ماذا بعد جولة تصعيد شهر يوليو على إيران؟ ….قراءة في مسارات الصراع القادمة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة
في السابع عشر من يوليو 2026، أصدر المعهد المصري للدراسات تقديرًا استراتيجيًا للموقف تناولنا فيه جذور التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، والخلفيات التي دفعت الطرفين إلى العودة مجددًا إلى استخدام القوة العسكرية بعد فترة وجيزة من التوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى احتواء التصعيد الذي أعقب حرب الأربعين يومًا. وقد انطلق ذلك التقدير من منطلق أساسي مفاده أن التفاهمات التي تم التوصل إليها لم تعالج جوهر الخلافات بين الطرفين، وإنما نجحت فقط في تجميدها بصورة مؤقتة، إلى الحد الذي جعل بعض المحللين يطلقون على مذكرة التفاهم “مذكرة سوء التفاهم – Memorandum of Misunderstanding! “،وهو ما جعل احتمالات انهيارها أمرًا واردًا بدرجة كبيرة عند أول اختبار ميداني.
وفي ذلك التقدير، حددنا ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمسارات المحتملة للأزمة. تمثل السيناريو الأول في استمرار التصعيد العسكري المحدود باعتباره فقط أداة لتحسين شروط التفاوض، تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق نهائي مستدام، بينما تمثل السيناريو الثاني، الذي رجحناه آنذاك، في الدخول في حرب استنزاف مفتوحة كموجات من التصعيد العسكري والتهدئة، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. أما السيناريو الثالث فقد تمثل في خروج الأمر عن السيطرة، واندلاع حرب واسعة النطاق بين الولايات المتحدة وإيران، وامتداد الحرب إقليميًا بمشاركة واسعة من أطراف أخرى، وما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية ودولية.
واليوم، وبعد قرار ترامب بتعليق الهجمات ضد إيران بشكل مؤقت في 24 يوليو، ومواكبة ذلك أيضًا من قبل إيران، وبعد جولة جديدة من التصعيد العسكري بين الجانبين استمرت نحو إسبوعين، وما صاحبها من تطورات متلاحقة في الخليج والبحر الأحمر، واتساع رقعة الاشتباك لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى، تبرز الحاجة إلى تقييم مرحلي للوضع، واختبار مسارات المستقبل في ظل السيناريوهات الموضوعة، وفي ضوء المتغيرات الجديدة، وقياس مدى توافق هذه المتغيرات مع السيناريوهات التي سبق طرحها، وتحديد المسار الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة.
اللافت في الجولة الأخيرة من التصعيد أنها لم تكن مجرد تبادل محدود للضربات، وإنما كشفت عن تطور واضح في طبيعة الصراع نفسه، سواء من حيث نوعية الأهداف التي تعرضت للاستهداف، أو اتساع مسارح العمليات، أو طبيعة الأدوات العسكرية المستخدمة، على النحو الذي بدأنا في توضيحه في تقدير الموقف الاستراتيجي، حيث كانت العمليات قد بدأت بالفعل في ذلك الوقت، بما يعكس انتقال المواجهة تدريجيًا من مرحلة اختبار الإرادات إلى مرحلة إدارة حرب استنزاف طويلة الأمد، يسعى فيها كل طرف إلى فرض معادلة ردع جديدة، وإقناع الطرف الآخر بأن كلفة الاستمرار في الخيار العسكري ستكون أكبر من العوائد التي يمكن تحقيقها من خلاله.
أخر المتغيرات
بدأ التصعيد العسكري الأمريكي الأخير مع نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو، بعد أقل من ثلاثة أسابيع من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، ليؤكد أن حالة الهدوء النسبي التي أعقبت الاتفاق لم تكن سوى هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني حقيقي، وأن الخلافات الجوهرية بين الطرفين ظلت قائمة دون معالجة حقيقية.
بدأت الأزمة عندما استهدفت إيران عددًا من القطع البحرية الأمريكية التي حاولت، وفق الرواية الإيرانية، عبور الممر البحري القريب من سلطنة عُمان، بعيدًا عن المسارات التي حددتها طهران لحركة السفن داخل مضيق هرمز. واعتبرت إيران هذا التحرك تجاوزًا مباشرًا للضوابط التي فرضتها على الملاحة في المضيق عقب انتهاء الحرب الأخيرة، وفرضًا قسريًا لقواعد مرغوبة أمريكيًا، بما يشكل من وجهة نظرها مخالفة لمذكرة التفاهم، التي ترى طهران أنها تمنحها منفردة حق إدارة حركة الملاحة داخل المضيق، حتى وإن تنازلت عن فرض رسوم عبور لمدة ستين يومًا وفقًا لبنود الاتفاق.
في المقابل، استندت الولايات المتحدة إلى تفسير مختلف لبنود المذكرة، يقوم على أن الاتفاق يعترف لإيران بدور في إدارة الملاحة داخل مضيق هرمز، لكنه لا يمنحها حقًا حصريًا في تنظيم حركة السفن أو فرض مسارات إلزامية على الملاحة الدولية. ومن هنا، اعتبرت واشنطن أن التحرك الإيراني يمثل محاولة لفرض أمر واقع جديد يتجاوز ما تم الاتفاق عليه، الأمر الذي دفعها إلى الرد عسكريًا.
غير أن طبيعة الرد الأمريكي حملت دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد الرد على حادث بحري محدود؛ إذ ركزت الضربات بصورة شبه كاملة على جنوب إيران، مستهدفة مواقع ترتبط مباشرة بمنظومة السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز. وشملت الضربات محيط بندر عباس، وتشابهار، وكنارك، وجاسك، وجزيرة أبو موسى، ومحافظة بوشهر، وجزيرة خارك، إضافة إلى استهداف قواعد عسكرية ومنشآت لوجستية وبنى تحتية وجسور في الجنوب الإيراني، على النحو الذي شرحناه تفصيلًا في تقدير الموقف الاستراتيجي. استمر هذا النمط طيلة فترة التصعيد الأخيرة (ثلاث عشرة ليلة) في محاولة واضحة لإضعاف القدرات الإيرانية على التعامل عسكريًا في منطقة المضيق، وتقليص قدرة الحرس الثوري على فرض سيطرته العملياتية عليه.
أما الرد الإيراني، فجاء أكثر اتساعًا من حيث النطاق الجغرافي وطبيعة الأهداف، إذ لم يقتصر على استهداف القواعد الأمريكية التقليدية، بل شمل قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في قطر، والبحرين، والكويت، والعراق، والأردن، كما طال بنى تحتية داخل عدد من دول الخليج، ردًا على استهداف الولايات المتحدة للبنية التحتية الإيرانية.
بالإضافة إلى ذلك، أسفر التصعيد الأخير عن مقتل ضباط أمريكيين، فضلًا عن إصابة جنود أمريكيين، في القصف الإيراني الذي استهدف مواقع التواجد العسكري الأمريكي في الأردن، وهو ما يشير إلى ارتفاع دقة الضربات الإيرانية وتركيز كثافتها النيرانية على مواقع الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، ويدل في نفس الوقت على نقص كفاءة الدفاعات الجوية الأمريكية، الأمر الذي أدى إلى وقوع خسائر في الأفراد والمعدات على حد سواء.
والأهم من ذلك أن إيران أظهرت تحولًا واضحًا في فلسفة الاستهداف؛ فبدلًا من التركيز على القواعد العسكرية التقليدية، اتجهت إلى استهداف ما يمكن وصفه بـ”الأهداف عالية القيمة“، مثل منظومات الرادار، ومراكز القيادة والسيطرة، ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي، في محاولة لحرمان الولايات المتحدة من أهم عناصر تفوقها العملياتي، وتقليص قدرتها على إدارة المعركة بكفاءة.
في الوقت نفسه، دخل مؤخرًا عامل جديد على خط الأزمة، تمثل في التصعيد المتزامن بين الحوثيين والسعودية، عقب الهجوم السعودي على مطار صنعاء، وهو ما دفع الحوثيين إلى توسيع عملياتهم العسكرية، والرد بقصف مطار أبها، ثم استهداف منشآت قطاع الطاقة السعودي لشركة أرامكو في جازان وينبع، ما أدى لخروج مصفاة جازان، التي تكرر نحو 400 ألف برميل من النفط يوميًا، من الخدمة مؤقتًا لأكثر من أسبوعين على الأقل.
تصاعد الاضطرابات في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب حدا بشركات التأمين للإحجام عن تقديم التغطية التأمينية للسفن المرتبطة بالمملكة. كما فرض ذلك على السفن السعودية الضخمة التي لا يسمح غاطسها بالمرور عبر قناة السويس، خوض ترتيبات معقدة للخروج عن طريق الوصول إلى ميناء العين السخنة، ومنه يتم تفريغ النفط ليمر من خط أنبوب سوميد إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، ثم يعاد تحميله في السفن للنقل إلى الأسواق الأسيوية عن طريق رأس الرجاء الصالح، ما أضاف تكاليفًا باهظة على عمليات شحن النفط، وأوقاتًا إضافية قد تصل إلى 30 يومًا لوصول السفن إلى وجهتها. وقد أدى ذلك لحدوث انخفاض كبير في عدد السفن التي تعبر مضيق باب المندب.
| واستمر الحوثيون في استهداف السفن السعودية، التي وصل عدد ما استهدف منها إلى أربعة وقت إعداد هذا التقرير، ما يفاقم من أزمة خروج النفط السعودي من مسارات بديلة لمضيق هرمز. وعصر يوم الاثنين 27 يوليو، أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا بطائرات مسيرة خط أنابيب نقل النفط من شرق السعودية، أي ذلك الخط الذي يُوصل النفط من منطقة “اللويلة” دون المرور بمضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. هذه المنشأة تُعد واحدة من أهم مراكز معالجة النفط في العالم. |
وفي تطور أخر، أوقفت شركة أرامكو السعودية عملياتها في مجمع معالجة النفط الأكبر لها في بقيق، وذلك بعد الهجمات بطائرات مسيرة قالت المملكة أنها جاءت ليلة 27 يوليو من العراق، وهو ما نفته “المقاومة الإسلامية في العراق” ، نتيجة أضرار جسيمة لحقت بمحطة انطلاق خط أنابيب الشرق–الغرب في السعودية، وتحديدًا في بقيق. هذه المنشأة، تعالج نحو 7% من الإمدادات العالمية للنفط.
كما أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن المملكة تعرضت مرة أخرى لهجوم بطائرات مسيرة، تم إطلاقها من العراق ليلة الثلاثاء 28 يوليو بواسطة “ميليشيات موالية لإيران”، وفقا للبيان. إلا أن التلفزيون الإيراني نقل عن مسؤول عسكري مطلع قوله “لا صلة لنا بأي مقذوفات أطلقت من دول أخرى باتجاه أهداف في السعودية”، وأضاف “إسناد أي إجراء ضد المصالح الأمريكية بالمنطقة لإيران يمثل خطئا في الحسابات”.
كل ذلك وسّع من نطاق الأزمة، وأوجد ترابطًا متزايدًا بين مسرح العمليات في الخليج ومسرح العمليات في البحر الأحمر، وفاقم من تعويق مرور البترول السعودي الذي لا يعبر من مضيق هرمز، بما يحدثه ذلك من أثر على المعروض العالمي من النفط الخام، وهو ما سنناقشه لاحقًا عند تحليل طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراع.
كما شهدت الأزمة تطورًا آخر تمثل في دخول أوكرانيا على خط المواجهة، بعدما أعلن جهاز الأمن الأوكراني، فجر السبت 25 يوليو/تموز 2026، استهداف سفينتي شحن إيرانيتين خاضعتين للعقوبات الدولية، قال إنهما كانتا تُستخدمان في نقل شحنات عسكرية بين إيران وروسيا عبر بحر قزوين، في حين أعلنت إيران مقتل أحد البحارة وإصابة آخر، وتوعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن هذا الهجوم “لن يمر دون رد“.
ولا يمكن النظر إلى هذا التطور بمعزل عن السياق العام للصراع، إذ يعكس اتساع نطاق التداخل بين الملفات الدولية، ويفتح الباب أمام احتمالات انتقال الأزمة من إطارها الإقليمي إلى إطار دولي أكثر تعقيدًا، نتيجة سعي زيلينسكي لإقحام الولايات المتحدة بقوة في صراعها مع روسيا، تتشابك فيه الحسابات الأمريكية والإيرانية مع الحرب الروسية الأوكرانية، بما يزيد من صعوبة احتواء التصعيد أو عزله عن بقية بؤر التوتر الدولية.
على جانب أخر، وبعد قرار ترامب المؤقت بوقف العمليات، أعلن الجيش الإيراني وقف هجماته التي سمّاها “الردع الانتقامي”، بعد وقف الهجمات الأمريكية، مهدداً في الوقت ذاته بتوسيع الرقعة الجغرافية للحرب في المنطقة إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في هجماتها على الجمهورية الإسلامية، وكشف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عن استمرار تبادُل الرسائل بين طهران وواشنطن، بالإضافة إلى استمرار نشاط المفاوضين.
إلا أنه، ووسط أنباء عن أن المباحثات الإيرانية العمانية لم تتوصل إلى اتفاق حول أسلوب إدارة مرور السفن في المضيق، وفي تطور مفاجئ، قامت إيران بقصف قاعدة موفق السلطي الأردنية بالصواريخ البالستية ليلة الثلاثاء 28 يوليو.
وقد صرح الرئيس ترامب يوم الأربعاء 29 يوليو، ردًا على هذا القصف: “سنضرب إيران بقوة” وأضاف خلال مقابلة إعلامية، إنه يدرس شن ضربات ضد وكلاء إيران، مشيراً إلى أن الميليشيات الموالية لإيران “سرطان العالم”. وحين سئل عن إيران، قال ترامب: “سأتركهم يواصلون الكلام وستشن أميركا ضربات ضدهم رداً على الهجمات التي استهدفت مواقع أميركية في الأردن”، وأنه “سيدمر إيران بالكامل”.
وفي الوقت نفسه أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية بالإشتراك مع القوات المسلحة السعودية نفذتا ضربات دقيقة في العراق ضد “موالين لإيران”، حيث شنت مقاتلات أمريكية وسعودية غارات استهدفت مواقع لوجستية ومخازن أسلحة شرق العراق. وقالت القيادة المركزية الأمريكية أن الغارات جاءت ردا على أكثر من 30 هجوما بمسيرات وجهها الحرس الثوري على شرق المملكة خلال الساعات الماضية. وقال مصدر أمني عراقي أنه تم استهداف معسكر الفتح المبين في محافظة واسط جنوبي البلاد. وأعلن الحشد الشعبي في العراق أن الحصيلة غير النهائية للهجمات التي استهدفت بعض مقاره وصلت إلى 20 قتيلا و32 مصابا.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني كذلك في ليلة 28 يوليو استهداف 3 ناقلات نفط “مخالفة” بعد إبحارها في “مسار غير آمن بمضيق هرمز”.
تشكل هذه التطورات المتلاحقة خروجًا عما أعلنه ترامب بوقف العمليات العسكرية مؤقتًا، وتجاوب إيران مع هذا الأمر “مؤقتًا” أيضًا، ليتصاعد التوتر الشديد في المنطقة من جديد. إلا أن إيران توجه رسائل كثيرة في إطار هذا التصعيد، كما سيتم توضيحه لاحقًا. الرسالة العامة الأساسية هي أن أمريكا ليست وحدها من يحدد وقت التصعيد أو التهدئة، وإنما تستطيع إيران أن تفرض إرادتها على هذا الأمر أيضًا، بما يحقق مصالحها بالصورة التي تراها.
القراءة الاستراتيجية للأحداث
إن التصعيد العسكري الأخير، والذي استمر نحو إسبوعين، بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات، بل هو يمثل، من وجهة نظرنا، مرحلة جديدة في تطور الصراع بين الجانبين، إنطلاقًا من أن الخلافات التي حالت دون تنفيذ مذكرة التفاهم السابقة ما زالت قائمة، وأن أدوات القوة العسكرية عادت مرة أخرى لتصبح الوسيلة الرئيسية التي يحاول كل طرف من خلالها فرض إرادته، وتحسين موقعه التفاوضي قبل العودة إلى أي مسار سياسي جديد.
كما أن اتساع مسرح العمليات، ودخول أطراف أخرى على خط الأزمة، سواء من خلال تصاعد المواجهة بين الحوثيين والسعودية، أو دخول الميليشيات العراقية على الخط، أو استهداف أوكرانيا لسفينة إيرانية في بحر قزوين، يؤكد أن الصراع من الصعب أن يبقى محصورًا في محيط الخليج العربي، وإنما أصبح يتداخل مع ملفات إقليمية ودولية متعددة، بما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي تقدير لمآلات الأزمة مرتبطًا بمجموعة كبيرة من المتغيرات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
إلا أن هناك سؤال هام ينبغي الإجابة عنه أولًا في ظل ما سبق: إذا كان الأمر كما نرى، فما هو إذن سبب موقف ترامب المفاجئ بوقف العمليات العسكرية مؤقتا يوم الجمعة 24 يوليو؟ ثم لماذا عاد التصعيد العسكري مجددًا بعد عدة أيام فقط؟
لماذا أوقفت الولايات المتحدة التصعيد مؤقتًا، ولماذا عاد بعد ذلك مباشرة؟
لا نرى أن قرار الولايات المتحدة بوقف التصعيد يعكس تراجعًا عن أهدافها الاستراتيجية، كما لا يمكن تفسيره على أنه نهاية لجولة الصراع الحالية، وإنما يمثل توقفًا عملياتيًا مؤقتًا فرضته اعتبارات عسكرية وسياسية واقتصادية مختلفة، استعدادًا لجولات تصعيد جديدة إذا فشل المسار السياسي.
في ضوء قراءتنا لما واكب التصعيد الأخير من تداعيات، يمكن تفسير قرار التوقف المؤقت، ثم عودة التصعيد، من خلال عدة أسباب رئيسية:
أ: إيران أثبتت أن قدراتها العسكرية تفوق التقديرات الأمريكية
ربما يمثل هذا العامل أحد أهم الأسباب التي دفعت واشنطن إلى إعادة حساباتها خلال الجولة الأخيرة من التصعيد.
فقد دخلت الولايات المتحدة هذه الجولة وهي تراهن على أن الضربات المركزة ضد البنية العسكرية في جنوب إيران ستؤدي إلى تقليص قدرة الحرس الثوري على فرض سيطرته العملياتية على مضيق هرمز، وإضعاف منظومة الرد الإيرانية، بما يسمح بتوجيه المزيد من الضربات اللاحقة، وفرض وقائع جديدة على الأرض.
إلا أن ما حدث ميدانيًا جاء مختلفًا عن تلك التقديرات؛ إذ تمكنت إيران من الرد في أكثر من مسرح عمليات في توقيت متقارب (وهو ما أُطلق عليه “الرد الأفقي”)، واستمرت في فرض سيطرتها بالنيران على مضيق هرمز، مع توسيع دائرة الاستهداف لتشمل قواعد أمريكية ومنشآت ذات قيمة عملياتية عالية في الخليج والأردن، ونجحت في تكبيد القوات الأمريكية خسائر بشرية.
وقد كشف ذلك أن القدرات الإيرانية، سواء على مستوى الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو منظومات القيادة والسيطرة أو القدرات البحرية التابعة للحرس الثوري، ما زالت قادرة على العمل بكفاءة، وأن تقديرات الاستخبارات الأمريكية بشأن حجم التأثير المتوقع للضربات الأمريكية على كفاءة الاستمرار الإيراني في العمليات العسكرية كانت أقل من الواقع.
ومن ثَمَّ، فإن الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام خصم لم يفقد قدرته على المبادرة، ولم تنجح الضربات في حرمانه من أهم أدوات الردع التي يمتلكها، وهو ما يستدعى إعادة تقييم الموقف قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد.
إلا أنه في واقع الأمر فإن ذلك ظهر منذ الأيام الأولى بعد ضربة 28 فبراير، ولا يصلح أن يكون بمفرده مفسرًا لتوقيت التهدئة الأخير بالذات.
ب: الاستنزاف المتزايد في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية
لم يكن الاستنزاف مقتصرًا على الجانب الإيراني، بل طال أيضًا منظومة الذخيرة الدفاعية الأمريكية، خصوصًا في مجال الصواريخ الاعتراضية.
فقد استهلكت العمليات المتواصلة أعدادًا كبيرة من صواريخ باتريوت وثاد وصواريخ SM البحرية، وهي منظومات مرتفعة التكلفة، ويستغرق تعويض مخزونها وقتًا طويلًا، ما يؤثر بالسلب على الوضع الدفاعي الأمريكي الاستراتيجي حول العالم، وليس فقط أمام إيران، حيث يشعر مسؤولون أمريكيون بالقلق من أن بوتين وشي جين بينج قد يعتبران المخزونات الأمريكية من الذخائر، والتي استنزفت بسبب الحرب في إيران، فرصة للتحرك ضد أوكرانيا/أوروبا وتايوان.
الأمر الذي فرض على القيادة العسكرية الأمريكية إعادة النظر في آلية إدارة المعركة.
ويؤشر لهذا الأمر ما نقلته شبكة NBC عن مسؤولين أمريكيين، من أن بعض القيادات العسكرية سمحت بمرور قصف عدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي لا تشكل تهديدًا مباشرًا للقوات الأمريكية، حفاظًا على المخزون المحدود من الصواريخ الاعتراضية، والتركيز على اعتراض التهديدات التي تستهدف القوات والمنشآت الحيوية (هذا يعني بشكل غير مباشر أن إيران لازالت تمتلك مخزونًا كبيرًا من الصواريخ الباليستية التي يمكن أن تستنفذ الدفاعات الأمريكية من صواريخ الباتريوت، عكس الادعاءات الأمريكية، فهذه الصواريخ لا تستخدم ضد المسيرات الرخيصة).
كما يجري الحديث عن تحذيرات من القيادات العسكرية الأمريكية ممثلة في رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، فضلًا عن نائب الرئيس جي دي فانس، خلال اجتماع مع ترامب، حول هذا الموضوع.
وإذا صحت هذه التقارير، فإنها تعكس حجم الضغوط التي فرضتها الحرب على منظومة الذخيرة الأمريكية، كما تشير إلى أن استمرار العمليات بالمعدل نفسه سيؤدي إلى المزيد من استنزاف الذخائر، وهو ما قد يفسر الحاجة إلى فترة توقف تسمح بإعادة بناء الجاهزية الدفاعية استعدادًا لأي جولات مقبلة.
إلا أنه مرة أخرى لا يمثل هذا العامل، من وجهة نظرنا، عاملًا حاسمًا للتهدئة في هذا التوقيت؛ فهذا الأمر ليس جديدًا، والحديث يجري حوله منذ فترة طويلة (مثلاً التقارير عن أن الصين تنظر للولايات المتحدة كعملاق يعرج نتيجة استنفاذ أسلحتها في الحرب على إيران)، كما أن قصف 13 ليلة والردود الإيرانية عليه لم يكن ليحدث تغييرًا استراتيجيًا في مخزون الذخائر. الأهم أن أية فترة توقف مؤقتة لن يترتب عليها إمكانية تعويض حقيقي في هذه النوعية من الذخائر، فالحديث يدور حول سنوات لهذا التعويض، وليس أيامًا أو أسابيع.
بالتالي فإننا نرى أن هذا السبب يتم الترويج له إعلاميًا لصرف النظر عن أهداف قد تكون أكثر أهمية بالنسبة للقيادة الأمريكية.
ج: وصول الضربات إلى حدود فعاليتها العسكرية
قد يتمثل أحد الأسباب المهمة وراء وقف التصعيد في اقتناع جزء من المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن الضربات، وفق النمط الذي نُفذت به، وصلت إلى أقصى ما يمكن أن تحققه من نتائج.
وفي هذا السياق، نقل موقع أكسيوس أن قائد القيادة المركزية الأمريكية أوصى بوقف الضربات حول مضيق هرمز بعد بلوغها حدود فعاليتها العملياتية، كما أشار إلى أن تقييمات القيادات العسكرية والمستشارين كانت أحد العوامل التي أثرت في قرار الرئيس الأمريكي بوقف الضربات مؤقتًا. ووفق المصدر ذاته، كان ذلك بمثابة اعتراف من قبل كل من المستشارين العسكريين والمدنيين للرئيس بأن هناك حدودا لما يمكن تحقيقه من خلال العمل العسكري، وتحديدا حملة القوة الجوية.
ومن منظور قراءتنا العسكرية، يمكن قراءة هذا التقييم على وجهين:
الأول، أن نمط الضربات المستخدم لم يعد قادرًا على تحقيق أهداف إضافية دون تحمل كلفة أعلى، وهو ما يجعل الاستمرار فيه غير ذي جدوى عملياتية، ويجعل من الأفضل التركيز على العمل الديبلوماسي والتفاوض.
أما الوجه الثاني، فهو أن هذا التقييم لا يعني التخلي عن الخيار العسكري كليًا، بل قد يؤشر إلى أهمية دراسة وسائل تصعيد مختلفة، أو تطوير أساليب الهجوم، أو الانتقال إلى أنماط عملياتية جديدة إذا قررت واشنطن استئناف عملياتها لاحقًا.
العمليات العسكرية بالوتيرة الراهنة لم تؤدي في واقع الأمر إلى التحقيق الحاسم لأي من الأهداف الأمريكية المعلنة أو الضمنية حتى الآن؛ إذ لم تنجح واشنطن في تحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني، حيث ما زال النظام قائمًا ومتماسكًا، ولم تظهر مؤشرات على حدوث انقسام داخلي أو انهيار في منظومة القيادة وصنع القرار الإيراني، رغم الخسائر الفادحة المتمثلة في المرشد السابق وجميع القيادات العسكرية العليا تقريبًا.
كما لم تنجح الضربات في إنهاء أو القضاء على المشروع الصاروخي الباليستي الإيراني، الذي ما زالت طهران تحتفظ بجزء كبير من قدراته، ولم تؤدِّ العمليات العسكرية إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو إزالة البنية الأساسية المرتبطة به، رغم تعرضها لضربات متعددة.
أما الهدف الثالث المستحدث، والمرتبط بإضعاف قدرة إيران على فرض سيطرتها على مضيق هرمز، فلم يتحقق بصورة كاملة؛ إذ ما زالت إيران تحتفظ بقدرة فعلية على التأثير في حركة الملاحة داخل المضيق، وتوظف قدراتها البحرية والصاروخية والطائرات المسيّرة التابعة للحرس الثوري لفرض معادلة ردع تمنع الولايات المتحدة من إعادة تشكيل قواعد الحركة البحرية وفق رؤيتها المنفردة.
وبالتالي، فإن التصعيد الأمريكي سواء في مرحلة الحرب ال 40 يومأ أو في فترات التصعيد بعد مذكرة التفاهم، أظهر بالفعل قدرة واشنطن على توجيه ضربات مؤثرة ضد أهداف إيرانية، يترتب عليها إحداث خسائر فادحة، لكنه في الوقت ذاته كشف حدود القوة العسكرية التقليدية عندما تواجه خصمًا يعتمد على الردع غير المتماثل، ويمتلك القدرة على تحويل الجغرافيا والموارد البحرية إلى أدوات ضغط استراتيجية.
مما سبق يتضح أن القرار الأخير لترامب يمكن أن يكون مدفوعًا بالسعي لحل دبلوماسي، ولو بشكل مؤقت، بعد أن وصل استخدام القوة العسكرية بالشكل الحالي إلى حدود ما يمكن إنجازه، يمكن من خلاله تحقيق بعض الإنجاز ووقف الخسائر والنزيف الإقتصادي. إلا أنه بنفس القدر، يمكن أن يستهدف وقفة تعبوية يتم من خلالها التجهيز لتطوير العمليات لمستوى أكبر، وبوسائل مختلفة، يمكن عن طريقها تحقيق الأهداف التي لم تحققها الوسائل السابقة.
د: اختبار الموقف الإيراني بعد الضربات
لم يكن وقف العمليات موجهًا إلى الداخل الأمريكي فقط، بل كان أيضًا رسالة موجهة إلى طهران. فالولايات المتحدة أرادت معرفة ما إذا كانت الضربات الأخيرة قد أحدثت تغييرًا في حسابات القيادة الإيرانية، أو دفعتها إلى مراجعة موقفها التفاوضي، أو أنها لم تحقق أي تأثير في عملية صنع القرار الإيراني. ومن ثم، فإن فترة التهدئة الحالية قد تمثل مرحلة استطلاع سياسي واستخباراتي بقدر ما هي فترة توقف عسكري، تسعى خلالها واشنطن إلى قياس ردود الفعل الإيرانية، ورصد طبيعة التحركات العسكرية، ومدى استعداد طهران لتقديم أي تنازلات خلال المفاوضات. وفي حال تبين أن الضربات لم تؤثر في الموقف الإيراني، فمن المرجح أن تعود الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية، ولكن ربما بأساليب مختلفة، أو ضمن أهداف عملياتية أكثر تحديدًا.
إلا أن استهداف إيران لعدد من السفن التجارية، صباح يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، بعد إعلان وقف التصعيد، والتي وصفتها طهران بأنها لم تلتزم بضوابط وتعليمات الحرس الثوري الإيراني الخاصة بالعبور، يُعد مؤشرًا واضحًا على أن إيران لم تتراجع، رغم جولة التصعيد الأخيرة، وما زالت متمسكة بالشروط والقواعد التي تسعى إلى فرضها على حركة الملاحة في مضيق هرمز. كما تعكس هذه العمليات أن القدرات البحرية الإيرانية ما زالت حاضرة وفاعلة، وأن الضربات الأمريكية الأخيرة لم تنجح في فك قبضة البحرية التابعة للحرس الثوري عن التحكم النيراني بالمضيق أو تقويض قدرتها على فرض قواعد الاشتباك التي أعلنتها. ومن ثم، فإن هذه الاستهدافات تحمل دلالتين متوازيتين؛ الأولى سياسية، تؤكد تمسك صانع القرار الإيراني بموقفه التفاوضي وعدم تقديم أي تراجع تحت الضغط العسكري، والثانية عسكرية، تتمثل في حرص إيران على إثبات استمرار جاهزية قواتها البحرية وقدرتها على تنفيذ عمليات مؤثرة بعد انتهاء جولة التصعيد مباشرة، بما يعزز من مصداقية معادلة الردع التي تسعى إلى ترسيخها.
ويُضاف إلى ذلك قصف قاعدة موفق السلطي الأردنية وإعلان الحرس الثوري الإيراني، في بيان صدر يوم الأربعاء 29 يوليو 2026 يتبنى القصف صراحة، رغم وقف التصعيد الأمريكي، والذي أكد فيه أن قواته الجوية “استهدفت قاعدة جوية أمريكية ومركز القيادة المركزية في الأردن بعدة صواريخ باليستية”، موضحًا أن العملية جاءت “ردًا على الأعمال العدوانية للجيش الأمريكي”. ويشير هذا الإعلان إلى أن إيران لم تخرج من جولة التصعيد الأخيرة في وضع تراجع أو انكفاء، بل على العكس، تؤكد استمرارها في تبني استراتيجية متقدمة تقوم على استهداف مصادر القوة والتفوق الأمريكي قبل اكتمال تشكلها العملياتي، والعمل على إرباك منظومات القيادة والسيطرة والقدرات الهجومية الأمريكية في المنطقة، كما يعكس ذلك أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقتصر على الرد بعد وقوع الهجمات، وإنما تعتمد أيضًا على توجيه ضربات استباقية عندما ترى طهران أن ذلك يخدم أهدافها العسكرية ويمنع تشكل تهديدات مستقبلية ضدها. وبناءً عليه، فإن هذه المؤشرات تؤكد أن إيران لم تعتبر جولة التصعيد الأخيرة سببًا للتراجع أو تعديل موقفها، وإنما خرجت منها بإصرار أكبر على الحفاظ على معادلة الردع، سياسيًا وعسكريًا، وإثبات قدرتها على المبادرة وفرض كلفة على الطرف المقابل.
وبالتالي، فإن مجمل المؤشرات العسكرية والسياسية تشير إلى أن إيران خرجت من جولة التصعيد الأخيرة بتمسك أكبر بموقفها، وإصرار على عدم تقديم تنازلات تحت تأثير الضغط العسكري، سواء على المستوى السياسي المرتبط بمسار التفاوض، أو على المستوى العسكري المرتبط بإثبات قدرتها على الرد والحفاظ على معادلة الردع في مواجهة الولايات المتحدة.
ه: اعتبارات اقتصادية مرتبطة بأسواق الطاقة
نحن نرى أنه، وإن كانت العوامل السابقة قد ساهمت بشكل أو بأخر بالدفع للقرار الأخير بوقف العمليات العسكرية مؤقتًا، إلا أنها لا يمكن اعتبارها العوامل الرئيسية وراء ذلك القرار. تأتي العوامل الإقتصادية والملابسات المحيطة بها، من وجهة نظرنا، في مقدمة الأسباب التي دفعت لهذا القرار في هذا التوقيت تحديدًا، رغم أن الأثار الإقتصادية السلبية للحرب قائمة وواضحة بشكل عام.
لفهم ذلك الأمر، ينبغي سريعًا المرور على البعض من أهم المتغيرات الإقتصادية مع الجولة الأخيرة من العمليات:
- عادت أسعار العقود الأجلة للنفط لخام برنت للارتفاع سريعًا من مستوى نحو 70 دولار للبرميل في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو إلى ما تخطى 101 دولار للبرميل يوم 23 يوليو ، بعد 13 يومًا من عودة العمليات. بدأت الأسعار بعد قرار ترامب بوقف الهجمات بالإنخفاض حتى وصلت إلى نحو 83 دولار للبرميل يوم 28 يوليو، في ظل الأنباء عن تواصل الجهود الدبلوماسية، مع استمرار انخفاض الطلب الصيني بنحو 5 ملايين برميل يوميًا عما كان واقعًا قبل الحرب. يلاحظ أن الأسعار لم تنخفض لمستوى ما بعد مذكرة التفاهم، حيث لازالت إيران تغلق المضيق، وأمريكا تحاول إحكام الحصار عليها، فضلًا عن الأثار السلبية لاستهداف المنشأت النفطية بواسطة الحوثيين.
إلا أنه، وفي أعقاب التطورات والتصعيد الحادث يوم 28 يوليو، عادت أسعار العقود الأجلة لخام برنت للإرتفاع حول 88 دولار للبرميل ثم عاودت الارتفاع لمستوى تجاوز 90 دولار عقب تصريحات ترامب بضرب إيران ردًا على قصف الأردن.
في واقع الأمر، فإن التذبذبات الحادة في أسعار العقود الأجلة للنفط صعودا وهبوطًا، تعكس استجابات مؤقتة لتطورات معينة، بينما المحك الحقيقي الذي يؤخذ في الإعتبار بالنسبة لأسعار الوقود وأثرها على التضخم هو مدى استقرار الإمدادات وتوافر الإحتياطيات الاستراتيجية، وهو ما يتعرض بالفعل لمشكلات كبيرة ترجح أن يُقبل العالم خلال أسابيع على صدمة نفطية جديدة سيترتب عليها أثارًا شديدة السلبية على الإقتصاد العالمي.
- واصل الإحتياطي البترولي الاستراتيجي للولايات المتحدة تراجعه ليقترب من مستوى 300 مليون برميل، في استمرار لموجة الإنخفاض المستمرة لعدة أشهر.
- استمر متوسط أسعار جالون البنزين في الولايات المتحدة في الإرتفاع إلى نحو 4.10 دولار للجالون، وكذلك متوسط سعر جالون وقود الديزل، الأكثر تأثيرًا على اقتصاديات نقل البضائع، وبالتالي على معدلات التضخم، إلى 5.32 دولار (وذلك يوم 28 يوليو)، ولم يؤثر بالطبع الإنخفاض في سعر برميل النفط على هذه الأسعار حيث أنها أسعار للعقود الأجلة بعد ثلاثة أشهر. وبذلك يتوقع أن تستمر أسعار الوقود المرتفعة تلك، أو تزداد ارتفاعًا خلال الفترة المقبلة.
- الأثر الأهم في الملف الإقتصادي الأمريكي تمثل في ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا ليقترب من أعلى مستوياته منذ عام 2007، بعدما بلغ نحو 5.13% خلال تداولات 21 يوليو/تموز 2026، وارتفع لاحقًا إلى 5.16% بإغلاق نهاية الأسبوع، في دلالة على مطالبة المستثمرين بعائد أعلى مقابل إقراض الحكومة الأمريكية على المدى الطويل، ما يعكس إدراكهم لتنامي المخاطر المتعلقة بالإقتصاد الأمريكي.
وقد ارتفع العائد على السندات كذلك على جميع الأجال، بدءًا من شهر وحتى ثلاثين عامًا (بلغ يوم 24 يوليو على سبيل المثال 3.912% لمدة 90 يومًا، 4.687% لمدة 10 سنوات، وهو العائد القياسي، 5.163% لمدة 30 عامًا. هذه الأرقام تناظر تلك بالقرب من ذروة الأزمة المالية عام 2007). هذه العائدات سيترتب عليها المزيد من رفع تكلفة الإقتراض بشكل عام، وهو ما سينعكس بارتفاع احتمالات حدوث ركود على المدى المنظور.
تجدر الإشارة إلى أن العائد على السندات هو العامل الأهم المعروف عن ترامب أنه يتابعه بقلق، لما له من أثر سلبي بالغ على الإقتصاد عندما يرتفع.
يأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بارتفاع التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، وكذلك التعريفات الجمركية التي أعاد ترامب فرضها مؤخرًا. وكذلك يأتي أثر الإعلان الصيني عن البدء في الانتاج التجاري لماكينات صناعة الرقائق الالكترونية الخاصة بها، باستخدام تكنولوجيا الطباعة الضوئية الغاطسة بالأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV) محلياً، وبأسعار للرقائق تقترب من نصف نظيرتها المنتجة غربيًا، ما شكل هلعًا في الأوساط الغربية لتكنولوجيا صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي، التي استهلكت استثمارات ضخمة ستتعرض لقدر كبير من المخاطرة نتيجة هذه المنافسة، ما أثر بالسلب على أسعار أسهم شركات التكنولوجيا، وساهم كذلك في ارتفاع نسبة العائد على سندات الخزانة.
- العامل الحاسم فيما يتعلق بدلالة توقيت قرار وقف العمليات العسكرية هو الإجتماع المنتظر للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يوم 29 يوليو، والذي بلغت احتمالات رفع سعر الفائدة فيه 38% وفقًا للتقديرات الأخيرة، لاحتواء تداعيات التضخم المحتمل نتيجة العوامل السابقة جميعًا. سيشكل هذا الأمر إن حدث أثارًا سلبية حتمية على تزايد احتمالات الركود وتراجع النمو وانخفاض معدلات التوظيف. سيؤثر ذلك بكل تأكيد على حظوظ الحزب الجمهوري الحاكم في انتخابات التجديد النصفي المقبلة للكونجرس، وهو ما يريد ترامب تجنبه بأي شكل.
لذلك قد يكون ترامب قد اتخذ قرار وقف العمليات العسكرية، وقد يوحي أيضا باقتراب التوصل لاتفاق جديد وأن المفاوضات تسير بشكل جيد، للتأثير على أعضاء مجلس إدارة الإحتياطي الفيدرالي قبل تصويت الأربعاء بالإيحاء بأن الأزمة في طريقها للحل، ما قد يدفعهم لإرجاء قرار رفع الفائدة، ولو إلى حين، ما سيتيح له لاحقًا العودة للعمليات العسكرية إن أراد.
إلا أنه من اللافت أن إيران قامت بتصعيد عسكري كبير ليلة الثلاثاء 28 يوليو باستهداف قاعدة موفق السلطي، وكذلك اعتراض سفن جديدة كانت تحاول الخروج من مضيق هرمز، كما تقدم، تزامنًا أيضًا مع تصعيد استهدافات الحوثيين والميليشيات العراقية للسعودية، وذلك ، فيما يبدو لنا، بهدف إجهاض مخطط ترامب المشار إليه أعلاه، وإحداث تأثير معاكس على مجلس إدارة الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبل اجتماعه المنتظر بساعات، وذلك في رسالة مؤداها أن المنطقة أبعد ما تكون عن الاستقرار، ما يعني أن الأزمة قادمة لا محالة، وما يفرضه ذلك على الفيدرالي من اتخاذ قرار برفع سعر الفائدة، بكل أثاره السلبية المنتظرة على الإقتصاد الأمريكي والعالمي.
الخلاصة فيما يتعلق بقرار التهدئة ثم انتهائه، أنه يبدو لنا أن واشنطن كانت بحاجة إلى فترة هدوء نسبي لاحتواء آثار التصعيد على الأسواق، دون أن يعني ذلك التخلي عن أدوات الضغط العسكري، بل على العكس، فإن تهدئة سوق الطاقة مؤقتًا قد تمنح الإدارة الأمريكية مساحة أوسع للمناورة إذا اضطرت إلى العودة للتصعيد في مرحلة لاحقة. إلا أن إيران في نفس الوقت تناور ببراعة لإجهاض هذه الأهداف الأمريكية، ما يكرس من مفهوم الحرب الشاملة التي تمزج بين العمليات العسكرية، وأساليب السياسة والتأثير الإقتصادي والنفسي الشامل.
و: الخديعة تمهيد لضربة جديدة كبيرة
لا يستبعد أن يكون خفض التصعيد الأمريكي الراهن في إطار خطة للتضليل والخداع، تخفي نية التصعيد المفاجئ ثم عودة الضربات العسكرية، بعد أن يمر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لأخذ إيران على غرة. لقد حدث ذلك بالفعل مرتين قبل ذلك في قلب مفاوضات كانت توصف أمريكيًا بأنها إيجابية. قد يعضد من هذا االإحتمال المضي قدمًا في عقد اجتماع بين ترامب ونتنياهو بعد عدة تأجيلات خلال الفترة الماضية.
المسارات المحتملة في الفترة المقبلة
من خلال قراءة التطورات الميدانية خلال الأيام الماضية، ومقارنتها بالفرضيات التي طرحناها في تقدير الموقف الاستراتيجي الصادر عن المعهد المصري في 17 يوليو 2026، نرى أن المشهد لا يزال يتحرك في إطار السيناريوهات الثلاثة التي سبق أن أشرنا إليها في ذلك التقدير. لازالت التطورات الأخيرة تجعلنا لانزال نرجح بشكل كبير التصعيد من خلال السيناريو الثاني مقارنة ببقية السيناريوهات، كما رجحنا في التقدير الماضي.
السيناريو الأول: استمرار التصعيد المحدود كوسيلة لتحسين شروط التفاوض وصولًا إلى اتفاق نهائي:
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن الضربات العسكرية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما تمثل وسيلة ضغط متبادلة يسعى من خلالها كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، بحيث تصبح العمليات العسكرية جزءًا من أدوات التفاوض وليست بديلًا عنه.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن التاريخ العسكري يشير إلى أن كثيرًا من الاتفاقات الكبرى لم تُبرم إلا بعد وصول العمليات العسكرية إلى ذروة التصعيد، حيث يحاول كل طرف تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية قبل تثبيت خطوط التفاوض النهائية، بما يمنحه أوراق قوة إضافية أثناء صياغة الاتفاقات السياسية.
ومن هذا المنطلق، يرى أنصار هذا السيناريو أن الجولة الأخيرة قد تكون آخر جولات التصعيد قبل التوصل إلى اتفاق جديد أكثر وضوحًا في بنوده، يعالج أوجه الخلاف التي ظهرت عند تنفيذ مذكرة التفاهم السابقة، وخاصة فيما يتعلق بآليات إدارة الملاحة داخل مضيق هرمز، وصلاحيات كل طرف، وحدود استخدام القوة العسكرية.
إلا أن قراءتنا تختلف مع هذا الطرح. فالتصعيد الأخير لم يكشف فقط عن خلاف في تفسير بعض البنود، وإنما كشف عن فجوة استراتيجية أعمق تتعلق بطبيعة الأهداف التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها من الاتفاق نفسه. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها غاية مستقلة، وإنما كوسيلة للوصول إلى الأهداف ذاتها التي تسعى إلى تحقيقها عبر الضغط العسكري، وفي مقدمتها تقليص النفوذ الإيراني في منطقة الخليج، وتقليص قدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز، وإعادة فرض حرية الملاحة وفق الرؤية الأمريكية. وفي المقابل، تنظر إيران إلى أي تنازل في هذه الملفات باعتباره مساسًا مباشرًا بأهم أوراقها الاستراتيجية، ولذلك فإنها تحاول استخدام القوة العسكرية لمنع الولايات المتحدة من فرض وقائع جديدة على الأرض يمكن ترجمتها لاحقًا إلى مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات.
ولهذا السبب، فإن الأزمة الحالية لا تبدو مجرد خلاف حول آليات تنفيذ الاتفاق، وإنما تعكس اختلافًا جذريًا في فهم الطرفين لطبيعة الاتفاق نفسه، وحدود ما يمكن أن يقبله كل منهما أو يرفضه، وان الجلوس للتفاوض على بنود جديدة لن يغير من الواقع شيئًا، فهناك بنود اتفاق جاهزة ولكن العثرة في التنفيذ.
ومن هنا، فإن فرص نجاح هذا السيناريو خلال المدى القريب تبدو محدودة، ليس بسبب غياب قنوات الاتصال السياسية، وإنما لأن المسافة بين الموقفين لا تزال كبيرة، ولأن كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه عبر مواصلة الضغط العسكري قبل تقديم أي تنازلات سياسية.
وما يؤكد وجود فجوة عميقة بين الجانبين هو الخلاف حول ملف الأموال الإيرانية المجمدة؛ إذ كانت مذكرة التفاهم السابقة تنص، وفق الرؤية الإيرانية، على الإفراج عن جزء من هذه الأموال، وهو ما ستظل طهران متمسكة به في أي جولة تفاوضية مقبلة باعتباره أحد أهم مكاسبها الاقتصادية والسياسية. في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 23 يوليو 2026 أن الولايات المتحدة ستستخدم الأموال الإيرانية الموجودة في حيازتها أو الخاضعة لسيطرتها لدفع تعويضات عن “كل الأضرار” التي تلحق بالسفن والشحنات، وهو موقف يتعارض بصورة مباشرة مع الرؤية الإيرانية لطبيعة هذه الأموال وآلية التعامل معها.
ويكشف هذا الخلاف أن الفجوة بين الطرفين لا ترتبط فقط بالقضايا العسكرية أو الأمنية، وإنما تمتد إلى جوهر الترتيبات الاقتصادية والسياسية لأي اتفاق محتمل؛ فبينما ترى إيران أن الإفراج عن أموالها المجمدة يمثل حقًا وجزءًا أساسيًا من أي تسوية، تنظر الولايات المتحدة إليها باعتبارها ورقة ضغط يمكن استخدامها لتحقيق أهدافها وتعويض الأضرار، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهم نهائي بين الجانبين.
إضافة إلى كل ذلك، فالموقف الأن أصبح أكثر تعقيدًا بعد دخول الحوثي والميليشيات العراقية إلى قلب الصراع، وهو ما لم يكن قائما قبل توقيع مذكرة التفاهم. على جانب أخر، فإن عدم تنفيذ المذكرة قد زاد من حالة انعدام الثقة بين الجانبين، ويجعل التوصل لاتفاق جديد أكثر صعوبة بشكل كبير.
السيناريو الثاني: الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة
يمثل هذا السيناريو، من وجهة نظرنا، المسار الأكثر رجحانًا خلال المرحلة المقبلة، بل إن التطورات الأخيرة جاءت لتعزز بدرجة كبيرة الفرضية التي طرحناها في تقدير الموقف السابق.
فالضربات الأمريكية التي استهدفت جنوب إيران، والبنية التحتية المرتبطة بالقدرات البحرية للحرس الثوري، لم تكن تهدف إلى تحقيق حسم عسكري سريع، بقدر ما كانت تستهدف استنزاف القدرات الإيرانية تدريجيًا، وإضعاف قدرتها على التصدي لأي هجوم مستقبلي، وكذلك على فرض السيطرة بالنيران على مضيق هرمز، الذي أصبح يمثل مركز الثقل الحقيقي في الصراع الحالي بين الجانبين.
وفي المقابل، لم تتعامل إيران مع الضربات باعتبارها عدوانًا يجب الرد عليه بصورة تقليدية، وإنما سعت إلى توسيع نطاق الاشتباك، وفتح أكثر من مسرح عمليات في وقت واحد، في محاولة لإثبات أن أي تصعيد أمريكي ستكون له تكلفة إقليمية تتجاوز حدود الأراضي الإيرانية.
ومن ثم، فإن المشهد خلال الفترة المقبلة سيظل، في تقديرنا، يتراوح بين جولات متقطعة من التصعيد العسكري، وفترات تهدئة مؤقتة، تتخللها محاولات لإحياء المسار التفاوضي، دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة أو اقتراب التوصل إلى تسوية نهائية. الهدف الحقيقي لكل طرف خلال هذه المرحلة ليس تحقيق نصر عسكري شامل، وإنما إقناع الطرف الآخر بأن استمرار الخيار العسكري لن يؤدي إلى تحقيق أهدافه، وأن تكلفة مواصلة التصعيد ستكون أكبر من العائد السياسي أو العسكري المتوقع منه.
وبعبارة أخرى، فإن المواجهة الحالية أصبحت أقرب إلى صراع إرادات منها إلى حرب تقليدية، حيث يسعى كل طرف إلى اختبار قدرة خصمه على تحمل الاستنزاف، ومدى استعداده للاستمرار في المواجهة قبل القبول بتعديل مواقفه السياسية أو العسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار الولايات المتحدة بوقف التصعيد مؤقتًا لا يمكن تفسيره باعتباره تراجعًا عن أهدافها، وإنما يستجيب للمتغيرات التي قمنا بتوضيحها، وأهمها العامل الإقتصادي.
إلا أنه، وفي إطار نفس السيناريو (الاستنزاف دون الانخراط في حرب إقليمية شاملة)، نتوقع تصعيدًا بشكل مختلف وأكثر اتساعًا، نظرًا للقناعة بأن استمرار العمليات بالوتيرة الحالية لن يحقق أي هدف، وسيُبقي على حالة التوتر قائمة، وسيستمر إلى حين استحكام الأزمة الاقتصادية الحتمية في الولايات المتحدة، حتى وإن تم فتح المضيق الأن، فحتى في هذه الحالة ستستغرق الإمدادات البترولية للوصول إلى وجهاتها، ثم تكريرها وتوزيعها على محطات الوقود، وقتًا طويلًا، ما يجعل أسعار الوقود تستمر مرتفعة، والتضخم خارج النطاق المستهدف، وكل ما يصاحب ذلك من تداعيات تم توضيحها من قبل.
بالتالي فإن الوصول إلى حل سياسي الأن مع تنازلات أمريكية مهمة، لن يكون مضمون الإستقرار، وسيعني بالنسبة لترامب الهزيمة المهينة، وهو ما سيؤدي، إضافة للأزمة الإقتصادية القادمة، إلى خسارة حتمية كبيرة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
في ضوء ذلك، نتناول بالتحليل في الأجزاء المقبلة المتغيرات المحتملة في إطار التصعيد ضمن السيناريو الثاني.
هل تلجأ الولايات المتحدة إلى عملية برية محدودة؟
من خلال قراءتنا، فإن الأوضاع خلال المرحلة المقبلة ستستمر، على الأرجح، في إطار حرب استنزاف متقطعة تتمثل في جولات من التصعيد العسكري، يتخللها توقف مؤقت للعمليات ثم محاولات للعودة إلى طاولة المفاوضات، دون أن يعني ذلك اقتراب التوصل إلى تسوية نهائية.
فحتى الآن، ما زال مضيق هرمز عمليًا تحت السيطرة النيرانية الإيرانية، وما زالت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري تحتفظ بجزء كبير من قدراتها العملياتية، الأمر الذي يعني أن أي محاولة أمريكية جديدة لتغيير قواعد الملاحة أو تجاوز التعليمات الإيرانية قد تعيد إشعال المواجهة في أي لحظة، إذا لم تُفضِ المفاوضات الجارية إلى تفاهمات عملية بشأن آليات العبور داخل المضيق، وهو ما ظهر فشله حتى الأن.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدخل مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في وقت يُنظر فيه، من جانب قطاع من النخبة الأمريكية، إلى بنود مذكرة التفاهم السابقة على أنها لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية مع بداية الأزمة. كما أن استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، رغم الضربات العسكرية الأمريكية، قد يُفسَّر داخليًا باعتباره إخفاقًا في تحقيق أحد أهم أهداف الحملة العسكرية، وهو ما ستستغله المعارضة في الداخل الأمريكي، خاصة في ضوء الاستمرار المتوقع لانعكاسات الأزمة على أسعار الطاقة، ومعدلات التضخم، والاقتصاد الأمريكي بالسلب بصورة عامة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن استبعاد أن تلجأ واشنطن، إلى تطوير نمط عملياتها العسكرية بما يتجاوز الضربات الجوية والبحرية، عبر تنفيذ عملية برية محدودة تستهدف السيطرة المؤقتة على أجزاء من الساحل الإيراني الجنوبي المطل على مضيق هرمز، أو بعض الجزر ذات الأهمية العملياتية، بهدف إبعاد القوات الإيرانية عن مناطق الإشراف النيراني على المضيق، وصناعة إنجاز عسكري، ولو بشكل مؤقت، يمكن توظيفه سياسيًا في الداخل.
إلا أن هذا الخيار، رغم إمكانية تحقيقه نظريًا، يبقى من أكثر الخيارات تعقيدًا من الناحية العسكرية.
فالجغرافيا الساحلية الإيرانية، وطبيعة انتشار قوات الحرس الثوري، واعتماد إيران على الحرب غير المتماثلة، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، وصواريخ سطح–سطح، وصواريخ سطح–بحر، تجعل أي قوة إنزال أمريكية عرضة لاستنزاف شديد منذ اللحظات الأولى للعملية، فضلًا عن صعوبة تأمين خطوط الإمداد والدعم الناري في بيئة عمليات ضيقة ومكتظة بالتهديدات.
ومع ذلك، فإن الظروف المعقدة التي تم توضيحها بما يدفع إلى تنفيذ عملية من هذا النوع لن يكون هدفها، من وجهة نظرنا، احتلال أراضٍ إيرانية على المدى الطويل، وإنما تنفيذ عملية خاطفة ومحدودة زمنيًا، تُحقق صورة انتصار عسكري أمام الرأي العام الأمريكي، ثم تُستثمر سياسيًا عبر الدفع نحو تشكيل قوة دولية أو متعددة الجنسيات تتولى لاحقًا مسؤولية تأمين الملاحة في مضيق هرمز، ما يتيح للولايات المتحدة مخرجًا، ولو ضيقًا، من هذا المأزق.
غير أن نجاح هذا السيناريو سيظل مرهونًا بحجم الخسائر التي قد تتعرض لها القوات الأمريكية، وتوقيت حدوث مثل هذه الخسائر. فإذا جاءت الخسائر كبيرة جدًا وسريعة، فقد تتحول العملية إلى عبء سياسي أكبر على الإدارة الأمريكية، وتؤثر سلبًا على موقفها الداخلي. أما إذا استطاعت واشنطن تحقيق أهدافها، وتشبثت بها لبعض الوقت لبث صورة نصر إعلامي، بخسائر محدودة نسبيًا، فقد تسعى إلى توظيف ذلك لتعزيز موقفها السياسي واستغلال ورقة خسائر الأفراد كحشد معنوي للمجتع الأمريكي، “شعارات الثأر” ، وتقديم العملية باعتبارها دليلًا على استعادة زمام المبادرة، باعتبار أن الشعوب تلتف حول قياداتها في “أوقات الأزمات”، و”لن يعلو صوت فوق صوت المعركة” (وهو ما تنفذه القيادة الإيرانية أيضًا في واقع الأمر) بما يتيح لها بعض المكاسب السياسية، ولو مؤقتًا، حتى تتجاوز فترة الانتخابات.
بالطبع يحمل هذا التفكير قدرًا غير قليل من المخاطرة، إلا أن من يجري هذه الحسابات في القيادة الأمريكية سيقارن بين أزمة اقتصادية وشيكة على أي الأحوال، وهزيمة كبيرة محققة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وبين مخاطرة قد يكتب لها النجاح ولو بنسبة قليلة، حتى في ظل الأزمة الإقتصادية، وحتى لو كانت تبعاتها مرتفعة على المجتمع الأمريكي، وهذا ما يجعلنا نرجح أن يقدم الرئيس الأمريكي على هذه المخاطرة في وقت قريب.
إسرائيل والانتخابات… عامل لا يمكن تجاهله
لا يقل البعد السياسي في إسرائيل أهمية عن نظيره الأمريكي. فزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن تطورات المواجهة مع إيران، إذ أن الملف الإيراني كان حاضرًا على رأس جدول أعمال اللقاءات مع الإدارة الأمريكية كما صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، في ظل إدراك الطرفين أن المواجهة لم تنتهِ، وإنما دخلت مرحلة جديدة قد تتطلب إعادة تقييم للخيارات العسكرية والسياسية.
كما أن إسرائيل كانت، منذ البداية، أقل حماسًا لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وهو ما قال نتنياهو أنه لايخفيه، انطلاقًا من اعتقادها بأن أي تهدئة تمنح إيران فرصة لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية، والحفاظ على أوراق قوتها في الخليج والمنطقة. إسرائيل تريد في نهاية المطاف إلحاق هزيمة ساحقة بإيران، ثم الإنفراد بالهيمنة على المنطقة بأسرها، وهو ما لن يتحقق إذا استطاعت إيران فرض إرادتها على مسار الحرب.
وتزداد أهمية هذا العامل في ضوء الاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل، حيث يواجه نتنياهو تحديات انتخابية متزايدة. وفي مثل هذه الظروف، قد يرى أن استمرار حالة التوتر الأمني أو الانخراط في مواجهة جديدة مع إيران يمنحه فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي، أو تأجيل الاستحقاقات السياسية، أو حشد التأييد الشعبي تحت عنوان الأمن القومي، وهي معادلة سبق أن استخدمتها الحكومات الإسرائيلية في محطات سابقة.
ولكل ذلك، سيستمر التحريض الإسرائيلي، بدعم من اللوبي الصهيوني في أمريكا، مع اتخاذ وسائل وتدابير يترتب عليها إشعال الحرب، والمنطقة كلها في نهاية المطاف.
البحر الأحمر وباب المندب والعراق: توسيع مسرح الصراع و”كماشة المضائق”
في سياق متصل، فإن التصعيد بين الحوثيين والسعودية لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، رغم أن الصراع بين الطرفين يعود إلى عام 2015، حين اندلعت الحرب في اليمن، وشهدت منذ ذلك الحين مراحل متعددة من التصعيد والتهدئة.
وعلى الرغم من أن التوتر الحالي جاء نتيجة رد الحوثيين على الهجوم السعودي على صنعاء لأسباب واهية، في ضوء تصعيد غير مفهوم وفي توقيت غير مناسب من جانب المملكة، فجاء الرد الحوثي باستهداف مطار أبها وبعض المنشآت الحيوية وقطاع الطاقة ما أحدث تأثيرات مهمة، إضافة إلى فرض حالة من التهديد على حركة السفن السعودية في البحر الأحمر واستهداف عدد من السفن المرتبطة بالسعودية، فإن هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراع الإقليمي.
ويبدو أن إيران لم تكن بالضرورة هي من بادرت أو دفعت الحوثيين بشكل مباشر إلى فتح جبهة جديدة مع السعودية في هذا التوقيت، إلا أنها في المقابل تستفيد استراتيجيًا من حالة التصعيد في البحر الأحمر، باعتبارها ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
فمن منظور إيراني، فإن أي اضطراب في البحر الأحمر وباب المندب، بالتزامن مع الضغط على مضيق هرمز في الخليج، يمثل تطورًا يخدم استراتيجية رفع تكلفة الصراع على الولايات المتحدة وحلفائها، وإظهار أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، وإنما ستنعكس على الممرات البحرية الحيوية المرتبطة بالتجارة والطاقة العالمية.
وتستند هذه الرؤية إلى مفهوم يمكن وصفه بـ “كماشة المضائق”، حيث يمثل مضيق هرمز نقطة الضغط الشرقية المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية من المنطقة، بينما يمثل باب المندب نقطة الضغط الغربية المرتبطة بها. وفي حال تعرض كلا الممرين لاضطرابات متزامنة، فإن ذلك سيخلق حالة من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط الاقتصادية على مختلف الأطراف.
إن قدرة إيران أو حلفائها الإقليميين على التأثير في هذه الممرات البحرية لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إغلاقها بشكل كامل، وإنما تكمن أهميتها في خلق حالة تهديد مستمر تجعل حركة الملاحة أكثر تكلفة وتعقيدًا، وتفرض على الولايات المتحدة وحلفائها تخصيص موارد عسكرية كبيرة لحماية خطوط التجارة والطاقة.
وبالتالي، فإن أحد عناصر القوة الإيرانية في هذه المواجهة لا يرتبط فقط بحجم ترسانتها العسكرية، وإنما بقدرتها على نقل المعركة من ساحة الاشتباك المباشر إلى بيئة إقليمية أوسع، أو الاستفادة من اشتعال جبهات أخرى حتى وإن لم تكن هي الطرف المباشر وراء اندلاعها، بحيث تتحول المواجهة إلى أزمة متعددة المسارح يصعب على الولايات المتحدة وحلفائها إدارتها بسهولة أو بتكلفة منخفضة، في الوقت الذي يتحمل فيه الاقتصاد العالمي أعباء إضافية نتيجة اضطراب حركة التجارة والطاقة.
حدث أيضًا تصعيد مهم في دخول الميليشيات العراقية المدعومة من إيران بتشديد القصف على المنشأت النفطية السعودية شرق المملكة، والرد الأمريكي السعودي بقصف مضاد على العراق. يتعاضد ذلك التصعيد مع التصعيد الحوثي، ويفاقم من أثر عدم قدرة المملكة على نقل جزء من نفطها خارج إطار مضيق هرمز، مما يرفع الكلفة على الإقتصاد العالمي ويزيد من أثر الضغط الإيراني.
ما يبدو لنا أيضا، بمتابعة التصريحات الإيرانية حول هذه العمليات، أن إيران تنأى بنفسها عن المسئولية عنها، بل وتهدد بأن اتهامها بالوقوف خلفها يشكل تصعيدًا ضدها سيتم مواجهته. يرجع ذلك، من وجهة نظرنا، إلى أن إيران تسعى لفصل هذه الأوراق عن الصراع الإيراني الأمريكي الأصلي، لكي يمكن أن تضغط من خلالها حتى لو تم التوافق على تهدئة أو هدنة مع أمريكا. يختلف هذا التوجه عن الأسلوب الذي اتخذته لربط الساحة اللبنانية بالإيرانية بشكل واضح في البند الأول من مذكرة التفاهم، وهنا يظهر السلوك الإيراني بتفعيل الأوراق التي تمتلكها بكيفيات مختلفة، ما يُمكِّنها من حسن الاستفادة منها على الوجه الأمثل.
لا يمكن استبعاد أن تكون هناك أيضًا أطراف دولية تسعى إلى توسيع دائرة الفوضى في منطقة الخليج، عبر دفع أطراف إقليمية إلى الدخول في مواجهات مباشرة، بما يؤدي إلى تشتيت مسارات الصراع وفتح جبهات إضافية. فدخول السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين في هذا التوقيت، بالتزامن مع التصعيد الأمريكي–الإيراني، يثير تساؤلات حول مدى ارتباط هذا التطور بمحاولات بعض الأطراف استثمار حالة التوتر القائمة لإشعال مزيد من الاضطراب في المنطقة.
الخلاصة أن هذا الملف يدفع أيضًا في اتجاه التصعيد وتوسيع دائرة الصراع، وليس التهدئة والتوافقات السياسية.
أوكرانيا وإيران: تداخل الصراعات الدولية
دخول أوكرانيا على خط المواجهة من خلال استهداف سفن إيرانية، يعكس بدرجة كبيرة طبيعة التشابك بين الملفات الدولية الحالية. فأوكرانيا تخوض حربًا طويلة مع روسيا، وتواجه خلال الفترة الأخيرة ضغوطًا ميدانية نتيجة التفوق العملياتي الروسي في بعض القطاعات، مع اعتمادها بصورة كبيرة على الدعم العسكري والسياسي الغربي. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف مصالح إيرانية يمكن قراءته باعتباره محاولة أوكرانية لإظهار مزيد من الاصطفاف مع الولايات المتحدة، خصوصًا أن إيران تُتهم بتقديم دعم عسكري وتقني لروسيا خلال الحرب الأوكرانية. كما أن هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية تتجاوز الهدف العسكري المباشر، مفادها أن كييف مستعدة للانخراط في مواجهة مصالح خصوم واشنطن أينما وجدت، في مقابل استمرار الدعم الأمريكي لها وتصاعده وحصول كييف على معدات استراتيجية أكثر تقدمًا من أمريكا، على خلاف حلف الناتو الذي رفض دعوات ترامب ترامب المتكررة للإنخراط في المواجهة بجانب الولايات المتحدة.
وفي المقابل، فإن هذا التطور قد يدفع روسيا إلى تعزيز مستوى التعاون مع إيران، خاصة إذا رأت موسكو أن استهداف المصالح الإيرانية يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع لمحاصرة حلفائها وتقليص قدرتها على المناورة الدولية.
وهنا تظهر إحدى سمات الصراع الحالي، وهي أن المواجهة الأمريكية الإيرانية لم تعد قضية إقليمية منفصلة، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة صراعات دولية مترابطة، تمتد من الخليج والشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، وهو ما يزيد من احتمالات استمرار حالة التوتر حتى مع وجود فترات تهدئة مؤقتة.
الاعتبارات السابقة ذكرها جميعًا تدفع باتجاه تثبيت السيناريو الثاني، بل والتصعيد في إطاره، وليس الاتجاه للسيناريو الأول والوصول لاتفاق لإنهاء الصراع.
قد تؤشر تصريحات الرئيس ترامب يوم الأربعاء 29 يوليو ردًا على قصف القوات الأمريكية في الأردن أن احتمالات التصعيد كبيرة، وأن جولة التصعيد الأخيرة قد لا تكون الجولة النهائية في مسار المواجهة بين الجانبين. قد لا يخلو الأمر من مبالغات في تصريحات ترامب كالمعتاد، إلا أن عدم الرد على مثل هذا الهجوم سيمثل ضربة كبيرة للهيبة الأمريكية. وبالتالي تشير هذه التصريحات إلى استمرار احتفاظ الولايات المتحدة بخيار القوة العسكرية، في ظل عدم حدوث اختراق سياسي حقيقي يردم الفجوة بين مواقف الطرفين، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التوترات والتصعيدات المتقطعة.
السيناريو الثالث: اندلاع الحرب الشاملة
يبقى سيناريو الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران احتمالًا قائمًا، لكنه من وجهة نظرنا يظل أقل رجحانًا في الوقت الحالي مقارنة بسيناريو حرب الاستنزاف الطويلة. فالحرب الشاملة ضد إيران تمثل تحديًا عسكريًا بالغ التعقيد للولايات المتحدة، ليس بسبب القدرات العسكرية الإيرانية فقط، وإنما بسبب طبيعة البيئة العملياتية التي ستجري فيها هذه الحرب. فإيران تمتلك عمقًا جغرافيًا كبيرًا، وتنوعًا في التضاريس، وقدرات صاروخية واسعة، وشبكات من الطائرات المسيّرة، وقدرات بحرية غير تقليدية، فضلًا عن خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتماثلة. وبالتالي فإن أي عملية تهدف إلى تحقيق حسم عسكري سريع كاسح ستواجه تحديات كبيرة، وقد تتحول إلى حرب طويلة الأمد تستنزف الموارد الأمريكية.
كما أن تداعيات الحرب الشاملة لن تقتصر على الجانب العسكري، وإنما ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية بشكل أكثر عنفًا مما يحدث في إطار السيناريو الثاني، خاصة إذا تطورت العمليات إلى تعطيل شامل لحركة الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر.
ومن ناحية أخرى، فإن التجارب التاريخية للولايات المتحدة خلال العقود الماضية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، أظهرت أن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية مستدامة، خصوصًا في الحروب التي تتطلب وجودًا بريًا طويل الأمد في بيئات معقدة. ولهذا، فإن القراءة الأقرب احتمالًا تشير إلى أن واشنطن قد تفضل الاستمرار في استراتيجية الضغط المتدرج والاستنزاف طويل الأمد بدلًا من الدخول في حرب شاملة مفتوحة، عبر الجمع بين: الضربات الجوية والبحرية المحدودة. العمليات الخاصة. العقوبات والضغط الاقتصادي، التفاوض المرحلي، استثمار نقاط الضعف الداخلية والإقليمية). بمعنى آخر، قد تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها عبر إدارة الصراع وليس عبر محاولة حسمه عسكريًا بصورة كاملة.
إلا أنه لا يمكن استبعاد أن يخرج السيناريو الثاني عن السيطرة، وأن تتجه الحرب لتكون إقليمية شاملة تمتد تداعياتها لفترة طويلة إذا لم يقتنع الطرفان بالتكلفة الباهظة لسيناريو الحرب الشاملة على الجميع.
الخلاصة
تكشف التطورات الأخيرة في المواجهة الأمريكية الإيرانية أن الصراع دخل مرحلة جديدة تتجاوز منطق الضربة والرد عليها، لتتحول إلى اختبار طويل الأمد لقدرة كل طرف على تحمل الكلفة وفرض معادلة الردع الخاصة به. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا على المستوى التقليدي، سواء في القوة الجوية أو البحرية أو منظومات الاستطلاع والقيادة والسيطرة، إلا أن هذا التفوق يواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في قدرة إيران على استخدام أدوات الحرب غير المتماثلة وامتلاك منظومة صاروخية باليستية متطورة بأعداد كبيرة ومسيرات فعالة قادرة على ضرب أهدافها بدقه، امتلاك قدرات ناجزة تضرب بها الأهداف الثمينة لأمريكا من رادارات وقواعد ، وتحويل أوراقها العسكرية إلى عناصر ضغط استراتيجية، خاصة في بيئة جغرافية حساسة مثل الخليج ومضيق هرمز.
في المقابل، تدرك إيران أن الدخول في حرب شاملة مع الولايات المتحدة يحمل مخاطر كبيرة، ولذلك تعتمد على استراتيجية تقوم على منع الحسم، ورفع تكلفة الحرب، وتوسيع مسارح الاشتباك، واستهداف مراكز الثقل، وإظهار قدرتها على إلحاق خسائر بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
وعليه، فإن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط حجم القوة العسكرية التي يمتلكها كل طرف، وإنما قدرة كل طرف على تحويل القوة إلى تأثير سياسي، وعلى إقناع الطرف الآخر بأن استمرار المسار العسكري لن يحقق أهدافه.
فإذا نجحت إيران في إثبات أن تكلفة الحرب ستتجاوز قدرة الولايات المتحدة على تحملها، فقد تدفع واشنطن نحو تسوية سياسية أكثر مرونة. أما إذا تمكنت الولايات المتحدة من إضعاف القدرات الإيرانية تدريجيًا وإجبارها على تعديل حساباتها، فقد نشهد جولات تصعيد جديدة أكثر قوة.
وفي ضوء المعطيات الحالية، فإن السيناريو الأكثر رجحانًا يبقى استمرار مرحلة الاستنزاف والتصعيد المتقطع والتهدئة المؤقتة، إلى أن يصل أحد الطرفين إلى قناعة بأن الخيار العسكري لم يعد قادرًا على تحقيق أهدافه، أو أن كلفة الاستمرار فيه أصبحت أكبر من المكاسب المتوقعة.
إلا أن المعطيات التي استعرضناها في هذا التقدير، تؤشر إلى أن الخط البياني للصراع يسير دائما في اتجاه التصاعد، وليس في اتجاه التسوية السياسية. هذا التصاعد يتم أيضًا داخل سيناريو الاستنزاف نفسه، بحيث يمكن في نقطة ما أن ينفجر خارج نطاق السيطرة، وتتحول الحرب إلى صراع إقليمي شامل وممتد، يتكبد فيه الجميع، ليس فقط في المنطقة، ولكن في العالم أجمع، خسائر فادحة سيترتب عليها بالتالي تغيير وجه المنطقة، والعالم أيضًا.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




