صراع أبناء حفتر واغتيال رئيس الاستخبارات يهددان تماسك منظومة الشرق الليبي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تواجه منظومة المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا مرحلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى خلال السنوات الأخيرة، مع تزامن التحضير لخلافته داخل العائلة مع تصاعد المنافسة بين أبنائه، في وقت هز فيه اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري صورة القبضة الأمنية التي بنى عليها حفتر شرعيته في بنغازي وشرق البلاد.
هذا ما خلص إليه تقرير للصحفي فريديريك بوبان في صحيفة «لوموند» الفرنسية، التي رأت أن مقتل المنصوري لا يمثل حادثاً أمنياً معزولاً بقدر ما يكشف نقاط ضعف في نظام سياسي وعسكري شديد المركزية، بات يواجه سؤالاً حساساً حول قدرته على الاستمرار بعد حفتر، البالغ من العمر 82 عاماً.
ضربة في قلب بنغازي
قُتل المنصوري في 10 أغسطس/آب إثر انفجار استهدف سيارته في بنغازي، المدينة التي تحولت خلال العقد الماضي إلى مركز ثقل قوات حفتر وإحدى أكثر مناطق الشرق الليبي خضوعاً للرقابة الأمنية.
وكان المنصوري شخصية محورية داخل المنظومة العسكرية، إذ لعب دوراً في تثبيت نفوذ قوات حفتر خلال توسعها من درنة شرقاً إلى سبها جنوباً مروراً بمنطقة الهلال النفطي. ولهذا أثار نجاح عملية اغتياله داخل بنغازي تساؤلات تتجاوز هوية المنفذين إلى قدرة الأجهزة الأمنية نفسها على حماية كبار قادتها.
وأعلنت سلطات الشرق أن الهجوم يحمل طابعاً «إرهابياً»، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها حتى الآن. إلا أن «لوموند» تلفت إلى أن فرضية عودة جماعات جهادية إلى قلب بنغازي تبدو مثيرة للاستغراب بعد سنوات من إعلان القضاء عليها، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام فرضيات أخرى، بينها تصفية حسابات داخلية، من دون وجود دليل منشور حتى الآن يحسم أيّاً منها.
وتكمن أهمية الحادث في أنه يضرب مباشرة السردية التي رسخها حفتر طوال سنوات: أن نظامه الاستبدادي، مهما كانت كلفته السياسية، وفر لشرق ليبيا مستوى من الأمن والاستقرار لم تتمكن سلطات طرابلس من تحقيقه.
صدّام حفتر وريثاً
بالتوازي مع التحدي الأمني، يعمل خليفة حفتر على ترتيب انتقال السلطة داخل عائلته.
وبحسب «لوموند»، حسم حفتر إلى حد كبير خياره لصالح نجله صدّام حفتر، الذي عُين عام 2025 نائباً للقائد العام لقوات الشرق، وبات الشخصية الأكثر حضوراً في الملفات العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بمستقبل السلطة.
لكن اختيار صدام لم ينهِ صراع الخلافة، بل عمّقه.
فشقيقه خالد حفتر يشغل منصب رئيس أركان قوات الشرق، وهو موقع عسكري مهم لكنه يأتي أدنى من موقع صدام في التسلسل الذي أراده والده. وتشير «لوموند» إلى أن ترجيح كفة صدام أدى إلى توتر العلاقة بين الشقيقين، مع امتلاك كل منهما شبكات نفوذ وقوى ومصالح خاصة به.
أما بلقاسم حفتر، فقد بنى ثقله في المجال الاقتصادي من خلال إدارته صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي أصبح بعد كارثة إعصار دانيال قناة رئيسية للمشاريع والاستثمارات الأجنبية في الشرق.
وبذلك لا يدور التنافس داخل العائلة على قيادة المؤسسة العسكرية فقط، بل أيضاً على السيطرة على الموارد المالية وشبكات الاستثمار التي أصبحت ركناً أساسياً من منظومة الحكم في شرق ليبيا.
ويظهر الشقيقان الآخران، صديق حفتر وعقبة حفتر، في مواقع أقل نفوذاً؛ الأول في الوساطات القبلية، والثاني في مجالات التكنولوجيا والعملات المشفرة، لكن الصحيفة ترى أن كليهما يسعى بدوره إلى حماية مصالحه داخل النظام العائلي الناشئ.
نظام بُني لرجل واحد وليس لخمسة
المعضلة الأساسية، وفق التقرير، هي أن نظام حفتر لم يُصمم أصلاً ليعمل كمنظومة مؤسساتية يمكن نقل قيادتها بسلاسة.
وينقل التقرير عن مدير «معهد الصادق» أن حفتر بنى نظاماً «لرجل واحد، وليس لخمسة»، في إشارة إلى أن توزيع السلطة بين أبنائه يمكن أن يحول ما كان مركز قوة النظام إلى مصدر لانقسامه.
ويزداد هذا الخطر لأن صدام وخالد، رغم المناصب العسكرية التي يشغلانها، لا يمتلكان الخبرة الأمنية والقبلية الطويلة التي راكمها والدهما، فيما ينشغل أفراد العائلة بدرجة كبيرة بإدارة الملفات الاقتصادية والمالية.
وهذا الاختلاف مهم في بيئة مثل ليبيا، حيث لا تقوم السيطرة على القوة العسكرية وحدها، بل على شبكة شديدة التعقيد من التحالفات القبلية والمالية والعسكرية المحلية.
الخلافة تتقاطع مع الخطة الأميركية
ويأتي صراع الوراثة في توقيت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة إطلاق مسار لتوحيد المؤسسات الليبية.
ويقود مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية مَسْعَد بولس (Massad Boulos) مبادرة للتقريب بين معسكر حفتر في الشرق وعائلة الدبيبة في الغرب. وتشير تقارير إلى تداول سيناريو يمنح صدام حفتر موقعاً قيادياً في الدولة الليبية الموحدة مقابل بقاء رئاسة الحكومة في يد شخصية مرتبطة بمعسكر الدبيبة، وإن كانت هذه الترتيبات لا تزال موضع تفاوض ولم تتحول إلى اتفاق نهائي.
وبالنسبة إلى أبناء حفتر، فإن مثل هذا السيناريو يرفع قيمة الصراع الداخلي، لأن المسألة لم تعد مقتصرة على وراثة حكم الشرق، وإنما قد تتعلق بموقع العائلة في ليبيا موحدة مستقبلاً.
ومن هنا يمكن فهم سبب تحول صعود صدام من ترتيب عائلي داخلي إلى قضية تمس توازن المنظومة السياسية والعسكرية بأكملها.
الجنوب يكشف حدود السيطرة
ولا تأتي أزمة الخلافة في وقت تكون فيه قوات حفتر في ذروة قوتها.
فبحسب «لوموند»، تواجه منظومة الشرق تراجعاً في بعض مناطق الجنوب الليبي، بعدما خسرت ولاءات شخصيات وقوى محلية كانت تمثل أساس وجودها في إقليم فزان.
ومن أبرز الأمثلة قائد اللواء 128 حسن الزادمة، الذي دخل في خلافات مع صدام حفتر ثم اقترب من حكومة طرابلس، إلى جانب انشقاق قائد من التبو هو محمد وردقو، وتأسيسه قوة مسلحة بدأت بمهاجمة مواقع تابعة لمعسكر حفتر.
وتكشف هذه التطورات طبيعة النفوذ الذي بناه حفتر في الجنوب؛ فهو لم يعتمد دائماً على مؤسسات عسكرية مركزية بقدر اعتماده على شراء الولاءات وبناء تفاهمات مع القبائل والقوى المسلحة المحلية.
وبالتالي فإن قدرة الأبناء على المحافظة على هذه التحالفات ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قابلية النظام للبقاء بعد مؤسسه.
ما بعد حفتر أخطر من الصراع معه
المشكلة التي يطرحها تقرير «لوموند» لا تتمثل في سقوط وشيك لمنظومة حفتر؛ فلا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إنها على وشك التفكك.
لكن اغتيال شخصية بحجم رئيس الاستخبارات العسكرية، بالتزامن مع احتدام الصراع بين أبناء حفتر وتراجع بعض التحالفات في الجنوب، يكشف أن النظام الذي بدا لسنوات شديد الصلابة يحمل داخله نقاط ضعف مرتبطة بطبيعته الشخصية والعائلية.
فحفتر استطاع جمع المؤسسة العسكرية والقبائل والمصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ الخارجي حول مركز واحد هو شخصه. أما تحويل هذا النموذج إلى حكم عائلي موزع بين خمسة أبناء ذوي مصالح وطموحات مختلفة، فقد يكون أكثر تعقيداً بكثير.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه شرق ليبيا اليوم لم يعد فقط من سيخلف خليفة حفتر، وإنما ما إذا كانت المنظومة نفسها تستطيع البقاء متماسكة عندما يغيب الرجل الذي صُممت حوله.
وإذا تحول تنافس الأبناء من توزيع للنفوذ إلى صراع مفتوح على القيادة والموارد، فقد يصبح انتقال السلطة داخل عائلة حفتر أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في ليبيا، في لحظة تحاول فيها القوى الإقليمية والدولية دفع البلاد نحو تسوية سياسية وتوحيد مؤسساتها.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




