احتجاجات «الصراصير» تهزّ الهند.. جيل الشباب يحوّل الإهانة إلى حركة سياسية واسعة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تحولت كلمة «الصراصير»، التي استُخدمت في الأصل لوصف فئات من الشباب الهندي العاطل عن العمل، إلى شعار لحركة احتجاجية واسعة نجحت في إحراج حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وفرضت ملفي التعليم والبطالة في صدارة النقاش السياسي داخل البلاد.
وانطلقت الاحتجاجات على خلفية تسريب أوراق امتحانات قبول وطنية، بينها امتحانات مرتبطة بالالتحاق بكليات الطب، وسط اتهامات بانتشار الفساد وضعف الرقابة على منظومة الاختبارات. وتجمع آلاف الطلاب والشباب في العاصمة نيودلهي، مطالبين باستقالة وزير التعليم وإجراء إصلاح شامل يضمن نزاهة الامتحانات ومحاسبة المسؤولين عن عمليات التسريب.
وتصاعدت الحركة بعد تصريحات مثيرة للغضب نُسبت إلى مسؤول قضائي بارز، شبّه فيها قطاعات من الشباب العاطل عن العمل بـ«الصراصير». وبدلاً من رفض الوصف فقط، تبناه المحتجون بصورة ساخرة، وأطلقوا على حركتهم اسم «حزب الصراصير الشعبي»، ليصبح المصطلح رمزاً لقدرة الشباب على الصمود والانتشار ومواجهة محاولات التقليل من شأن مطالبهم.
واعتمدت الحركة بصورة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي والمقاطع الساخرة والصور المولدة رقمياً، ما ساعدها على الوصول إلى ملايين المستخدمين، خصوصاً بين أبناء الجيل الجديد. ولم تقتصر منشورات المحتجين على قضية تسريب الامتحانات، بل امتدت إلى انتقاد البطالة، وانعدام تكافؤ الفرص، وضعف الشفافية داخل المؤسسات الحكومية.
وشهدت نيودلهي مظاهرات حاشدة ومحاولات للتقدم باتجاه مؤسسات حكومية، قابلتها قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، وفق تقارير إعلامية. كما نظم بعض المشاركين إضرابات عن الطعام، بينما تحدى عشرات الآلاف القيود التي فرضتها الشرطة على التجمعات، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشبابي المناهضة للحكومة خلال السنوات الأخيرة.
وأثمر الضغط الشعبي استقالة وزير التعليم وتعهداً حكومياً بمراجعة منظومة الامتحانات وتشديد العقوبات المرتبطة بتسريب الأسئلة. وأظهرت هذه الاستجابة حجم التأثير الذي حققته الحركة، في وقت اعتادت فيه حكومة مودي إظهار قدر محدود من التراجع أمام الاحتجاجات الشعبية.
و قالت الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي روي إن الاحتجاجات الشبابية التي قادتها حركة «حزب الصراصير الشعبي» أحدثت شرخاً واضحاً في الصورة السياسية التي بناها رئيس الوزراء ناريندرا مودي على مدى أكثر من عقدين، معتبرة أن الحركة نجحت، خلال فترة قصيرة، في إعادة الاعتبار للاحتجاج الشعبي غير المسلح داخل الهند.
وجاءت تصريحات روي في مقابلة تناولت فيها صعود الحركة الشبابية التي بدأت احتجاجاً على تسريب أوراق الامتحانات وأزمة منظومة التعليم، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل البطالة والفساد وغياب المساءلة وتراجع فرص الشباب.
وأكدت روي أن أهمية الحركة لا تكمن فقط في عدد المشاركين في التظاهرات، وإنما في قدرتها على كسر حاجز الخوف والسخرية من السلطة باستخدام الرسوم الساخرة والمقاطع القصيرة والمحتوى الرقمي. ووصفت ما جرى بأنه شكل من أشكال «الديمقراطية غير المسلحة والخطيرة»، في إشارة إلى قدرة المحتجين على إرباك الحكومة دون امتلاك تنظيم حزبي تقليدي أو أدوات قوة مادية.
وشهدت العاصمة نيودلهي اعتصامات وتظاهرات استمرت لأسابيع، شارك فيها طلاب وشبان من خلفيات اجتماعية مختلفة. كما انضمت روي إلى عدد من الفعاليات التضامنية مع المحتجين، الذين طالبوا بمحاسبة المسؤولين عن تسريب الامتحانات وإصلاح النظام التعليمي وتوفير فرص عمل أكثر عدالة.
وبعد أن تمكنت الحركة من تحقيق أول انتصار سياسي بارز لها بعد استقالة وزير التعليم، في خطوة اعتُبرت تنازلاً نادراً من حكومة مودي أمام ضغط الشارع، وبعد أن أعلنت الحكومة مراجعة منظومة الامتحانات واتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمواجهة تسريب الأسئلة، رأت روي أن رد فعل الحكومة أظهر أن الاحتجاجات أصابت واحدة من أكثر النقاط حساسية لدى الحزب الحاكم، وهي صورته أمام الشباب. وقالت إن الحكومة التي اعتمدت لسنوات على خطاب القوة والاستقرار وجدت نفسها في مواجهة جيل يستخدم الفكاهة والإنترنت لرفض الرواية الرسمية وتقويض هيبة السلطة.
ويقود الحركة الناشط الشاب أبهيجيت ديبكي، الذي برز بوصفه أحد أبرز وجوهها، لكنه يؤكد أن هدفها الحالي ليس التحول المباشر إلى حزب يخوض الانتخابات، وإنما بناء حركة ضغط مستقلة تركز على مساءلة المؤسسات والدفاع عن مصالح الشباب.
ورغم ابتعادها المعلن عن الأحزاب التقليدية، بدأت آثار الحركة تظهر في الساحة الانتخابية، بعدما مني حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بخسارة في انتخابات فرعية بدائرة كان يسيطر عليها منذ عقود. ويرى مراقبون أن الاحتجاجات كشفت تراجعاً محتملاً في تأييد الحكومة بين الناخبين الشباب، وقد تتحول إلى عامل مؤثر في الانتخابات العامة المقررة عام 2029 إذا نجحت الحركة في الحفاظ على زخمها وتنظيمها. غير أن الحركة تؤكد حتى الآن أنها لا تسعى إلى التحول فوراً إلى حزب انتخابي، بل تريد الاحتفاظ بدورها كقوة ضغط اجتماعية مستقلة.
ويثير هذا التوجه تساؤلات بشأن مستقبل الاحتجاجات وقدرتها على الاستمرار حتى الانتخابات العامة المقررة عام 2029. ففي حال نجحت الحركة في بناء تنظيم أوسع وربط مطالب الطلاب بقضايا العمال والفئات المهمشة، فقد تتحول إلى تحدٍّ سياسي حقيقي للحزب الحاكم.
أما إذا بقيت حركة رقمية مرتبطة بلحظة غضب عابرة، فقد تتراجع مع مرور الوقت. ومع ذلك، ترى روي أن الإنجاز الأهم تحقق بالفعل، إذ أثبت الشباب أن صورة السلطة القوية ليست عصية على التصدع، وأن السخرية والاحتجاج السلمي يمكن أن يتحولا إلى أداة سياسية فعالة في مواجهة واحدة من أكثر الحكومات الهندية إحكاماً للسيطرة.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




