ترجمات

أحد أمراء الحرب على وشك “إعادة توحيد” ليبيا في ظل اتفاق برعاية أمريكية


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


في 7 سبتمبر 2026، قدم سيمون ويسلر، وهو صانع محتوى ومقدم برامج بريطاني شهير على يوتيوب، في قناة WarFronts التي يبثها على موقع يوتيوب، حلقة هامة يناقش فيها الوضع السائد حالياً في ليبيا، وذلك تحت عنوان: “أحد أمراء الحرب على وشك ’إعادة توحيد ليبيا” بعد أن ظلت منقسمة بين فريقين اثنين على مدار اثني عشر عاماً.

والآن، فإنه بحسب اتفاق إعادة توحيد البلاد – الذي تم التوصل إليه مؤخراً بوساطة أمريكية – سيتم إجراء انتخابات في كامل الأراضي الليبية. غير أن المحللين يحذرون من أن هذا الاتفاق يمهّد في الواقع الطريق لأحد أبرز أمراء الحرب، وهو اللواء خليفة حفتر، للاستيلاء على السلطة في الدولة الموحدة.

ويقول ويسلر إنه على الرغم من توثيق ارتكابه لانتهاكات لحقوق الإنسان في ليبيا منذ الإطاحة بالدكتاتور السابق العقيد معمر القذافي، يبدو أن خليفة حفتر قد ضمن الحصول على دعم كل من واشنطن وموسكو وأنقرة للإمساك بتلابيب السلطة في كامل البلاد، وليس الجزء الشرقي منها فقط كما هو الحال حالياً.

وتتناول الحلقة حالة الانقسام السياسي والعسكري التي تشهدها ليبيا منذ 12 عاماً بين الحكومة في طرابلس (غرب البلاد) وقوات خليفة حفتر في شرقها. ولكن التقارير تشير إلى أنه قد تم الاتفاق مؤخراً على إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية على مستوى البلاد في غضون عامين.

غير أن سايمون ويسلر يرى أن عملية إعادة التوحيد المقترحة قد لا تفضي بالضرورة إلى قيام ليبيا ديمقراطية أو مستقرة حقاً. حيث يركز جزء كبير من الحلقة على طبيعة شخصية خليفة حفتر وعائلته ونفوذهم المتزايد في شرق ليبيا. كما تتناول الحلقة أيضاً شخصية عبد الحميد الدبيبة، باعتباره الشخصية الأبرز في معسكر طرابلس، وتستعرض شبكات المصالح المتنافسة المحيطة بكلا الرجلين.

وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق بفضل جهود قادها إلى حد كبير مَسْعَد بولس – مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا – وذلك في أعقاب اتصالات بدأت عام 2025. ومن التطورات الهامة في هذا السياق الاتفاق على ميزانية موحدة للدولة الليبية تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، إلى جانب تعزيز التعاون العسكري والسياسي.

ولكن سيمون ويسلر يجادل بأن هذا الاتفاق قد لا يمثل إعادة توحيد ديمقراطية بقدر ما يمثل ترتيباً لتقاسم السلطة بين نخب تنتمي لعائلتين راسختين في المشهد السياسي. حيث تسلط الحلقة الضوء على مزاعم الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بشبكات كل من حفتر والدبيبة، مع الإشارة إلى أن الترتيبات المقترحة لا تضمن بالضرورة إزاحتهما عن السلطة.

كما يؤكد ويسلر على أهمية احتياطيات النفط الهائلة التي تمتلكها ليبيا، مشيراً إلى أن السيطرة على موارد البلاد تشكل عاملاً حاسماً في حسابات الأطراف الفاعلة محلياً ودولياً. ويشير إلى أن حفتر قد نجح في بناء علاقات مع عدة دول مؤثرة، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ومصر والإمارات والصين.

ويرى ويسلر أن الجمع بين الفصائل المتنافسة قد يؤدي في الواقع إلى نشوب صراع جديد على السلطة داخل الدولة الموحدة، بدلاً من إنهاء الصراع السياسي في ليبيا. وبالتالي فإن عملية إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية هو مسار محفوف بعدم اليقين، حيث ستحدد عوامل عدة – مثل الانتخابات، وتوزيع الموارد، والتدخلات الخارجية، وشبكات النفوذ العائلية المتنافسة – ملامح مستقبل ليبيا. وتخلص الحلقة في النهاية إلى أن ليبيا قد تكون بصدد التحرك نحو إعادة التوحيد، إلا أن التسوية المقترحة قد ترسخ سلطة النخب القائمة – ولا سيما شبكة حفتر – بدلاً من أن تمهد الطريق للتحول الديمقراطي الذي يبشر به الاتفاق علناً.

وفيما يلي نستعرض هذا المحتوى الهام الذي قدمه سيمون ويسلر حول هذا الطرح بشكل مجمل وشامل، وذلك على النحو التالي:

يقول سيمون ويسلر: “على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، انقسمت ليبيا إلى شطرين. ففي الغرب، تحكم حكومة هشة مدينة طرابلس. ورغم أن المجتمع الدولي يعترف بها كقيادة شرعية للبلاد، إلا أنها تستمد بقاءها داخلياً من دعم الميليشيات والعصابات التي قد تنقلب عليها في أي لحظة. أما في الشرق، فيحكم المنطقة أمير الحرب خليفة حفتر بقبضة من حديد انطلاقاً من مدينة طبرق، حيث يسيطر هو وابنه ودائرته المقربة على شبكة خفية من النفوذ الدول”.

ولكن أخيراً، وبعد حرب أهلية استمرت سنوات وما تلاها من جمود سياسي، يعلن القادة الليبيون استعدادهم للتوصل إلى تسوية. ففي أواخر شهر أغسطس، وقّع ممثلون عن الطرفين المتنافسين اتفاقاً في طرابلس يقضي بإجراء انتخابات على مستوى البلاد في غضون العامين المقبلين أو حتى قبل ذلك. ومن المفترض أن تتوحد مؤسسات الدولة، وأن تجد القيادات المنقسمة سبيلاً للعمل معاً، لتعود ليبيا موحدة أخيراً بعد ما شهدته من دمار وفوضى في أعقاب الربيع العربي.

غير أن النظر بإمعان في مساعي إعادة توحيد ليبيا قد يكشف عن خطة أخرى تجري فصولها خلف الكواليس. فعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، بدا أن الحكومة المنشقة في طبرق – تلك التي يسيطر عليها أمير الحرب خليفة حفتر وعائلته – تزداد قوةً بوتيرة تفوق بكثير وتيرة خصومها. إذ يبدو أن الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وغيرها من القوى الداعمة بدأت تميل إلى صفهم. وكانوا قد نجحوا في تأمين الإفراج عن مبشر أمريكي، كما تمكنوا من الالتفاف على حظر الأمم المتحدة للحصول على أسلحة من بكين وأنقرة وإسلام أباد.

“ورغم أن اتفاق الدمج هذا يبدو في ظاهره وسيلة لتوحيد عائلة حفتر مع العائلة الأخرى الأكثر نفوذاً في ليبيا، إلا أن صراعات السلطة الداخلية ستبدأ فور المصافحة وتوقيع الدستور الجديد، وحينها سيكون حفتر في وضع مثالي يتيح له التفوق وحسم الأمور لصالحه. ولكن لا يزال هناك متسع من الوقت لتتضح معالم هذه العملية، ولعل المحللين – ونحن منهم بطبيعة الحال – يكتشفون لاحقاً أن توقعاتهم كانت خاطئة. لكن المؤشرات الراهنة واضحة وجلية: فبعد اثني عشر عاماً من الانقسام، يستعد العالم لتسليم ليبيا موحدة إلى أمير الحرب خليفة حفتر.

التشرذم

بعد مرور أكثر من عقد على سقوط معمر القذافي، لا تزال ليبيا تتسم بالتشرذم السياسي، وتعدد المؤسسات المتنافسة، وانتشار الجماعات المسلحة، والتدخل الأجنبي الواسع. ورغم ما تتمتع به البلاد من موارد طبيعية هائلة وأهمية جيوسياسية بالغة، فقد واجهت الدولة الليبية صعوبات جمّة في إرساء نظام سياسي مستقر قادر على بسط سلطته على كامل أراضيها.

وفي السنوات الأخيرة، تركزت الجهود الرامية لتجاوز حالة الانقسام هذه بشكل متزايد على إعادة التوحيد السياسي وتنظيم انتخابات على مستوى البلاد. وقد ولّدت المبادرات الأخيرة توقعات متجددة بإمكانية دمج الإدارات الليبية المتنافسة في نهاية المطاف ضمن نظام سياسي موحد.

غير أن مسألة إعادة التوحيد تثير تساؤلاً جوهرياً: هل سيتمخض توحيد المؤسسات السياسية الليبية عن قيام دولة أكثر خضوعاً للمساءلة وتمثيلاً للشعب، أم أنه سيؤدي في المقام الأول إلى ترسيخ نفوذ النخب السياسية والعسكرية القائمة؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة نظراً للنفوذ المتزايد لخليفة حفتر وعائلته في شرق ليبيا، واستمرار الهيمنة السياسية لعبد الحميد الدبيبة وشبكته في الغرب. ومن ثم، فإن العملية السياسية الناشئة تنطوي على ما هو أبعد من مجرد إصلاح مؤسسي. إذ إنها تمثل أيضاً صراعاً على السلطة السياسية، والقوة العسكرية، والموارد الاقتصادية، وعلاقات ليبيا الدولية.

وبالتالي فمستقبل ليبيا لن يتوقف فقط على مدى إمكانية إعادة توحيد مؤسساتها المتنافسة رسمياً، بل سيعتمد أيضاً على القدرة على إيجاد نظام سياسي وطني قادر على الحد من نفوذ الشبكات المسلحة والاقتصادية المتنافسة.

خلفية

في الحقيقة، يمكن إرجاع جذور الانقسام السياسي الراهن في ليبيا إلى انهيار نظام القذافي عام 2011. ​​إذ أدى سقوط الحكومة السابقة إلى خلق فراغ سياسي وأمني سعت جماعات ثورية وميليشيات وتنظيمات سياسية وجهات فاعلة إقليمية متنافسة إلى ملئه.

وبدلاً من بناء هيكل موحد للأمن القومي لليبيا، شهدت البلاد انتشاراً واسعاً لتنظيمات مسلحة ذات ولاءات سياسية متباينة. وقد جعل ضعف المؤسسات المركزية من الصعب على الحكومات المتعاقبة ممارسة سلطة فعلية على كامل أراضي البلاد.

وتفاقم الوضع أكثر في أعقاب انتخابات التي جرت عام 2014 والتي شابتها خلافات بين المتنافسين؛ حيث تشكّل في ليبيا بشكل تدريجي مركزان رئيسيان للقوة السياسية: أحدهما في غرب البلاد ومقره طرابلس، والآخر في الشرق ومركزه بني غازي.

ولم يكن الانقسام الذي جرى جغرافياً بحتاً؛ فقد طوّر كل طرف مؤسساته السياسية وهياكله الأمنية وشبكاته الاقتصادية وعلاقاته مع حكومات أجنبية. ونتيجة لذلك، تحول الصراع في ليبيا إلى نزاع متعدد الأبعاد شمل قضايا الشرعية السياسية، والسيطرة على الأراضي، والقوة العسكرية، والوصول إلى عائدات النفط، والاعتراف الدولي.

الشرعية

تتمركز المؤسسة السياسية الغربية في العاصمة طرابلس وترتبط بحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة. أما النظام السياسي في الشرق فيرتبط بمجلس النواب والقوات العسكرية التي يقودها خليفة حفتر، والتي تطلق على نفسها اسم “الجيش الوطني الليبي” أو “القوات المسلحة العربية الليبية”. ولكن لا يمتلك أي من الطرفين سيطرة كاملة على ليبيا.

وتستفيد الحكومة في طرابلس الغرب من الاعتراف الدولي بها وتحتفظ بقاعدتها السياسية في المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد؛ غير أن سلطتها مقيدة بوجود جماعات مسلحة وميليشيات قوية لا تتوافق مصالحها بالضرورة مع مصالح الحكومة المركزية.

وفي المقابل، أرسى خليفة حفتر هيكلاً سياسياً وعسكرياً شديد المركزية في شرق ليبيا؛ إذ تسيطر قواته على مساحات واسعة من الأراضي وتمتلك قدرات عسكرية كبيرة. ومع ذلك، تواجه الإدارة الشرقية أيضاً تساؤلات عديدة بشأن التمثيل السياسي، والشرعية المؤسسية، وتركُّز السلطة داخل شبكة حفتر.

وبالتالي، فإنه يمكن فهم النظام السياسي في ليبيا على أنه صراع بين المؤسسات الرسمية وشبكات السلطة غير الرسمية. ففي حين تظل المناصب السياسية والهياكل الحكومية مهمة، فإن فعاليتها تعتمد غالباً على العلاقات مع الجماعات المسلحة، والجهات الفاعلة اقتصادياً، والسلطات الإقليمية، والحكومات الأجنبية.

جهود التوحيد

وفي ظل هذه الظروف، تزايدت محاولات الأطراف الدولية لتيسير المصالحة السياسية في البلاد. حيث تسعى أحدث مبادرة لإعادة توحيد ليبيا إلى إرساء إطار لإجراء انتخابات على مستوى البلاد، ولتحقيق دمج المؤسسات الليبية المنقسمة في نهاية المطاف.

وقد ركزت المفاوضات بين ممثلي المعسكرات السياسية المتنافسة على الترتيبات الانتخابية، والإصلاح المؤسسي، والتنسيق الاقتصادي، والمسائل الأمنية، والهيكل السياسي العام للدولة. وتُمثّل المرحلة الانتقالية المقترحة تحولاً مهماً عن النمط السابق المتمثل في الانقسام المؤسسي المزمن.

ومع ذلك، فإن الاتفاقيات السياسية لا تؤدي تلقائياً إلى تحقيق الاندماج السياسي. ولكي تصبح عملية إعادة التوحيد مستدامة، فإنه يتعين على جميع الأطراف في ليبيا معالجة جملة من المشكلات المترابطة مع بعضها البعض.

وتشمل هذه المشكلات: تنظيم انتخابات تتسم بالمصداقية، وتوزيع السلطة السياسية، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المدنية والجماعات المسلحة، وإدارة عائدات النفط، ودمج القوات الأمنية المتنافسة أو إعادة هيكلتها.

وبالتالي، فإنه لا ينبغي النظر إلى العملية الانتخابية باعتبارها مجرد إجراء فني منعزل عن حقيقة الواقع على الأرض. فمن المرجح أن تحدد الانتخابات موازين القوى السياسية في أنحاء البلاد، وبالتالي فقد تصبح مصدراً لصراع متجدد إذا ما رأت الفصائل المتنافسة أن النتائج تهدد مصالحها الاقتصادية أو الأمنية.

الأطراف الدولية

لا يمكن فهم المسار السياسي في ليبيا بمعزل عن سياق السياسة الداخلية في البلاد وارتباطها بأطراف أجنبية. فمنذ عام 2011، تدخلت حكومات أجنبية عديدة – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الصراع الدائر في ليبيا، حيث أصبح لدى كل من تركيا ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وروسيا والولايات المتحدة ودول أوروبية مصالح في ليبيا.

وتتفاوت هذه المصالح من دولة لأخرى. فبالنسبة لبعض الحكومات، تُمثّل ليبيا مصدر قلق أمني في المقام الأول، بينما تبرز بالنسبة لحكومات أخرى أولويات تتعلق بموارد الطاقة، وقضايا الهجرة، والنفوذ الإقليمي، أو الوصول إلى شبكات سياسية واقتصادية. وعليه، فقد أدى التدخل الأجنبي في الشؤون الليبية إلى نتائج متناقضة.

فمن ناحية، تمتلك الأطراف الدولية أدوات التأثير اللازمة لحث الفصائل الليبية المتنافسة على التفاوض؛ إذ يمكن للضغوط الدبلوماسية والاعتراف الدولي أن تخلق حوافز تدفع نحو التوصل إلى تسوية سياسية.

ومن ناحية أخرى، يمكن للحكومات الأجنبية أن تعزز الانقسامات الداخلية من خلال دعم فصائل ليبية بعينها. وهذا يؤدي إلى معضلة جوهرية؛ إذ يمكن للقوى الخارجية أن تساهم في تحقيق الاستقرار، وفي الوقت ذاته تؤثر على موازين القوى وتوزيع السلطة داخل ليبيا.

وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة الولايات المتحدة في هذا الزخم أهمية خاصة. فقد ركزت الدبلوماسية الأمريكية بشكل متزايد على ضرورة توحيد المؤسسات والتوصل إلى تسوية سياسية. وفي هذا الإطار، برز “مَسْعَد بولس” كشخصية محورية في تعامل واشنطن مع الملف الليبي، وشارك في جهود تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين المعسكرات المتنافسة.

وتتمحور المسألة الجوهرية حول ما إذا كان هذا النهج سيمنح الأولوية في نهاية المطاف لبناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، أم أنه سيسعى بالدرجة الأولى إلى إرساء ترتيب سياسي يتسم بقدر كافٍ من الاستقرار بما يخدم المصالح الاستراتيجية الدولية.

نفوذ حفتر

يُعد خليفة حفتر من أبرز الشخصيات في المشهد السياسي الليبي. وتستمد أهمية حفتر في المقام الأول من سيطرته على تنظيم عسكري كبير ونفوذه في شرق ليبيا. وعلى النقيض من القادة السياسيين الذين تعتمد سلطتهم أساساً على المؤسسات الحكومية الرسمية، ترتبط قوة حفتر ارتباطاً وثيقاً بتنظيمه العسكري وبشبكة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين المحيطين به. كما أن علاقاته الدولية قد توسعت بمرور الوقت.

فقد حافظت كل من مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة تاريخياً على علاقات وثيقة مع الجنرال خليفة حفتر، في حين طورت روسيا روابطها الأمنية والسياسية الخاصة في شرق ليبيا. أما تركيا التي سبق أن تدخلت عسكرياً ضد قوات حفتر فقد تبنت لاحقاً نهجاً أكثر براغماتية تجاه كل من شرق ليبيا وغربها.

وتُظهر علاقات خليفة حفتر مع القوى الأجنبية سمة أوسع للسياسة الليبية، وهي أن الشرعية المحلية والشرعية الدولية لا تتطوران بالضرورة جنباً إلى جنب. إذ يمكن لفاعل سياسي أن يواجه انتقادات حادة تتعلق بالحكم وحقوق الإنسان، بينما يكتسب في الوقت ذاته أهمية متزايدة لدى الحكومات الأجنبية الساعية إلى التعاون الأمني، أو الوصول إلى موارد الطاقة، أو تعزيز النفوذ الإقليمي.

عائلة حفتر

من التطورات المهمة الأخرى في هذا السياق تزايد بروز نفوذ أبناء حفتر، ولا سيما صدام حفتر. حيث يثير هذا التطور تساؤلات عما إذا كانت السلطة السياسية في شرق ليبيا تتجه نحو الطابع العائلي بشكل متزايد.

ويشير ظهور جيل جديد ضمن شبكة حفتر إلى أن النفوذ السياسي المرتبط بخليفة حفتر قد لا يختفي بالضرورة مع رحيله المرتقب عن المشهد السياسي. بل من المحتمل أن تنتقل السلطة السياسية والعسكرية إلى أفراد عائلته.

وتكتسب هذه الاحتمالية أهمية بالغة في الشرق، بل في عموم البلاد، لأنها تطرح مسألة “خلافة السلطة” كجزء من عملية الانتقال السياسي الأوسع في ليبيا. وإذا ضمت أي حكومة وطنية مستقبلية أعضاءً من شبكتي حفتر والدبيبة، فقد تجمع الهيكلية السياسية الناتجة عن ذلك بين نخب كانت تتنافس فيما بينها سابقاً، بدلاً من استبدالها.

ومن شأن ترتيب كهذا أن يحقق الاستقرار إذا ما قبلت المجموعات المتنافسة بالقواعد المؤسسية. غير أنه قد يؤدي أيضاً إلى نشوب صراعات جديدة إذا ما تحولت المؤسسات السياسية إلى أدوات تتنافس من خلالها العائلات المتخاصمة للسيطرة على موارد الدولة.

مصالح النخب

وتبرز هنا إشكالية تقاسم السلطة بين النخب. حيث يُعد مفهوم تقاسم السلطة بين النخب ركيزة أساسية لفهم المأزق السياسي في ليبيا. فيمكن لترتيبات تقاسم السلطة أن تساعد أحياناً في إنهاء الصراعات الأهلية؛ إذ تمنح الفصائل المتنافسة مصلحةً في النظام السياسي، مما يقلل من الدوافع لمواصلة القتال. غير أن تقاسم السلطة بين تلك النخب قد ينطوي أيضاً على مشكلات.

فإذا هيمنت على المؤسسات السياسية ذات النخب التي كانت تسيطر على البلاد إبان فترات الصراع، فإن التسوية الناجمة عن ذلك قد تكرس استقرار النظام السياسي القائم دون معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الليبية، نظراً لارتباط السلطة السياسية ارتباطاً وثيقاً بالوصول إلى الموارد الاقتصادية. إذ تدر الثروة النفطية على الدولة إيرادات ضخمة، مما يجعل للسيطرة على المؤسسات العامة تبعات اقتصادية بالغة الأهمية. وبناءً على ذلك، قد تتحول التسوية السياسية التي تضمن توزيع المناصب الحكومية بين النخب المتنافسة إلى آلية لتوزيع فرص الوصول إلى موارد الدولة.

ومن ثَمَّ، يبرز التمييز بين إعادة توحيد المؤسسات، والتحول السياسي كأمر جوهري. إذ يمكن للبلاد أن تحظى بحكومة موحدة دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود نظام سياسي ديمقراطي أو خاضع للمساءلة.

الاقتصاد السياسي

ويبرز النفط والاقتصاد السياسي كأدوات لإعادة التوحيد. حيث تُعد الموارد النفطية في ليبيا من أهم العوامل التي تشكّل مستقبلها السياسي. حيث يعتمد اقتصاد البلاد اعتماداً كبيراً على الهيدروكربونات، مما يجعل السيطرة على إنتاج النفط والبنية التحتية والإيرادات والمؤسسات المالية للدولة قضية سياسية محورية.

كما يساهم التوزيع الجغرافي للموارد النفطية في تعزيز الأهمية الاستراتيجية لشرق ليبيا، حيث تتركز احتياطيات هامة وبنية تحتية حيوية لقطاع الطاقة. وبالتالي، فإن عملية إعادة التوحيد السياسي تنطوي على بُعد اقتصادي مهم.

فمن شأن حكومة موحدة أن تكتسب نظرياً سيطرة أكبر على الإيرادات الوطنية والسياسة الاقتصادية؛ وفي الوقت نفسه، ستكون لدى الفصائل التي تسيطر حالياً على أجزاء مختلفة من البلاد حوافز قوية لحماية مصالحها الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية.

وهذا يفتح الباب أمام احتمالية أن تصبح المفاوضات بشأن المؤسسات السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمفاوضات حول السلطة الاقتصادية. وبناءً على ذلك، قد يعتمد نجاح إعادة التوحيد جزئياً على قدرة ليبيا على إرساء آليات تتسم بالشفافية وتحظى بقبول واسع لإدارة الموارد الوطنية.

المساءلة

وهنا تأتي مسألة حقوق الإنسان وأهمية إرساء مبدأ المساءلة. حيث يتعين أن يتناول أي نقاش حول النظام السياسي المستقبلي في ليبيا مسألة حقوق الإنسان أيضاً. فعلى مر السنين، وثّقت منظمات دولية انتهاكات جسيمة ارتكبتها جماعات مسلحة وسلطات سياسية في جميع أنحاء البلاد؛ وشملت هذه الانتهاكات الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، والهجمات على المدنيين، والانتهاكات ضد المهاجرين.

وتُظهر هذه المشكلات أن الأزمة السياسية في ليبيا ليست مجرد نزاع مؤسسي. بل إنها مسألة تتعلق أيضاً بمسألة المحاسبة.

فإذا تم تحقيق إعادة التوحيد السياسي دون وجود آليات فعالة لمعالجة الانتهاكات السابقة، فقد يحتفظ الأفراد والمنظمات المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بنفوذهم السياسي أو العسكري. وهذا يخلق بطبيعة الحال توازناً صعباً بين السلام والعدالة.

صحيح أن التسويات السياسية تتطلب أحياناً تقديم تنازلات لأطراف فاعلة وقوية كانت ضالعة في صراعات سابقة، إلا أن الإفراط في تقديم التنازلات قد يقوّض شرعية النظام السياسي الجديد إذا شعر الضحايا بأن الانتهاكات قد أُغفلت. وبالتالي، فإن ليبيا تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في كيفية تحقيق الاستقرار السياسي دون التضحية بمبدأ المحاسبة.

التحدي الأمني

ربما تكون البيئة الأمنية المفتتة في ليبيا هي العقبة الأكبر أمام إعادة التوحيد السياسي في البلاد. حيث لا يمتلك أي من المعسكرين السياسيين الرئيسيين سيطرة كاملة على جميع الجماعات المسلحة العاملة داخل نطاق سيطرته.

ففي غرب ليبيا، اعتمدت الحكومات المتعاقبة على علاقاتها مع ميليشيات قوية على الأرض. فهذه التنظيمات قادرة على توفير الأمن، لكنها تمتلك أيضاً مصالح مستقلة وقدرات قسرية كبيرة.

أما شرق ليبيا، فيتمتع بهيكل عسكري أكثر مركزية تحت قيادة الجنرال خليفة حفتر، غير أن هذا الهيكل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشبكة علاقاته الشخصية والعائلية. وبناءّ على ذلك، فإن تشكيل حكومة وطنية موحدة سيطرح سؤالاً تصعب الإجابة عليه، وهو: من سيتولى السيطرة على القوات المسلحة لليبيا الموحدة؟

في الحقيقة، لا يمكن لنظام سياسي وطني أن يعمل بفعالية وسهولة إذا احتفظت الفصائل المتنافسة بقدرات عسكرية مستقلة قادرة على تحدي مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن إصلاح القطاع الأمني ​​والعمل التدريجي على تأسيس قوات مسلحة وطنية موحدة سيشكلان ركيزتين أساسيتين لأي تسوية سياسية مستدامة.

مخاطر

وعلى الرغم من أن عملية إعادة التوحيد السياسي تنطوي على فرص كبيرة، إلا أنها تحمل أيضاً في طياتها مخاطر عديدة. ويتمثل الخطر الأول في احتمالية أن تعيد النخب السياسية إنتاج النظام القائم ضمن إطار مؤسسي جديد. ويتمثل الخطر الثاني في إمكانية أن تتفق الفصائل المتنافسة على إعادة التوحيد، لكنها تتنافس لاحقاً للسيطرة على الدولة الموحدة حديثاً.

أما الخطر الثالث، فيكمن في أن تصبح الانتخابات بحد ذاتها مصدراً لعدم الاستقرار إذا رفضت الجماعات القوية قبول النتائج غير المواتية لها. ويتعلق الخطر الرابع بالتأثير الخارجي؛ إذ قد تدعم أطراف دولية مختلفة فصائل ليبية متباينة، مما قد يحول التنافس السياسي الداخلي إلى ساحة أخرى للصراع الجيوسياسي.

وأخيراً، هناك احتمال أن تحقق ليبيا وحدة مؤسسية شكلية دون تطوير مؤسسات سيادة القانون اللازمة لجعل تلك الوحدة مستدامة. وعليه، فإن إعادة التوحيد ليست غاية في حد ذاتها. بل هي عملية سياسية يعتمد نجاحها على ما يليها من خطوات.

توقعات

ويمكن فهم الوضع الراهن في ليبيا، بشكل عام، من خلال احتمالين لمسارين متنافسين. فالاحتمال الأول هو سيناريو توحيد المؤسسات. وفي ظل هذا السيناريو، تؤدي المفاوضات إلى انتخابات ذات مصداقية، وتقبل الفصائل المتنافسة بالنتائج السياسية، وتستعيد المؤسسات الوطنية سلطتها، وتخضع القوات الأمنية تدريجياً لسيطرة مدنية موحدة.

وعندئذ، يمكن إدارة عائدات النفط وموارد الدولة عبر المؤسسات الوطنية بدلاً من الشبكات السياسية المتنافسة. والاحتمال الثاني هو سيناريو التوافق بين النخب. ووفقاً لهذا النموذج، تتوصل العائلات السياسية والشبكات المسلحة المتنافسة إلى اتفاق ينهي الانقسام المؤسسي ولكنه يحافظ على جزء كبير من نفوذها القائم. تصبح الدولة موحدة من الناحية الشكلية، لكن السلطة السياسية تظل متركزة في أيدي عدد قليل من الأطراف الفاعلة الراسخة.

وهذه السيناريوهات ليست حتمية؛ إذ ستعتمد النتيجة النهائية على تنفيذ الاتفاق السياسي، وإجراء الانتخابات، وسلوك الجماعات المسلحة، وتوزيع الموارد الاقتصادية، ومدى استعداد الأطراف المحلية والدولية لقبول القيود المؤسسية.

الخلاصة

تقف ليبيا في الوقت الراهن عند مفترق طرق سياسي هام. فبعد سنوات من الانقسام المؤسسي والصراع، تتيح بوادر عملية جديدة لإعادة التوحيد فرصةً لإرساء نظام سياسي وطني أكثر تماسكاً. ومع ذلك، فإن إعادة التوحيد وحدها لا تكفي لحل المشكلات الهيكلية التي طبعت المشهد الليبي منذ عام 2011.

ولا يكمن التحدي الجوهري ببساطة في دمج حكومتين لتشكيل حكومة واحدة. بل يكمن في الحقيقة في ضرورة بناء نظام سياسي تتمتع فيه المؤسسات بسلطة تفوق نفوذ العائلات والأفراد، والقادة العسكريين، والميليشيات، والشبكات الاقتصادية.

وسيظل خليفة حفتر والشبكات السياسية المحيطة به طرفاً مهماً في هذه العملية نظراً لما يمتلكونه من قدرات عسكرية ونفوذ ميداني وعلاقات دولية. وفي الوقت نفسه، تظل الشبكات السياسية المحيطة بعبد الحميد الدبيبة وفي غرب ليبيا ذات أهمية بالغة، ولا يمكن ببساطة استبعادها من أي تسوية وطنية.

وبناءً على ذلك، فسيتوقف مستقبل ليبيا على مدى إمكانية دمج مراكز القوى المتنافسة هذه ضمن مؤسسات ذات طابع وطني حقيقي، بدلاً من أن تكون مجرد مؤسسات مقسّمة بين نخب متصارعة.

وعلى الرغم من أن العملية الانتخابية المزمع إجراؤها تُعد فرصة هامة، إلا أن الانتخابات وحدها لن تحل الأزمة السياسية في ليبيا. فالاستقرار المستدام يتطلب وجود مؤسسات ذات مصداقية، وحوكمة خاضعة للمساءلة، ورقابة مدنية على القوات الأمنية، وإدارة شفافة للموارد الوطنية، وآليات لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يواجه ليبيا لا يقتصر على ما إذا كان بوسع البلاد أن تستعيد وحدتها. بل إنه يتمحور حول إمكانية تحويل عملية إعادة التوحيد السياسي إلى مسار حقيقي لبناء الدولة.

فبعد أكثر من عقد من الانقسام، قد يكون هذا الفارق هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت ليبيا ستدخل مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، أم أنها ستستهل فصلاً آخر من فصول الصراع على السلطة.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى