فاتورة فوائد تتجاوز تريليوني دولار.. هل يدخل العالم عصر أزمة الديون السيادية؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تواجه الاقتصادات المتقدمة موجة متصاعدة من تكاليف خدمة الدين، بعدما تجاوزت فاتورة الفوائد السنوية على ديون دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تريليوني دولار، في وقت ترتفع فيه عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لم تشهدها بعض الأسواق منذ عقود.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد ارتفاع في حجم الديون، بل تحولاً أوسع في البيئة المالية العالمية بعد انتهاء حقبة الفائدة المنخفضة التي سمحت للحكومات طوال سنوات بالاقتراض بكلفة محدودة.
فبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، أصبحت دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تنفق أكثر من تريليوني دولار سنوياً على فوائد الدين وحدها، بما يعادل نحو 3% من إجمالي ناتجها المحلي، وسط مخاوف من أن تتحول خدمة الدين إلى أحد أكبر بنود الموازنات العامة خلال السنوات المقبلة.
وتؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن مدفوعات الفائدة في دولها بلغت نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط المجمع، بالقرب من أعلى مستوياتها خلال العقد الماضي، وأن ارتفاع تكاليف الفائدة سيصبح في 2026 عاملاً يدفع نسبة الدين إلى الناتج إلى الأعلى حتى بعد احتساب تأثير التضخم.
كيف وصل العالم إلى هذه النقطة؟
خلال العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، تمكنت الحكومات من الاقتراض بأسعار فائدة تاريخية الانخفاض.
وفي بعض الاقتصادات، وصلت عوائد السندات الحكومية إلى الصفر أو حتى أصبحت سالبة، بينما اشترت البنوك المركزية كميات ضخمة من الديون ضمن برامج التيسير الكمي.
هذه البيئة جعلت زيادة الاقتراض أقل إيلاماً.
ثم جاءت جائحة كورونا، واضطرت الحكومات إلى تمويل برامج دعم ضخمة للأسر والشركات، قبل أن تضرب موجة التضخم الاقتصاد العالمي وتبدأ البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة.
وهنا تغيرت المعادلة.
فالديون القديمة منخفضة التكلفة بدأت تستحق ويعاد تمويلها بسندات جديدة ذات فوائد أعلى، ما يعني أن ارتفاع أسعار الفائدة لا يظهر دفعة واحدة في الموازنات، بل يتراكم عاماً بعد آخر.
ومع استمرار الحكومات في إصدار المزيد من الدين، فإنها أصبحت تجمع بين رصيد ديون أكبر وسعر فائدة أعلى في الوقت نفسه.
الولايات المتحدة في قلب المشكلة
أوضح مثال على ذلك هو الولايات المتحدة.
فالدين الحكومي الأميركي تجاوز 40 تريليون دولار، بينما تقترب عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات من 5%، وهو مستوى لم تستقر عنده السوق لفترة طويلة منذ نحو عقدين.
ولا يعني ذلك أن واشنطن تدفع 5% على كامل ديونها الحالية، لأن جزءاً كبيراً منها صدر في سنوات كانت فيها الفائدة أقل.
لكن كلما استحقت هذه الديون وأصدرت الخزانة الأميركية سندات جديدة لإعادة تمويلها، تنتقل الأسعار المرتفعة تدريجياً إلى الموازنة.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الولايات المتحدة لا تحتاج فقط إلى تمويل عجز مالي جديد، بل إلى إعادة تمويل تريليونات الدولارات من السندات القديمة بصورة مستمرة.
وبحسب فايننشال تايمز، قد تتحول مدفوعات الفائدة مع مرور الوقت إلى واحد من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي الأميركي، في ظل غياب توافق سياسي على خفض العجز أو رفع الضرائب.
بريطانيا تدفع أعلى فائدة منذ عقود
الضغط لا يقتصر على واشنطن.
ففي 8 سبتمبر/أيلول، باعت الحكومة البريطانية سندات لأجل 30 عاماً بعائد بلغ 5.8168%، وهو أعلى مستوى في السجلات المقارنة منذ عام 1998.
وتتوقع هيئة مسؤولية الميزانية البريطانية أن تبلغ تكلفة فوائد الدين نحو 109 مليارات جنيه إسترليني هذا العام، أي قرابة 8.4% من إجمالي الإنفاق العام.
وهذا يعني أن مليارات الجنيهات التي كان يمكن استخدامها في الصحة أو التعليم أو الدفاع أو البنية التحتية أصبحت تذهب إلى خدمة ديون سبق للحكومة أن اقترضتها.
وتضع هذه المعادلة الحكومات أمام خيارات سياسية شديدة الصعوبة: رفع الضرائب، خفض الإنفاق، أو الاستمرار في الاقتراض وتحمل فوائد أكبر.
فرنسا تحت المراقبة
أما فرنسا، فتواجه مشكلة مختلفة لكنها لا تقل حساسية.
فالمستثمرون بدأوا يطالبون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالسندات الفرنسية في ظل ارتفاع الدين واستمرار العجز السياسي حول كيفية إصلاح المالية العامة.
ووصلت الفجوة بين عوائد بعض السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات تعكس أعلى درجات القلق منذ أزمة منطقة اليورو، بينما تجاوزت عوائد بعض السندات الفرنسية الطويلة الأجل نظيرتها الإيطالية، وهي مقارنة كانت تبدو غير مألوفة قبل سنوات.
وتزداد حساسية فرنسا لأن أكثر من 60% من ديونها محتفظ بها لدى مستثمرين أجانب، ما يجعلها أكثر تعرضاً لتغير مزاج الأسواق.
لكن باريس تظل داخل منطقة اليورو، ما يعني أن البنك المركزي الأوروبي يمتلك أدوات يمكن استخدامها لمنع اضطراب سوق السندات إذا أصبحت الأزمة أكثر خطورة.
اليابان.. نهاية عصر المال شبه المجاني
ربما تكون اليابان أكثر الحالات رمزية للتحول العالمي.
فالدولة التي عاشت لعقود في بيئة أسعار فائدة شديدة الانخفاض شهدت مؤخراً ارتفاع عائد سنداتها الحكومية لأجل عشر سنوات إلى 3% للمرة الأولى منذ 1996.
وتظهر تقديرات الموازنة اليابانية للعام المالي المقبل أن تكاليف خدمة الدين قد تصل إلى مستوى قياسي يبلغ نحو 36.6 تريليون ين.
كما رفعت وزارة المالية افتراضها لسعر الفائدة المستخدم في حساب الموازنة من 3% إلى 3.8%، في إشارة إلى توقع استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض.
وتكمن أهمية اليابان عالمياً في أنها واحدة من أكبر حائزي الأصول الأجنبية وسندات الخزانة الأميركية.
فإذا أصبحت السندات اليابانية نفسها تقدم عوائد أعلى، فقد يجد المستثمر الياباني سبباً أقل لإرسال الأموال إلى الخارج، وهو ما يمكن أن يؤثر على الطلب على الديون الأميركية والأوروبية.
لماذا ترتفع العوائد الآن؟
هناك عدة عوامل تعمل في الوقت نفسه.
أولها ارتفاع حجم إصدارات السندات الحكومية، ما يؤدي لانخفاض سعرها وبالتالي ارتفاع العائد المطلوب عليها، إذ تحتاج الدول إلى تمويل الإنفاق على الدفاع والتحول الأخضر والشيخوخة السكانية والبنية التحتية، إضافة إلى العجز التقليدي.
وثانيها التضخم.
فالمستثمر الذي يقرض الحكومة لمدة 10 أو 30 عاماً يريد تعويضاً عن احتمال فقدان قيمة أمواله بسبب ارتفاع الأسعار.
ولهذا يؤدي تجدد المخاوف التضخمية إلى مطالبة المستثمرين بعائد أكبر.
والعامل الثالث هو الطاقة والجغرافيا السياسية.
فالتصعيد في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل أعادا المخاوف من موجة تضخم جديدة، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
أما العامل الرابع فهو تراجع دور البنوك المركزية نفسها كمشترٍ ضخم للديون.
فخلال مرحلة التيسير الكمي، كانت البنوك المركزية تشتري السندات بكميات كبيرة، ما ساعد على خفض عوائدها.
اليوم، أصبح هذا الدعم أضعف بكثير أو تحول في بعض البلدان إلى الاتجاه المعاكس مع تقليص الميزانيات العمومية.
عودة “حراس السندات”
هذا التحول أعاد إلى الأسواق مصطلحاً قديماً: Bond Vigilantes أو “حراس سوق السندات”.
وهو وصف للمستثمرين الذين يعاقبون الحكومات التي يعتبرون سياساتها المالية غير منضبطة عن طريق بيع سنداتها والمطالبة بعائد أعلى لإقراضها.
فالحكومة تستطيع تحديد مقدار ما تريد إنفاقه، لكنها لا تستطيع إجبار السوق على إقراضها بالسعر الذي تريده.
وإذا فقد المستثمرون الثقة في قدرة دولة ما على ضبط دينها وعجزها، فإنهم يطالبون بفائدة أكبر.
ترتفع الفائدة، فتزداد تكلفة خدمة الدين.
وعندها يرتفع العجز أكثر، فتحتاج الحكومة إلى اقتراض إضافي.
ومن هنا قد تبدأ دائرة خطرة: دين أكبر يؤدي إلى فوائد أعلى، والفوائد الأعلى تؤدي إلى دين أكبر.
وهذا هو السيناريو الذي يثير مخاوف من الدخول في ما يسمى “حلقة الهلاك” المالية.
هل نحن أمام أزمة ديون عالمية؟
رغم الأرقام المقلقة، فإن الإجابة حتى الآن ليست نعم بشكل قاطع.
فالولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا لا تواجه حالياً أزمة سيولة تشبه أزمات الأسواق الناشئة، كما أن أسواق سنداتها ما تزال عميقة وقادرة على جذب المشترين.
بل إن بيع بريطانيا لسنداتها الثلاثينية بأعلى عائد منذ عقود جذب طلبات تجاوزت 87 مليار جنيه إسترليني مقابل إصدار بقيمة 4.25 مليارات فقط، ما يشير إلى أن المستثمرين ما زالوا مستعدين للإقراض عندما يكون السعر جذاباً.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، لا يرى جميع المحللين اقتراب عائد العشر سنوات من 5% دليلاً على أزمة.
فالنمو الاسمي للاقتصاد الأميركي لا يزال قوياً، والبطالة منخفضة نسبياً، كما أن ارتفاع العوائد قد يعكس جزئياً الطلب القوي على رأس المال بسبب طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وهذا يعني أن العائد المرتفع ليس في حد ذاته دليلاً على فقدان الثقة.
المشكلة تبدأ عندما يرتفع العائد بسبب خوف المستثمرين من قدرة الحكومة على إدارة ديونها بدلاً من قوة الاقتصاد.
الخطر الحقيقي في الموازنة
التحدي الأعمق ليس بالضرورة إفلاس الدول الكبرى، بل ما يسمى “مزاحمة الفائدة” لبقية الإنفاق.
فعندما تقفز مدفوعات الفوائد عشرات أو مئات المليارات، لا تستطيع الحكومة استخدام المبلغ نفسه مرتين.
وهذا يعني أن الأموال الموجهة لخدمة الدين لا تذهب إلى المستشفيات أو المدارس أو الجيوش أو الطرق أو التحول الصناعي.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن بريطانيا وفرنسا أصبحتا بالفعل تنفقان على خدمة الدين مبالغ تنافس أو تتجاوز في بعض المقارنات إنفاقهما الدفاعي.
ومع زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وارتفاع تكلفة الشيخوخة والرعاية الصحية، يصبح هذا التنافس على الموازنة أكثر حدة.
ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل؟
الحلول معروفة اقتصادياً لكنها صعبة سياسياً.
أولها خفض العجز عبر تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب.
لكن الناخبين يعارضون عادة برامج التقشف والضرائب المرتفعة، خصوصاً بعد سنوات من ارتفاع تكاليف المعيشة.
والحل الثاني هو تحقيق نمو اقتصادي أسرع.
فإذا نما الاقتصاد بوتيرة تفوق نمو الدين، تصبح نسبة الدين إلى الناتج أكثر قابلية للإدارة حتى من دون تخفيض حاد في الإنفاق.
ولهذا يراهن بعض الاقتصاديين على طفرة إنتاجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستثمارات التكنولوجية.
أما السيناريو الآخر فهو السماح للتضخم بتقليص القيمة الحقيقية للدين مع إبقاء أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة، وهي سياسة يشار إليها أحياناً باسم “القمع المالي”.
لكن استخدامها يحمل مخاطر واضحة على المدخرين والعملات والأسعار.
من يدفع الثمن؟
في النهاية، الدين الحكومي ليس مشكلة محاسبية بعيدة عن المواطن.
فعندما ترتفع عوائد السندات الحكومية، تنتقل التأثيرات عادة إلى الاقتصاد كله.
ترتفع فوائد الرهون العقارية وقروض الشركات.
وتزداد تكلفة تمويل الاستثمارات.
وتصبح السندات ذات العائد المرتفع منافساً أقوى للأسهم، ما قد يضغط على تقييمات أسواق المال.
كما يصبح تمويل عمليات الاستحواذ والمشاريع الكبرى أكثر تكلفة.
ولهذا فإن أزمة السندات، حتى إذا لم تتحول إلى أزمة سيادية صريحة، يمكن أن تعني نمواً اقتصادياً أبطأ وضغوطاً مالية أكبر على الحكومات والشركات والأسر معاً.
من عصر المال الرخيص إلى عصر ثمن الدين
ربما يكون التحول الأهم الذي تكشفه فاتورة التريليوني دولار هو انتهاء افتراض سيطر على العالم لنحو عقد ونصف: أن الحكومات تستطيع زيادة ديونها باستمرار طالما أن تكلفة الاقتراض منخفضة.
هذا العالم يتغير.
فاليابان تدفع أعلى عوائد منذ ثلاثة عقود، وبريطانيا تقترض طويل الأجل بأعلى تكلفة في سجلاتها الحديثة، والولايات المتحدة تقترب من عائد 5% على سنداتها لعشر سنوات، بينما يعيد المستثمرون تقييم مخاطر الديون الفرنسية.
لا يعني ذلك أن أزمة مالية عالمية أصبحت حتمية.
لكنه يعني أن الدين عاد ليصبح له ثمن سياسي واقتصادي حقيقي.
والاختبار المقبل لن يكون فقط قدرة الحكومات على العثور على مشترين لسنداتها، بل قدرتها على إقناع الناخبين والأسواق معاً بأنها تستطيع تمويل الدفاع والرعاية الاجتماعية والاستثمار والنمو، من دون أن تبتلع فوائد الديون جزءاً متزايداً من ميزانياتها عاماً بعد عام.
وهنا ربما يبدأ عصر جديد في الاقتصاد العالمي: ليس عصر نقص المال، بل عصر أصبح فيه المال الحكومي غالياً مرة أخرى.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




