المساعدات مقابل البيانات.. اتفاقات صحية أمريكية تفتح معركة جديدة حول السيادة الرقمية في إفريقيا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
لم تعد المساعدات الصحية الأمريكية إلى عدد من الدول الإفريقية تقتصر على تمويل مكافحة الإيدز والملاريا والسل وشبكات مراقبة الأوبئة. ففي إطار استراتيجية إدارة دونالد ترامب الجديدة للصحة العالمية، أصبحت البيانات الصحية نفسها جزءًا من شروط التفاوض، مع مطالبة واشنطن بإتاحة الوصول إلى أنظمة معلومات وطنية وقواعد بيانات صحية ومختبرية، مقابل استمرار تدفقات مالية تصل إلى مليارات الدولارات.
هذه المقايضة تثير جدلًا يتجاوز حماية الخصوصية إلى سؤال أكثر حساسية: هل تتحول البيانات الصحية لملايين الأفارقة إلى مورد استراتيجي تحصل عليه الولايات المتحدة مقابل المساعدات؟ ومن يملك القيمة الاقتصادية والعلمية التي يمكن استخراجها لاحقًا من هذه البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي؟
تحقيق نشرته ProPublica في يونيو/حزيران 2026 كشف أن الاتفاقات الجديدة تضع الوصول إلى البيانات ضمن صميم سياسة America First Global Health Strategy، في وقت يقول فيه مسؤولون أمريكيون إن الهدف هو تحسين مراقبة الأمراض، وضمان إنفاق الأموال بصورة صحيحة، وحماية الأمريكيين من الأوبئة المقبلة. أما منتقدو السياسة فيرون أن اختلال القوة التفاوضية بين المانح والدول التي تعتمد على المساعدات الصحية يجعل الاتفاقات أقرب إلى ما وصفه أحد خبراء الحقوق الرقمية في أوغندا بـ«الاستعمار الرقمي».
أوغندا.. دخول مباشر إلى تسعة أنظمة صحية
تقدم أوغندا المثال الأكثر وضوحًا على حجم التحول.
بموجب الاتفاق الذي راجعته ProPublica، تحصل الولايات المتحدة على وصول مباشر وفي الوقت الحقيقي إلى تسعة أنظمة بيانات صحية أوغندية لمدة سبع سنوات، تشمل المستودع المركزي للمعلومات الصحية، وبيانات المختبرات، والمعلومات التي يجمعها العاملون الصحيون داخل المجتمعات المحلية، إضافة إلى النظام الذي يدير السجلات الطبية الإلكترونية للأفراد.
في المقابل، ستقدم واشنطن ما يصل إلى 1.7 مليار دولار خلال خمس سنوات لدعم مكافحة الملاريا والسل وفيروس HIV وشلل الأطفال وتعزيز الأمن الصحي. لكن التمويل نفسه سينخفض تدريجيًا، وتشير تقديرات أوردها التحقيق إلى أن الدعم الأمريكي للصحة العالمية في أوغندا سيكون بحلول 2030 أقل بنحو 45% من المستوى الذي كان عليه عند عودة ترامب إلى الرئاسة.
وتنص الاتفاقية على أن البيانات المشتركة يجب أن تكون مجمعة ومنزوعة منها المعلومات التي تكشف هوية الأشخاص، وأن استخدامها سيكون مرتبطًا بتقديم الخدمات الصحية وتدقيق البرامج.
وزارة الخارجية الأمريكية تتمسك بهذه النقطة. وقالت لـProPublica إن واشنطن لا تحصل على معلومات شخصية محددة، وإن ما يجري مشاركته هو النوع نفسه من البيانات المجمعة والمجهلة المستخدمة منذ سنوات في برامج مكافحة الإيدز والملاريا والسل، وإن عملية المشاركة تتم وفق قوانين الدول المعنية.
لكن الجديد لا يتعلق فقط بنوع البيانات، وإنما بطريقة الوصول إليها.
فالوثائق التي راجعتها ProPublica تلزم أوغندا بإعطاء الحكومة الأمريكية والمتعاقدين معها بيانات دخول أو وسائل وصول آمنة تسمح لهم بالدخول مباشرة إلى الأنظمة الوطنية، بدل الاعتماد فقط على أنظمة منفصلة أنشأتها البرامج الأمريكية سابقًا لتلقي البيانات المجمعة، وهذه النقلة هي التي تثير القلق الأكبر لدى خبراء الخصوصية.
عندما تصبح المساعدة الصحية اتفاقًا تبادليًا
السياسة الجديدة تختلف في فلسفتها عن نموذج المساعدات الأمريكي السابق. فاستراتيجية America First Global Health Strategy تنص صراحة على ربط السياسة الصحية الخارجية بالمصالح الأمريكية، بما يشمل حماية الولايات المتحدة من الأمراض، وزيادة مساهمة الدول المستفيدة في تمويل أنظمتها الصحية، ودعم الابتكارات والشركات الأمريكية.
وتقول واشنطن إن من غير المقبول استمرار دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل الأنظمة الصحية الأجنبية إلى أجل غير محدود، وإن الدول المستفيدة يجب أن تزيد إنفاقها المحلي بحيث تصبح البرامج أكثر استدامة وملكية وطنية.
هذه الحجة تجد قبولًا حتى لدى بعض منتقدي الاتفاقات. فثمة اتفاق واسع على ضرورة تخفيف اعتماد الدول الإفريقية طويل الأمد على المساعدات الخارجية وبناء أنظمة صحية محلية أكثر قدرة على تمويل نفسها.
لكن الخلاف يتعلق بما تحصل عليه الولايات المتحدة في المقابل، وبخاصة عندما تصبح البيانات والمواد البيولوجية جزءًا من الصفقة.
تظهر مراجعة Public Citizen لاتفاقات تسع دول أن النموذج الأمريكي الأصلي كان يتضمن شروطًا موحدة وقاسية نسبيًا بشأن البيانات والعينات البيولوجية، قبل أن تتمكن بعض الحكومات من التفاوض على مدد أقصر أو ضمانات إضافية. كما تختلف العقوبات وشروط التمويل والتزامات المشاركة من دولة إلى أخرى بصورة كبيرة.
لماذا أصبحت البيانات الصحية بهذه القيمة؟
الجدل لا يمكن فصله عن التطور في الذكاء الاصطناعي والصناعات الدوائية. فالبيانات الصحية الواسعة لا تكشف فقط عدد المصابين بمرض معين. وعندما تجمع على مستوى ملايين الأشخاص، يمكن استخدامها في دراسة أنماط الأمراض، والاستجابة للأدوية، والاختلافات الوراثية والسكانية، وتطوير أدوات التشخيص، وبناء النماذج التنبؤية، وتدريب تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي.
ولهذا أصبحت الدول تنظر بصورة متزايدة إلى قواعد بيانات مواطنيها باعتبارها أصلًا وطنيًا ذا قيمة اقتصادية وعلمية واستراتيجية، لا مجرد سجلات إدارية.
وتحذر جين مونغا من مؤسسة كارنيغي من أن المشكلة ليست فقط مكان تخزين البيانات، وإنما من يملك القدرة على تحديد كيفية استخدامها وإعادة استخدامها ومشاركتها مع جهات أخرى، ومن يحصل على المكاسب الناتجة عنها. وتشير إلى أن بيانات الصحة والجينات يمكن أن تدخل مستقبلًا في الأبحاث الدوائية والتكنولوجيا الحيوية وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
هنا يتغير معنى «السيادة الرقمية». فالدولة يمكن أن تبقى مالكة رسميًا لقاعدة البيانات، لكنها تفقد جزءًا من سيطرتها الفعلية إذا أصبحت جهة أجنبية أو متعاقدوها قادرين على الوصول إليها ومعالجتها وإعادة دمجها ضمن منظومات أخرى.
كينيا.. 1.6 مليار دولار وسبع سنوات من البيانات
أصبحت كينيا أول ساحة كبيرة للاعتراض السياسي والقضائي على النموذج الجديد.
وافقت نيروبي، مقابل 1.6 مليار دولار من الدعم الصحي الأمريكي، على ترتيبات تتيح الوصول إلى بيانات صحية على مدى سبع سنوات، بينما يمتد التمويل الأمريكي خمس سنوات فقط.
لكن الاتفاق واجه سريعًا دعاوى قضائية من سياسيين ومنظمات مدنية اتهمت الحكومة بالسماح بوصول أجنبي واسع إلى بيانات حساسة، وبالمضي في الاتفاق من دون درجة كافية من الرقابة البرلمانية والمشاركة العامة.
وتتمتع كينيا أصلًا بإطار قانوني متقدم نسبيًا في هذا المجال، يشمل Data Protection Act لعام 2019 وDigital Health Act لعام 2023، وكلاهما يضع قيودًا على التعامل مع البيانات الصحية ونقلها خارج البلاد.
وترى دراسة لمؤسسة كارنيغي أن الاتفاق الأمريكي–الكيني أصبح اختبارًا مبكرًا لقدرة استراتيجية واشنطن الجديدة على التعايش مع قوانين السيادة الرقمية الوطنية. كما تحذر من أن غياب قيود صريحة وملزمة على الاستخدام الثانوي للبيانات أو مشاركتها لاحقًا قد يسمح نظريًا بإدخالها في أبحاث دوائية أو بيولوجية أو قواعد تدريب للذكاء الاصطناعي من دون ضمان حصول كينيا على حصة من القيمة الناتجة.
وقد عُلقت أجزاء من الاتفاق قضائيًا خلال النزاع قبل السماح في مايو/أيار 2026 بالمضي مؤقتًا في التنفيذ بينما تستمر المحكمة في نظر القضية.
البيانات ليست وحدها.. العينات البيولوجية أيضًا
المسألة تصبح أكثر حساسية عند الانتقال من البيانات إلى عينات مسببات الأمراض.
الاتفاقات التي راجعتها ProPublica تتضمن في بعض الحالات التزام الدول ببدء مشاركة العينات والبيانات المتعلقة بها خلال خمسة أيام من تلقي طلب أمريكي، في إطار بناء شبكة تستطيع واشنطن الاعتماد عليها لرصد خطر الأوبئة.
وتبرر الولايات المتحدة ذلك بالحاجة إلى اكتشاف الأمراض الجديدة سريعًا ومنع انتقالها إلى الأراضي الأمريكية، خاصة بعد انسحاب واشنطن من منظمة الصحة العالمية وفقدانها جزءًا من الوصول الذي كانت توفره شبكات التعاون متعددة الأطراف.
لكن النزاع يعود مرة أخرى إلى السؤال عن تقاسم المنافع.
فإذا جرى تطوير لقاح أو دواء باستخدام عينة مرضية جاءت من دولة إفريقية، فمن يحصل على العلاج أولًا؟ ومن يمتلك حقوق الملكية الفكرية؟ وهل تحصل الدولة التي وفرت المورد البيولوجي على التكنولوجيا أو خطوط الإنتاج أو جزء من المكاسب؟
وفق الوثائق التي راجعتها ProPublica، تنص خمسة من ستة اتفاقات لمشاركة العينات على أن الولايات المتحدة ستعطي طلب الدولة المصدرة «أولوية»، ولكن بعد الاحتياجات الأمريكية، بينما تضمن الاتفاقية مع نيجيريا ترتيبات أفضل نسبيًا للحصول على المنتجات الطبية الناتجة.
وهنا يظهر أحد أكثر أوجه الجدل حساسية: إمكانية أن تقدم الدول الإفريقية المادة الخام العلمية، بينما تتراكم القيمة الدوائية والتكنولوجية في مكان آخر.
نموذج بديل عن منظمة الصحة العالمية؟
تكتسب الاتفاقات بعدًا جيوسياسيًا إضافيًا لأنها جاءت بعد انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية وتراجع مشاركتها في النظام متعدد الأطراف للصحة العالمية.
عمليًا، تتحرك واشنطن الآن لبناء شبكة ثنائية من الاتفاقات المباشرة مع الدول للحصول على البيانات والمعلومات الوبائية والعينات التي تحتاجها لمتابعة الأمراض.
هذا يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التفاوض مع كل دولة بصورة منفصلة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تفتيت النظام العالمي لمراقبة الأوبئة.
Public Citizen حذرت من أن اختلاف شروط مشاركة البيانات والاستجابة للأمراض من بلد إلى آخر يمكن أن يضعف قدرة الدول المجاورة على التنسيق في مواجهة أوبئة تتجاهل الحدود السياسية بطبيعتها.
ويظهر هذا الخطر بوضوح في حالة تفشي إيبولا في وسط إفريقيا؛ فإذا كانت بعض الدول مرتبطة بالولايات المتحدة باتفاقات لتبادل البيانات والعينات بينما ترفض دول مجاورة الاتفاقات، فإن بناء صورة وبائية متكاملة يصبح أكثر صعوبة.
وهذا يعني أن استراتيجية صُممت لحماية الولايات المتحدة من الأمراض قد تواجه مفارقة: الضغط المفرط للحصول على البيانات يمكن أن يدفع بعض الحكومات إلى رفض الاتفاق أصلًا، فتفقد واشنطن البيانات والمساعدة الصحية معًا.
إفريقيا تبدأ التفاوض على «سيادة البيانات»
لم تقبل جميع الحكومات الشروط الأولية.
رفضت زيمبابوي وزامبيا وغانا صيغًا أولية من الاتفاقات أو اعترضت على جوانب منها، فيما استطاعت حكومات أخرى تقليص المدد المطلوبة لتبادل البيانات والعينات أو إضافة ضمانات جديدة.
وهذا يكشف أن المواجهة لم تعد ببساطة بين مانح قوي ودولة متلقية.
تطور قوانين حماية البيانات في إفريقيا، وصعود مفهوم السيادة الرقمية، وتحول البيانات إلى أصل اقتصادي، يمنح الحكومات الإفريقية أدوات جديدة للتفاوض.
المفارقة أن الدول التي تحتاج أكثر إلى التمويل الصحي هي نفسها الأكثر عرضة للقبول بشروط قد لا تقبلها دولة غنية.
وهو ما لخصه الخبير الأوغندي فرانك سكاموا حين وصف الاختيار الذي واجهته بلاده: القبول باتفاق يرى أنه يحمل مخاطر على سيادة البيانات، أو المخاطرة بفقدان التمويل اللازم لمواجهة أمراض قاتلة.
من المساعدات إلى اقتصاد البيانات
القضية في جوهرها تتجاوز الخصوصية الفردية.
ما يجري هو جزء من تحول أوسع في الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت البيانات موردًا استراتيجيًا يشبه إلى حد ما الموارد الطبيعية في مراحل سابقة من العلاقات الدولية.
كانت العلاقة القديمة بين الدول الصناعية وإفريقيا تدور غالبًا حول النفط والمعادن والمحاصيل والمواد الخام. أما اقتصاد الذكاء الاصطناعي فيضيف موردًا جديدًا: البيانات البشرية، وخصوصًا الصحية والبيولوجية والجينية.
لكن التشبيه بالاستعمار يحتاج إلى الحذر.
لا توجد أدلة على أن الولايات المتحدة تحصل سرًا على السجلات الشخصية الكاملة لملايين الأفارقة، وواشنطن تؤكد بوضوح أنها لا تتلقى بيانات تحدد هوية الأفراد وأن الهدف هو مكافحة الأمراض وتدقيق استخدام الأموال الأمريكية. كما تتضمن الاتفاقات التزامات بحماية البيانات وبعض أشكال تقاسم المنافع.
في المقابل، تكشف الوثائق عن اختلال حقيقي في القوة التفاوضية: دول تحتاج إلى مليارات الدولارات لاستمرار برامج صحية أساسية تفاوض قوة تملك المال والتكنولوجيا والشركات القادرة على استخراج قيمة إضافية من البيانات.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت البيانات ستُسرق، بل من سيضع قواعد استخدامها ومن سيحصل على القيمة الناتجة عنها.
إذا استطاعت الدول الإفريقية تحويل الاتفاقات إلى شراكات تضمن حماية البيانات، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع المحلي، والوصول إلى الأدوية واللقاحات الناتجة عن عيناتها وبياناتها، فقد تتحول هذه المنظومة إلى نموذج أكثر توازنًا للتعاون الصحي.
أما إذا بقي التمويل مشروطًا بإتاحة الأصول الرقمية والبيولوجية مع ضمانات محدودة بشأن الاستخدام اللاحق وتقاسم الأرباح والمعرفة، فإن مصطلح «الاستعمار الرقمي» سيكتسب حضورًا أكبر في النقاش الإفريقي.
فالمعركة الجديدة لم تعد فقط حول من يمول مستشفى أو يرسل دواءً، وإنما حول من يمتلك البيانات التي تنتجها صحة مجتمع كامل، ومن يستطيع تحويل تلك البيانات إلى علم ودواء وذكاء اصطناعي وقوة اقتصادية في العقود المقبلة.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




