لماذا غابت مصر عن تحالف مكة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
بعد سنوات من الحديث عن تحالف عسكري شرق أوسطي جماعي على غرار «الناتو»، أُطلق عليه اسم «الناتو العربي»، وتنافست السعودية والإمارات على لعب دور قيادي في بناء مثل هذا الترتيب الأمني، بدأت في أواخر عام 2025 إرهاصات الحديث عن تشكيل تحالف دفاعي إقليمي، خصوصًا بعد ما كشفته الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، وصولًا إلى مرحلة الحرب الشاملة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير 2026، واتضحت مخاطر الإعتماد الأحادي على مظلة أمنية أمريكية. بذلك بدا الإقليم في حاجة إلى مظلة دفاعية جماعية شبه مستقلة، من دول المنطقة، لمواجهة المخاطر المختلفة التي باتت تهدد أمنها ومصالحها.
وقبل بدء الحرب الأمريكية على إيران، بدأ الحديث جديًا عن تحالف رباعي يكون نواة لتحالف إقليمي، يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وهي أربعة أضلاع تمتلك سويًا ثقلًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا في المنطقة. إلا أنه بعد أشهر من الحديث عن تشكيل هذا التحالف، ورغم الإعلان عن تكوين مجموعة ال R4 بالفعل من الدول الأربعة، خرج إلى الوجود اتفاق دفاعي ثلاثي ضم السعودية وتركيا وباكستان، بينما غابت مصر عن هذا الترتيب.
التفسيرات المطروحة لغياب مصر
تناول الإعلام المصري، بشكل عام، غياب مصر باعتباره نتيجة طبيعية لسياسة القاهرة “الحكيمة” التي تتعامل مع أزمات المنطقة من منظور سياسي بالأساس، وتعمل على تجنب الانخراط في الصراعات العسكرية بأي شكل.
لكن هذه الرواية لا تبدو كافية لتفسير الغياب المصري، خصوصًا أن القاهرة كانت حاضرة في النقاشات السابقة حول تشكيل إطار إقليمي أوسع، كما أن تصريحات أطراف مشاركة في الاتفاق تشير إلى أن الباب أمام انضمام مصر لم يكن مغلقًا.
وفي هذا السياق، ذكر تقرير لموقع «مدى مصر» أن مصر عُرض عليها الانضمام إلى التحالف، لكنها رفضت. كما أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد توسيع التحالف، وأن مصر من بين الدول المرشحة للانضمام إليه، مشيرًا إلى أن هناك بعض المسائل الفنية التي يجري العمل عليها حتى تصبح مصر جزءًا منه.
في أعقاب مراسم التوقيع على اتفاق مكة، تصدرت وسائل الإعلام تصريحات وزير الخارجية التركي بأن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تماثل، من الناحية الفنية، المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو فيما يتعلق بالدفاع الجماعي.
كما أشار مسؤول مصري رفيع المستوى ومسؤول حكومي مصري، تحدثا إلى «مدى مصر» خلال الأشهر الأخيرة عن احتمال تحول الرباعية إلى إطار دفاع إقليمي، إلا أنهما أفادا أنه ليس من المنطقي توقع أن تتمكن دول الخليج من اللجوء إلى أي طرف آخر غير الولايات المتحدة لتأمين مصالحها الأمنية.
ويقول دبلوماسي عربي سبق أن خدم في تركيا إن اتفاقية مكة، في جوهرها، ليست اتفاقًا دفاعيًا بقدر ما هي رسالة سعودية. وفي تقديره، فإن السعودية «تقول إننا قادرون وسنعمل على وضع استراتيجية دفاعية جديدة تتجاوز الترتيبات القائمة والراسخة». أما بالنسبة إلى تركيا وباكستان، فثمة فائدة أخرى، تتمثل في ما يسميه «مخططًا سياسيًا».
ويشرح المصدر السياسي التركي هذه الفائدة بقوله إن الهند، جارة باكستان، تنسق بشكل كامل مع إسرائيل، التي تقع بجوار تركيا. وفوق ذلك، تتعاون كل من الهند وإسرائيل مع اليونان، ما يعني أن هناك بالفعل محورًا يتشكل على الخريطة بين الهند واليونان وإسرائيل.
إلا أنه، بحسب ما أورد التقرير، فإن مسؤولين في القاهرة ودبلوماسيين في عواصم المنطقة ومصادر في الدول الموقعة يرون أن الاتفاقية لا تتعلق كثيرًا بالدفاع الفعلي بقدر ما تتعلق بالاصطفاف السياسي. فمصر ليست مستعدة للتوقيع على ما تراه كتلة سياسية صاغتها السعودية، من شأنها تقويض قدرتها على المناورة إقليميًا.
ويُعد تردد مصر في التعامل مع هذه الديناميكية الإقليمية المتغيرة أحد الأسباب الرئيسية وراء غيابها عن اجتماع مكة، بحسب الدبلوماسي العربي السابق الذي يتمتع بعلاقات في عواصم المنطقة، والذي أوضح أن مصر لن تنضم إلى اتفاق دفاعي مع تركيا، خصوصًا بالنظر إلى طبيعة علاقتها المعقدة مع اليونان وقبرص.
وبالمثل، من الصعب تصور انخراط مصر في اتفاق دفاعي مع باكستان، في وقت تجري فيه القاهرة محادثات لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الهند.
أما فيما يتعلق بالتوتر المحوري في المنطقة، فقد امتنعت مصر عن الانحياز إلى أي من طرفي الشد والجذب بين الرياض وأبوظبي؛ ففي الوقت الذي قد تسعى فيه السعودية إلى جذب دول بعيدًا عن الإمارات، التي باتت تنافس بصورة متزايدة موقعها التقليدي كقوة إقليمية قائدة، تحافظ مصر على قنوات اتصال مع أطراف عدة على امتداد خطوط الصدع الإقليمية، ولا تبدو مستعدة بالقدر نفسه لاختيار طرف على حساب آخر.
ويقول المسؤول المصري الحكومي السابق إن القاهرة تحتاج إلى الرياض لأنها تعمل معها وفق المسار ذاته في السياسة الخارجية، خصوصًا في السودان والصومال، لكن الإمارات هي الأكثر انفتاحًا وإقبالًا عندما يتعلق الأمر بمصالحها في شراء أصول في مصر. وبالتالي، لا تملك القاهرة، بحسب المسؤول، ترف اختيار أحد الجانبين على حساب الآخر.
القراءة الاستراتيجية لغياب مصر
لا يمكن اختصار طبيعة التحالف في كونه تحالفًا موجهًا ضد إيران؛ فمن الصعب توقع أن تدخل تركيا وباكستان في أي صراع عدائي مباشر مع إيران، خصوصًا أن الدولتين ترتبطان معها بعلاقات جغرافية وسياسية وأمنية معقدة، وتتعاملان معها باعتبارها دولة جوار. وقد صرح بذلك المتحدث بإسم الخارجية الإيرانية نفسه.
إلا أنني أرى أنه لا يمكن التغافل عن المادة السادسة من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، فضلًا عن الموضوع الشائك المتعلق بعلاقات مصر مع السعودية والإمارات.
أولًا: القيود التي تفرضها معاهدة السلام
قد تكون المادة السادسة من اتفاقية السلام مع إسرائيل من أهم أسباب عدم مشاركة مصر في تحالف مكة ، حيث جاء في أحد فقراتها: “يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة”.
كما نصت المادة في فقرة أخرى: “مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة، ففي حالة وجود تعارض بين التزامات الطرفين بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى، تكون الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة ملزمة ويتم تنفيذها”.
لا تمنح معاهدة السلام مع إسرائيل حقًا صريحًا للفيتو على التحالفات المصرية، لكنها تفرض على مصر قيدًا تعاقديًا ملزمًا بعدم الدخول في أي التزام دولي يتعارض مع أحكام المعاهدة. ومن ثَمَّ، فإن أي اتفاق دفاعي جماعي ينشئ التزامًا مصريًا بالمشاركة العسكرية في مواجهة إسرائيل، أو يتعارض بصورة مباشرة مع الالتزامات التي رتبتها المعاهدة، سيصطدم بهذا القيد القانوني. وهذه إحدى كوارث معاهدة السلام التي رفضها بعض أركان الدولة وقيادات في الجيش المصري.
بالتالي، فإن طبيعة الالتزامات التي ينشئها أي تحالف دفاعي إقليمي تصبح مسألة أساسية عند تقييم قدرة مصر على الانضمام إليه، خصوصًا إذا كان هذا التحالف يمكن أن يتحول مستقبلًا من مجرد إطار للتنسيق الأمني والعسكري إلى التزام جماعي بالدفاع عن أي دولة عضو في مواجهة طرف آخر.
وهنا لا يمكن النظر إلى غياب مصر عن اتفاق مكة باعتباره قرارًا سياسيًا منفصلًا عن شبكة الالتزامات التي ترتبت على معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية؛ فهامش الحركة المصرية في بناء ترتيبات دفاعية إقليمية يظل مرتبطًا، بدرجة أو بأخرى، بما تسمح به تلك الالتزامات وما يمكن أن ينشأ عنها من تعارض مع أي التزام عسكري جديد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الإعتراضات الإسرائيلية الرسمية مرتفعة الصوت على اتفاق مكة، والتهديد الصريح بمواجهة التحالف الجديد بتحالفات مع دول أخرى في المنطقة، مثل اليونان وقبرص والإمارات وأرض الصومال.
بين تصريحين حول اتفاق مكة:
تصريح وزير الخارجية الإيراني
في تعقيبه على اتفاق مكة للدفاع المشترك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه لا يوجد ما يدعو طهران إلى القلق من “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان. وخلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي، تطرق بقائي إلى الاتفاقية التي وقعتها الدول الثلاث، بحسب ما نقل التلفزيون الرسمي الإيراني، مضيفًا: “عندما يتعلق الأمر بثلاث دول تربطنا بها روابط دينية وتاريخية وحضارية عميقة، وهي تركيا وباكستان والسعودية، فلا يوجد ما يدعونا للقلق من أن تكون هذه الاتفاقية موجهة ضد إيران”.
ورأى بقائي أن الاتفاقية تمثل مؤشرًا على توصل دول المنطقة إلى قناعة مفادها أنها لا تستطيع الاعتماد على ادعاءات الولايات المتحدة وبعض الأطراف من خارج المنطقة بشأن توفير الأمن.
تصريح الوزير الصهيوني عميحاي شيكلي:
في المقابل، أعرب وزير شؤون الشتات الصهيوني عميحاي شيكلي عن قلقه البالغ إزاء التقارب الإقليمي الجديد، وبخاصة الاتفاقية الدفاعية التي تضم تركيا وباكستان والسعودية، معتبرًا أن الخطوة تمثل تطورًا خطيرًا ومباشرًا ضد المصالح الإسرائيلية.
ونقلت القناة 14 العبرية عن شيكلي قوله إن “تحالف مكة هو تطور خطير ومقلق للغاية لإسرائيل”.
وأضاف أن “السعودية كانت في الأساس مترددة. كان لديها بالفعل اتفاقية دفاع مع باكستان، لكن بمجرد أن يدخل الأتراك، الذين هم في مواجهة مباشرة معنا، فإن المواجهة قد تتطور إلى أبعاد قد تكون لها عواقب خطيرة للغاية”. وأشار إلى أن “خطورة ذلك قد تصل إلى البحر الأبيض المتوسط أو إلى الجبهة السورية»، مبينًا أن «هذا تطور سيئ جدًا لنا، لإسرائيل”، وأنه يتطلب من إسرائيل تعميق تحالفاتها مع اليونان وقبرص والإمارات العربية المتحدة والصومال.
قراءة في التصريحين
إن ترحيب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي باتفاق مكة الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان، واعتراض الوزير الصهيوني عميحاي شيكلي على الاتفاقية، يشيران بوضوح إلى اختلاف النظرة إلى طبيعة هذا التحالف وأهدافه؛ فالطرف المرحِّب يرى أن الاتفاق لا يمثل تهديدًا له، بينما يرى الطرف المعترض أنه تحالف يأتي لعرقلة أطماعه الاستراتيجية.
ويكشف تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بصورة أكثر وضوحًا، عن الفهم الإيراني لأهمية وجود مظلة دفاعية إقليمية مستقلة، بعيدًا عن الأطراف والقوى الخارجية، وهو ما يتوافق مع الرؤية الإيرانية التي تدفع باتجاه أن تتولى دول المنطقة مسؤولية أمنها، بدلًا من الاعتماد على قوى خارجية لتوفير الأمن الإقليمي وعلى رأس تلك القوى الولايات المتحدة الامريكية.
وفي المقابل، فإن اعتراض الوزير الصهيوني لا يعكس مجرد تحفظ على اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، وإنما يكشف عن إدراك إسرائيلي بأن دخول تركيا إلى هذا الترتيب يمنحه وزنًا استراتيجيًا وعسكريًا أكبر، ويخلق شبكة من العلاقات الدفاعية قد تمتد تداعياتها إلى أكثر من ساحة إقليمية، وهو ما يفسر حديث شيكلي تحديدًا عن البحر المتوسط والجبهة السورية، وعن ضرورة تعزيز العلاقات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص والإمارات والصومال.
ثانيًا: علاقة مصر بالإمارات
العامل الاستراتيجي الثاني الذي لا يمكن تجاهله هو علاقة مصر بالإمارات، أو بالأخص العلاقة بين الرئيس عبدالفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد. فالسيسي لا يسعى إلى الانخراط في أي تحالف أو اتفاقيات لا تصب في إطار مصالح أبوظبي، أو يمكن أن يُفهم منها أنها تمثل تقاربًا مع الرياض على حساب أبوظبي، في ظل الخلافات المتزايدة بين السعودية والإمارات حول عدد من الملفات الإقليمية.
ومن ثَمَّ، فإن انضمام مصر إلى تحالف صاغته السعودية ويضم تركيا وباكستان لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره قرارًا يتعلق بالأمن والدفاع، وإنما باعتباره أيضًا قرارًا سياسيًا قد تكون له دلالات على تموضع مصر داخل التوازنات الخليجية والإقليمية، خصوصًا في ظل حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها مع كل من الرياض وأبوظبي، وعدم الانحياز بصورة واضحة إلى أحد الطرفين على حساب الآخر.
ثالثًا: هل رفضت السعودية إنضمام مصر:
نقل موقع ميدل إيست أي ، أن ثلاثة مصادر سعودية أفادت للموقع، بأن السعودية عارضت انضمام مصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وُقّع مع تركيا وباكستان الأسبوع الماضي، رغم مساعي أنقرة لدفع القاهرة إلى الانضمام إلى الاتفاق.
وقال أحد المصادر، حسب ما نقله موقع ميدل ايست أي، ووصفه بأنه مستشار سابق رفيع المستوى لدى القيادة السعودية، أن الرياض لم تكن ترغب في انضمام مصر إلى الاتفاق “في الوقت الراهن على الأقل”
إلا أن المصادر الثلاثة، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هوياتها نظراً إلى حساسية القضية حسب ما ذكر الموقع، قالت إن الموقف السعودي نابع من تزايد حالة الاستياء تجاه حكومة السيسي، ومن اعتقاد سائد في الرياض بأن مصر لم تعد تقدم القيمة الاستراتيجية أو العسكرية التي كانت تقدمها في السابق.
وبحسب المصادر للموقع المذكور، جاء القرار السعودي بمعارضة انضمام مصر إلى الاتفاق على خلفية توترات متراكمة بين الرياض والقاهرة. وقالت المصادر إن السعودية كانت أكبر داعم مالي لحكومة السيسي بعد استيلائه على السلطة عام 2013، إذ أنفقت في البداية نحو 25 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري المتعثر، إلا أن الرياض باتت مستاءة مما تعتبره غياباً للدعم المتبادل في القضايا الأمنية الرئيسية.
وأشار أحد المصادر إلى الدور «المحدود وغير الموثوق» الذي تؤديه مصر في حرب السعودية الطويلة مع جماعة الحوثيين في اليمن، فضلاً عن موقفها المخيب للآمال خلال الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران. كما أشارت المصادر إلى تزايد القلق في الرياض إزاء «تبعية» القاهرة للإمارات العربية المتحدة، ولا سيما في أعقاب الخلاف بين الرياض وأبوظبي بشأن دعم الأخيرة لجماعات انفصالية في جنوب اليمن، والتي «تهدد الأمن والمصالح الوطنية للسعودية”.
وأشار مصدران إلى أنه رغم إرسال مصر طائرات مقاتلة إلى أبوظبي رداً على الهجمات الإيرانية، وحرص السيسي على زيارة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد أكثر من مرة خلال الحرب، فإن القاهرة لم تتخذ خطوات مماثلة تجاه السعودية. وخلصا إلى أن الرياض باتت تشعر بقلق متزايد إزاء اصطفاف السيسي إلى جانب أبوظبي.
وقالت المصادر إن ذلك يعود إلى رؤية الرياض أن عدداً من السياسات الإماراتية يتعارض مع المصالح الاستراتيجية لمصر نفسها. ومن بين هذه السياسات انخراط الإمارات في أرض الصومال، وعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، ودعمها لإثيوبيا خلال الخلافات بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير، فضلاً عن دعمها قوات الدعم السريع في السودان. وقال أحد المصادر إن استمرار القاهرة في الانخراط مع أبوظبي عمّق الشكوك في الرياض بشأن مدى موثوقية مصر بوصفها شريكاً استراتيجياً.
ووصف مصدر آخر العلاقة في عهد السيسي بأنها باتت على نحو متزايد علاقة ترى فيها السعودية أن مصر «تعتمد» على الدعم الخليجي، بدلاً من أن تكون شريكاً موثوقاً. وقال المستشار السابق رفيع المستوى إن مصر اعتمدت تاريخياً على المملكة والولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى، في حين لم تقدم في المقابل سوى القليل. وقال المستشار: «لطالما كانت مصر دولة تعتمد علينا وعلى الولايات المتحدة، وهي لا تقدم شيئاً في المقابل؛ إنها تأخذ وتأخذ من دون أن تقدم شيئاً في المقابل».
من وجهة نظرنا، فليس من المرجح أن يكون السبب الرئيس في عدم التحاق مصر بتحالف مكة هو أن السعودية قد رفضت مشاركة مصر في التحالف، حتى في ظل الخلافات المعروفة بين مصر والسعودية حول عدد من الملفات في المنطقة، وعدم توافر الثقة التامة بين الطرفين. هناك إشارات كثيرة تدل على حرص تركيا وباكستان، وحتى السعودية، على انضمام مصر إلى التحالف، وقد تكون الإسقاطات التي وردت في تقرير “ميدل إيست أي” بناء على بعض الشواهد والإفادات من بعض المصادر غير دقيقة بشكل كامل. في الأغلب القرار بعدم المشاركة كان قرارًا مصريًا للأسباب المذكورة في تحليلنا. ما نراه هو أن السعودية حريصة على انضمام مصر إلى هذا الحلف، مما يعزز تقارب المملكة مع القاهرة، ويُبعدها عن الفلك الإماراتي ودوائره.
الجدير بالذكر ، أنه بعد نشر تقرير موقع ميدل ايست أي، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن مصر تدرس بكل جدية مسألة الانضمام لاتفاقية مكة الدفاعية، من مختلف الجوانب لأن هناك اعتبارات دستورية وقانونية يجب دراستها بدقة.
وأضاف عبد العاطي في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان عقب جلسة مباحثات في القاهرة، الخميس 13 أغسطس 2026، إن مصر لديها تعاون مع ثلاثي الاتفاقية: السعودية وتركيا وباكستان، في إطار الآلية الرباعية التي تجمعهم، كما أن العلاقات الثنائية بين القاهرة وكل من هذه الدول الثلاث متميزة للغاية.
وأجاب عبد العاطي، ردا على سؤال حول موقف مصر من الاتفاقية، بأن القاهرة “على دراية بهذا الأمر منذ البداية، وتتم دراسته من خلال المؤسسات المعنية داخل الدولة المصرية”، موضحا أنه “عندما يتعلق الأمر بالتعاون في مجالات دفاعية تكون هناك التزامات في هذا الشأن تحتاج لدراسات معمقة في ضوء الدستور المصري والأمور القانونية”.
وأشار إلى أن هناك “أفكارا كثيرة حول الترتيبات الأمنية في الإقليم في ظل التحديات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة”، مضيفا أن مصر “تتعامل مع هذه الأفكار والمبادرات بما في ذلك مبادرة أمن البحر الأحمر بمنتهى الجدية، لكن هناك اعتبارات دستورية وقانونية تتم دراستها بشكل معمق لاتخاذ الإجراءات المطلوبة”.
وشدد على أن “هناك تنسيقا كاملا بيننا نحن الأربعة والوزير فيدان طرح هذا الأمر منذ فترة في ما يتعلق بالجانب الدفاعي”.
من جهته، قال الوزير التركي، إن المناقشات كانت جارية مع مصر أولا بأول بشأن اتفاق مكة، ونقلت القاهرة رأيها حول الاتفاقية، فيما تعمل الآن على تقييم كل الأبعاد، مضيفا: “نتمنى أن تكون مصر معنا”.
ما قاله وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي حول وجود اعتبارات دستورية وقانونية تدرسها القاهرة قبل الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، يأتي متسقًا مع ما ذهبنا إليه، بشأن القيود والالتزامات التي تحكم حركة مصر في مجال التحالفات العسكرية، وفي مقدمتها الالتزامات الناشئة عن معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، ولا سيما ما تنص عليه المادة السادسة بشأن أولوية الالتزامات الواردة في المعاهدة عند تعارضها مع أي التزامات دولية أخرى.
ومن ثم، فإن مسألة انضمام مصر إلى اتفاق مكة لا تبدو كمجرد قرار سياسي او بسبب عدم ترحيب من الجانب السعودي، وإنما ترتبط أيضًا بمدى توافق الالتزامات الدفاعية الجماعية التي ينص عليها الاتفاق مع الإطار القانوني والدستوري الذي يحكم التزامات مصر الدولية، فضلًا عن العوامل الأخرى التي أوردناها في الدراسة.
الخلاصة:
إن تفسير غياب مصر عن تحالف مكة باعتباره مجرد رفض للانخراط العسكري أو رغبة في الابتعاد عن الصراعات الإقليمية يبدو تفسيرًا قاصرًا.
نحن نرى أن عدم إنضمام مصر، على الأرجح، كان قرارًا مصريًا يرتبط بحسابات أوسع تتصل بهامش الحركة الاستراتيجية للقاهرة، وبشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية. هذا القرار قد يكون نتاجًا لتداخل مجموعة من الاعتبارات، وليس عاملًا واحدًا منفردًا؛ فإلى جانب الرؤية المصرية التقليدية التي تفضل تجنب الالتزامات العسكرية المفتوحة، هناك طبيعة التحالف نفسه، والقيود التي تفرضها معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، وهناك حساسية العلاقات المصرية مع تركيا واليونان وقبرص، وكذلك العلاقات المصرية مع الهند وباكستان، فضلًا عن التوازن الدقيق الذي تحاول القاهرة الحفاظ عليه في علاقاتها مع السعودية والإمارات.
حتى وإن صحت التقارير عن عدم حماس السعودية لانضمام مصر للحلف في الوقت الراهن، فإنه من الواضح أن دول الحلف كمجموعة حريصة على انضمام مصر في مرحلة لاحقة عندما تتحين الظروف المناسبة، نظرًا لما يضيفه وجود مصر في المنظومة الأمنية في المنطقة بعيدًا عن علاقات أكثر ارتباطًا بدول منافسة لأعضاء الحلف مثل إسرائيل والإمارات واليونان وقبرص والهند.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




