بيان قصير لعالم مضطرب: قراءة استراتيجية في قمة الناتو بأنقرة

اجتمع قادة أكبر تحالف عسكري في العالم في أنقرة أوائل يوليو 2026، ليخرجوا ببيان لا يتجاوز صفحة واحدة – وهو بحد ذاته حدث يستحق التوقف عنده. فحين يُصدر تحالف بحجم الناتو، الذي يضم واحداً من كل خمسة بشر على وجه الأرض تقريباً ضمن مظلته الدفاعية، بياناً بهذا القِصر على أعقاب أشهر من التصعيد اللفظي غير المسبوق بين الحليف الأكبر وبقية الأعضاء، فإن القراءة المتأنية لهذه القمة لا تكتفي بما وَرَد في نصها، بل تتوقف عند خلفياتها التاريخية، وسياق توقيتها، وما لم يُقل فيها بقدر ما قيل. هذا ما يحاول هذا التحليل رصده وتفكيكه.
خلفية تاريخية: كيف وُلد الحلف، ولماذا؟
اسم الحلف بالإنجليزية “North Atlantic Treaty Organization” واختصاره NATO، ويُترجم بالعربية إلى “منظمة حلف شمال الأطلسي” أو ببساطة “الناتو” (وهو الاختصار الشائع استخدامه بالعربية أيضاً كما هو بالإنجليزية). والاسم نفسه دال: فهو تحالف يربط دول ضفتي المحيط الأطلسي – أمريكا الشمالية من جهة، وأوروبا الغربية من جهة أخرى – في إطار جماعي واحد.
وُلد هذا التحالف في أعقاب مباشر للحرب العالمية الثانية، حين وجدت أوروبا الغربية نفسها منهكة اقتصادياً وعسكرياً، بينما كان الاتحاد السوفييتي يوسّع نفوذه ويُحكم قبضته على أوروبا الشرقية بأكملها عبر أنظمة شيوعية موالية له. في هذا السياق، وقّعت اثنتا عشرة دولة – الولايات المتحدة وكندا إلى جانب عشر دول أوروبية غربية – معاهدة واشنطن في الرابع من أبريل 1949، لتؤسس بذلك حلفاً دفاعياً جماعياً هدفه المعلن ردع أي عدوان سوفييتي محتمل على أوروبا الغربية، ومنع تكرار سيناريو الحربين العالميتين اللتين بدأتا في القارة الأوروبية وجرّتا العالم بأسره إليهما.

والناتو، بحسب طبيعته القانونية والعسكرية، هو تحالف دفاعي بحت لا هجومي – أي أنه لا يُنشئ التزاماً بشنّ حرب، بل التزاماً بالرد الجماعي في حال تعرّض أحد أعضائه لاعتداء مسلح. هذا الطابع الدفاعي محوري لفهم الحلف: فهو لم يُصمَّم كأداة توسّع، بل كضمانة تُبقي أي معتدٍ محتمل أمام معادلة واضحة: مهاجمة دولة صغيرة عضو في الحلف تعني مواجهة القوة العسكرية والاقتصادية المجتمعة لكل الأعضاء، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ولم يكن الدور الأمريكي في تأسيس الحلف وقيادته لاحقاً أمراً عابراً، بل جوهر الفكرة برمتها. فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا الغربية غير قادرة مادياً وعسكرياً على ردع الاتحاد السوفييتي بمفردها، بينما خرجت الولايات المتحدة من الحرب بوصفها القوة الاقتصادية والعسكرية والنووية الأعظم عالمياً. وجدت واشنطن في حماية أوروبا الغربية مصلحة استراتيجية مباشرة: منع سيطرة سوفييتية على القارة الأوروبية بأكملها، وضمان بقاء أوروبا حليفاً اقتصادياً وسياسياً ضمن المعسكر الغربي في مواجهة الشيوعية، إضافة إلى تثبيت الوجود العسكري الأمريكي المباشر في القارة كخط دفاع أمامي يبعد أي مواجهة مستقبلية عن الأراضي الأمريكية نفسها. من هنا، أصبحت الضمانة الأمريكية – النووية والتقليدية معاً – هي العمود الفقري الفعلي لمصداقية الحلف طوال العقود التالية، وهو بالضبط ما يجعل أي تشكيك أمريكي في هذا الالتزام، كما يحدث اليوم، مسألة تهز الحلف من أساسه لا من أطرافه.
على ماذا يقوم الحلف اليوم؟ وكيف يُموَّل؟
جوهر الحلف يتلخص في مادة واحدة محورية: المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي تنص على أن الاعتداء المسلح على أي عضو من أعضاء الحلف يُعامل كاعتداء على الجميع، بما يُلزم بقية الأعضاء بالرد الجماعي. لم تُفعَّل هذه المادة عملياً سوى مرة واحدة في تاريخ الحلف كاملاً: بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة نفسها – وهي مفارقة لافتة، إذ إن المرة الوحيدة التي احتاجت فيها القوة الأعظم المؤسِّسة للحلف إلى تفعيل بند الدفاع الجماعي كانت لصالحها هي، لا لصالح أحد الأعضاء الأوروبيين الأصغر الذين صُمم الحلف أصلاً لحمايتهم.
أما من الناحية المالية، فالناتو لا يمتلك ميزانية موحدة ضخمة بالمعنى التقليدي، بل يقوم على مستويين. المستوى الأول هو التمويل المباشر: ميزانية مشتركة صغيرة نسبياً (نحو 4.6 مليار يورو في 2025، ترتفع إلى نحو 5.3 مليار يورو في 2026، أي ما لا يتجاوز 0.3% من إجمالي الإنفاق الدفاعي للأعضاء) تغطي تشغيل المقر ومنظومة القيادة والعمليات المشتركة، ويساهم فيها الأعضاء بحصص متفاوتة حسب حجم اقتصاداتهم[1].
والمستوى الثاني، وهو الأهم والأضخم: التزام كل دولة عضو برفع إنفاقها الدفاعي الوطني إلى نسبة محددة من ناتجها المحلي الإجمالي. وقصة هذه النسبة تختصر قصة الحلف نفسه في العقدين الأخيرين: بدأت كتوجيه غير ملزم من وزراء دفاع الحلف عام 2006 بنسبة 2% من الناتج المحلي، ثم تحولت إلى تعهد سياسي رسمي في قمة ويلز 2014 عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، على أن يتحقق خلال عشر سنوات. ومع ذلك، لم تكن تلبيه عند إقراره سوى ثلاث دول فقط من الأعضاء، ولم يصل عدد الملتزمين به إلى 23 دولة من أصل 32 إلا بحلول 2024[2]. ثم جاء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022 ليقلب المعادلة: أعادت قمة فيلنيوس 2023 صياغة الالتزام ليصبح 2% حداً أدنى دائماً لا سقفاً، وصولاً إلى النقلة الكبرى في قمة لاهاي يونيو 2025، حيث تعهد الأعضاء – باستثناء إسبانيا التي حصلت على إعفاء رسمي – برفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035 (منها 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية و1.5% للإنفاق الأمني الأوسع كالبنية التحتية الحرجة والأمن السيبراني)، مع مراجعة للمسار في 2029[3]. وبالأرقام المطلقة: أنفق الحلفاء الأوروبيون وكندا مجتمعين 574 مليار دولار على الدفاع في 2025 (بزيادة 20% حقيقية عن 2024)، مقابل 838 مليار دولار للولايات المتحدة وحدها، ليتجاوز إجمالي إنفاق الحلف 1.4 تريليون دولار – وهو رقم قياسي في تاريخه[4]. وقد ارتفع متوسط إنفاق الحلفاء الأوروبيين وكندا من 1.4% من ناتجهم المجمّع عام 2014 إلى 2.3% عام 2025.

الحماية التي يوفرها الناتو، إذن، ليست مبنية على “جيش موحّد” بقدر ما هي مبنية على تنسيق عسكري-صناعي-استخباراتي عميق بين جيوش وطنية مستقلة، تحت مظلة ردع أمريكي (نووي وتقليدي) ظل تاريخياً هو العمود الفقري الفعلي لمصداقية الحلف – وهو بالضبط ما يجعل التحولات الجارية اليوم في هذه المظلة بالذات، لا في أي جانب آخر من الحلف، هي التحول الأخطر على الإطلاق.
زمن الانعقاد: قمة تُعقد وسط اهتزاز غير مسبوق للثقة
هنا يكمن جوهر ما يجعل قمة أنقرة (7-8 يوليو 2026) مختلفة عن سابقاتها. فهي لم تُعقد في مناخ توتر عادي، بل في ظرف يصفه دبلوماسيون ومراكز فكر غربية بأنه “الأصعب منذ تأسيس الحلف” على مستوى الثقة الداخلية. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل القمة وهو يعيد فعلياً تعريف قواعد اللعبة التي قام عليها الحلف لثمانين عاماً: من التلويح المتكرر بإمكانية انسحاب أمريكا من الناتو، إلى إعلانات فعلية ومتتالية بمراجعة وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إلى ربط الحماية الأمريكية صراحة بمدى استجابة الحلفاء لمطالبه السياسية والمالية – وهو منطق تفاوضي/صفقاتي يتناقض جوهرياً مع فكرة الالتزام الجماعي غير المشروط التي قام عليها الحلف أصلاً.
وعلى صعيد الأرقام، فالتقليص لم يبق حبراً على ورق: في أول مايو 2026 أعلن البنتاغون سحب نحو 5000 جندي أمريكي من ألمانيا تحديداً – أي ما يعادل سُبع القوة الأمريكية المتمركزة هناك (كان عديدها نحو 36,436 جندياً بحسب بيانات وزارة الدفاع الأمريكية لديسمبر 2025)، مقارنة بنحو 250 ألف جندي كانوا متمركزين في ألمانيا الغربية في ذروة الحرب الباردة[5]. ورافق ذلك إلغاء نشر بطارية صواريخ بعيدة المدى (توماهوك وصواريخ فرط صوتية) كانت مقررة أصلاً لألمانيا، وإلغاء تناوب لواء قتالي مدرّع كامل (نحو 4700 جندي) كان يفترض أن يتوزع بين بولندا ودول البلطيق ورومانيا، إضافة إلى سحب مبكر لنحو 1500-3000 جندي من رومانيا في أكتوبر 2025 كخطوة تمهيدية[6]. وقد أعقب ذلك تلويح ترامب بأن التخفيضات “ستكون أكبر بكثير من 5000″، مع تهديد مباشر بسحب قوات مماثلة من إسبانيا وإيطاليا كعقاب على رفضهما المشاركة في حرب إيران. ورغم أن القانون الأمريكي (قانون تخويل الدفاع الوطني لعام 2026) يضع أرضية دنيا تمنع خفض القوات الأمريكية في أوروبا عن 76 ألف جندي دون تبريرات وإخطارات للكونغرس[7]، فإن الاتجاه العام واضح: تفكيك تدريجي ومتعمد لبنية الوجود العسكري الأمريكي التي بُنيت على مدى ثمانين عاماً.
أحد أبرز الدبلوماسيين الأمريكيين الذين عملوا مباشرة مع الحلف، إيفو دالدر (Ivo Daalder)، السفير الأمريكي السابق لدى الناتو في عهد الرئيس باراك أوباما، لخّص حجم ما يجري بعبارة مباشرة: “شيء جوهري قد انكسر” (Something fundamental has broken) في الافتراض الذي حكم العلاقة عبر الأطلسي منذ 1949 – وهو أن أمن أمريكا لا ينفصل عن أمن أوروبا. وأضاف أن ترامب، من الناحية العملية، لم يعد يرى أن أمن الولايات المتحدة مرتبط بأمن أوروبا، في قطيعة صريحة مع منطق السياسة الخارجية الأمريكية المتوارث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية[8].
خلفية الخلاف: من ميونيخ إلى غرينلاند إلى حرب إيران
الخلافات الحالية لم تبدأ في أنقرة، بل تراكمت على مدى عام ونصف عبر محاور متشابكة، بعضها أمني وبعضها سياسي وبعضها اقتصادي:
- صدمة ميونيخ (فبراير 2025): كانت الشرارة الأولى المعلنة خطاب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن، حين فاجأ الحلفاء بالقول إن التهديد الأكبر لأوروبا “ليس روسيا ولا الصين، بل التهديد من الداخل” – متهماً الحكومات الأوروبية بقمع حرية التعبير وإقصاء الأحزاب الشعبوية وإلغاء الانتخابات (في إشارة لإلغاء رومانيا نتائج انتخاباتها الرئاسية)، بل وملمّحاً إلى ربط الدعم الأمريكي لأوروبا بمدى “احترامها” لهذه القيم كما تعرّفها واشنطن[9]. جاء الرد الأوروبي الرسمي غير مسبوق في حدّته: وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس وصف الخطاب من على المنصة ذاتها بأنه “غير مقبول” ورفض مقارنة أوروبا بالأنظمة الاستبدادية، والمستشار الألماني هاجم “تدخل الخارج في ديمقراطيتنا وانتخاباتنا”، ووصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الموقف الأمريكي بأن واشنطن “تبدو وكأنها تحاول افتعال شجار معنا”[10]. لم يكن الخطاب مجرد حادثة عابرة، بل إعلاناً عن تحول في التعامل الأمريكي مع أوروبا: من شريك في القيم إلى خصم أيديولوجي محتمل.

- لغة دافوس (يناير 2026): تكررت اللغة الفوقية ذاتها في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، حيث ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطاباً لافتاً قال فيه إن “القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً، لأنك إن لم تكن على الطاولة فأنت على قائمة الطعام”، محذراً من “الإكراه الاقتصادي” من القوى العظمى دون تسمية أحد. فجاء رد ترامب من على هامش المنتدى نفسه بعبارة اعتبرها كثيرون نموذجاً للغة التي باتت تسمم العلاقة عبر الأطلسي: “كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. تذكّر ذلك يا مارك في المرة القادمة التي تدلي فيها بتصريحاتك”[11].
- غرينلاند: منذ مطلع 2026، أطلق ترامب تهديدات متكررة بضم غرينلاند (الإقليم الدنماركي ذاتي الحكم)، مع تلويح بفرض تعريفات تصل إلى 25% على أي دولة تعارضه في ذلك. ولفهم إصرار واشنطن على هذا الملف، لا بد من إدراك ما تمثله الجزيرة في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى: فغرينلاند تقع على مفترق طرق القطب الشمالي الذي يتحول بذوبان الجليد إلى مسرح تنافس جيوسياسي جديد على ممرات الملاحة والموارد، وتحتضن قاعدة “بيتوفيك” الفضائية الأمريكية، حلقة أساسية في منظومات الإنذار المبكر الصاروخي والرصد الفضائي. والأهم من ذلك كله: تختزن الجزيرة احتياطيات ضخمة من المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، وهي المواد التي تهيمن الصين اليوم على سلاسل توريدها عالمياً وتشكل عصب صناعات الدفاع والتقنية المتقدمة – أي أن السيطرة على غرينلاند، في الحسابات الأمريكية، ليست مسألة توسع رمزي بل ورقة مباشرة في سباق القوة مع بكين، خصوصاً مع تنامي النشاط الصيني والروسي في القطب الشمالي، وهو ما أقرّ به الأمين العام للحلف مارك روته نفسه حين قال إن ترامب “لديه وجهة نظر” في ضرورة منع الصين وروسيا من التمدد في المنطقة القطبية[12]. غير أن هذا الملف بالذات صدم الحلفاء الذين لم يتخيلوا أن تتجه واشنطن فعلياً نحو التلويح بضم أراضي حليف داخل الحلف نفسه، لدرجة أن تقارير أشارت إلى إجراء الناتو تخطيطاً عسكرياً افتراضياً لسيناريو تصادمي محتمل مع الولايات المتحدة ذاتها حول هذا الملف – وهو أمر غير مسبوق تماماً في تاريخ التحالف. وقد ظل التوتر حاضراً حتى داخل قمة أنقرة نفسها كما سيرد لاحقاً.

- رفض المشاركة في حرب إيران: حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضد إيران اعتباراً من أواخر فبراير 2026، طلبت واشنطن من حلفائها الأوروبيين مساندة مباشرة، خصوصاً في حماية الملاحة بمضيق هرمز بعد أن أدت الضربات إلى شبه إغلاق فعلي للمضيق. الرد الأوروبي كان تدريجي الرفض: إيطاليا رفضت منح القاذفات الأمريكية استخدام قاعدة عسكرية في صقلية. فرنسا رفضت السماح لطائرات محمّلة بعتاد عسكري متجه لإسرائيل بعبور مجالها الجوي، ووصفها ترامب بأنها “غير متعاونة على الإطلاق”. بريطانيا، عبر رئيس الوزراء كير ستارمر، أعلنت صراحة: “هذه ليست حربنا. لن ننجرّ إلى هذا الصراع”، وسمحت فقط باستخدام قواعدها لمهام دفاعية بحتة. ألمانيا أيضاً رفضت الانخراط المباشر رغم إرسالها لواء مدرعاً إلى ليتوانيا لتعزيز الجناح الشرقي للحلف – في إشارة لتناقض أوروبي دال: استعداد لتحمل أعباء الدفاع عن الجناح الشرقي ضد روسيا، مقابل رفض واضح للانخراط في حروب الشرق الأوسط الأمريكية. وقد وبّخ وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الحلفاء علناً بسبب “خذلانهم” لأمريكا في إيران، بينما كرر ترامب: “إيطاليا وألمانيا وفرنسا رفضتنا جميعاً. نحن ننفق مئات المليارات على الناتو، فلماذا لا يكونون معنا حين نحتاجهم؟”[13].

- الحرب الجمركية على الحلفاء أنفسهم: ولا يمكن فصل كل ما سبق عن البعد الاقتصادي المتزامن. فالولايات المتحدة لم تستثنِ حلفاءها في الناتو من حربها الجمركية: رفعت التعريفات على السلع الكندية من 25% إلى 35% في أغسطس 2025، وفرضت رسوماً على الصلب والألمنيوم والسيارات الأوروبية والكندية، وشملت تعريفاتها بريطانيا نفسها رغم “العلاقة الخاصة” الممتدة لعقود[14]. ثم صعّدت بتهديد كندا بتعريفات 100% إن مضت في اتفاقها التجاري مع الصين. أي أن الدول ذاتها المطالَبة برفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من ناتجها المحلي إرضاءً لواشنطن، تجد نفسها في الوقت نفسه هدفاً لحرب اقتصادية من واشنطن ذاتها – وهو تناقض بنيوي يستحيل تجاهله عند قراءة ما يجري داخل الحلف.
هذه الخلفية التراكمية – الأيديولوجية والأمنية والاقتصادية معاً – هي ما يفسر لماذا وُصفت قمة أنقرة، حتى قبل انعقادها، بأنها ستكون “مسرحاً آخر للانقسام” لا الوحدة.
ماذا صدر عن القمة؟ المخرجات المعلنة
قبل تحليل ما وراء القمة، من الإنصاف عرض ما خرجت به فعلياً. جاء البيان الختامي في ست فقرات فقط، حملت المخرجات التالية[15]:
- إعادة التأكيد على “الالتزام الحديدي” بالمادة الخامسة والدفاع الجماعي، مع مقاربة “360 درجة” للردع والدفاع في مواجهة كل التهديدات ومن كل الاتجاهات.
- توثيق التقدم في الإنفاق الدفاعي: تسجيل زيادة الحلفاء الأوروبيين وكندا لاستثماراتهم الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال 2025 تنفيذاً لالتزام لاهاي، مع الإعلان في أنقرة نفسها عن أكثر من 50 مليار دولار من صفقات الشراء الدفاعية الجديدة، تشمل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والذخائر والقدرات السيبرانية والفضائية والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي العسكري.
- تكريس مبدأ “أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى”: أي تحمّل أوروبا وكندا مسؤولية متزايدة عن الدفاع التقليدي عن القارة – وهي الصياغة الرسمية المهذبة لإعادة توزيع الأعباء التي فرضتها واشنطن.
- أوكرانيا: تعهد الحلفاء بنحو 70 مليار يورو مساعدات عسكرية لكييف خلال 2026، مع إعلان النية للحفاظ على مستوى مماثل في 2027، وترحيب بالتمويل الأوروبي متعدد السنوات – وقد التقى الرئيس الأوكراني زيلينسكي بترامب على هامش القمة.
- إيران: تكرار صيغة “يجب ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً”، ودعوتها لاحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز – وهي الفقرة التي اكتسبت طابعاً درامياً بعد أن شنّت الولايات المتحدة، فجر اليوم الثاني للقمة ذاته، عشرات الضربات على إيران رداً على استهداف طهران سفناً تجارية في المضيق، وإعلان ترامب من داخل القمة أن مذكرة التفاهم مع طهران “انتهت” بالنسبة له[16].
- شكر تركيا على استضافة القمة، دون تحديد موعد لقمة العام القادم في ألبانيا.
غير أن الأرقام خلف الاحتفاء الرسمي تكشف صورة أقل وردية: فوفق بيانات الحلف ذاته، خمس دول فقط من أصل 32 يُتوقع أن تبلغ هدف الإنفاق الأساسي البالغ 3.5% من الناتج المحلي في 2026، بينما بلغ متوسط الإنفاق الأساسي لأوروبا وكندا 2.53% – وهي فجوة واسعة بين التعهدات والواقع ستظل مادة توتر متجددة في السنوات القادمة[17].

كيف قرأت القوى الإقليمية والدولية القمة؟
تباينت قراءات الأطراف الدولية ذات الصلة للقمة تبايناً كاشفاً بحد ذاته.
بكين، عبر منابرها الرسمية وشبه الرسمية، قدمت قراءتين متكاملتين: الأولى استراتيجية، عبّرت عنها وكالة شينخوا الرسمية التي رأت في القمة “اختباراً لوحدة الناتو وسط توترات عبر الأطلسي”، مؤكدة أن ما يجري ليس خلافاً على الميزانيات فحسب، بل “إعادة صياغة جذرية لعقد الأمن عبر الأطلسي” في ظل تراجع الالتزام الأمريكي التقليدي بالدفاع عن أوروبا. والثانية دفاعية، تصدّرتها صحيفة Global Times (المنبر شبه الرسمي الناطق بالإنجليزية)، متهمة الناتو بتضخيم أي نشاط عسكري صيني روتيني كذريعة لتوسيع نفوذه شرقاً نحو آسيا والمحيط الهادئ وتبرير عسكرة المنطقة[18]. وفي القراءتين معاً رسالة صينية واحدة موجهة للأوروبيين تحديداً: خلافكم مع واشنطن يثبت أن مصالحكم ليست بالضرورة مصالحها.
العواصم الأوروبية ومراكز الفكر الغربية قدمت قراءة أكثر قلقاً وتفصيلاً: المجلس الأطلسي وصف نتيجة القمة بأنها “أوروبا أقوى داخل ناتو أضعف” – أوروبا تتقدم فعلياً في الإنفاق الدفاعي وبناء قاعدتها الصناعية، لكن الحلف ذاته يفتقر لوضوح القيادة والالتزام الأمريكيين، معتبراً أن القمة “لم تمثل قطيعة استراتيجية بل تأكيداً وتسريعاً لتحولات كانت جارية أصلاً” نحو ما يوصف بـ”الناتو 3.0″. بينما ذهبت قراءات أخرى لعناوين أكثر صراحة من قبيل “قمة أنقرة تعكس صراعاً لا وحدة”[19].
أنقرة خرجت من القمة الرابح الأكبر شكلياً: استضافة القمة بحد ذاتها اعتراف بمركزية الدور التركي، مع إشارات أمريكية لاحتمال رفع عقوبات “كاتسا” والسماح بمقاتلات F-35، مقابل الدور التركي كوسيط إقليمي نشط في ملفات سوريا وغزة وإيران.
أما موسكو، فقد اكتفت عملياً بمراقبة المشهد؛ فكل ما تحتاجه رواية الكرملين عن “الغرب المنقسم” كان يتكفل به الحلفاء أنفسهم علناً.
أهم الانقسامات التي كشفتها القمة نفسها
- ترامب × إسبانيا: هجوم علني وصف مدريد بـ”القضية الضائعة” و”الشريك السيئ”، بسبب حصولها على إعفاء رسمي من هدف الـ5% (إذ أصرت على سقف 2.1% واصفة الهدف الجديد بأنه “غير معقول وذو نتائج عكسية”)[20]، ورفضها فتح مجالها الجوي وقواعدها لعمليات ضد إيران.
- ترامب × الدنمارك: عاد ملف غرينلاند ليتفجر من داخل القمة نفسها، بعد أشهر من الهدوء النسبي الذي فرضته حرب إيران على هذا الملف. فقد أعلن ترامب من أنقرة أن غرينلاند “مهمة جداً للولايات المتحدة لكنها غير مهمة للدنمارك”، وأن أمريكا “أخذت غرينلاند ثم أعادتها بغباء”، بل وهدد صراحة بأن واشنطن “يمكنها سحب كل جنودها من أوروبا” رداً على استمرار الرفض الأوروبي لمطالبه بشأن الجزيرة، معتبراً أن هذا الرفض “هو ما أضرّ بعلاقتي بالناتو”. فجاء رد رئيسة الوزراء الدنماركية ميتا فريدريكسن من القمة ذاتها حازماً: “غرينلاند بالطبع ليست للبيع”، مؤكدة أن بلادها “مستعدة للدفاع عن كل شبر من أراضي الناتو بما فيها أراضينا”، وداعية كل الحلفاء لاحترام حق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم – في تلميح لا تخطئه العين إلى أن الدفاع الجماعي يسري نظرياً حتى في مواجهة حليف. وانضمت رئيسة وزراء آيسلندا للموقف مؤكدة أن سكان غرينلاند “لا يرغبون في أن يكونوا جزءاً من الولايات المتحدة”، بينما أكد الاتحاد الأوروبي أن “قرارات مستقبل غرينلاند شأن يخص الغرينلانديين والدنماركيين”[21].
- تأجيل تحديد موعد قمة العام القادم في ألبانيا رغم التأكيد اللفظي على انعقادها – مؤشر ضمني على رغبة الأعضاء في تجنّب “درامية” اللقاءات السنوية مع إدارة لا يمكن التنبؤ بمواقفها.
الصين والناتو: من “الفرص والتحديات” إلى الصمت
يستحق ملف الصين وقفة خاصة، لأن مسار حضورها في وثائق الحلف يختصر قصة التحول الجاري بأكملها.
لم تُذكر الصين في المفهوم الاستراتيجي للحلف عام 2010 ولا مرة واحدة. ثم جاء أول ذكر رسمي لها في بيان قمة لندن ديسمبر 2019، بصيغة حذرة متوازنة: “نفوذ الصين المتنامي وسياساتها الدولية تمثل فرصاً وتحديات معاً يتعين علينا معالجتها كحلف”[22]. وفي قمة بروكسل 2021 ارتفعت النبرة قليلاً مع الإشارة إلى “تحديات منهجية” تطرحها بكين على النظام الدولي. ثم جاءت النقلة الكبرى في المفهوم الاستراتيجي المعتمد بقمة مدريد يونيو 2022 – أول وثيقة استراتيجية للحلف تذكر الصين على الإطلاق – حيث وُصفت طموحاتها وسياساتها “القسرية” بأنها “تتحدى مصالحنا وأمننا وقيمنا”، ووُصفت شراكتها مع روسيا بأنها تقويض للنظام الدولي القائم على القواعد[23]. وبلغ التصعيد ذروته في بيان قمة واشنطن 2024 الذي وصف الصين صراحة بأنها “الممكّن الحاسم” (decisive enabler) لحرب روسيا على أوكرانيا[24].
ثم جاء بيان أنقرة 2026… خالياً من أي ذكر للصين على الإطلاق.

هذا الغياب ليس سهواً تحريرياً، بل انعكاس مباشر لحقيقة باتت مكشوفة: الإجماع الغربي حول “التهديد الصيني” لم يعد قائماً. فبينما تضع الاستراتيجية الأمريكية الصين في صدارة أولوياتها، لا يجد الأوروبيون ما يحملهم على عداء بكين، بل يرونها شريكاً تجارياً واقتصادياً لا غنى عنه – خصوصاً في لحظة تشن فيها واشنطن نفسها حرباً جمركية عليهم. والشواهد على هذا الافتراق تتجاوز لغة البيانات إلى أفعال ملموسة:
ففي 28-31 يناير 2026، قام رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بزيارة دولة رسمية إلى الصين هي الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ ثماني سنوات (منذ زيارة تيريزا ماي عام 2018)، على رأس وفد من نحو 60 ممثلاً عن كبريات الشركات البريطانية، واتفق مع الرئيس شي جين بينغ على بناء “شراكة استراتيجية شاملة”، وأثمرت الزيارة عن استثمار بقيمة 15 مليار دولار لشركة أسترازينيكا في الصين، وإعفاء البريطانيين من التأشيرة لثلاثين يوماً، وخفض الرسوم الصينية على الويسكي الاسكتلندي[25]. وقال ستارمر بوضوح: “شئنا أم أبينا، الصين مهمة لبريطانيا”.

وقبلها بأسبوعين فقط، في 16 يناير 2026، أبرمت كندا – الشريك التاريخي الألصق بالاقتصاد الأمريكي – اتفاقاً تجارياً لافتاً مع بكين: خفضت أوتاوا تعريفاتها على السيارات الكهربائية الصينية من 100% إلى 6.1% لحصة سنوية تبدأ بـ49 ألف سيارة وترتفع إلى 70 ألفاً خلال خمس سنوات، مقابل خفض الصين تعريفاتها على الكانولا الكندية من 84% إلى نحو 15% وإلغاء رسوم إضافية على منتجات زراعية وبحرية كندية[26]. والدلالة هنا مزدوجة: فصناعة السيارات الكندية قامت تاريخياً على التكامل شبه الكامل مع السوق الأمريكية، لكن تعريفات ترامب على السيارات الأجنبية ضربت المصانع الكندية وأفقدتها وظائف، فوجدت أوتاوا نفسها مضطرة لإعادة النظر في استراتيجيتها بأكملها والتوجه شرقاً. جاء رد ترامب بتهديد كندا بتعريفات 100% إن واصلت طريقها، وبعبارات من قبيل أن “الصين تستولي بنجاح وبشكل كامل على كندا التي كانت عظيمة”[27] – لكن الرسالة الكندية كانت قد وصلت: حين يتحول الحليف الأكبر إلى مصدر تهديد اقتصادي، يصبح “الخصم” المفترض شريكاً بديلاً مشروعاً. بل إن كارني نفسه قالها صراحة: علاقات كندا مع الصين باتت مؤخراً “أكثر قابلية للتنبؤ” من علاقاتها مع الولايات المتحدة.

في ضوء كل هذا، يصبح غياب الصين عن بيان أنقرة مفهوماً تماماً: أي صياغة مشتركة حول بكين كانت ستفجّر الخلاف الدفين بين واشنطن التي تريد حشد الحلف ضد الصين، وأوروبا وكندا اللتين تتجهان نحو بكين اقتصادياً هرباً من ضغوط واشنطن ذاتها. فكان الصمت هو الحل الوحيد المتاح.
إلى أين يتجه الحلف؟
المفهوم المتصدر لدى الخبراء الغربيين هو “الناتو 3.0”: تحوّل أوروبا لتحمّل العبء الأساسي للدفاع التقليدي عن القارة، بينما تعيد واشنطن توجيه أولوياتها نحو الردع النووي الموسّع والتركيز الاستراتيجي على آسيا. ويجدر التوقف هنا عند حقيقة مهمة: زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي التي جرى الإعلان عنها في أنقرة – أكثر من 139 مليار دولار زيادة في استثمارات الدفاع الأساسية للحلفاء الأوروبيين وكندا خلال 2025 وحدها، ضمن التزام “لاهاي” – لم تأتِ نتيجة قناعة أوروبية ذاتية طوعية بقدر ما جاءت بدفع أمريكي مباشر ومتكرر: فمنذ عودته للبيت الأبيض، مارس ترامب ضغطاً علنياً ومستمراً على الحلفاء الأوروبيين، رابطاً استمرار الالتزام الأمريكي بحمايتهم بمدى استجابتهم لمطالبه المالية، بل إن بعض المسؤولين الأوروبيين استخدموا تعبير “تريليون ترامب” للإشارة إلى حجم الإنفاق الإضافي الذي انتُزع من الأوروبيين خلال هذه الفترة تحديداً تحت وطأة هذا الضغط. بعبارة أخرى: الأرقام المعلنة في أنقرة كإنجاز جماعي للحلف، هي في جوهرها ثمرة مقايضة أمريكية صريحة – “ادفعوا أكثر لتبقى الحماية قائمة” – لا تطوراً طبيعياً في السياسات الدفاعية الأوروبية. وهذا التحول يجري دون أن يحل أحد محل الضمانة الأمريكية التلقائية التي شكّلت عماد الحلف منذ 1949 – وهي بالضبط المعضلة التي تفسّر لماذا وُصفت النتيجة بـ”أوروبا أقوى داخل حلف أضعف” لا “حلف أقوى بأوروبا أقوى”.
الدلالات التي لم تُنشر صراحة في البيان
أولاً، قِصر البيان ذاته رسالة استراتيجية: مقارنة ببيانات القمم السابقة المطوّلة، جاء بيان أنقرة من ست فقرات فقط – وهذا لا يعكس توافقاً سريعاً، بل على الأرجح تعمّداً لتفادي فتح خلافات داخلية لا يمكن حلّها في وقت القمة، عبر تقليص النص إلى أدنى قاسم مشترك ممكن.
ثانياً، جملة “الالتزام الحديدي بالمادة الخامسة” التي افتتح بها البيان، رغم أنها الصياغة المكرَّرة في آخر خمس بيانات ختامية، تحوّلت هذا العام إلى اختبار “رورشاخ” نفسي بين متفائلي الناتو ومتشائميه: فمن جهة، يمكن اعتبارها تأكيداً روتينياً. ومن جهة أخرى، فإن الحاجة لتكرارها بهذا الوضوح، بعد أشهر من التهديدات حول غرينلاند والانسحابات الأمريكية المعلنة وغموض متعمد أبداه مسؤولون في إدارة ترامب حين سُئلوا عن سيناريوهات افتراضية لتفعيل المادة الخامسة، يجعل من الاحتفاء بإدراجها هذا العام مؤشراً على مدى تآكل الثقة بالمبدأ ذاته، لا تأكيداً على رسوخه.
ثالثاً، غياب اسم الصين صراحة عن البيان – كما فُصّل أعلاه – انعكاس مباشر لانقسام لم يُحسم داخل الحلف حول تعريف بكين: تهديد استراتيجي كما تراها واشنطن، أم شريك اقتصادي ضروري كما تتعامل معها لندن وأوتاوا وعواصم أوروبية أخرى فعلياً.
رابعاً، عدم الاتفاق على موعد قمة ألبانيا القادمة رغم تأكيد انعقادها لفظياً، يوحي بأن الأعضاء أنفسهم باتوا يفضّلون تقليل وتيرة الظهور العلني المشترك، تجنباً لتكرار مشاهد التوتر العلني التي طبعت هذه القمة.
خامساً، الحجم الاستثنائي للاستثمار في الصناعة الدفاعية والذكاء الاصطناعي (أكثر من 50 مليار دولار صفقات جديدة، وسحابة قتالية عابرة للأطلسي، ونماذج ذكاء اصطناعي متقدمة) يوازي – وربما يتجاوز على المدى الطويل – البعد الجيوسياسي الظاهر للقمة: الناتو يعيد بناء نفسه كمنظومة صناعية-تقنية متكاملة بقدر ما يعيد بناء نفسه كحلف عسكري تقليدي.
خلاف عارض أم افتراق في الأولويات الاستراتيجية؟
السؤال الجوهري الذي ينبغي حسمه قبل أي قراءة ختامية: هل ما نشهده خلاف ظرفي مرتبط بشخصية رئيس أمريكي وأسلوبه، يزول بزواله؟ أم افتراق بنيوي في الأولويات الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي؟
الوثائق الاستراتيجية الأمريكية المعلنة في 2025-2026 تجيب بوضوح لصالح الاحتمال الثاني. فالتوجه الأمريكي الرسمي – كما عبّر عنه أحد كبار مسؤولي البنتاغون ومهندسي السياسة الدفاعية الحالية إلبريدج كولبي – هو تركيز القوة الأمريكية على التحديات “التي لا يمكن إلا للقوة الأمريكية أن تلعب فيها دوراً حاسماً”: آسيا (أي الصين تحديداً) ونصف الكرة الغربي (الأمريكتان)[28].

أوروبا، في هذه الرؤية، ليست ساحة أولوية أمريكية بل عبء ينبغي نقله تدريجياً إلى أصحابه. في المقابل، تنظر العواصم الأوروبية إلى العالم من زاوية معاكسة تماماً: التهديد الوجودي بالنسبة لها هو روسيا وتمددها، وأولويتها المطلقة هي أوكرانيا والجناح الشرقي – ولهذا تحديداً رفعت إنفاقها الدفاعي وأرسلت ألمانيا لواءها إلى ليتوانيا. أما الصين، فلا يجد الأوروبيون ما يحملهم على عدائها؛ فهي بعيدة جغرافياً عن مجالهم الأمني المباشر، وقريبة جداً من مصالحهم الاقتصادية – وزيارة ستارمر التاريخية لبكين وصفقة كارني مع الصين ليستا سوى الترجمة العملية لهذا الإدراك.
بهذا المعنى، الخلاف الأمريكي-الأوروبي ليس سوء تفاهم ولا صداماً بين شخصيات، بل افتراق في الخرائط الذهنية ذاتها: واشنطن ترى خريطة يتوسطها المحيط الهادئ والصين، وأوروبا ترى خريطة يتوسطها السهل الأوروبي الشرقي وروسيا. وحلف يقوم على خريطتين ذهنيتين متعاكستين لا يمكن أن يستمر بالبنية ذاتها التي قام عليها حين كانت الخريطتان واحدة.
قراءة ختامية واستشراف
ما تكشفه قمة أنقرة، حين تُقرأ في ضوء ما رُصد لا ما أُعلن فقط، هو حلف يعيد تموضعه بصمت أكثر مما يُظهره خطابه العلني: تحوّل تدريجي من ضمانة أمريكية مطلقة إلى شراكة أوروبية-أمريكية أكثر توازناً لكن أقل يقيناً. وحين نضيف إلى المشهد البعد الاقتصادي (حرب جمركية أمريكية على الحلفاء أنفسهم)، والبعد الأيديولوجي (خطاب ميونيخ وما تلاه)، والافتراق البنيوي في الأولويات (الصين وروسيا)، يتضح أن ما يجري ليس أزمة عابرة بل إعادة تفاوض شاملة – معلنة وغير معلنة – على طبيعة العقد الأطلسي ذاته.

وانطلاقاً من هذه القراءة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية للسنوات القادمة:
السيناريو الأول: احتواء براغماتي يحفظ الحلف وفاعليته. أن تنجح دول الحلف في تطويق خلافاتها عبر ضبط نفس وبراغماتية صارمة، تقوم على فصل الملفات الخلافية بعضها عن بعض: فيُعالج ملف الإنفاق الدفاعي بمعزل عن غرينلاند، وملف إيران بمعزل عن التجارة، وملف الصين يُدار بصمت متفق عليه. في هذا السيناريو، تواصل الدول الأوروبية رفع إنفاقها الدفاعي وفق التزامات لاهاي، وتحصل واشنطن على ما تريده مالياً، فيحتفظ الحلف بفاعليته الدفاعية وتماسكه المؤسسي، ولو على حساب دفء العلاقة التاريخي. وهذا يتطلب قدرة أوروبية استثنائية على امتصاص الاستفزازات، وقدرة أمريكية على الاكتفاء بالمكاسب المالية دون توسيع رقعة المطالب. غير أن العقبة البنيوية أمام هذا السيناريو تحمل اسماً واحداً: غرينلاند. فبخلاف ملفات الإنفاق والتجارة القابلة للمساومة والحلول الوسط، تمثل غرينلاند بالنسبة لواشنطن – كما فُصّل سابقاً – أصلاً استراتيجياً في سباقها مع الصين على القطب الشمالي والمعادن الحرجة، أي مطلباً تمليه استراتيجيتها الكبرى لا مزاج رئيس عابر، بينما تمثل للأوروبيين خطاً أحمر يمس جوهر السيادة ووحدة الأراضي التي قام الحلف أصلاً لحمايتها. ملف بهذه الطبيعة يستعصي على “الفصل البراغماتي” لأنه يضع مبدأ الحلف التأسيسي ذاته موضع الاختبار، وقد يظل وحده كافياً لنسف أي تهدئة تُبنى في الملفات الأخرى.
السيناريو الثاني: اتساع الهوة وتصدع تراكمي. أن تتزايد حدّية المواقف في الملفات المفتوحة ويفشل الطرفان في فصلها عن بعضها: فتتفاعل أزمة غرينلاند مع الخلاف حول الصين، ويتشابك ملف إيران مع مسألة الإنفاق الدفاعي لدول مثل إسبانيا وإيطاليا، وتغذي الحرب الجمركية الشعور الأوروبي بأن واشنطن خصم اقتصادي لا حليف أمني. في هذا المسار، يفقد الحلف فاعليته تدريجياً بمرور السنوات: تتباطأ آليات القرار الجماعي، وتتراجع الثقة في الضمانات المتبادلة، وتتسارع المبادرات الدفاعية الأوروبية المستقلة عن الحلف لا داخله، وصولاً إلى تصدعات كبرى قد تأخذ شكل انسحابات فعلية من الالتزامات أو تجميد صامت لآليات الحلف، حتى لو بقي الكيان قائماً اسمياً.
السيناريو الثالث: إعادة تموضع أمريكية تُبقي الحلف شكلاً وتفرغه مضموناً. أن تتجنب الأطراف التصدع العلني، لكن تمضي واشنطن في إعادة تعريف دورها داخل الحلف من ضامن شامل إلى مظلة ردع نووي فقط – وهو دور لا يكلفها شيئاً جديداً، إذ يقوم على ترسانة تمتلكها أصلاً، بينما تُترك الحماية بالقوات التقليدية بالكامل للحلفاء الأوروبيين بعد أن نجحت واشنطن في رفع إنفاقهم الدفاعي وانتزاع “تريليون ترامب”. في هذا السيناريو، لا يتفكك الحلف ولا يزدهر: تنتهي المعادلة إلى أوروبا قوية عسكرياً وناتو ضعيف مؤسسياً – وجود شكلي لحلف تحوّل من كيان دفاعي متكامل إلى إطار تنسيقي فضفاض، تدير أوروبا من خلاله دفاعها بنفسها، وتحتفظ أمريكا فيه بمقعد الضامن النووي الأخير دون التزامات تقليدية حقيقية. وهذا، بالمناسبة، هو السيناريو الأقرب لما تصفه الأدبيات الاستراتيجية الغربية اليوم بـ”الناتو 3.0″، وربما يكون هو الهدف الأمريكي الفعلي غير المعلن من كل ما جرى.
وأياً كان السيناريو الذي ستؤول إليه الأمور، فإن الثابت الوحيد هو أن بنية النظام الأمني الذي قام عليه الغرب منذ 1945 تُعاد صياغتها الآن، بهدوء نسبي لكن بعمق حقيقي – وهو بالمصادفة ذات المشهد الذي طرحت فيه بكين، قبل أسابيع فقط من هذه القمة، رؤيتها الخاصة لحوكمة عالمية بديلة. وهذا التزامن ليس عرَضياً: فكلا الحدثين يعكسان، من زاويتين متعاكستين، حقيقة واحدة، وهي أن اختبار الوعي الاستراتيجي الحقيقي هو القدرة على قراءة هذه التحولات المتوازية معاً، لا كل منها بمعزل عن الآخر.
الهوامش والمصادر
[1] موقع الناتو الرسمي، “Funding NATO”، بيانات الميزانيات المشتركة 2025-2026.
[2] موقع الناتو الرسمي، “Defence investment and NATO’s 5% commitment”؛ وتقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) حول معاهدة شمال الأطلسي: ثلاث دول فقط كانت تحقق نسبة 2% عام 2014 مقابل 23 دولة عام 2024.
[3] وثيقة “اتفاق الإنفاق الدفاعي 5% بحلول 2035” (خطة استثمار لاهاي)، قمة الناتو، لاهاي، 24-25 يونيو 2025؛ ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، “NATO’s new spending target: challenges and risks”.
[4] التقرير السنوي للأمين العام للناتو مارك روته، 26 مارس 2026: 574 مليار دولار إنفاق الحلفاء الأوروبيين وكندا في 2025 (+20% حقيقية)، و838 مليار دولار للولايات المتحدة.
[5] بيانات مركز بيانات القوى العاملة الدفاعية الأمريكي (DMDC)، ديسمبر 2025؛ وتغطية CNN وCNBC لإعلان البنتاغون، 1-3 مايو 2026.
[6] معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS)، “Small changes, big impact”، 19 مايو 2026؛ وCNN Politics، 14 مايو 2026 (تفاصيل إلغاء تناوب اللواء الثاني المدرع من فرقة الفرسان الأولى).
[7] المادة 1249 من قانون تخويل الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2026 (NDAA 2026)؛ وتحليل Euronews القانوني، 5 مايو 2026.
[8] تصريحات إيفو دالدر، السفير الأمريكي السابق لدى الناتو (2009-2013)، لوسائل إعلام أمريكية حول انكسار الافتراض التأسيسي للعلاقة عبر الأطلسي، 2026.
[9] خطاب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، مؤتمر ميونيخ للأمن الحادي والستون، 14 فبراير 2025 (النص الكامل منشور في وثائق المؤتمر).
[10] تصريحات وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من منصة المؤتمر ذاته؛ وتقرير مؤتمر ميونيخ للأمن “Westlessness Reloaded?”؛ وتصريح كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية.
[11] تغطية وكالة أسوشيتد برس وEuronews لتصريحات كارني وترامب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، دافوس، يناير 2026.
[12] تصريح الأمين العام للناتو مارك روته حول تنامي النشاط الصيني والروسي في القطب الشمالي وأن ترامب “لديه وجهة نظر”، كما نقلته CNBC والجزيرة من أنقرة، 8 يوليو 2026.
[13] تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في الاجتماع التحضيري للقمة، وتصريحات ترامب المتكررة حول رفض الحلفاء المشاركة في حرب إيران، كما نقلتها Time وCNN، مايو-يوليو 2026.
[14] CNBC، “Carney says Canada not pursuing free trade deal with China”، 26 يناير 2026: رفع التعريفات الأمريكية على السلع الكندية من 25% إلى 35% في أغسطس 2025.
[15] النص الرسمي لإعلان قمة أنقرة، موقع الناتو الرسمي (nato.int)، 8 يوليو 2026: “The Ankara Summit Declaration”.
[16] الجزيرة الإنجليزية، “Five key takeaways from the NATO summit in Ankara”، 8 يوليو 2026؛ وتغطية أسوشيتد برس/ABC News من أنقرة لتصريحات ترامب حول انتهاء مذكرة التفاهم مع طهران والضربات الأمريكية فجر 8 يوليو.
[17] بيانات الناتو المنشورة على هامش القمة كما أوردتها الجزيرة الإنجليزية، 8 يوليو 2026: خمس دول فقط من 32 يُتوقع بلوغها 3.5% للإنفاق الأساسي في 2026، ومتوسط أوروبا وكندا 2.53%.
[18] وكالة شينخوا الرسمية الصينية، تغطية وتحليل قمة أنقرة، يوليو 2026؛ وصحيفة Global Times، مقالات الرأي والتحليل حول الناتو وتوسعه نحو آسيا-الهادئ، يونيو-يوليو 2026.
[19] المجلس الأطلسي (Atlantic Council)، “Eleven takeaways from the NATO summit in Ankara”، يوليو 2026؛ وتحليل مؤسسة Steptoe، يوليو 2026.
[20] رسالة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الأمين العام للناتو، يونيو 2025، ووصفه هدف الـ5% بأنه “غير معقول وذو نتائج عكسية”.
[21] تصريحات ترامب وفريدريكسن من قمة أنقرة، 7-8 يوليو 2026: تغطيات CNBC (“Trump doubles down on push for control over Greenland”)، وواشنطن بوست، وفوكس نيوز، وABC News/أسوشيتد برس؛ وتصريح المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي أولوف غيل؛ وتصريح رئيسة وزراء آيسلندا كريسترون فروستادوتير.
[22] بيان قمة لندن، الناتو، ديسمبر 2019، الفقرة السادسة – أول ذكر رسمي للصين في وثيقة إجماع للحلف.
[23] المفهوم الاستراتيجي للناتو، قمة مدريد، يونيو 2022، الفقرة 13-14.
[24] إعلان قمة واشنطن، الناتو، يوليو 2024، الفقرة 26.
[25] تغطية الجزيرة الإنجليزية ووثائق وزارة الخارجية الصينية لزيارة ستارمر الرسمية لبكين، 28-31 يناير 2026؛ استثمار أسترازينيكا 15 مليار دولار.
[26] مركز التقدم الأمريكي (CAP)، “The Trump Administration Failed the U.S. Auto Industry, and the Canada-China Deal Proves It”، فبراير 2026؛ وبيان مكتب رئيس الوزراء الكندي حول تفاصيل الاتفاق، 16 يناير 2026.
[27] منشورات الرئيس ترامب على منصة Truth Social، يناير 2026، وتغطية PBS/AP لتهديد التعريفات بنسبة 100%.
[28] تصريح إلبريدج كولبي، مسؤول السياسات في البنتاغون، حول تركيز القوة الأمريكية على آسيا ونصف الكرة الغربي، كما نقلته CNN، مايو 2026.




