واشنطن كانت قد وافقت سابقًا على دمج الآلاف منهم في الجيش ضمن ترتيبات شفافة، معتبرة أن احتواءهم داخل مؤسسات الدولة أقل خطورة من استبعادهم ودفعهم نحو تنظيمات متطرفة.
تقارير عن توسّع الحضور التركي في سوريا تخلط بين تعاون معلن وادعاءات غير موثقة
تداولت منصات إعلامية وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي معلومات مشكوك في صحتها، تتحدث عن توسع عسكري واستخباري تركي في مناطق الساحل السوري ودمشق، شملت مزاعم عن إقامة قواعد عسكرية، ونشر محطات مراقبة، وتركيب رادار تركي في مطار دمشق الدولي. غير أن مراجعة المصادر المتاحة تظهر تفاوتًا كبيرًا في مستوى توثيق هذه الادعاءات.
وتأتي هذه الروايات في سياق تعاون دفاعي متصاعد بين أنقرة ودمشق. وكانت تركيا وسوريا قد وقعتا في أغسطس/آب 2025 اتفاقًا للتدريب والاستشارات العسكرية، يشمل تقديم أسلحة ومعدات ودعم لوجستي إلى القوات السورية. كما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إبريل/نيسان 2026، أهمية توسيع التعاون مع سوريا، ولا سيما في مجالي الدفاع والأمن.
في المقابل، لم يصدر تأكيد رسمي تركي أو سوري، حتى وقت إعداد هذا التقرير، بشأن المعلومات المتداولة عن رفع العلم التركي فوق كتيبة للدفاع الجوي في ثكنات صافيتا، أو إنشاء قاعدة عسكرية تركية في منطقة مشتى الحلو بريف طرطوس. كما لم تظهر لهذه الادعاءات أدلة مستقلة، مثل صور موثقة أو إحداثيات أو بيانات رسمية، ما يجعل التعامل معها باعتبارها وقائع مؤكدة أمرًا غير ممكن.
أما في منطقة مقامات بني هاشم بجبال القرداحة، فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان (مناهض للحكومة السورية) في 15 مارس/آذار 2026، نقلًا عن مصادر محلية، بأن المنطقة تحولت إلى موقع عسكري مغلق، مع وجود قوات تركية في محيطها وتركيب أجهزة للمراقبة والتنصت على قمة الجبل. وأشار المرصد إلى أن الموقع المرتفع يسمح بالإشراف على مساحات واسعة من محافظة اللاذقية، لكنه لم يقدم دليلًا تقنيًا يثبت أن المحطة تستطيع تغطية سوريا ولبنان وفلسطين، كما ورد في المنشورات المتداولة.
وفي مطار دمشق الدولي، ثبُت تركيب نظام الرادار التركي HTRS-100، الذي تنتجه شركة «أسيلسان». وقدمت المصادر التركية النظام باعتباره رادارًا لمراقبة الحركة الجوية وتحسين سلامة الطيران، فيما أكدت هيئة الطيران المدني السورية أنه مخصص حصريًا للملاحة المدنية ولا يحمل طابعًا عسكريًا.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام سورية عن معهد «ألما» الإسرائيلي تقديره بأن قدرات الرادار قد تتيح مراقبة جوية وجمع بيانات تمتد إلى أجزاء من لبنان وشمال إسرائيل. ويظل هذا التوصيف تقديرًا صادرًا عن مركز أبحاث إسرائيلي، ولا يثبت أن أنقرة تستخدم النظام فعليًا في عمليات تجسس أو أنه يغطي كامل الأراضي السورية واللبنانية.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير عن محاولة تركيا التخلص من منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، بهدف معالجة الخلاف مع واشنطن والعودة إلى برنامج مقاتلات F-35. وأكد الكرملين في 10 يوليو/تموز وجود اتصالات مع أنقرة بشأن مصير المنظومة، بعد تقارير تركية تحدثت عن احتمال نقلها إلى دولة خليجية.
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في 18 يوليو/تموز 2026 أن تركيا تجري محادثات لنقل منظومة الدفاع الجوي الروسية «S-400» إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في محاولة لإزالة الاعتراضات الأمريكية التي تحول دون عودتها إلى برنامج مقاتلات «F-35». ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وإقليميين مطلعين أن الخطة المقترحة تقوم على إخراج المنظومة الروسية من الأراضي التركية، بعدما كانت واشنطن قد استبعدت أنقرة من برنامج المقاتلة عام 2019 إثر شرائها النظام من موسكو. وتخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي تشغيل «S-400» إلى جانب طائرات «F-35» إلى كشف خصائص المقاتلة الشبحية، بما في ذلك بصمتها الرادارية، وإتاحة نقل هذه البيانات إلى روسيا. ولا يشير التقرير إلى إتمام عملية النقل، بل إلى مفاوضات ما تزال جارية بشأن صفقة محتملة.
أما الحديث عن اتفاق أمريكي تركي يقضي بتخلي أنقرة عن إيران وحزب الله مقابل حل القضية الكردية والسماح باستخدام S-400 وإعادة تركيا إلى برنامج F-35، فلا يستند إلى وثيقة أو تصريح رسمي منشور. فالمعلن أمريكيًا منذ سنوات هو أن امتلاك تركيا لمنظومة S-400 كان سببًا في فرض العقوبات وإبعادها عن برنامج المقاتلة، لا منحها إذنًا لتشغيلها.
وبذلك، يمكن تأكيد وجود تعاون دفاعي تركي–سوري وتركيب الرادار في مطار دمشق، مع وجود تقرير محلي عن أجهزة مراقبة قرب مقامات بني هاشم. أما قاعدة مشتى الحلو، ورفع العلم في ثكنات صافيتا، وصفقة التخلي عن إيران وحزب الله، فتظل ادعاءات غير مثبتة بمصادر مستقلة. (انظر) (انظر) (انظر)
سوريا تضبط شحنة صواريخ ومسيّرات قادمة من العراق وتقول إنها كانت متجهة إلى حزب الله
أعلنت وزارة الداخلية السورية إحباط محاولة تهريب شحنة من الأسلحة والصواريخ عبر الحدود السورية–العراقية، قائلة إن التحقيقات الأولية أشارت إلى أنها كانت معدّة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لمصلحة حزب الله.
وقالت الوزارة، في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» في 16 يوليو/تموز 2026، إن وحدات أمنية مختصة رصدت مركبة متوقفة ضمن النطاق الحدودي في ظروف أثارت الشبهات، قبل إخضاعها للتفتيش والعثور داخلها على صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجهة مضادة للدروع، إضافة إلى طائرات مسيّرة.
وأضافت الداخلية السورية أن الأدلة والقرائن التي جُمعت خلال العملية أظهرت، وفق نتائج التحقيق الأولية، أن الشحنة كانت معدّة للمرور عبر سوريا وصولًا إلى حزب الله في لبنان. وأكدت استمرار التحقيقات لتحديد جميع المتورطين والشبكات المرتبطة بالعملية، مشددة على أنها لن تسمح باستخدام الأراضي السورية ممرًا لتهريب الأسلحة أو لتنفيذ أنشطة تهدد أمن سوريا والدول المجاورة.
وقدمت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية تفاصيل إضافية، قالت فيها إن الأسلحة كانت مخبأة بإحكام داخل صهريج لنقل النفط قادم من العراق عبر منفذ التنف الحدودي، وكان متجهًا إلى مدينة بانياس على الساحل السوري. وذكرت أن الصهريج أثار شكوك عناصر الجمارك خلال إجراءات التفتيش والتدقيق.
وفي بغداد، نقلت قناة الجزيرة عن مصدر رسمي عراقي لم تسمّه أن عملية ضبط الشحنة وقعت في السابع من يوليو/تموز، أي قبل الإعلان السوري عنها بتسعة أيام. وقال المصدر إن دمشق لم تبلغ العراق بالعملية إلا بعد انتهاء مرحلة من التحقيقات، وإن السائق الموقوف لدى السلطات السورية تحدث عن تواطؤ موظفين في منفذ الوليد العراقي لتسهيل مرور الشحنات.
وأضاف المصدر أن رئيس الوزراء العراقي وجّه بفتح تحقيق فور إعلان الجانب السوري تفاصيل العملية. كما أعلنت الجهات الأمنية العراقية تشكيل لجنة للتحقيق والتنسيق مع دمشق، مع استدعاء مسؤولين من محافظة الأنبار للتحقيق في احتمال وجود تقصير أو تواطؤ داخل المنفذ الحدودي.
في المقابل، نفى حزب الله صلته بالشحنة، وقال إن الاتهامات السورية «روايات مختلقة لا أساس لها من الصحة». وبذلك تبقى وجهة الشحنة والجهة التي تقف خلفها جزءًا من تحقيق لم تُنشر أدلته الكاملة بعد، في ظل رواية رسمية سورية تقابلها مطالبة عراقية بالحصول على تفاصيل العملية ونفي صادر عن الحزب.
متابعات عربية
تصعيد متبادل بين الحوثيين والسعودية يوسع دائرة المواجهة.. وواشنطن توازن بين الضغط العسكري والدبلوماسية مع إيران
شهدت منطقة البحر الأحمر والخليج تصعيدًا جديدًا في المواجهة بين جماعة الحوثي والسعودية، بعدما أعلنت الجماعة تنفيذ هجمات صاروخية استهدفت الأراضي السعودية، وذلك عقب غارات جوية شنها التحالف الذي تقوده الرياض على مواقع عسكرية تابعة للحوثيين في اليمن، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة موازنة خياراتها بين التصعيد العسكري ضد إيران والإبقاء على مسار التفاوض مفتوحًا.
اعتراض صواريخ باتجاه السعودية
أفادت مصادر أمنية يونانية بأن منظومة الدفاع الجوي الأمريكية باتريوت، التي يشغلها طاقم عسكري يوناني داخل السعودية، اعترضت صاروخين باليستيين أطلقا من الأراضي اليمنية باتجاه مدينة ينبع، التي تضم منشآت نفطية واستراتيجية على ساحل البحر الأحمر.
ويعد هذا ثاني اعتراض تعلنه القوات اليونانية منذ نشر بطارية باتريوت في المملكة عام 2021 ضمن اتفاقية تهدف إلى تعزيز حماية البنية التحتية للطاقة السعودية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وفي الوقت نفسه، أعلن الدفاع المدني السعودي إطلاق إنذار مبكر في محافظة ينبع قبل أن يؤكد لاحقًا زوال الخطر دون الكشف عن طبيعة التهديد أو وقوع أضرار.
الحوثيون يعلنون الرد
جاءت الهجمات الصاروخية بعد ساعات من تنفيذ القوات السعودية غارات استهدفت مواقع عسكرية تابعة للحوثيين في محافظة الحديدة وجزيرة كمران، في أول تدخل عسكري مباشر للتحالف منذ إعلان جماعة الحوثي فرض “حصار بحري” على السعودية واستهداف السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر.
وأكد المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن العمليات العسكرية استهدفت “أهدافًا عسكرية مشروعة” مرتبطة بالهجمات على الملاحة البحرية، مشددًا على أن الضربات لم تستهدف ميناء الحديدة أو الموانئ المدنية، وأن حركة الملاحة التجارية ما تزال مستمرة بصورة طبيعية.
في المقابل، اتهم الحوثيون السعودية باستهداف منشآت مدنية، بينها مرافق اتصالات في الحديدة، وتعهدوا بالرد، مؤكدين أن “الحصار سيقابل بالحصار، والتصعيد بالتصعيد“.
كما أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم بالصواريخ البالستية استهدف منشأة لشركة أرامكو في مدينة جيزان جنوب المملكة، وخط أنابيب النفط شرق – غرب الذي يصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فضلًا عن قاعدة خالد الجوية في خميس مشيط، وذلك في إطار ما وصفته بالرد على الغارات السعودية الأخيرة.
البحر الأحمر يدخل مرحلة أكثر خطورة
وتزامن التصعيد العسكري مع استمرار استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، حيث أعلنت السلطات السعودية تعرض السفينة NCC MASA لهجوم أدى إلى أضرار طفيفة في هيكلها دون وقوع إصابات بين أفراد الطاقم، فيما واصلت السفينة رحلتها بعد التأكد من سلامتها.
وتشير هذه التطورات إلى انتقال المواجهة تدريجيًا من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق العمليات ليشمل المصالح السعودية بصورة مباشرة، الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر على حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ويهدد بتوسيع نطاق الحرب.
واشنطن بين التهديد والحوار
بالتزامن مع التصعيد في اليمن، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه رسائل متناقضة تجمع بين التهديد العسكري والانفتاح الدبلوماسي تجاه إيران.
وقال ترامب إن إدارته لم تتخذ قرارًا بعد بشأن تنفيذ عمليات عسكرية أوسع ضد طهران، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة “جاهزة بالكامل” للتحرك إذا اقتضت الظروف، معتبرًا أن إيران أصبحت “أكثر جدية” في المحادثات الجارية مع واشنطن، وإن كانت لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بإبرام اتفاق.
وأضاف أن أمام طهران خيارين؛ إما التوصل إلى تسوية سياسية، أو مواجهة مستوى “أعنف بكثير” من الضربات العسكرية.
في المقابل، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده “لن تخضع للضغوط الأمريكية”، معتبرًا أن التوتر في مضيق هرمز هو نتيجة مباشرة للسياسات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران.
وفي سياق موازٍ، كشفت مصادر نقلتها وكالة رويترز عن تحركات تقودها باكستان، بدعم صيني، لاستكشاف إمكانية استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران بهدف احتواء الحرب ومنع اتساعها.
حادثة جديدة في خليج عُمان
ميدانيًا، أعلن الجيش الأمريكي أنه عطل ناقلة نفط بعد محاولتها كسر الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، موضحًا أن السفينة تجاهلت عدة تحذيرات قبل استهداف غرفة محركاتها لإجبارها على التوقف.
في المقابل، قالت وسائل إعلام إيرانية إن الهجوم الأمريكي استهدف ناقلة غاز بترولي مسال، وأدى إلى مقتل اثنين من أفراد طاقمها، في رواية لم تؤكدها واشنطن.
تحذيرات أمنية متزايدة
وفي ظل استمرار التصعيد، أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية الأمريكية في أربيل تحذيرات أمنية دعت المواطنين الأمريكيين إلى توخي الحذر، والاستعداد لاحتمال اضطراب حركة الطيران وإغلاق المجالات الجوية بصورة مفاجئة، مشيرة إلى استمرار تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.
قراءة تحليلية
تشير التطورات الأخيرة إلى أن جماعة الحوثي تسعى إلى رفع تكلفة الحرب على السعودية من خلال توسيع نطاق المواجهة من البحر الأحمر إلى العمق السعودي، مستفيدة من قدرتها على الجمع بين استهداف الملاحة الدولية والهجمات الصاروخية بعيدة المدى.
في المقابل، تبدو الرياض حريصة على التحكم في مستوى التصعيد عبر تنفيذ ضربات محدودة ومركزة ضد القدرات العسكرية للحوثيين، مع تجنب استهداف البنية التحتية المدنية أو توسيع العمليات إلى حملة عسكرية مفتوحة، في محاولة للحفاظ على أمن الملاحة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية أشمل.
أما الولايات المتحدة، فتواصل اتباع سياسة تقوم على الجمع بين الردع العسكري والضغط السياسي. فبينما تؤكد استعدادها لتوسيع العمليات ضد إيران إذا اقتضى الأمر، فإنها تترك في الوقت ذاته باب المفاوضات مفتوحًا، في مؤشر على أن واشنطن لا تزال تفضل التوصل إلى تسوية سياسية ما دامت الظروف تسمح بذلك.
ومع استمرار استهداف السفن التجارية وارتفاع وتيرة الهجمات الصاروخية، تتزايد المخاوف من أن يؤدي اتساع دائرة المواجهة إلى اضطراب حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، خصوصًا في البحر الأحمر وباب المندب، اللذين يمثلان أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا.
خطة ترامب لإعمار غزة تتقلص إلى مشروع تجريبي محدود قرب رفح
تراجعت خطة «مجلس السلام» الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة إعمار قطاع غزة من مشروع شامل لإعادة بناء القطاع إلى برنامج تجريبي محدود في جنوبه، وسط تعثر التنفيذ ومخاوف من عودة إسرائيل إلى حرب واسعة قبل انتخاباتها المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وذكرت صحيفة «الغارديان» أن المشروع الجديد يستهدف إنشاء مخيم مؤقت قرب رفح لإيواء عشرات الآلاف من النازحين، من أصل أكثر من مليوني فلسطيني، على أن تديره هيئة فلسطينية وتوفر أمنه شرطة فلسطينية وقوة دولية صغيرة. ولا يتوقع مسؤولون مشاركون في التخطيط بدء تشغيل المشروع قبل نهاية العام الجاري.
ووصل عدد محدود من الضباط المغاربة والكوسوفيين إلى إسرائيل، تمهيدًا لتشكيل نواة «قوة الاستقرار الدولية»، فيما يجري تجهيز قاعدة لوجستية عند معبر كرم أبو سالم. إلا أن أعمال بناء المخيم وقاعدة القوة قرب رفح لم تبدأ بعد، وأظهرت صور أقمار اصطناعية تحريكًا للتربة من دون إنشاء مبانٍ جديدة.
وبحسب التقرير، جاء تقليص الخطة بعد أشهر من الجمود الإسرائيلي ورفض السماح ببدء عملية إعادة إعمار واسعة، رغم الوعود السابقة بإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات والمخابز في مختلف أنحاء القطاع خلال مئة يوم.
وتتضمن الخطة الحالية إقامة مساكن متنقلة داخل المنطقة العازلة قرب رفح، وانسحاب القوات الإسرائيلية من خط محدد، مع تولي قوة دولية وشرطة فلسطينية مدربة الإشراف على الأمن. إلا أن إسرائيل يُتوقع أن تحتفظ بتأثير حاسم في اختيار عناصر الشرطة، بينما لم يبدأ تدريب القوة الفلسطينية في مصر بعد. كما تقلص الحجم المتوقع للقوة الدولية إلى نحو خمسة آلاف عنصر، أي ربع العدد الذي طُرح سابقًا.
وحذر دبلوماسيون غربيون من أن انهيار المشروع بالكامل قد يفتح المجال أمام تيارات متشددة داخل الحكومة الإسرائيلية تدعو إلى تهجير واسع للفلسطينيين وإقامة مستوطنات في غزة. كما تتزايد المخاوف من احتمال لجوء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى عملية عسكرية شاملة قبل الانتخابات لتعزيز موقعه السياسي.
وانتقد الباحث محمد شحادة المشروع، معتبرًا أنه قد يتحول إلى «قرية دعائية» محاصرة تضم عددًا رمزيًا من الفلسطينيين في ظروف أفضل نسبيًا، بينما تستمر العمليات العسكرية والحصار في بقية القطاع. في المقابل، تؤكد الجهات المشرفة على الخطة أن الانتقال إلى المنطقة التجريبية سيكون طوعيًا، وأن حركة السكان منها وإليها ستظل متاحة.
وتواجه الخطة أيضًا أزمة تمويل، إذ لم يتحقق سوى جزء ضئيل من مبلغ 17 مليار دولار كان قد جرى التعهد به ضمن خطة ترامب الأصلية. كما يناقش مجلس السلام استخدام جزء من أموال الضرائب والأصول الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، وهو اقتراح رفضته السلطة الفلسطينية، مؤكدة أن تلك الأموال فلسطينية ويجب الإفراج عنها من دون شروط.
وحذرت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابكيان من أن الإجراءات الإنسانية الجزئية لا يمكن أن تحل محل خطة شاملة لإعادة إعمار غزة، مشددة على ضرورة ألا تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وسيلة لتكريس الانقسام أو تطبيع واقع الاحتلال والحصار.
ترامب يوافق على اتفاق نووي مدني مع السعودية يفتح الباب أمام التخصيب المحلي
وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا على اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية يمتد 30 عامًا، في خطوة تتيح للشركات الأمريكية المشاركة في بناء البرنامج النووي السعودي، وقد تفتح الباب أمام إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية أن قيمة التعاون المتوقع تصل إلى عشرات مليارات الدولارات، وأن الاتفاق صُمم لوضع الشركات والتكنولوجيا الأمريكية في قلب البرنامج السعودي، مع الحد من فرص دخول روسيا أو الصين وغيرهما من المنافسين إلى هذا القطاع الاستراتيجي.
وبحسب الصحيفة، يتضمن الاتفاق إمكانية قيام شركات أمريكية ببناء منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية، لكن ذلك سيكون مشروطًا بإجراء دراسة جدوى مشتركة بين البلدين. وفي حال الموافقة، يفترض أن تُدار المنشأة وفق ترتيبات تقنية مغلقة توصف بـ«الصندوق الأسود»، لمنع نقل المعرفة الحساسة الخاصة بالتخصيب إلى الجانب السعودي.
ووقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان الاتفاق، على أن تحيله إدارة ترامب إلى الكونغرس للمراجعة ضمن الإجراءات القانونية المنظمة لاتفاقات التعاون النووي الأمريكية، المعروفة باتفاقات «المادة 123». ويمتلك الكونغرس مهلة تقارب 90 يومًا لمراجعته، لكن تعطيله قد يكون صعبًا في حال استخدام ترامب حق النقض ضد قرار رفضه، إذ يتطلب تجاوز الفيتو أغلبية الثلثين.
ويأتي الاتفاق استكمالًا لإعلان أمريكي–سعودي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن انتهاء المفاوضات المتعلقة بإطار التعاون النووي المدني، وتأكيد أن الولايات المتحدة وشركاتها ستكون الشريك المفضل للمملكة في تطوير هذا القطاع.
مخاوف من الانتشار النووي
يثير الاتفاق تحفظات لدى مشرعين وخبراء أمريكيين، لأنه لا يتضمن ما يعرف بـ«المعيار الذهبي» الذي التزمت به الإمارات في اتفاقها النووي مع واشنطن، والقائم على الامتناع الكامل عن تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك داخل الدولة.
كما لم تقبل السعودية، وفق التقارير، الانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح مفتشي الوكالة صلاحيات أوسع للتحقق من المواقع والأنشطة النووية غير المعلنة. وتقول إدارة ترامب إن المواقع التي تستخدم التكنولوجيا الأمريكية ستخضع لضمانات كافية، بينما يرى منتقدون أن هذه الرقابة قد لا تشمل أنشطة أخرى لا ترتبط مباشرة بالمشروعات الأمريكية.
وتؤكد الإدارة أن وجود الولايات المتحدة في مركز البرنامج السعودي سيمنع تحويل اليورانيوم المخصب أو الوقود المستهلك إلى أغراض عسكرية. وينص الترتيب، بحسب «وول ستريت جورنال»، على أنه إذا رفضت واشنطن المضي في مشروع التخصيب بعد دراسة الجدوى، فلن يسمح للسعودية بتنفيذ التخصيب بصورة منفردة أو بالتعاون مع دولة أخرى لمدة عشر سنوات.
مكسب استراتيجي للسعودية وإشكالية لإيران
يمثل الاتفاق مكسبًا مهمًا للرياض، التي تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل استهلاك النفط محليًا، بما يسمح بتصدير كميات أكبر منه، فضلًا عن بناء قطاع نووي وصناعي متقدم ضمن خططها الاقتصادية طويلة المدى.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فيوفر الاتفاق عقودًا ضخمة للصناعة النووية الأمريكية ويحاصر النفوذ الروسي والصيني في السعودية. لكنه يضع إدارة ترامب أمام تناقض سياسي؛ فهي تطالب إيران بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، بينما توافق على مسار قد يتيح للسعودية تطوير قدرات تخصيب مدنية على أراضيها.
كما فصل ترامب الاتفاق النووي عن شرط تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، خلافًا للمسار الذي ناقشته إدارة جو بايدن سابقًا. ويمنح ذلك الرياض برنامجًا نوويًا مدنيًا متقدمًا من دون إلزامها باتخاذ خطوة دبلوماسية تجاه تل أبيب. إلا أنه في وقت لاحق، وفي تصريحات منفصلة، قال ترامب إن “الإتفاق النووي السلمي مع السعودية مشروط تماما بأن تنضم السعودية إلى اتفاقيات السلام مع إسرائيل الرائعة والناجحة للغاية”! كما ذكر المتحدث باسم البيت الأبيض، يوم 23 يوليو، أنه “إذا لم ينضموا (أي السعوديون) إلى اتفاقيات إبراهام، فإن الإتفاق (النووي) لاغي”!
من غير المعروف بالطبع إن كان قد تم الاتفاق مع المملكة على هذا الربط أم لا، وقد تكون التصريحات تهدف لتهدئة المعارضة الإسرائيلية له.
لا يعني الاتفاق أن السعودية ستبدأ فورًا في تخصيب اليورانيوم، لكنه يمنحها لأول مرة إطارًا قانونيًا وسياسيًا قد يقود إلى ذلك مستقبلًا. وستتركز المعركة المقبلة داخل الكونغرس حول طبيعة الرقابة، وحدود التخصيب، وما إذا كان تعزيز الشراكة مع الرياض يستحق المخاطر المحتملة لانتشار التكنولوجيا النووية في الشرق الأوسط.
تحقيق يكشف شبكة التجسس المغربية بأدوات إسرائيلية ويعيد الأزمة إلى باريس ومدريد
أعاد تحقيق استقصائي دولي فتح ملف استخدام أجهزة الاستخبارات المغربية برامج تجسس إسرائيلية ضد معارضين وصحفيين ومسؤولين أوروبيين، مستندًا إلى وثائق داخلية وتحليلات جنائية رقمية وشهادة ضابط سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية.
ونُشر التحقيق في 16 يوليو/تموز 2026 ضمن تعاون قادته منظمة «فوربيدن ستوريز»، بمشاركة مؤسسات إعلامية بينها «هآرتس»، و«لوموند»، و«الغارديان»، و«دير شبيغل»، و«دي تسايت»، و«مشروع مكافحة الجريمة المنظمة والفساد»، مع دعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية.
ويركز التحقيق على عميل داخل شركة «NSO Group» الإسرائيلية كان يحمل الاسم الرمزي «مورغان». وقال مصدران مطلعان على البيانات الداخلية للشركة لصحيفة «هآرتس» إن الاسم كان يشير إلى المغرب، في حين تضمنت مذكرة للاستخبارات الخارجية الفرنسية أن المغرب والإمارات استخدما منتجات الشركة الإسرائيلية منذ عام 2017 على الأقل.
ضابط سابق يكشف طريقة تشغيل بيغاسوس
استند الجزء المركزي من التحقيق إلى شهادة ضابط سابق في جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي استخدم الاسم المستعار «سفير». وقال إن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني كانت المستخدم الرئيسي لبرنامج «بيغاسوس»، وخصوصًا إدارة متخصصة في تشغيل واستغلال أدوات الإنترنت.
وبحسب شهادته، كان البرنامج يتيح للعاملين الوصول عن بُعد إلى الرسائل والمكالمات والصور والملفات الموجودة على هواتف الأشخاص المستهدفين، بعد إختراق الأجهزة من دون علم أصحابها. كما قدم الضابط أسماء وأرقام مسؤولين مغاربة قال إنهم شاركوا في تجارب تقنية أولية للمنظومة، وظهرت بعض أرقامهم لاحقًا في بيانات مرتبطة بالبنية التشغيلية لبيغاسوس.
وتقول الوثائق إن لكل عميل من عملاء «NSO» بنية تقنية خاصة، بما يشمل عناوين وخوادم وآثارًا رقمية تسمح بربط عمليات استهداف مختلفة بجهة تشغيل واحدة. ووجدت الجهات الفرنسية، وفق التحقيق، آثارًا تقنية متطابقة في هواتف مسؤولين فرنسيين وفي أجهزة صحفيين ومعارضين وناشطين مغاربة، ما عزز استنتاج أن مصدر العمليات واحد.
ماكرون والوزراء الفرنسيون
كانت فرنسا إحدى أبرز ساحات الأزمة. فقد أظهرت تحليلات الوكالة الوطنية الفرنسية لأمن أنظمة المعلومات وجود آثار اختراق أو استهداف في هواتف ستة وزراء أو وزراء سابقين، بينهم سيباستيان لوكورنو، وفلورانس بارلي، وإيمانويل وارغون، وجاكلين غورو، وجوليان دينورماندي، وفرانسوا دو روغي.
كما أكدت الفحوص استهداف صحفيين يعملون في «ميديابارت» و«فرانس 24». وورد رقم مرتبط بالرئيس إيمانويل ماكرون ضمن قائمة الأرقام التي اختيرت للاهتمام، لكن ذلك لا يثبت أن هاتفه أصيب فعليًا أو أن محتوياته سُرقت.
وبحسب الرواية التي أوردها التحقيق، واجه ماكرون الملك محمد السادس بالنتائج، وأبلغه أن لدى فرنسا أدلة، وأن المسألة تعني إما أن الملك لا يقدم الحقيقة، أو أنه لا يعلم بما تقوم به أجهزة بلاده.
وانتقلت الأزمة لاحقًا إلى العلاقات الفرنسية–الإسرائيلية، لأن تصدير برنامج «بيغاسوس» يخضع لترخيص وزارة الدفاع الإسرائيلية. وطالبت باريس تل أبيب بتوضيحات بشأن مسؤولية الشركة وقدرة الحكومة الإسرائيلية على مراقبة استخدام منتجاتها بعد تصديرها.
إلا أن التحقيق القضائي الفرنسي واجه عراقيل. فقد رفضت السلطات المغربية تنفيذ طلب قضائي فرنسي، متمسكة بأنها لم تشترِ «بيغاسوس»، بينما امتنع مسؤولون سابقون في «NSO» عن تقديم تفاصيل بشأن العملاء، مستندين إلى القيود القانونية الإسرائيلية.
إسبانيا: الضحية والعميل في الوقت نفسه
يكشف الملف الإسباني مفارقة أخرى؛ إذ استخدم المركز الوطني للاستخبارات الإسباني «بيغاسوس» ضد شخصيات مرتبطة بالحركة الانفصالية الكتالونية، واعترف بأن مراقبة عدد من المستهدفين جرت بإذن قضائي.
لكن الحكومة الإسبانية اكتشفت لاحقًا أن هواتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس ووزيري الداخلية والزراعة تعرضت بدورها لهجمات باستخدام البرنامج نفسه.
وأغلق القضاء الإسباني التحقيق للمرة الثانية في يناير/كانون الثاني 2026، بعدما قال القاضي إن رفض إسرائيل الاستجابة لطلبات المعلومات حال دون تحديد الجهة المسؤولة عن الاختراق. ولم يثبت القرار القضائي أن المغرب هو المنفذ، لكنه أكد وقوع عمليات اختراق ومنع غياب التعاون الإسرائيلي التحقيق من الوصول إلى مشتبه به محدد.
ووفق وثائق استخبارية سرية استشهد بها شركاء التحقيق، ربط مسؤولون إسبان العمليات بدائرة فؤاد عالي الهمة، المستشار المقرب من الملك محمد السادس، في سياق الأزمة التي اندلعت بعدما استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج عام 2021.
لكن إسناد أمر المراقبة مباشرة إلى الهمة يستند إلى وثائق وتقديرات استخبارية نقلها التحقيق، ولم يصدر بشأنه حكم قضائي نهائي.
منظومة أوسع من بيغاسوس
لا يصور التحقيق «بيغاسوس» باعتباره الأداة الوحيدة التي استخدمتها الأجهزة المغربية، بل جزءًا من منظومة مراقبة أوسع جمعت بين اختراق الهواتف، وتحديد المواقع، واعتراض الاتصالات، والمراقبة الميدانية.
وتحدث الضابط السابق عن استخدام برمجيات تجسس أقدم، وأجهزة تحاكي أبراج الاتصالات، وكاميرات وأدوات تنصت مخفية، إلى جانب زرع برامج ضارة في هواتف أو حواسيب يمكن الوصول إليها فعليًا. كما زعم أن شركات اتصالات محلية تعاونت تقنيًا في بعض العمليات.
وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقة الأمنية المغربية–الإسرائيلية سبقت استئناف العلاقات الدبلوماسية العلنية بين البلدين عام 2020، وأن التكنولوجيا السيبرانية وفرت قناة تعاون بين الأجهزة والشركات حتى في مرحلة غياب العلاقات الرسمية.
هل استخدمت إسرائيل المغرب «حصان طروادة»؟
لا يثبت التحقيق أن الاستخبارات الإسرائيلية أصدرت أوامر للمغرب باختراق هواتف المسؤولين الفرنسيين والإسبان، أو أنها حصلت تلقائيًا على البيانات التي جمعتها الأجهزة المغربية.
وتؤكد «NSO» أنها تبيع البرمجيات إلى أجهزة حكومية مرخصة، لكنها لا تدير الأنظمة ولا تعرف الأشخاص الذين يختار العملاء استهدافهم. كما نفت نتائج التحقيق ووصفتها بأنها نظريات غير مثبتة تعتمد على مصدر غير موثوق.
ومع ذلك، يثير التحقيق أسئلة بشأن مسؤولية إسرائيل لثلاثة أسباب: خضوع تصدير التكنولوجيا لترخيص حكومي، ووجود تقنيين إسرائيليين في عمليات التركيب والتدريب، وامتناع إسرائيل لاحقًا عن تزويد القضاء الإسباني بالمعلومات اللازمة لتحديد المستخدم المسؤول.
الأدق، لذلك، القول إن إسرائيل وفرت الأداة والبنية التصديرية التي مكنت المغرب من تنفيذ عمليات التجسس المزعومة، وإن النظام الإسرائيلي لحماية أسرار شركات التجسس صعّب مساءلتها لاحقًا. أما القول إن الاستخبارات الإسرائيلية استخدمت المغرب عمدًا لاختراق أوروبا، فيحتاج إلى دليل يثبت وجود أوامر مشتركة أو مشاركة للبيانات، وهو ما لم يقدمه التحقيق المنشور.
بنما والدبلوماسية السيبرانية
يتناول أحد فروع التحقيق أيضًا علاقة «NSO» ببنما، التي اشترت «بيغاسوس» عام 2012 مقابل نحو ثمانية ملايين دولار، في مرحلة مبكرة من تاريخ الشركة. وأظهرت وثائق أن المنظومة أتاحت تنفيذ مئات عمليات إصابة الهواتف، واستخدمت لاحقًا في سياق اتهامات بالتجسس السياسي خلال عهد الرئيس السابق ريكاردو مارتينيلي.
ويثير هذا المسار تساؤلات بشأن استخدام صادرات التجسس الإسرائيلية بوصفها أداة لبناء العلاقات مع حكومات أجنبية. إلا أن الربط بين شراء «بيغاسوس» وتصويت بنما ضد رفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة عام 2012 يبقى استنتاجًا سياسيًا قائمًا على التزامن، وليس دليلًا مباشرًا على وجود مقايضة مثبتة.
أزمة تتجاوز المغرب
لا تقتصر أهمية التحقيق على اتهام دولة باستخدام برنامج تجسس ضد خصومها؛ فهو يكشف مشكلة أوسع تتمثل في قدرة شركات خاصة، تعمل بموافقة حكومية، على تزويد أجهزة أمنية بأدوات قادرة على اختراق هواتف مسؤولين وصحفيين وناشطين عبر الحدود.
وينفي المغرب بصورة قاطعة شراء «بيغاسوس» أو استخدامه، وسبق أن رفع دعاوى قضائية ضد وسائل إعلام شاركت في تحقيقات 2021، لكن المحاكم الفرنسية والألمانية اعتبرت تلك الدعاوى غير مقبولة. ولم ترد الرباط أو «NSO» على أسئلة شركاء التحقيق الجديد، وفق «لوموند».
وبذلك يقدم التحقيق مجموعة جديدة من الشهادات والوثائق والآثار التقنية التي تعزز الربط بين الأجهزة المغربية وبرنامج «بيغاسوس»، لكنه لا يثبت أن إسرائيل كانت الشريك التنفيذي في اختيار الأهداف الفرنسية والإسبانية. وتبقى القضية عند تقاطع ثلاثة مستويات: مسؤولية المغرب عن استخدام الأداة، ومسؤولية الشركات الإسرائيلية عن تصديرها، ومسؤولية الدولة الإسرائيلية عن الرقابة والتعاون مع التحقيقات القضائية الأجنبية.
من قاعات مكافحة الإرهاب إلى المكتب البيضاوي.. علاقة أكاديمية قديمة تربط جوزاف عون بمستشار ترامب المتشدد
كشف مستشار الرئيس الأمريكي لمكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، المعروف بتشدده وميوله الصهيونية والمعادية للإسلام، عن علاقة أكاديمية تعود إلى نحو 17 عامًا جمعته بالرئيس اللبناني جوزاف عون، عندما كان الأخير ضابطًا في الجيش اللبناني يدرس في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية في واشنطن.
وقال غوركا إن عون كان أحد طلابه في برنامج الزمالة الدولية لمكافحة الإرهاب، واصفًا إياه بأنه كان «طالبًا استثنائيًا». وأضاف أن مشاهدته يدخل المكتب البيضاوي بصفته رئيسًا للبنان للقاء الرئيس دونالد ترامب في 21 يوليو/تموز 2026 مثّلت بالنسبة إليه لحظة شخصية، مشيدًا بالتزام الرجلين بما وصفه بالسلام في الشرق الأوسط. ونُشر التصريح عبر حساب غوركا على منصة «إكس»، ثم نقلته وسائل إعلام تابعت زيارة عون إلى واشنطن.
وتؤكد السجلات الرسمية للجيش اللبناني أن عون تابع دورة دراسية في مكافحة الإرهاب في جامعة الدفاع الوطني عام 2009. كما تدرجه الجامعة ضمن خريجي دفعة 2009 في كلية الشؤون الأمنية الدولية، قبل أن تستضيفه لاحقًا في احتفال تكريمي خلال زيارة رسمية أجراها إلى الولايات المتحدة عندما كان قائدًا للجيش.
ويُعد برنامج الزمالة الدولية لمكافحة الإرهاب أحد البرامج الرئيسية التابعة لكلية الشؤون الأمنية الدولية في جامعة الدفاع الوطني. وقد أنشئ بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول لتدريب ضباط ومسؤولين أمنيين من الدول الشريكة للولايات المتحدة، ويشمل دراسة الاستراتيجيات الأمنية والحروب غير النظامية، وإعداد أبحاث حول التحديات الوطنية لمكافحة الإرهاب.
أما غوركا، فقد عمل في جامعة الدفاع الوطني خلال الفترة التي درس فيها عون، ودرّس موضوعات متصلة بمكافحة الإرهاب والأمن القومي، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي والإعلامي ويلتحق بإدارة ترامب. ويشغل في الإدارة الحالية منصب نائب مساعد الرئيس ومسؤول ملف مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي.
لقاء يتجاوز العلاقة الشخصية
استقبل ترامب عون في البيت الأبيض في أول زيارة لرئيس لبناني إلى المكتب البيضاوي منذ قرابة عقدين. وتركزت المحادثات على نزع سلاح حزب الله، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، إلى جانب دعم الاستقرار وإعادة الإعمار.
وطلب عون من ترامب استمرار الدعم السياسي والعسكري للجيش اللبناني، واصفًا المؤسسة العسكرية بأنها الأكثر ثقة لدى اللبنانيين والركيزة الأساسية للأمن والاستقرار. كما قدم الجانب اللبناني مقترحًا يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وتطبيق ترتيبات أمنية بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي.
وأعلن ترامب خلال اللقاء استعداد الولايات المتحدة لتقديم دعم واسع إلى لبنان، كما تحدث عن استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين بعد توقفها منذ عام 1985. وأكد وزير الخارجية ماركو روبيو دعم واشنطن لاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، ولتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على حساب القوى المسلحة الخارجة عن مؤسساتها.
ماذا تكشف علاقة عون بغوركا؟
تكشف شهادة غوركا جانبًا من الروابط الطويلة بين الجيشين اللبناني والأمريكي، ومن السياسة التي اتبعتها واشنطن لتدريب ضباط من الدول الحليفة وبناء شبكات من المسؤولين العسكريين الذين يتولون لاحقًا مناصب قيادية.
لكن دراسة عون في مؤسسة عسكرية أمريكية وعلاقته الأكاديمية السابقة بغوركا لا تثبت وجود علاقة استخبارية سرية أو تبعية سياسية. فبرنامج جامعة الدفاع الوطني رسمي ومعروف، ويشارك فيه ضباط من عشرات الدول، ويهدف بصورة معلنة إلى بناء الشراكات الأمنية وتبادل الخبرات.
مع ذلك، تمنح هذه الخلفية عون درجة من المعرفة الشخصية والمؤسسية داخل دوائر الأمن القومي الأمريكي. كما تساعد على تفسير الثقة التي توليها واشنطن للجيش اللبناني، والنظر إلى عون بوصفه شريكًا يمكن الاعتماد عليه في تنفيذ سياسة حصر السلاح بيد الدولة وإعادة بناء المؤسسات الأمنية.
وتكتسب العلاقة أهمية أكبر لأن غوركا يتبنى نهجًا متشددًا في مكافحة التنظيمات المسلحة، ويعرف عنه أيضا نهجه الذي يميل إلى “الإسلاموفوبيا”، بينما تواجه إدارة عون اختبارًا داخليًا بالغ الحساسية بشأن سلاح حزب الله. ومن ثم قد تتحول المعرفة الأكاديمية القديمة إلى قناة ثقة سياسية، لكنها لا تلغي الخلافات اللبنانية الداخلية ولا تمنح واشنطن ضمانة بأن خطط نزع السلاح ستُنفذ بسهولة.
في المحصلة، يعكس انتقال عون من مقاعد برنامج مكافحة الإرهاب في واشنطن إلى لقاء رئيس الولايات المتحدة مسارًا صاعدًا لضابط تلقى جزءًا من تعليمه العسكري في المؤسسات الأمريكية. أما نشر غوركا تفاصيل العلاقة الآن، فيحمل رسالة سياسية مفادها أن البيت الأبيض ينظر إلى الرئيس اللبناني بوصفه شخصية معروفة لدى المؤسسة الأمنية الأمريكية، وأهل للثقة، وشريكًا محوريًا في إعادة ترتيب الوضع الأمني في لبنان.
موجة حر غير مسبوقة تشعل مئات الحرائق في تونس.. أكثر من 600 حريق خلال 48 ساعة
تشهد تونس واحدة من أشد موجات الحر خلال السنوات الأخيرة، بعدما سجلت وحدات الحماية المدنية أكثر من 600 حريق في مختلف أنحاء البلاد خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، بمعدل يقارب حريقًا واحدًا كل خمس دقائق، وسط استنفار واسع لفرق الإطفاء والإنقاذ.
وقال رئيس الإدارة الفرعية للعمليات والمتابعة بالحماية المدنية، المقدم خليل المشري، إن الوحدات نفذت نحو 2800 تدخل خلال الفترة نفسها، شملت حرائق الغابات والأعشاب والمحاصيل الزراعية، إضافة إلى تدخلات مرتبطة بتداعيات موجة الحر، في وقت تواصل فيه الفرق جهودها للسيطرة على عدد من الحرائق النشطة في ولايات بنزرت وباجة وجندوبة والكاف.
وساهمت درجات الحرارة المرتفعة، التي قاربت 50 درجة مئوية في بعض المناطق، إلى جانب الرياح الجافة، في تسارع انتشار النيران واقترابها من التجمعات السكنية والمنشآت السياحية، ما استدعى عمليات إجلاء احترازية في بعض المواقع ودفع السلطات إلى تعزيز انتشار آليات الإطفاء في المناطق الأكثر تضررًا.
وأكدت السلطات التونسية نجاح فرق الحماية المدنية في السيطرة على عدد من الحرائق الكبرى، من بينها الحريق الذي اندلع في الغابات الساحلية بين رفراف وغار الملح بمحافظة بنزرت بعد عمليات إخماد استمرت أكثر من 16 ساعة، مع استمرار المراقبة الميدانية تحسبًا لتجدد اشتعال النيران بسبب استمرار موجة الحر.
وفي ظل تزامن الحرائق مع ارتفاع قياسي في استهلاك الكهرباء، شهدت عدة مناطق انقطاعات متكررة للتيار نتيجة الضغط على الشبكة الكهربائية، ما دفع الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى عقد اجتماع طارئ مع عدد من الوزراء والمسؤولين، واصفًا ما تشهده البلاد من حرائق وانقطاعات للمياه والكهرباء بأنه “ظواهر غير عادية”، مؤكدًا أن الدولة ستتخذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الوضع وحماية المواطنين.
وتأتي هذه التطورات بينما تواجه منطقة حوض البحر المتوسط موجة حر استثنائية تسببت في اندلاع حرائق واسعة في عدد من الدول، ما يزيد الضغوط على أجهزة الحماية المدنية ويعزز المخاوف من استمرار المخاطر البيئية خلال الأيام المقبلة.
تركيا
تقارير إسرائيلية: الجيش يدرس تعزيز قدراته المضادة للغواصات وسط تصاعد المخاوف من تنامي القوة البحرية التركية
أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية في إسرائيل تدرس إمكانية التعاقد على طائرة دورية بحرية متخصصة في مكافحة الغواصات، في ظل تقييمات داخلية تشير إلى تنامي القدرات البحرية التركية وتدهور العلاقات السياسية بين البلدين.
وذكرت صحيفة جيروزاليم بوست، نقلًا عن مصدر في الجيش الإسرائيلي، أن النقاشات تتناول احتمال شراء طائرة Boeing P-8 Poseidon الأميركية، وهي منصة عسكرية مخصصة للاستطلاع البحري، وتعقب الغواصات، وتنفيذ مهام المراقبة بعيدة المدى، وتستخدمها القوات البحرية الأميركية وعدد من الدول الحليفة.
وبحسب التقرير، فإن الطائرة تمتلك منظومات متقدمة للرصد البحري، تشمل رادارات بعيدة المدى، ومستشعرات صوتية للكشف عن الغواصات، وأنظمة استشعار كهروبصرية وحرارية، إضافة إلى قدرتها على حمل أسلحة بحرية مثل الطوربيدات والألغام والقنابل.
وأشار المصدر إلى أن الجيش الإسرائيلي يمتلك بالفعل قدرات متطورة في مجال مكافحة الغواصات، إلا أن شراء هذه الطائرة يُعد أحد الخيارات المطروحة لتعزيز التفوق البحري، مع الإقرار بأن كلفتها المرتفعة قد تجعل إتمام الصفقة مرهونًا بإدراجها ضمن حزمة تعاون أو اتفاق أمني أوسع مع الولايات المتحدة.
وربط التقرير هذه المناقشات بتقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تفيد بأن تصاعد الخطاب السياسي التركي تجاه إسرائيل، إلى جانب التطور المستمر في القدرات العسكرية البحرية لأنقرة، يستدعي إعادة تقييم جاهزية القوات الإسرائيلية في البحر المتوسط.
وأضافت الصحيفة أن البحرية التركية تُعد من أكبر القوى البحرية في المنطقة، إذ تشغل أكثر من عشر غواصات تعمل بالديزل والكهرباء، بينما تواصل بناء جيل جديد من الغواصات المزودة بأنظمة دفع مستقلة عن الهواء، إلى جانب امتلاكها فرقاطات، وزوارق صاروخية، وسفن إنزال، ومنصات بحرية مخصصة لتشغيل الطائرات المسيّرة.
وفي السياق ذاته، نقل التقرير عن وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، قوله إن احتمال وقوع احتكاك مباشر بين الجيشين الإسرائيلي والتركي في البحر “ليس مستبعدًا”، معتبرًا أن مثل هذا السيناريو “قد يحدث في أي وقت”. كما وجه شيكلي انتقادات حادة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خلفية مواقفه من إسرائيل.
ولم يصدر تعليق رسمي من الحكومة التركية أو وزارة الدفاع التركية على ما ورد في التقرير الإسرائيلي، فيما تواصل أنقرة التأكيد على دعمها للفلسطينيين وانتقادها للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توترًا متصاعدًا منذ سنوات.
متابعات دولية
هل تتحول سوريا لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة بعد هرمز؟ بين الطموحات الجيوسياسية والعقبات الواقعية
أعاد تصاعد التوترات في الخليج ومخاطر تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز إحياء النقاش حول مستقبل طرق تصدير النفط والغاز، وسط توجه متزايد لدى عدد من دول الخليج لتطوير مسارات بديلة تقلل من الاعتماد على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وتستند هذه الرؤية إلى مشاريع قائمة بالفعل، وأخرى ما تزال قيد الدراسة، تشمل خطوط أنابيب جديدة، وممرات برية، وشبكات سكك حديدية تمتد من الخليج نحو البحر الأحمر والبحر المتوسط، في محاولة لتقليل المخاطر التي قد تترتب على أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق.
السعودية والإمارات تمتلكان أفضلية نسبية
تعد السعودية والإمارات الأكثر استعدادًا مقارنة ببقية دول الخليج، إذ تمتلك الرياض خط الأنابيب شرق – غرب الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما تمتلك أبوظبي خط أنابيب الفجيرة الذي يسمح بتصدير جزء من النفط مباشرة إلى خليج عُمان دون المرور عبر مضيق هرمز. وقد وفرت هذه المشاريع بدائل استراتيجية خففت من اعتماد البلدين على المضيق، مع استمرار العمل على توسعتها وزيادة طاقتها الاستيعابية.
في المقابل، لا تزال دول مثل العراق وقطر والكويت والبحرين أكثر ارتباطًا بالمضيق بسبب محدودية الخيارات الجغرافية، ما دفع بغداد إلى دراسة توسيع خطوط التصدير عبر تركيا، إلى جانب تسريع مشروع خط البصرة–العقبة الذي يهدف إلى نقل النفط إلى البحر الأحمر عبر الأراضي الأردنية.
سوريا تعود إلى واجهة مشاريع الطاقة
ويمنح الموقع الجغرافي لسوريا أهمية متجددة في عدد من الطروحات الاستراتيجية، باعتبارها ممرًا طبيعيًا يربط الخليج بالبحر المتوسط. وتشمل هذه التصورات إعادة إحياء مشاريع قديمة لخطوط الأنابيب، وربطها بشبكات سكك حديدية وموانئ بحرية، بما يحول الأراضي السورية إلى عقدة لوجستية تربط الخليج وأوروبا. كما تتناول بعض المقترحات إحياء مشروع خط الغاز القطري نحو تركيا وأوروبا، وإعادة تشغيل ممرات نفطية تاريخية مثل “التابلاين” وخط كركوك–بانياس، إضافة إلى مشاريع النقل ضمن ما يعرف بمبادرة “البحار الأربعة“.
وتتزامن هذه الطروحات مع توجهات دولية وإقليمية لدعم إعادة إعمار سوريا واستعادة دورها الاقتصادي، الأمر الذي يدفع بعض مراكز الدراسات إلى اعتبارها حلقة محتملة في أي شبكة إقليمية جديدة للطاقة والنقل.
هل يمكن الاستغناء عن مضيق هرمز؟
رغم جاذبية هذه الرؤية، فإنها لا تعني أن مضيق هرمز سيفقد أهميته الاستراتيجية في المستقبل القريب.
فالمضيق لا يزال يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، كما تعتمد عليه اقتصادات آسيوية كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وحتى في حال تنفيذ جميع مشاريع خطوط الأنابيب المقترحة، فإن جزءًا كبيرًا من تجارة الطاقة سيظل مرتبطًا بالملاحة البحرية عبر الخليج.
تحديات تعرقل تنفيذ الطرح
ورغم أن فكرة تنويع مسارات الطاقة تُعد منطقية من الناحية الاستراتيجية، فإن تحويلها إلى واقع يواجه مجموعة واسعة من التحديات.
أولى هذه العقبات تتمثل في الوضع الأمني داخل سوريا، إذ ما تزال البلاد تعاني من تدمير واسع للبنية التحتية، وانتشار جيوب لتنظيمات مسلحة، وتعقيدات تتعلق بتعدد مناطق النفوذ، وهي عوامل تجعل حماية خطوط الأنابيب والممرات البرية تحديًا طويل الأمد. وتمر مناطق واسعة من مسارات الأنابيب المقترحة عبر مناطق صحراوية يصعب تأمينها بشكل دائم.
كما أن تنفيذ مثل هذه المشاريع يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، فضلًا عن سنوات طويلة من الإنشاءات والتنسيق السياسي بين عدة دول، وهو ما يجعل تحقيقها مرتبطًا باستقرار إقليمي طويل الأمد أكثر من ارتباطه بالاعتبارات الهندسية وحدها.
وتبرز أيضًا عقبة الأسواق؛ إذ إن غالبية صادرات الخليج النفطية والغازية تتجه اليوم شرقًا نحو آسيا، وليس غربًا نحو أوروبا، ما يعني أن إنشاء ممرات عبر سوريا والبحر المتوسط قد يعزز خيارات التصدير، لكنه لن يغير بصورة جوهرية اتجاه التجارة الرئيسي لدول الخليج.
بين الرؤية والواقع
يعكس هذا الطرح توجهًا متزايدًا لدى دول المنطقة نحو تنويع مسارات الطاقة وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، وهو هدف يحظى بقدر كبير من المنطق الاستراتيجي.
إلا أن الحديث عن تحول سريع لسوريا إلى مركز إقليمي للطاقة، أو عن تراجع كبير في أهمية مضيق هرمز خلال سنوات قليلة، يبقى سابقًا لأوانه، ولا يزال بعيدًا عن أن يكون عمليًا أو قابلًا للتحقيق. فنجاح هذه المشاريع يتوقف على توافر الاستقرار السياسي والأمني، وتأمين التمويل اللازم، وتحقيق توافقات إقليمية ودولية معقدة، وهي شروط لم تنضج بالكامل حتى الآن.
وبالتالي، يمكن اعتبار مشاريع خطوط الأنابيب والممرات البرية أدوات لتعزيز مرونة صادرات الطاقة الخليجية وتقليل المخاطر المستقبلية، لكنها لا تمثل بديلًا كاملًا لمضيق هرمز، ولا تلغي مكانته كأحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم خلال المستقبل المنظور.
تسجيلات منسوبة لضابط أوكراني تثير اتهامات بشأن عمليات سرية خارج البلاد
نشرت قناة «روسيا اليوم» تسجيلات صوتية قالت إنها تعود إلى فيتالي جيكوفيتش، الذي وصفته بأنه ضابط برتبة عقيد بالوكالة في جهاز الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، وتضمنت ادعاءات خطيرة بشأن تنفيذ كييف عمليات اغتيال وتفجيرات خارج الأراضي الأوكرانية.
وبحسب التقرير الروسي، وصف المتحدث في أحد التسجيلات طبيعة العمليات التي يشارك فيها بأنها تندرج، وفق التعريف الدولي، ضمن «الإرهاب»، متحدثًا عن سفره إلى روسيا وبيلاروسيا وشبه جزيرة القرم لإجراء عمليات استطلاع مرتبطة بهجمات واغتيالات. كما قال إنه يجد التخطيط للعمليات والقتل «مثيرًا للاهتمام»، وفق التسجيلات التي قالت القناة إنها حصلت عليها حصريًا.
وادعت «روسيا اليوم» أن جيكوفيتش تحدث عن تلقي برنامج تقني من جهاز الموساد الإسرائيلي، يُستخدم لتقدير ما إذا كان الأشخاص يكذبون، كما زعمت أنه أقام علاقات مع عناصر متشددة قاتلت في سوريا، وحاول استقطاب أفراد من أوساط جهادية لتنفيذ عمليات. إلا أنه لا تثبت هذه الأقوال، حتى لو صحت نسبتها، وجود تعاون رسمي بين الاستخبارات الأوكرانية والموساد أو تنظيم «داعش».
وفي تسجيل آخر نشرته القناة، نُسب إلى جيكوفيتش اتهام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالرغبة في وقوع خسائر مدنية خلال العمليات الخارجية، إلى جانب حديثه عن التحضير لهجوم كبير على جسر القرم. ولم تخضع التسجيلات المنشورة لتحليل جنائي مستقل يثبت هوية المتحدث أو سلامتها من القص والتعديل، كما لم تقدم القناة الأدلة الكاملة التي توضح سياق المحادثات.
وتربط القناة جيكوفيتش بتفجير وقع في موناكو في 29 يونيو/حزيران واستهدف رجل الأعمال فاديم يرمولاييف وعائلته. والمؤكد من السلطات في موناكو أن الأوكرانية أناستاسيا بيريزوفسكا كانت المشتبه بها الرئيسية في التفجير، قبل العثور عليها مقتولة في أوكرانيا. كما أكدت السلطات الأوكرانية توقيف ضابط عامل في الاستخبارات العسكرية للاشتباه في قتلها، لكنها قالت إنه أبلغ المحققين بأنه تصرف بمبادرة شخصية ومن دون علم رؤسائه.
وبذلك تبقى الاتهامات المتعلقة بالموساد و«داعش» وأوامر زيلينسكي مزاعم مصدرها تقرير روسي، ولا يمكن تقديمها بوصفها حقائق مثبتة في غياب تحقيق مستقل أو رد رسمي أوكراني مفصل على التسجيلات.
من المتاجر إلى البيت الأبيض: كيف تحولت مقاطعة كندا للسلع الأمريكية إلى ورقة ضغط اقتصادية؟
بعد نحو ثمانية عشر شهرًا من بدء المواجهة التجارية بين كندا والولايات المتحدة، لم تعد دعوات الكنديين إلى تجنب السلع الأمريكية والسفر إلى الولايات المتحدة مجرد موجة احتجاج مؤقتة. فقد أظهرت بيانات التجارة والسياحة وتدخلات السياسيين الأمريكيين أن التحول في سلوك المستهلك الكندي بدأ يترك آثارًا قابلة للقياس على قطاعات أمريكية، أبرزها السيارات والمشروبات الكحولية والسياحة.
بدأت المواجهة رسميًا في فبراير/شباط 2025، عندما أعلنت الحكومة الكندية اعتزامها فرض رسوم مضادة بنسبة 25% على واردات أمريكية تصل قيمتها إلى 155 مليار دولار كندي، ردًا على الرسوم التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب. ودخلت المرحلة الأولى، التي استهدفت سلعًا أمريكية بقيمة 30 مليار دولار كندي، حيز التنفيذ في 4 مارس/آذار 2025، وشملت النبيذ والمشروبات الروحية والبيرة والقهوة والملابس والأجهزة المنزلية وغيرها. وفي 9 أبريل/نيسان، أضافت كندا رسومًا على المركبات الأمريكية.
وبالتوازي مع الإجراءات الحكومية، أوقفت مجالس المشروبات الكحولية التابعة للمقاطعات شراء المنتجات الأمريكية وأزالتها من المتاجر. وأكد البيت الأبيض نفسه أن جميع المقاطعات والأقاليم الكندية أوقفت في مارس/آذار 2025 شراء المشروبات الأمريكية أو توزيعها أو بيعها، قبل أن تتراجع ألبرتا وساسكاتشوان لاحقًا، بينما استمرت أسواق كبرى مثل أونتاريو وكيبيك في القيود.
لذلك، فإن القول إن «أحدًا لم ينظم المقاطعة» ليس دقيقًا بالكامل. فهناك شق شعبي لامركزي تمثل في قرارات المستهلكين، لكنه تزامن مع رسوم حكومية وإجراءات اتخذتها سلطات المقاطعات وشركات بيع الكحول المملوكة للدولة. الأدق وصف ما حدث بأنه مقاطعة هجينة جمعت بين الاحتجاج الاستهلاكي والسياسة التجارية الرسمية.
تراجع التجارة مع الولايات المتحدة
تكشف بيانات وزارة الشؤون العالمية الكندية أن واردات كندا من السلع الأمريكية انخفضت خلال عام 2025 بنحو 14.6 مليار دولار كندي، أي 3%، بينما ارتفعت واردات الخدمات الأمريكية ارتفاعًا طفيفًا بنحو 300 مليون دولار. وبذلك بلغ صافي الانخفاض في واردات السلع والخدمات من الولايات المتحدة نحو 14.3 مليار دولار كندي، وليس رقمًا مفتوحًا من «عشرات المليارات» كما توحي بعض المنشورات. وفي المقابل، ارتفعت واردات كندا من الدول الأخرى بنحو 44.5 مليار دولار، ما يشير إلى انتقال جزء من الطلب إلى موردين بديلين، وليس مجرد تراجع عام في الاستهلاك.
وكان قطاع السيارات من أكثر القطاعات تأثرًا. وتقول بيانات الحكومة الكندية إن قيمة واردات المركبات وقطعها من الولايات المتحدة انخفضت في 2025 بمقدار 5.2 مليارات دولار كندي، أو 6.3%. كما أعلن البيت الأبيض أن واردات كندا من المركبات الأمريكية انخفضت بين أبريل/نيسان 2025 ومارس/آذار 2026 بنحو 22%، من 25.9 مليار دولار إلى 20.3 مليار دولار، أي بانخفاض يقارب 5.6 مليارات دولار.
أما الادعاء المتداول بأن كندا استوردت «94,148 سيارة أمريكية أقل، بانخفاض 12%»، فلم نجد له مصدرًا رسميًا موثوقًا بهذه الصيغة. البيانات الحكومية المتاحة تقيس الانخفاض أساسًا بالقيمة المالية، وتظهر تراجعًا أكبر بلغ 22% خلال فترة الاثني عشر شهرًا الممتدة من أبريل/نيسان 2025 إلى مارس/آذار 2026.
السياحة تضرب المناطق الحدودية
امتد أثر المقاطعة إلى السفر. فقد انخفضت زيارات الكنديين إلى الولايات المتحدة بنحو 22% خلال 2025، مقارنة بالعام السابق. وبالاستناد إلى إنفاق الكنديين البالغ 20.5 مليار دولار أمريكي في 2024، قُدّرت خسارة الاقتصاد الأمريكي من هذا التراجع بنحو 4.5 مليارات دولار. لكن الرقم تقديري، ناتج عن ضرب نسبة تراجع الزيارات في مستوى الإنفاق السابق، وليس حصيلة محاسبية نهائية لجميع الشركات الأمريكية.
واستمر التراجع خلال مطلع 2026؛ إذ سجل مارس/آذار الشهر الخامس عشر على التوالي من الانخفاض السنوي في رحلات الكنديين إلى الولايات المتحدة. وعلى الرغم من عودة نمو محدود في أبريل ومايو مقارنة بالمستويات المنخفضة لعام 2025، ظلت الرحلات أقل بنحو 15% إلى 27% من مستويات 2024، ما يرجح حدوث تحول أطول أمدًا في الوجهات التي يختارها الكنديون.
وفي دراسة أكاديمية نشرت في دورية «جورنال أوف إنترناشونال إيكونوميكس»، قدّر باحثون أن انخفاض الزيارات الكندية تسبب في فقدان ما بين 13,900 و42,100 وظيفة في الولايات المتحدة، تركزت في عدد محدود من المناطق والقطاعات الأكثر اعتمادًا على الزوار الكنديين. ولذلك فإن رقم 42,100 يمثل الحد الأعلى لتقدير إحصائي، وليس عددًا نهائيًا مؤكدًا للوظائف التي اختفت.
النبيذ يحول المقاطعة إلى أزمة سياسية
ظهر الأثر السياسي للمقاطعة بوضوح في صناعة النبيذ الأمريكية. ففي 6 يوليو/تموز 2026، أعلن السيناتور الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف أنه طلب من رئيسة وزراء كيبيك كريستين فريشيت إنهاء القيود المفروضة على النبيذ الأمريكي، محذرًا من أن القطاع فقد الوصول إلى سوق تقدر قيمتها بـ434 مليون دولار. وأكد شيف معارضته لسياسات ترامب التجارية، لكنه قال إن مزارعي النبيذ لا يملكون تأثيرًا في قرارات الإدارة الفيدرالية ويتحملون تبعاتها.
ولم تكن رسالة شيف التحرك الأمريكي الوحيد؛ إذ سبق أن وجهت مجموعة من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين في كاليفورنيا رسالة مماثلة إلى كيبيك. كما أظهرت بيانات لاحقة أن صادرات المشروبات الكحولية الأمريكية إلى كندا انخفضت من نحو 718 مليون دولار إلى 137 مليونًا بين مارس/آذار 2025 وفبراير/شباط 2026، أي بنسبة 81%.
وتشير هذه النتائج إلى أن اختيار المشروبات الكحولية لم يكن عشوائيًا. فالمنتجات النهائية مثل النبيذ والويسكي يسهل استبدالها بمنتجات كندية أو أوروبية، بخلاف المكونات الصناعية المعقدة. وقد ارتفعت مبيعات النبيذ المنتج في أونتاريو بنحو 44%، بينما تراجعت صادرات الكحول الأمريكية إلى كندا بصورة حادة، ما جعل المقاطعة مصدر ضغط مباشر على دوائر انتخابية أمريكية.
هل شارك 99% من الكنديين؟
لا تدعم استطلاعات الرأي الادعاء بأن 99% من الكنديين شاركوا في المقاطعة. ففي فبراير/شباط 2025 قال 67% إنهم يعتزمون تجنب السلع الأمريكية، وارتفعت النسبة إلى 72% في يونيو/حزيران. وفي سبتمبر/أيلول قال 58% إنهم تجنبوا منتجات أو خدمات أو استثمارات أو سفرًا أمريكيًا خلال الأسبوعين السابقين، بينما ذكر 56% أنهم اشتروا مزيدًا من المنتجات الكندية.
وتشير هذه النسب إلى مشاركة واسعة، لكنها ليست إجماعًا وطنيًا. كما أن السعر وتوافر البدائل ظلا عاملين مهمين، خصوصًا لدى الفئات الأصغر سنًا. ومع ذلك، قال 82% ممن غيروا سلوكهم الشرائي إنهم سيواصلون شراء المنتجات الكندية حتى بعد انتهاء الأزمة، وهي إشارة إلى أن بعض التحول قد يصبح دائمًا.
من رد فعل عاطفي إلى تغير هيكلي
اقتصاديًا، لا تستطيع مقاطعة كندية وحدها إحداث انهيار شامل في الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا في ظل ضخامة التجارة بين البلدين وتشابك سلاسل الإمداد. لكنها أثبتت قدرة المستهلكين والمقاطعات على إلحاق أذى مركز بقطاعات محددة تعتمد على السوق الكندية، مثل النبيذ والسيارات والسياحة الحدودية.
والأهم أن التأثير لم يعد يقتصر على انخفاض المبيعات؛ فقد دفع أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين إلى مخاطبة حكومات المقاطعات مباشرة، وأصبح حظر الكحول والقيود على السيارات من المبررات التي استخدمتها إدارة ترامب لفرض رسوم أمريكية جديدة بنسبة 50% على منتجات كندية في يوليو/تموز 2026.
تكمن قوة المقاطعة، إذن، في استهدافها منتجات يمكن استبدالها بسهولة، وفي استمرارها مدة كافية لدفع الشركات إلى تغيير الأسواق وسلاسل التوريد. لكنها ليست حركة عفوية بنسبة 100%، ولا يشارك فيها 99% من السكان، كما أن بعض الأرقام المتداولة عن السيارات والوظائف تُعرض من دون توضيح منهجيتها.
ومع ذلك، تثبت البيانات أن المقاطعة تحولت من تعبير رمزي عن الغضب تجاه رسوم ترامب وتهديداته للسيادة الكندية إلى عنصر مؤثر في التجارة والسياحة والسياسة الأمريكية، وأن إصلاح الضرر في العلاقة بين البلدين قد يكون أصعب من مجرد إلغاء رسوم جمركية.
مقاتلة إف-16 أوكرانية تسجل أول إسقاط جوي لطائرة روسية مأهولة وسط غموض بشأن تفاصيل المواجهة
سجلت القوات الجوية الأوكرانية أول عملية إسقاط لطائرة حربية روسية مأهولة بواسطة مقاتلة أميركية الصنع من طراز «إف-16»، في تطور يعكس اتساع الدور الذي تؤديه المقاتلات الغربية داخل منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، وفق ما أعلنه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين.
وكشف كين عن العملية خلال جلسة عقدتها لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ الأميركي في 21 يوليو/تموز 2026، موضحًا أن مقاتلة أوكرانية من طراز «إف-16» أسقطت مؤخرًا طائرة روسية في اشتباك جو-جو، ووصف الواقعة بأنها مؤشر على التقدم الذي حققته كييف في بناء دفاع جوي متعدد الطبقات.
ولم يحدد المسؤول العسكري الأميركي نوع المقاتلة الروسية، أو مكان وقوع الاشتباك وتوقيته، كما لم يكشف عن نوع الصاروخ المستخدم أو ظروف الرصد والتوجيه. ولذلك لا يمكن تأكيد التفاصيل التكتيكية المتداولة بشأن المواجهة استنادًا إلى شهادته وحدها.
هل كانت الطائرة الروسية من طراز سوخوي-35؟
ربطت تقارير عسكرية وإعلامية بين تصريح كين وإعلان سابق للقوات الجوية الأوكرانية عن إسقاط مقاتلة روسية من طراز «سوخوي-35» في القطاع الشرقي من الجبهة يوم 8 يوليو/تموز.
غير أن هذا الربط يبقى استنتاجًا مرجحًا وليس تأكيدًا رسميًا؛ إذ لم يقل كين إن الطائرة التي أسقطتها «إف-16» كانت من طراز «سوخوي-35»، كما أشار تقرير لمجلة «ذا وور زون» إلى استمرار الغموض بشأن هوية الطائرة وظروف خسارتها.
وكانت تقديرات أولية قد طرحت احتمال إسقاط المقاتلة الروسية بواسطة منظومة دفاع جوي أرضية، مثل «باتريوت»، قبل أن تؤكد شهادة كين أن أوكرانيا نفذت بالفعل أول إسقاط جو-جو بواسطة «إف-16». لكن لا توجد حتى الآن معلومات رسمية كافية للجزم بأن الواقعتين تمثلان الحادث نفسه.
توسع مهام المقاتلات الأوكرانية
تسلمت أوكرانيا أولى مقاتلات «إف-16» خلال صيف 2024، واستخدمتها في البداية بصورة أساسية لاعتراض الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز الروسية، إلى جانب تنفيذ بعض المهام الهجومية ضد أهداف أرضية. وتمثل عملية إسقاط طائرة مأهولة انتقالًا إلى مستوى أكثر تعقيدًا من العمليات القتالية الجوية.
وقال كين إن تطور القدرات الأوكرانية جاء نتيجة دمج منظومات محلية الصنع مع الأسلحة الغربية والأنظمة السوفيتية القديمة، وربط وسائل الرصد والاعتراض ضمن شبكة دفاعية واحدة قادرة على مواجهة أهداف تحلق على مسافات وارتفاعات مختلفة.
كما أظهرت صور حطام نُشرت في أبريل/نيسان 2026 مؤشرات على امتلاك أوكرانيا صواريخ «AIM-120C-8» المتقدمة، التي يمكن إطلاقها من مقاتلات «إف-16» أو من منظومات «ناسامز» الأرضية. لكن لا يوجد دليل معلن يثبت استخدام هذا النوع تحديدًا في إسقاط المقاتلة الروسية.
حدود الدلالات العسكرية
يمثل الإسقاط إنجازًا عملياتيًا ومعنويًا لأوكرانيا، لكنه لا يعني أن كييف حققت تفوقًا جويًا شاملًا على روسيا. فلا تزال الطائرات الأوكرانية تعمل في بيئة شديدة الخطورة تضم مقاتلات روسية بعيدة المدى وشبكات دفاع جوي كثيفة، ما يحد من قدرتها على الاقتراب من خطوط المواجهة.
كذلك لا تكفي المعلومات المتاحة لإثبات أن الاشتباك كان «مبارزة جوية» تقليدية بين الطائرتين؛ فقد تكون المقاتلة الأوكرانية حصلت على بيانات الهدف من رادارات أرضية أو منصات إنذار مبكر أخرى ثم أطلقت صاروخًا من مسافة بعيدة.
ولا يوجد تأكيد رسمي بأن طائرات الإنذار المبكر التابعة لحلف شمال الأطلسي قدمت توجيهًا مباشرًا للمقاتلة الأوكرانية خلال الحادث، رغم أن أوكرانيا تستفيد عمومًا من الدعم الاستخباري والمراقبة الغربية.
ومع بقاء التفاصيل التقنية طي السرية، يحمل إعلان أعلى مسؤول عسكري أميركي أهمية خاصة، لأنه يؤكد للمرة الأولى انتقال «إف-16» الأوكرانية من اعتراض الصواريخ والمسيّرات إلى إسقاط طائرات روسية مأهولة، وهو تطور قد يدفع موسكو إلى زيادة الحذر عند تشغيل مقاتلاتها قرب نطاق عمل الطائرات الأوكرانية.
«ثورة الفلامنغو» في ألبانيا: استثمارات كوشنر الخليجية تشعل مواجهة بين البيئة والنفوذ الدولي
تواجه ألبانيا موجة احتجاجات متصاعدة ضد مشروعين سياحيين ضخمين تقودهما شركة «أفينيتي بارتنرز» التابعة لجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط مخاوف من تدمير مناطق طبيعية محمية وتحويل الساحل الألباني إلى ساحة لتداخل المصالح الأمريكية والخليجية والأوروبية.
بدأت الاحتجاجات تتسع بعدما حصلت الشركة، في 29 أبريل/نيسان 2026، على أول تصريح بناء ضمن خطط تطوير واسعة على الساحل الألباني. وبعد أسابيع، انتشر مقطع مصور يظهر حراس أمن خاصين وهم يعتدون على أحد المحتجين ويقتادونه بالقوة، ما ساهم في إشعال حركة أطلق عليها اسم «ثورة الفلامنغو». وفي 4 يوليو/تموز، خرج عشرات الآلاف في العاصمة تيرانا، بالتزامن مع احتجاجات أخرى في مناطق مختلفة من البلاد.
وتتمحور المعارضة حول مشروعين رئيسيين: منتجع فاخر بقيمة 1.7 مليار دولار في جزيرة سازان، ومشروع آخر بقيمة 4.6 مليارات دولار في محيط شبه جزيرة زفيرنيتس ومحمية فيوسا–نارته الرطبة. ويخشى المحتجون من أن تؤدي المشروعات إلى الإضرار بالأنظمة البيئية، وإضعاف قوانين حماية الطبيعة، وتكريس نموذج تنموي يمنح المستثمرين الأجانب امتيازات واسعة على حساب المجتمعات المحلية.
كوشنر والمال الخليجي
تكتسب القضية بعدًا سياسيًا بسبب هوية المستثمرين. فالمشروعان تقودهما «أفينيتي بارتنرز»، التي أسسها كوشنر عام 2021، وتعتمد بدرجة كبيرة على أموال صناديق سيادية من السعودية والإمارات وقطر.
ويرى التقرير أن هذه الاستثمارات لا تمثل تحركًا تجاريًا بحتًا، بل تؤدي دورًا في تعزيز العلاقات بين الحكومات الخليجية والنخب السياسية والاقتصادية الأجنبية. ومن خلال صلة كوشنر بعائلة ترامب، تتحول الشركة إلى جسر غير رسمي يربط رؤوس الأموال الخليجية بمراكز القرار في واشنطن.
كما تمنح جزيرة سازان المشروع أهمية تتجاوز السياحة، بسبب موقعها عند مدخل البحر الأدرياتيكي. وقد تكتسب الموانئ والمراسي والبنية التحتية الجديدة استخدامات أمنية أو لوجستية مزدوجة، ما يجعل التطوير جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في البلقان.
مواجهة بين واشنطن وبروكسل
تأتي المشروعات في وقت تسعى فيه ألبانيا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويعني تقدمها في مسار العضوية أن قيمة الأراضي والاستثمارات السياحية والبنية التحتية قد ترتفع بصورة كبيرة، وهو ما يزيد جاذبية السوق للمستثمرين الأجانب.
لكن البرلمان الأوروبي أدان في 17 يونيو/حزيران تعديلات أُدخلت عام 2024 على قانون المناطق المحمية الألباني، معتبرًا أنها فتحت الطريق أمام تنفيذ هذه المشروعات. وطالب بسحب التعديلات ووقف البناء داخل المناطق المحمية والالتزام بمعايير حماية الطبيعة الأوروبية، فيما حذر نواب من أن استمرار المشروعات قد يؤثر في مسار انضمام ألبانيا إلى الاتحاد.
وتكشف هذه المواجهة عن تضارب متزايد بين المصالح التجارية الأمريكية والخليجية من جهة، ومتطلبات الاندماج الأوروبي من جهة أخرى. فبروكسل تحتاج إلى الدفاع عن معاييرها داخل الدول المرشحة، لأن التغاضي عن انتهاكها قد يشجع مشروعات أخرى مدعومة من قوى أجنبية على تجاوز قوانين البيئة والشفافية.
ومع ذلك، لم ينضم الاتحاد الأوروبي إلى مطالب بعض المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، في ظل مخاوف من أن يؤدي سقوط الحكومة إلى اضطراب سياسي يعرقل خطط توسيع الاتحاد في البلقان.
حركة بلا قيادة موحدة
لا تملك «ثورة الفلامنغو» قيادة مركزية أو تنظيمًا سياسيًا واحدًا. فهي تضم مجموعات بيئية، وناشطين في مكافحة الفساد، ومواطنين عاديين، إضافة إلى منظمات مدنية نشأت خلال العقود الماضية بدعم غربي، لكنها أصبحت أكثر استقلالًا عن الجهات التي ساهمت في تأسيسها.
وتشير هذه الظاهرة إلى نتيجة غير متوقعة للسياسات الغربية في البلقان. فقد دعمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ التسعينيات منظمات المجتمع المدني والإعلام والهيئات الرقابية بهدف تعزيز الديمقراطية وربط دول المنطقة بالناتو والاتحاد الأوروبي. لكن الشبكات التي تكونت نتيجة هذا الدعم باتت اليوم قادرة على التحرك ضد مشروعات مرتبطة بمصالح أمريكية وأوروبية وخليجية.
وتشبه الحالة الألبانية، وفق التقرير، موجات احتجاج سابقة في صربيا، مثل التحرك ضد مشروع «واجهة بلغراد البحرية» المدعوم إماراتيًا، والاحتجاجات ضد منجم الليثيوم التابع لشركة «ريو تينتو». وفي الحالتين، تجاوزت الحركات البيئية قضية الطبيعة لتطرح أسئلة عن الفساد والسيادة وطريقة اتخاذ القرارات الاقتصادية الكبرى.
كما سبق لشركة كوشنر أن واجهت احتجاجات في صربيا بسبب خطة لتطوير فندق يحمل اسم ترامب في موقع مجمع هيئة الأركان العامة في بلغراد، الذي قصفه حلف شمال الأطلسي عام 1999. وبعد احتجاجات وانتقادات أوروبية، تخلت الشركة عن المشروع في ديسمبر/كانون الأول 2025.
الحكومة تتحدث عن «حرب هجينة»
رفض رئيس الوزراء إيدي راما اعتبار الاحتجاجات تعبيرًا طبيعيًا عن معارضة سياسية وشعبية، ووصفها بأنها جزء من «حرب هجينة» تقودها مؤثرات خارجية وحملات رقمية، مشيرًا إلى احتمال تورط جهات مرتبطة بإيران، بينما تحدث مسؤولون آخرون عن روابط روسية محتملة.
ولا يستبعد التقرير كليًا وجود تدخل خارجي، خصوصًا أن استضافة ألبانيا لمنظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية تثير توترًا مزمنًا مع طهران. لكنه يرى أن تفسير الاحتجاجات بالتدخل الروسي أو الإيراني وحده يتجاهل وجود شبكات محلية قوية ومخاوف حقيقية بشأن البيئة والفساد والسيادة الاقتصادية.
احتجاج بيئي يتحول إلى صراع جيوسياسي
تكشف «ثورة الفلامنغو» أن الاحتجاجات البيئية في البلقان لم تعد قضايا محلية منعزلة، بل أصبحت مرتبطة بتنافس رؤوس الأموال الدولية ومشروعات النفوذ السياسي.
فبالنسبة إلى المستثمرين الخليجيين، تمثل ألبانيا فرصة لتنويع الاستثمارات خارج النفط والدخول إلى سوق أوروبية محتملة. وبالنسبة إلى كوشنر، تمنحه المشروعات موقعًا تجاريًا وسياسيًا مؤثرًا في منطقة استراتيجية. أما حكومة راما، فتراهن على الاستثمارات الكبرى لتطوير السياحة والبنية التحتية، لكنها تواجه اتهامات بتعديل القوانين لخدمة المستثمرين وتجاوز المجتمعات المحلية.
وفي الجهة المقابلة، يرى الاتحاد الأوروبي أن القضية اختبار لقدرته على فرض معاييره البيئية والقانونية في دولة مرشحة للعضوية. ويخشى المحتجون من أن تتحول وعود التنمية إلى خصخصة للسواحل والمناطق المحمية، مع استفادة النخب السياسية والمستثمرين الأجانب من الأرباح وتحمل السكان المحليين التكاليف البيئية والاجتماعية.
وتظهر الاحتجاجات كذلك أن المجتمع المدني الذي بناه الغرب في البلقان لم يعد أداة يمكن توجيهها بسهولة من الخارج. فقد أصبحت هذه الشبكات قادرة على صياغة أولوياتها وإقامة تحالفات عابرة للحدود القومية والانقسامات العرقية، كما يتضح من دعم عشرات المنظمات البيئية الإقليمية للمحتجين الألبان.
وبذلك، لا تدور المواجهة حول منتجعين سياحيين فقط، بل حول سؤال أوسع: من يملك حق تقرير مستقبل الساحل الألباني، الحكومة والمستثمرون الدوليون، أم المجتمعات المحلية والمنظمات المدنية؟ وقد تحدد الإجابة مستقبل حكومة راما، ومسار ألبانيا الأوروبي، وحدود النفوذ الأمريكي والخليجي في واحدة من أكثر مناطق البلقان حساسية.
علييف يدعو أوروبا إلى تمويل خطوط الغاز مجددًا ويطرح أذربيجان بديلًا متناميًا لروسيا
دعا الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف البنوك الأوروبية إلى مراجعة قرارها وقف تمويل مشروعات النفط والغاز، معتبرًا أن تضرر منشآت الطاقة الروسية واضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط يفرضان على أوروبا الاستثمار مجددًا في خطوط الأنابيب والبنية التحتية التقليدية للطاقة.
وجاءت تصريحات علييف خلال زيارة رسمية إلى برلين ولقائه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، حيث وقّع البلدان إعلانًا بشأن «أجندة استراتيجية» لتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والنقل. وأكد ميرتس أن ألمانيا ترغب في تنويع وارداتها من الغاز والنفط وتعزيز التعاون مع أذربيجان عبر ممر الغاز الجنوبي.
وقال علييف إن منشآت معالجة النفط الروسية تتعرض للتدمير وتخرج من الخدمة، وإن موسكو لم تعد قادرة، وفق تقديره، على توفير كميات كافية من النفط والغاز لجميع شركائها التقليديين. وأضاف أن أوروبا يجب ألا تتخلى عن أهداف الطاقة النظيفة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إعادة فتح باب تمويل مشروعات خطوط الغاز والنفط لضمان أمن الإمدادات.
وتؤكد تقارير حديثة أن الهجمات الأوكرانية ألحقت أضرارًا بعدد من المصافي الروسية وأدت إلى اضطرابات في سوق الوقود داخل روسيا. وذكرت رويترز أن إنتاج البنزين الروسي هبط في أوائل يوليو/تموز إلى ما يعادل نحو 65% من متوسط الاستهلاك الموسمي، ما دفع موسكو إلى إعادة توجيه الإمدادات من سيبيريا وزيادة الواردات من بيلاروسيا والهند. كما حظرت روسيا صادرات الديزل بعد تضرر مصافيها، وهو ما أسهم في تشديد المعروض العالمي من الوقود وارتفاع هوامش التكرير.
لكن هذه التطورات لا تثبت بصورة قاطعة أن روسيا أصبحت عاجزة عن تلبية التزاماتها النفطية والغازية لجميع زبائنها. فالمعلومات المتاحة تؤكد وجود أزمة واضحة في قطاع التكرير والمنتجات النفطية، بينما يبدو تعميمها على مجمل صادرات النفط الخام والغاز جزءًا من محاولة علييف إبراز أذربيجان بوصفها موردًا أكثر استقرارًا للأسواق الأوروبية.
أذربيجان توسع حضورها في ألمانيا
بدأت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية «سوكار» خلال عام 2026 توريد الغاز إلى ألمانيا والنمسا عبر خط الأنابيب العابر للأناضول «تاناب» والخط العابر للأدرياتيكي «تاب»، وهما المكونان الأساسيان لممر الغاز الجنوبي.
وترتبط «سوكار» بعقد مدته عشر سنوات مع شركة الطاقة الألمانية «SEFE»، لتوريد 1.5 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا. وبلغ إجمالي صادرات أذربيجان من الغاز خلال 2025 نحو 25.2 مليار متر مكعب، ذهب منها 12.8 مليار متر مكعب إلى الأسواق الأوروبية.
وقال علييف إن أذربيجان تستطيع زيادة صادراتها إلى ألمانيا وأوروبا، لكنها تحتاج أولًا إلى توسيع خطوط الأنابيب الحالية وإنشاء وصلات جديدة، مشيرًا إلى أن «تاب» و«تاناب» يعملان بطاقتهما الكاملة تقريبًا. وبذلك ربط الرئيس الأذربيجاني بصورة مباشرة بين زيادة الإمدادات الأوروبية وبين استعداد المؤسسات المالية لتوفير قروض طويلة الأجل.
خلاف مع سياسة بنك الاستثمار الأوروبي
تستهدف انتقادات علييف بصورة خاصة بنك الاستثمار الأوروبي، الذي قرر في عام 2019 وقف تمويل مشروعات الوقود الأحفوري غير المصحوبة بتقنيات لخفض الانبعاثات، بما فيها مشروعات الغاز التقليدية. ويقول البنك إن أولويته تتمثل في تمويل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وشبكات الكهرباء والغازات منخفضة الكربون، بما ينسجم مع أهداف اتفاق باريس والحياد المناخي الأوروبي.
ومن وجهة نظر أذربيجان، يمثل هذا التوجه تناقضًا في السياسة الأوروبية؛ إذ تطلب بروكسل كميات أكبر من الغاز الأذربيجاني لتقليل اعتمادها على روسيا، لكنها لا ترغب في تمويل البنية التحتية اللازمة لاستخراج هذا الغاز ونقله.
أما المؤسسات الأوروبية، فتخشى أن يؤدي تمويل خطوط جديدة بعمر تشغيلي يمتد لعقود إلى إبقاء القارة مرتبطة بالوقود الأحفوري بعد الفترة التي يفترض أن ينخفض فيها الطلب على الغاز ضمن خطط التحول الأخضر.
استثمار في الأزمات المحيطة
يعكس خطاب علييف محاولة أذربيجان الاستفادة من ثلاثة تطورات متزامنة: تراجع الإمدادات الروسية، واضطراب طرق الطاقة في الشرق الأوسط، ورغبة ألمانيا في تنويع مصادرها بعد تقليص اعتمادها على موسكو.
وتقدم باكو نفسها في هذا السياق بوصفها شريكًا قريبًا نسبيًا من أوروبا، قادرًا على توفير الغاز عبر خطوط برية قائمة، من دون الاعتماد الكامل على ناقلات الغاز المسال والطرق البحرية المعرضة للاضطرابات.
لكن قدرة أذربيجان على الحلول محل روسيا محدودة؛ إذ إن صادراتها إلى أوروبا، البالغة نحو 13 مليار متر مكعب سنويًا، تظل أقل بكثير من كميات الغاز الروسي التي كانت تصل إلى القارة قبل حرب أوكرانيا. كما أن زيادة الإنتاج تحتاج إلى تطوير حقول جديدة وعقود شراء طويلة الأجل واستثمارات بمليارات الدولارات.
ولذلك لا يعرض علييف على أوروبا بديلًا كاملًا للغاز الروسي، بل موردًا إضافيًا يمكنه تخفيف الاعتماد على موسكو وزيادة تنوع الإمدادات.
معادلة ألمانية بين الغاز والتحول الأخضر
من المتوقع أن تتعامل ألمانيا مع العرض الأذربيجاني عبر مسارين متوازيين: زيادة واردات الغاز في المدى القريب لضمان أمن الطاقة، وتوسيع التعاون في الطاقة المتجددة والهيدروجين لتجنب بناء اعتماد أحفوري جديد طويل الأجل.
وقد تضمن الإعلان الألماني–الأذربيجاني المشترك التعاون في الغاز وتدفقات الطاقة، إلى جانب الطاقة الخضراء والهيدروجين منخفض الكربون وكفاءة الطاقة وحماية المناخ. ويشير ذلك إلى أن برلين لا تتبنى حتى الآن دعوة علييف إلى العودة الواسعة لتمويل النفط والغاز، لكنها تنظر إلى أذربيجان باعتبارها شريكًا مهمًا في مرحلة انتقالية.
وفي المحصلة، تحمل تصريحات علييف رسالة تفاوضية واضحة إلى بروكسل: إذا أرادت أوروبا مزيدًا من الغاز الأذربيجاني في ظل تراجع روسيا واضطراب الشرق الأوسط، فعليها توفير التمويل والعقود اللازمة لتوسيع خطوط النقل والإنتاج. أما أوروبا، فتواجه معادلة صعبة بين تأمين الطاقة في الحاضر وتجنب إنشاء بنية أحفورية قد تتعارض مع أهدافها المناخية في المستقبل.
باكستان تطلب من الولايات المتحدة حزمة دعم بقيمة 10 مليارات دولار لتعزيز احتياطياتها الأجنبية
كشفت مصادر مطلعة أن باكستان تقدمت بطلب إلى الولايات المتحدة للحصول على آلية دعم مالي بقيمة 10 مليارات دولار، في خطوة تستهدف تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، ودعم استقرار العملة المحلية، وتقليل اعتماد البلاد على التمويل متعدد الأطراف، وفي مقدمته برامج صندوق النقد الدولي.
وبحسب رويترز، نقل وزير المالية الباكستاني محمد أورنجزيب الطلب إلى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال لقاء جمعهما في واشنطن، مقترحًا إنشاء “آلية ثنائية لدعم استقرار سعر الصرف” تمتد لمدة تصل إلى خمس سنوات. وتهدف المبادرة إلى توفير شبكة أمان مالية تساعد إسلام آباد على مواجهة الضغوط الاقتصادية الخارجية، والحفاظ على استقرار الروبية الباكستانية.
ويأتي الطلب في وقت تواصل فيه باكستان تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي بدعم من صندوق النقد الدولي، يتضمن سياسات مالية ونقدية أكثر تشددًا، بينما تسعى الحكومة إلى تقليص اعتمادها على التمويل الطارئ وتعزيز قدرتها على تمويل احتياجاتها الخارجية.
وتشير المصادر إلى أن التحرك الباكستاني جاء بعد الدور الدبلوماسي الذي لعبته إسلام آباد في تسهيل محادثات مرتبطة بالحرب مع إيران، وهو ما عزز مكانتها لدى الإدارة الأميركية، ودفعها إلى السعي لترجمة هذا التقارب السياسي إلى دعم اقتصادي مباشر.
ولم تصدر وزارة الخزانة الأميركية تعليقًا رسميًا بشأن الطلب، كما لم يتضح بعد ما إذا كانت واشنطن تعتزم الموافقة على إنشاء هذه الآلية، التي ستكون من أكبر ترتيبات الدعم المالي الثنائية التي تطلبها باكستان من الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التطور بينما تواصل باكستان جهودها لاستعادة الاستقرار الاقتصادي بعد سنوات من أزمة حادة في ميزان المدفوعات، وسط توقعات بأن يسهم أي دعم أميركي محتمل في رفع احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي وتعزيز ثقة الأسواق الدولية بالاقتصاد الباكستاني.
كازاخستان توقف إمدادات النفط إلى محطة البحر الأسود وسط مخاوف أمنية تهدد صادراتها
أوقفت كازاخستان إمدادات النفط الخام إلى محطة اتحاد خطوط أنابيب بحر قزوين (CPC) الواقعة قرب ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية التي دفعت شركات شحن إلى التردد في إرسال ناقلاتها إلى المنطقة، وفقًا لما نقلته وكالة بلومبرغ عن مصادر مطلعة.
وبحسب المصادر، جاء القرار بعدما أثارت سلسلة هجمات استهدفت ناقلات نفط في البحر الأسود مخاوف متزايدة لدى شركات النقل البحري، ما دفعها إلى تعليق رحلاتها إلى المحطة التي تُعد المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الكازاخستاني. وحتى الآن، لم يتضح ما إذا كان تعليق الإمدادات قد دخل حيز التنفيذ الكامل.
وحذرت المصادر من أن استمرار توقف تدفقات النفط إلى المحطة حتى نهاية الأسبوع سيجبر شركات الإنتاج في كازاخستان على خفض مستويات الإنتاج، بسبب محدودية القدرة على تخزين الخام أو تصديره عبر مسارات بديلة.
وتكتسب محطة CPC أهمية استراتيجية، إذ تمر عبرها نحو 80% من صادرات النفط الخام الكازاخستاني، بما في ذلك إنتاج حقول كبرى تشارك في تطويرها شركات عالمية مثل شيفرون وإكسون موبيل وشل.
ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية ضغوطًا متزايدة، مع استمرار الاضطرابات في طرق الإمداد البحرية، وتراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز نتيجة تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تهديدات الحوثيين للملاحة وصادرات النفط في البحر الأحمر.
ويرى محللون أن أي انخفاض في صادرات كازاخستان قد يزيد الضغوط على المصافي الأوروبية، خاصة أن البلاد تُعد ثاني أكبر مورد للنفط إلى أوروبا، في وقت تسعى فيه القارة إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على النفط القادم من مناطق تشهد توترات جيوسياسية.
ورغم وقوع محطة CPC داخل الأراضي الروسية، فإن النفط المصدر عبرها لا يخضع للعقوبات الغربية، ما يجعل أي تعطيل في عملها عاملًا مؤثرًا في توازن أسواق الطاقة الدولية، وليس نتيجة مباشرة للعقوبات المفروضة على موسكو.
متابعات إفريقية
واشنطن تدرس توجيه ضربات عسكرية في مالي وسط انقسام داخل إدارة ترامب
تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ عمل عسكري ضد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة في مالي، في خطوة قد توسع نطاق العمليات العسكرية الأميركية في إفريقيا، وفقًا لمسؤولين حاليين وسابقين مطلعين على المناقشات داخل الإدارة.
وبحسب المعلومات، لا تزال المداولات جارية داخل البيت الأبيض ومؤسسات الأمن القومي، وسط تباين في مواقف كبار المسؤولين بشأن جدوى تنفيذ ضربات مباشرة ضد الجماعة المسلحة. ويبرز سيباستيان غوركا، المدير الأول لشؤون مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، باعتباره من أبرز المؤيدين لاستخدام القوة العسكرية، في حين يدعو مسؤولون آخرون إلى توخي الحذر قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
وتتمركز جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في مالي، ووسعت خلال السنوات الأخيرة نطاق عملياتها إلى عدد من دول الساحل وغرب إفريقيا، لتصبح إحدى أكثر الجماعات المسلحة نفوذًا في المنطقة، في ظل تدهور الوضع الأمني عقب انسحاب القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة من مالي.
ولم يصدر أي إعلان رسمي من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأميركية بشأن اعتماد خطة عسكرية، فيما امتنع البنتاغون عن التعليق على التقارير، كما لم يرد المسؤولون الماليون على طلبات التعليق.
وفي حال وافق الرئيس ترامب على تنفيذ الضربات، فستصبح مالي ثامن دولة تشهد عمليات عسكرية أميركية بأمر منه منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية، وهو ما يمثل توسعًا إضافيًا في سياسة مكافحة الإرهاب خارج الشرق الأوسط، رغم تعهداته السابقة بالحد من الانخراط العسكري الأميركي في النزاعات الخارجية.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تصاعدًا في نشاط الجماعات المسلحة، بينما تسعى واشنطن إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الأمنية في غرب إفريقيا في ظل تنامي النفوذ الروسي وتراجع الشراكات العسكرية الغربية التقليدية في المنطقة.




