عائد السندات الأمريكية يقترب من مستويات ما قبل أزمة 2008… ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟

اقترب عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا من أعلى مستوياته منذ عام 2007، بعدما بلغ نحو 5.13% خلال تداولات 21 يوليو/تموز 2026، وارتفع لاحقًا إلى 5.16 بإغلاق نهاية الأسبوع، في إشارة إلى مطالبة المستثمرين بعائد أعلى مقابل إقراض الحكومة الأمريكية على المدى الطويل، ما يعكس إدراكهم لتنامي المخاطر المتعلقة بالإقتصاد الأمريكي.
وتؤكد بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن العائد الرسمي لسندات الثلاثين عامًا بلغ 5.11% في 20 يوليو، بعدما بقي فوق مستوى 5% خلال معظم الجلسات السابقة.
ويمكن اعتبار وصف المستوى بأنه قريب من ذروة ما قبل الأزمة المالية العالمية صحيحًا؛ فقد وصل العائد في مايو/أيار 2026 إلى نحو 5.18%، وهو أعلى مستوى مسجل منذ يونيو/حزيران 2007.
وقد ارتفع العائد على السندات كذلك على جميع الأجال، بدءًا من شهر وحتى ثلاثين عامًا (بلغ يوم 24 يوليو على سبيل المثال 3.912% لمدة 90 يومًا، 4.687% لمدة 10 سنوات، وهو العائد القياسي، 5.163% لمدة 30 عامًا).
لماذا ترتفع العوائد؟
ترتفع عوائد السندات عندما تنخفض أسعارها لانخفاض جاذبيتها، وهو ما يعني أن المستثمرين يبيعون السندات القائمة أو يطلبون عائدًا أعلى لشراء الإصدارات الجديدة.
وتقف وراء الارتفاع الحالي مجموعة من العوامل، في مقدمتها المخاوف من بقاء التضخم مرتفعًا بسبب صعود أسعار النفط والتوترات في الشرق الأوسط، ما يقلل احتمالات خفض الاحتياطي الفيدرالي للفائدة، وربما يعيد احتمال زيادتها إذا استمرت الضغوط السعرية. وقد انعكس ذلك أيضًا على قروض الإسكان الأمريكية، إذ ارتفع متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عامًا إلى 6.69%، وهو الأعلى منذ أغسطس/آب 2025.
كما تواجه وزارة الخزانة حاجة متزايدة إلى إصدار السندات لتمويل العجز وإعادة تمويل الديون المستحقة. وكلما ارتفع حجم المعروض من السندات مقارنة بالطلب، اضطرت الحكومة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين.
ويضاف إلى ذلك إصدار شركات التكنولوجيا كميات كبيرة من الديون طويلة الأجل لتمويل إنشاء مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي. وتتنافس هذه السندات مع الدين الحكومي على أموال المستثمرين، خصوصًا عندما تقدم الشركات عائدًا أعلى.
هل يعني ذلك أن المستثمرين فقدوا الثقة بأمريكا؟
ليس بالضرورة. فما تزال سندات الخزانة الأمريكية أهم أصول الدين السيادية وأكثرها تداولًا وسيولة عالميًا، فضلًا عن أن نفس التوجه في ارتفاع عوائد السندات هو السائد في جميع الأسواق العالمية، ولا يقتصر على السوق الأمريكية. لكن بقاء عائد الثلاثين عامًا فوق 5% فترة طويلة يشير إلى أن المستثمرين أصبحوا أقل استعدادًا لقبول عوائد منخفضة مقابل المخاطر طويلة الأجل.
وتشمل هذه المخاطر احتمال استمرار التضخم، وارتفاع الدين والعجز، وصدور كميات أكبر من السندات مستقبلًا، إضافة إلى احتمال تراجع قيمة الأموال التي سيستردها المستثمر بعد ثلاثين عامًا بسبب ارتفاع الأسعار.
ومن العلامات المهمة أن العائد الحقيقي على سندات الثلاثين عامًا المحمية من التضخم بلغ قرابة 2.9%، ووُصف بأنه الأعلى منذ عام 2008. وهذا يعني أن الارتفاع لا يرتبط فقط بتوقعات التضخم، بل أيضًا بزيادة العائد الحقيقي الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالدين الأمريكي طويل الأجل، ما يدل على تقييمهم لارتفاع المخاطر.
التأثير على الاقتصاد الأمريكي
استمرار العائد فوق 5% يرفع تدريجيًا تكلفة خدمة الدين على الحكومة الأمريكية، خصوصًا عند إصدار سندات جديدة أو استبدال الديون القديمة منخفضة الفائدة بأخرى أعلى تكلفة، ما يزيد عجز الموازنة، فضلًا عن ارتفاع حجم الدين نفسه.
كما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التمويل العقاري وقروض الشركات والمشروعات طويلة الأجل. وقد يؤجل المستهلكون شراء المنازل، بينما تعيد الشركات النظر في الاستثمارات التي لم تعد مربحة عند ارتفاع تكلفة الاقتراض.
أما أسواق الأسهم، فتواجه منافسة مباشرة من السندات. فعندما تمنح السندات الحكومية عائدًا يتجاوز 5%، قد يفضل بعض المستثمرين الحصول على هذا العائد بدل تحمل مخاطر الأسهم. ويؤثر ذلك خصوصًا في شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة، لأن قيمة أرباحها المستقبلية تنخفض حسابيًا عند استخدام معدل خصم أعلى.
لكن لا يشكل ذلك انهيارًا فوريًا لأسواق الأسهم؛ فقد ارتفعت المؤشرات الأمريكية في 21 يوليو رغم صعود العوائد، بقيادة أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهذا يوضح أن السوق قد يتحمل العوائد المرتفعة لفترة ما، ما دامت أرباح الشركات والنمو الاقتصادي يبدوان قويين.
التأثير على الاقتصاد العالمي
ارتفاع العوائد الأمريكية يجذب الأموال نحو الدولار والسندات الأمريكية، ما يرفع من سعر الدولار بالنسبة للعملات الأخرى، ويجعل تمويل الدول والشركات في بقية العالم أكثر تكلفة.
وقد تضطر الدول الناشئة إلى تقديم فوائد أعلى للاحتفاظ بالمستثمرين (وهذا على حساب ارتفاع تكلفة خدمة الدين وارتفاع عجز الموازنة)، بينما تتعرض عملاتها للضغط إذا انتقلت رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة (خروج الأموال الساخنة لملاذ أكثر أمانًا وربحية، ما يمثل ضغطًا كبيرًا على احتياطياتها وسعر عملتها الوطنية مقابل الدولار). كما ترتفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار، خصوصًا للدول التي تعتمد على الاقتراض الخارجي.
كذلك يمكن أن يزداد الضغط على العملة اليابانية. فارتفاع العوائد الأمريكية مقارنة بالعوائد اليابانية يدفع المستثمرين إلى بيع الين وشراء الدولار لشراء السندات الأمريكية، وهو أحد الأسباب التي دفعت العملة اليابانية إلى مستويات فوق 163 ينًا للدولار (هناك أسباب أخرى تتعلق بالإقتصاد الياباني نفسه بالطبع). وإذا تدخلت طوكيو بقوة بشراء كميات كبيرة من الين لدعم سعره، أو رفع بنك اليابان الفائدة (إلا أن هذا الإحتمال ضعيف نظرًا للارتفاع الهائل للديون اليايانية التي تفوق 200% من الناتج المحلي الإجمالي مما سيزيد العبء على الموازنة)، فقد يرتفع الين فجأة فتبدأ عملية تفكيك لصفقات الاقتراض بالعملة اليابانية (ما يؤدي لتراجع تجارة الفائدة ويدفع بخروج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، خاصة في ضوء ارتفاع الفائدة الأمريكية مما يجذب هذه الأموال).
تتمثل أهمية اليابان في هذه المعادلة المالية الدولية في أنها عنصر رئيس في تجارة الفائدة الدولية (Carry Trade)، والتي تستفيد بالفرق بين سعر الإقتراض من اليابان بالين بسعر فائدة منخفض وسعر الإقراض في الأسواق الناشئة بسعر مرتفع، وهو ما يدفع بتدفقات الأموال الساخنة.
لكن ارتفاع العائد الأمريكي إلى 5.13% لا يثبت أن اليابان باعت كمية ضخمة من السندات للمستثمرين (مما يدفع سعرها للانخفاض وسعر الفائدة للارتفاع). فقد ينتج الارتفاع عن التضخم وأسعار النفط والعجز والإصدارات الحكومية والشركاتية وتحركات آلاف المستثمرين في الوقت نفسه.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
وجود العوائد عند مستويات شوهدت قبل أزمة 2008 لا يعني أن أسباب الأزمة نفسها تتكرر. ففي عام 2007 كانت المشكلة الرئيسية تتمثل في انهيار سوق الرهن العقاري عالي المخاطر وتراكم المنتجات المالية المرتبطة به داخل النظام المصرفي.
أما التحذير الحالي فيتعلق أكثر بارتفاع تكلفة رأس المال، وضخامة الدين الحكومي، واستمرار التضخم، وقدرة الأسواق على استيعاب الإصدارات المتزايدة.
الخطر الحقيقي يظهر إذا تجاوز عائد الثلاثين عامًا ذروته الأخيرة قرب 5.18% واستمر في الصعود نحو 5.5% أو أكثر، بالتزامن مع ضعف مزادات السندات، وتراجع الأسهم، وتشديد الائتمان، وارتفاع سريع في الدولار. عندها قد يتحول ارتفاع العوائد من إشارة تحذيرية إلى عامل ضغط مباشر على النمو والاستقرار المالي.
حتى الآن، تعكس الصورة تحذيرًا جديًا من ارتفاع تكاليف التمويل عالميًا، لكنها لا تثبت وقوع انهيار وشيك ولا تدعم وحدها رواية «قنبلة السندات اليابانية».
إلا أننا نرى أن الإقتصاد الأمريكي، والعالمي بالتبعية، مقدم بالفعل على أزمة اقتصادية قد تفوق تلك في 2008، خاصة إذا استمرت الحرب الإيرانية في الشرق الأوسط على نفس الوتيرة أو اتسعت، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة للعام الخامس على التوالي، ويترتب عليها أثارًا مدمرة على الإقتصادات الأوروبية. توقعاتنا أن يرى العالم هذه الأزمة بحلول الخريف القادم، أو حتى قبل ذلك طبقًا لتطورات الحروب القائمة.




