حميدتي في أديس أبابا وتحشيد قرب الحدود.. هل تُفتح جبهة جديدة في حرب السودان مع صراع إقليمي دموي؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تتحرك الحرب السودانية نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع اشتداد المعارك في إقليم النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا، بالتزامن مع زيارة غير معلنة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى أديس أبابا، وتحركات عسكرية واسعة على طرفي الحدود.
وتأتي هذه التطورات في وقت يسعى فيه الجيش السوداني إلى وقف تقدم قوات الدعم السريع وحليفها، الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، باتجاه الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، بينما تعزز قوات الدعم السريع دفاعاتها في الجنينة غرب دارفور بعد تقدم قوات موالية للجيش نحو محيط المدينة.
وفي غضون ذلك، شهدت جبهة كردفان انشقاقاً جديداً داخل قوات الدعم السريع، بعد وصول نحو 200 مقاتل بقيادة أبو بكر حمودة دحلوب، المسؤول السابق عن استخبارات المهام الخاصة في شمال كردفان، إلى أم درمان وإعلان انضمامهم إلى الجيش.
هذه التحولات المتزامنة تطرح سؤالاً أكبر من مجرد تغير السيطرة على عدد من البلدات: هل تنتقل الحرب من صراع داخلي بين الجيش والدعم السريع إلى مواجهة أكثر ارتباطاً بحدود السودان وعلاقاته الإقليمية؟
ماذا حمل حميدتي إلى أديس أبابا؟
وصل حميدتي إلى العاصمة الإثيوبية في 26 أغسطس/آب في ثاني زيارة له إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
وبحسب “مدى مصر”، فإن المحادثات تناولت التطورات السياسية وفرص السلام، إلا أن القتال على الحدود بين السودان وإثيوبيا وتحركات القوات في منطقة النيل الأزرق شغلت جانباً أساسياً منها.
وقال مصدر في قيادة الدعم السريع وآخر في الحكومة الإثيوبية للموقع إن أديس أبابا تركز حالياً على منع انتقال الحرب السودانية إلى داخل أراضيها، في ظل تكرر عبور مقاتلين مسلحين للحدود في الاتجاهين.
لكن مصادر سودانية تقدم قراءة أكثر حساسية.
إذ ترى مصادر استخباراتية سودانية أن العلاقة مع الدعم السريع قد تمنح إثيوبيا مساحة أوسع للمناورة في المناطق الحدودية، لا سيما في ظل عودة التوتر بين الحكومة الإثيوبية وإقليم تيغراي.
وهذه تبقى، في الوقت الراهن، تقديرات مصادر سودانية وليست موقفاً معلناً من الحكومة الإثيوبية.
أهمية الزيارة إذاً لا تكمن فقط في أنها اتصال سياسي بين حميدتي وأديس أبابا، بل في توقيتها، بينما أصبحت الحدود الإثيوبية جزءاً مباشراً من الحسابات العسكرية في النيل الأزرق.
أصوصا.. قاعدة عسكرية أم ممر لوجستي؟
القلق الأكبر لدى الجيش السوداني يتعلق بمنطقة أصوصا في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، القريبة من الحدود السودانية.
وتشير معلومات نقلتها “مدى مصر” إلى زيادة كبيرة في المركبات والذخائر والحاويات والإمدادات الطبية داخل قاعدة عسكرية إثيوبية هناك منذ يوليو/تموز.
كما أظهرت صور أقمار صناعية حللها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل وصول نحو 100 مركبة إلى القاعدة بين 23 و28 أغسطس/آب، أي نحو ستة أضعاف العدد المرصود سابقاً، إلى جانب عشرات الحاويات والشاحنات.
وتكتسب أصوصا أهميتها من قربها من الكُرمُك وقيسان، وهما بلدتان حدوديتان استولت عليهما قوات الدعم السريع وحلفاؤها خلال الهجوم الأخير.
وتخشى مصادر عسكرية سودانية من أن يؤدي تثبيت السيطرة على هذا المحور إلى إنشاء ممر لوجستي يمتد من الأراضي الإثيوبية إلى مناطق سيطرة الدعم السريع داخل النيل الأزرق، بما يسمح بتحريك القوات والعتاد بعيداً عن قدرة الجيش على قطعه.
لكن هذه النقطة تحديداً شديدة الحساسية؛ فوجود تحشيد عسكري داخل قاعدة إثيوبية لا يثبت وحده أن الحكومة الإثيوبية تدير خط إمداد للدعم السريع.
وفي موازاة هذه المزاعم، أشار تقرير أممي حديث إلى أن تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة والدعم الخارجي من عدة شبكات إقليمية بات عاملاً أساسياً في إطالة الحرب السودانية، من دون حصر المشكلة في جبهة واحدة أو دولة واحدة.
المعركة تتحرك نحو الدمازين
ميدانياً، تغيرت خريطة القتال بسرعة.
فبعد سقوط قيسان والكرمك، سيطرت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في 28 أغسطس/آب على منطقتي باكوري وسركم، وهما من المواقع التي تحمي الطرق المؤدية إلى الدمازين.
وتقع باكوري على بعد نحو 170 كيلومتراً جنوب شرقي عاصمة الإقليم، وتضم مقر اللواء 14 مشاة التابع للفرقة الرابعة بالجيش.
وبعد سقوط الموقعين، دفع الجيش بتعزيزات من الخرطوم والجزيرة وسنار، إلى جانب وحدات من جهاز المخابرات العامة وقوات من الحركات المسلحة المتحالفة معه.
وتشير هذه التحركات إلى أن الجيش يتعامل مع معركة الدمازين باعتبارها جبهة استراتيجية لا يمكن السماح بانهيارها.
فالمدينة ليست مجرد عاصمة إقليمية، بل عقدة طرق ومركز قيادة عسكري، كما أن سقوط مزيد من المناطق المحيطة بها قد يفتح أمام الدعم السريع وحلفائه مجالاً أوسع للتحرك شمالاً وغرباً.
لماذا النيل الأزرق مهم؟
من الناحية الجغرافية، يمثل النيل الأزرق إحدى أكثر الجبهات حساسية في الحرب.
فهو يربط السودان بإثيوبيا وجنوب السودان، ويقع بالقرب من مناطق نفوذ الحركة الشعبية-شمال، كما يشكل ممراً محتملاً بين شرق السودان ووسطه.
ولهذا فإن أي تقدم كبير للدعم السريع هناك سيضيف محوراً جديداً إلى خريطة الحرب.
فالقوة شبه العسكرية التي تتركز مناطق نفوذها الأساسية في دارفور وأجزاء من كردفان ستصبح، إذا ثبتت وجودها في النيل الأزرق، قادرة على الضغط على الجيش من الجنوب الشرقي أيضاً.
وهذا يفرض على الجيش توزيع قواته على جبهات أوسع في وقت يخوض فيه معارك متزامنة في كردفان ودارفور.
في دارفور.. الجيش يقترب والدعم السريع يتحصن
بينما يحاول الجيش الدفاع عن الدمازين، تبدو الصورة معكوسة في غرب دارفور.
فقد تقدمت القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش إلى منطقة أبو سروق في محلية سربا، على مسافة تقارب 58 كيلومتراً من الجنينة، عاصمة غرب دارفور والخاضعة لسيطرة الدعم السريع.
وفي مواجهة هذا الضغط، بدأت قوات الدعم السريع تعزيز دفاعاتها داخل المدينة، عبر إقامة سواتر ترابية وحفر خنادق على الأطراف الشمالية والغربية، مع استقدام مقاتلين وذخائر إضافية.
وهذا التحول إلى الدفاع في الجنينة يحمل دلالة مهمة.
فالمدينة تعد إحدى أهم مراكز ثقل الدعم السريع في دارفور، وقرب القوات المناوئة لها من محيطها يعني أن الحرب لم تعد تسير في اتجاه واحد.
فبينما تحقق قوات الدعم السريع وحلفاؤها تقدماً في النيل الأزرق، يتعرضون لضغط عسكري متزايد في غرب دارفور.
كردفان.. نقطة الفصل بين الشرق والغرب
أما كردفان فتظل الجبهة الأكثر أهمية في الربط بين مسرحي الحرب.
فالسيطرة عليها تحدد ما إذا كان الجيش يستطيع التقدم غرباً باتجاه دارفور، أو ما إذا كان الدعم السريع يستطيع استعادة المبادرة والتقدم شرقاً نحو مناطق سيطرة الجيش.
وقد حقق الجيش خلال الأسابيع الماضية مكاسب في شمال كردفان، وسيطر على ست من محليات الولاية الثماني، قبل أن يوسع غاراته على مخازن الوقود والذخيرة ونقاط تجمع الدعم السريع في غرب كردفان.
وفي هذا السياق، اكتسب انشقاق أبو بكر دحلوب ونحو 200 مقاتل أهمية سياسية وعسكرية.
فدحلوب كان مسؤولاً استخباراتياً للدعم السريع في شمال كردفان ومنطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، ووصل مع قواته وأسلحتهم إلى أم درمان وأعلن الانضمام إلى الجيش.
وهذا هو ثاني انشقاق بارز لقائد ميداني في جبهة كردفان خلال فترة قصيرة، بعد انشقاقات أخرى شملت مئات المقاتلين.
لكن من المبكر اعتبار هذه الانشقاقات انهياراً داخلياً في الدعم السريع، إذ لا تزال القوة تحتفظ بقدرات كبيرة وشبكات إمداد وانتشار واسع في غرب السودان.
الحرب الجوية تغيّر شكل الصراع
إلى جانب تغير خطوط السيطرة، يزداد اعتماد الطرفين على الطائرات المسيّرة والضربات الجوية.
وقد خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقرير نشر مطلع سبتمبر/أيلول إلى أن الأسلحة الخارجية والطائرات المسيّرة باتت تلعب دوراً متزايداً في الحرب، وأن أكثر من ألف شخص قُتلوا في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من 2026 وحده.
كما قالت إن الدعم الخارجي للطرفين يساهم في إطالة النزاع وزيادة الخسائر المدنية.
ويظهر ذلك أيضاً في جنوب كردفان، حيث تعرضت شاحنتان تحملان مساعدات لبرنامج الأغذية العالمي للقصف خارج الدلنج، ما أدى إلى تدمير أكثر من 50 طناً من الغذاء كانت تكفي نحو 5800 شخص لمدة شهر.
ومن ثم، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي التي تحدد مسار الحرب؛ فالقدرة على تشغيل المسيّرات وتأمين شبكات الإمداد أصبحت عاملاً حاسماً في موازين القوى.
البعد الإثيوبي.. أخطر ما في المشهد
تبقى إثيوبيا العنصر الأكثر حساسية في التطورات الأخيرة.
فأديس أبابا تقول، وفق المصادر التي تحدثت إلى “مدى مصر”، إن أولويتها هي حماية الحدود ومنع انتقال الحرب إلى أراضيها.
لكن الخرطوم تنظر بريبة متزايدة إلى التحركات العسكرية في أصوصا وإلى اتصالات حميدتي بالحكومة الإثيوبية.
وإذا تطور الأمر من اتصالات سياسية إلى ترتيبات أمنية أو لوجستية عملية، فقد تصبح العلاقة الإثيوبية مع الدعم السريع عنصراً جديداً في ميزان الحرب.
وسيكون لهذا أثر يتجاوز السودان نفسه، لأن إثيوبيا تواجه في الوقت ذاته توترات داخلية في تيغراي، كما أن المنطقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا ظلت لسنوات موضع نزاع وتوترات متكررة.
ولهذا فإن الخطر لا يتمثل فقط في استخدام الحدود لإمداد أحد أطراف الحرب، بل في احتمال أن تتداخل الحرب السودانية تدريجياً مع الصراعات الداخلية والإقليمية المحيطة بها.
حرب متعددة الجبهات
الصورة الحالية لا تشير إلى انتصار حاسم لأي طرف.
الدعم السريع يحقق تقدماً مهماً في النيل الأزرق ويضغط باتجاه الدمازين، لكنه في المقابل يبني تحصينات حول الجنينة تحسباً لهجوم مضاد.
والجيش يواجه ضغوطاً في الجنوب الشرقي، لكنه يوسع نفوذه في كردفان ويتقدم مع حلفائه في غرب دارفور.
أما انشقاقات قادة الدعم السريع، فتمنح الجيش مكاسب دعائية واستخباراتية، لكنها لا تبدو حتى الآن كافية لتغيير ميزان الحرب بمفردها.
ولهذا تبدو الحرب السودانية في مرحلتها الحالية أقرب إلى صراع على الممرات وخطوط الإمداد منها إلى مجرد معارك للسيطرة على المدن.
فالنيل الأزرق يفتح على إثيوبيا، وكردفان تربط وسط البلاد بدارفور، بينما تمثل الجنينة بوابة السودان الغربية نحو تشاد.
ومن ينجح في تأمين هذه الممرات يستطيع نقل القوات والوقود والسلاح والاستمرار في القتال لفترة أطول.
هل تتحول الحرب إلى صراع إقليمي أوسع؟
منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023، شهدت الحرب السودانية مستويات متزايدة من التدخل الخارجي.
وتشير الأمم المتحدة إلى شبكات إقليمية مرتبطة بتدفق السلاح والمرتزقة والطائرات المسيّرة، في وقت تنفي فيه دول متهمة بتقديم الدعم العسكري المباشر ضلوعها في الحرب.
لكن التطورات حول أصوصا وزيارة حميدتي تجعل البعد الإقليمي أكثر وضوحاً من السابق.
والاختبار الحقيقي في الأسابيع المقبلة سيكون ما إذا كانت زيارة أديس أبابا ستظل في إطار الاتصالات السياسية والأمنية، أم ستتبعها ترتيبات عملية على الحدود.
فإذا تحول محور أصوصا-الكُرمُك-قيسان إلى خط إمداد ثابت، بينما واصل الدعم السريع وحلفاؤه الضغط على الدمازين، ستدخل الحرب مرحلة جديدة قد تجعل الحدود الإثيوبية إحدى جبهاتها الرئيسية، في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر داخل إثيوبيا بين الحكومة وفصائل المعارضة، فضلا عن إريتريا.
وعندها، لن يكون السؤال فقط من يسيطر على النيل الأزرق، بل إلى أي مدى ستظل حرب السودان حرباً داخل حدوده أصلاً.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



